7. اشتهار العدالة والضبط: لذلك قدمت رواية حسن العقيدة على المبتدع، وقدم العدل المختبر على مقابله، والعدل بالتزكية الصريحة على غيره، والعدل بالعمل بمروياته على ضده، والعدل بكثرة المزكين على نظيره، وقدم الأضبط بكثرة عدد، أو حفظ، أو كتاب أو قلة الشذوذ في مروياته(1).
8. القرب من النبي صلى الله عليه وسلم: ولذلك قدمت روايات أزواجه رضي الله عنهن على غيرهن فيما لا يطلع عليه غيرهن غالباً من شأنه صلى الله عليه وسلم. وقدمت رواية ابن عمر رضي الله عنهما في الإفراد على غيره؛ لأنه كان آخذاً بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
9. عدم اختلاف الرواية عن الراوي: إذ الاختلاف دليل قلة الضبط وعكسه عكسه، ولذلك قدمت رواية من روى عدم الاستئناف في فريضة الإبل بعد مائة وعشرين على القاضية بالاستئناف.
ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فإذا زادتْ على عشرينَ ومئةٍ ففي كلِّ خمسين حِقَّةٌ وفي كلِّ أربعينَ ابنةُ لبونٍ) أخرجه أبو داود 2/ 224 وغيره وله شواهد كحديث أنس في البخاري 3/ 317 وغيره. ورواه عمرو بن حزم، وعلي كرواية ابن عمر رضي الله عنهما وفي إحدى روايتيه خلافها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا زادت الإبل على عشرين ومائة استؤنفت الفريضة)(2). أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 125، وغيره وحسنه الحافظ في الدراية 1/ 151 وقال: "إلا أنه اختلف فيه على أبي اسحاق".
10. أن يكون متأخر الإسلام، فيرجح على غيره؛ لأنه أقل احتمالاً للنسخ، ولذلك--------------------------------------------
(1) انظر البحر المحيط 4/ 458 وما بعدها.
(2) ومعنى استئناف الفريضة أن يعاد الحساب بعد مائة وعشرين فيما زاد من أول الفرائض ففي خمس إبل تزيد شاه وفي عشر شاتان وهكذا وهذا مذهب الحنفية خلافاً للأئمة الثلاثة: انظر بداية المجتهد 2/ 87.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 254)
رجح حديث جرير في المسح على الخفين، لإسلامه بعد نزول المائدة، وحديث بسرة في مس الذكر على حديث طلق؛ لأنه أعنى حديث طلق قصته أثناء بناء المسجد.
فهذه نبذة من المرجحات الراجعة إلى الإسناد.
ثانياً: المرجحات الراجعة إلى المتن: وهي كثيرة منها (1):
1 - أن يكون أحدهما إثباتاً والآخر نفياً، فيقدم الإثبات، لأن معه زيادة علم.
كترجيح حديث بلال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل البيت فصلى فيه) على حديث: (أنه دخل البيت ولم يصل فيه)
2 - أن يكون أحدهما ناقلاً عن أصل البراءة والآخر مبق، فيقدم الناقل: كترجيح حديث نقض الوضوء من مس الذكر على عدمه.
3 - أن يكون في أحدهما احتياط؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)(2)، وهو من أصول الإسلام، كترجيح حديث: (فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)، على رواية: (فاقدروا له).
فإن العمل بهذه الأخيرة على أحد تأويلاتها يدخل في صوم يوم الشك المنصوص صراحة على تحريم صومه، بخلاف الأولى من صراحتها.
4 - تقديم الحاضر على المبيح: كمنع المحرم من النكاح على حديث ابن عباس رضي الله عنهما المفيد للجواز.
5 - تقديم الوارد على سبب على غير الوارد على سبب، نحو تقديم حديث:--------------------------------------------
(1) انظر البحر المحيط 4/ 458 وما بعدها. واللمع للشيرازي ص 177 وما بعدها، ومفتاح الوصول ص 637 وما بعدها.
(2) أخرجه الترمذي في سننه، برقم: (2518)، وأحمد في مسنده برقم: (1723) واللفظ لهما، والنسائي في سننه برقم: (5711) مختصراً، وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 255)
"مر النبي صلى الله عليه وسلم بشاة ميمونة فقال: (هلا أخذتم أهابها فدبغتموه فانتفعتم به)، فقالت: إنها ميتة، فقال: (إنما حرم أكلها). وفي رواية: (أيما إهاب دبغ فقد طهر)، على حديث: (لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)؛ لأن الأول وارد على سبب، بخلاف الآخر لذلك طرأ عليه الاحتمال.
6 - أن يكون أحدهما قصد به الحكم والآخر ليس كذلك، كحديث المواقيت الصريحة تقدم على حديث إنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى الحديث.
7 - تقديم ما دل بالمنطوق والمفهوم على الحكم على ما دل على أحدهما، كتقديم حديث جابر في الشفعة عند البخاري (3/ 79): (جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفعة في كل مال لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة)(1). فقد دل أولا بمنطوقه على أن الشفعة فيما لم يقسم، ومفهومه أن ما قسم لا شفعة فيه، وهو ما ورد منطوقا في الحديث.
أما حديث الجار أحق بصقبه في البخاري فدل بمنطوقه فقط.
8 - تقديم المنطوق على المفهوم: كتقديم منطوق حديث: (الماء طهور) على مفهوم حديث: (القلتين).
9 - أن يكون أحدهما قولاً وفعلاً والآخر أحدهما.
10 - أن يكون أحدهما قولاً والآخر فعلاً، كتقديم حديث النهي عن استقبال القبلة واستدبارها حال الغائط على حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم مستدبرا الكعبة. وبالجملة فطرق الترجيح لا تنحصر وضابطها كل ما دل على زيادة ظن بضبط الرواية. والله تعالى أعلم.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، برقم (2213).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 256)
الإجماع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 257)
وأما الإجماع فهو اتفاق علماء أهل العصر على حكم الحادثة فلا يعتبر وفاق العوام لهم. ونعني بالعلماء الفقهاء فلا يعتبر موافقة الأصوليين لهم.
ونعني بالحادثة الحادثة الشرعية، لأنها محل نظر الفقهاء بخلاف اللغوية مثلاً، فإنما يجمع فيها علماء اللغة.
[الشرح والإيضاح]
تعريف الإجماع وشرحه ومحترزاته في مسائل عشر:
قوله: "وأما الإجماع فهو اتفاق … الخ: يتعلق بكلامه مسائل:
الأولى: في تعريف الإجماع لغة (1): يأتي بمعنى: الاتفاق، ولعل هذا هو السر في ترك الشارح تعريفه لغةً، كما أنه بمعنى: العزم، ومنه قوله تعالى: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ}. [يونس: 71].
الثانية: قوله اتفاق علماء العصر
المقصود بالعالم هنا المجتهد:
أفلا عبرة بمن لم يبلغ درجة الاجتهاد من أهل العلم، فهذا أحد محترزات التعريف.
ب وخرج به بالأولى "العامة" فلا يعتد بإجماعهم ولا بخلافهم"(2)، وهذا هو--------------------------------------------
(1) انظر القاموس 3/ 15، مختار الصحاح ص 126، مادة جمع، ولسان العرب 2/ 358، وتاج العروس 11/ 75.
(2) انظر القواطع لأبن السمعاني 3/ 161، والبحر المحيط 4/ 464، وشرح الكوكب المنير 2/ 224، وأصول السرخسي 1/ 313، والتحبير شرح التحرير ص 1551، وقال قوم: معتبرٌ وآخرون في المسائل العامة المشتهرة كمسائل فرضية الصلاة … وهذا كله باطل إذا لم يعرف ذلك إلا بواسطة أهل العلم فقد أدركنا في بعض مناطق في بلاد الإسلام من يعتقد عدم فرضية الصلاة والصوم على النساء ولا الحجاب " من العوام فكيف يعتقد بإجماعهم بل سمعت من العوام من لايقول بحرمة الزنا والعياذ بالله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 259)
الصحيح المعتمد عند جميع العلماء ومن نسب إليه خلافه فهو غلط من ناقله، كما نسب إلى ابن السمعاني مع أنه ينكر هذا ويبطله، أو شذوذ لا يعد في مسائل العلم لظهور بطلانه، إذ يلزم تعذر الإجماع بالمرة ولذلك لم يقل بهذا القول أحد من السلف.
الثالثة: يشترط فيمن يعتد بقوله في الإجماع مع الاجتهاد: العدالة عند الأكثر.
قال ابن برهان: هو قول كافة الفقهاء والمتكلمين(1) يعني المعظم، والأكثر(2).
وعلة ذلك أن الفاسق قد يتلاعب بالدين فلا عبرة بقوله، ولذلك انعقد إجماع العلماء على الحجر على المفتي الماجن، وحرمة استفتائه وإفتائه.
ومقتضى هذا الإجماع يجب أن يطرد في عدم اعتبار قوله في خلاف ولا إجماع.
وهذا كله إذا كان فسقه بغير تأويل أما بتأويل فمعتبر كالعدل(3)، وفرّق البعض بين فاسق بَّين مأخذه وكان صالحاً للأخذ به فيعتبر وإلا فلا(4)، قال ابن السمعاني: ولا بأس بهذا القول(5).
ويدل للمسألة قوله تعالى: {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} [لقمان: 15]، وقوله: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 115]، "فالمأمور باتباعه منهم المؤمنون ومن أناب إلى الله تعالى، دون أهل الضلال والفاسقين"(6).
الرابعة: قوله الاتفاق: خرج به ما إذا خالف الواحد، أو الإثنان فلا يعتبر إجماعاً.--------------------------------------------
(1) انظر الوصول إلى الأصول 2/ 86.
(2) انظر التحبير شرح التحرير ص 1560.
(3) المصدر نفسه ص 1561.
(4) المصدر نفسه ص 1561.
(5) القواطع 3/ 1065.
(6) أصول الجصاص 3/ 257
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 260)
لأن "العصمة إنما تثبت بإجماع علماء الأمة للأمة بكليتها، وليس هذا إجماع الجميع بل هو مختلف فيه، وقد قال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى: 10] "(1).
والاتفاق إما في الاعتقاد، أو القول، أو الفعل، وما في معناه من التقرير والسكوت"(2)، وخرج به كذلك: اتفاق أهل المدينة أو الحرمين أو المصرين البصرة والكوفة أو أهل البيت، فجميع هؤلاء بعض علماء الأمة، والمعتبر في الإجماع الكل.
الخامسة: المقصود بالعصر لحظة الاتفاق، فمن وجد من العلماء المجتهدين لحظة الاتفاق فهو داخل فيمن يعتد بهم؛ حتى لا يتوهم لزوم انعقاد الإجماع إلى آخر الزمان، وأنه لا يتم إلا باتفاق مجتهدي جميع الأمصار إلى يوم القيامة(3).
السادسة: قوله على حكم الحادثة أي: الشرعية، إذ لا مدخل لاجتهاد المجتهدين من علماء الشريعة إلا في مسائل الشرع حلالاً وحراماً، فلا يعتبر إجماع الفقهاء على مسألة غير شرعية: كالطب، والهندسة، والنحو، والكلام وغير هذا إلا فيما يتعلق بالجانب الشرعي من هذه المسائل ونحوها.
السابعة: وقوله نعني بالعلماء الفقهاء: فلا يعتبر موافقة الأصوليين لهم؛ وتعليله أنهم ليسوا من أهل الاجتهاد في الأحكام الشرعية، فهم عوام بالإضافة إلى المجتهدين(4)؛ لأن نظر الأصولي غير نظر الفقيه.
وإنما ذُكر إخراج الأصولي دون غيره- تمثيلاً-؛ ولأنه إذا لم يعتبر هو فغيره أولى بعدم الاعتبار، لذلك يخرج "من عرف الحديث فقط، أو اللغة، أو علم الكلام ونحوه كعلم--------------------------------------------
(1) المستصفى 1/ 186، خلافاً عما نقل عن ابن جرير وأبي الحسين المعتزلي، والجصاص انظر شرح بن الفركاح ص 244.
(2) شرح بن قاوان على الورقات المسمى التحقيقات ص 402، وانظر التحبير ص 1522 وما بعدها.
(3) البزدوي 3/ 424، والسعد في التلويح على التوضيح 2/ 51.
(4) انظر شرح بن الفركاح ص 246.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)
العربية، والمعاني والبيان، والتصريف؛ لأنه من جملة المقلدين فلا تعتبر مخالفتهم"(1).
الثامنة: ويؤخذ من قوله "علماء أهل العصر":
عدم الاعتداد بقول المجتهد الواحد أو فعله مثلاً إذا لم يكن في العصر غيره؛ لانتفاء الاتفاق عنه، فإنه لا يتصور من أقل من اثنين فلا يكون إجماعاً.
وهل يحتج به؟ قولان حكاهما الآمدي وابن الحاجب من غير ترجيح، وصرح الإمام الرازي وأتباعه بأنه حجة، واختار في جمع الجوامع أنه غير حجة، وعلى أنه حجة: لو تغير اجتهاده قال الأسنوي: ففي الأخذ بالثاني نظر يحتاج إلى تأمل، وكذلك لو حدث مجتهد آخر وأداه اجتهاده إلى خلافه انتهى(2).
ومما يدل على هذا أن الإجماع هو في اللغة: ما اتفق عليه اثنان فصاعداً، وهو الاتفاق، وهو حينئذ مضاف إلى من أجمع عليه"(3).
فلا يشترط حينئذ بلوغ المجمعين حد التواتر، بل لو لم يوجد غير اثنين لكفى(4) بخلاف الواحد فلا يعتبر، "وكذلك إجماع العوام عند خلو الزمان من المجتهد لا عبرة به"(5).
التاسعة: شمل قوله "علماء أهل العصر" الذكور، والإناث فـ"من بلغ من النساء والعبيد مبلغ الاجتهاد فإنه يعتد بخلافه ولا ينعقد الإجماع مع خلافه، والرق والأنوثة لا يؤثران في اعتبار الخلاف كما لا يؤثران في قبول الرواية والفتوى"(6).--------------------------------------------
(1) التحبير ص 1555، وانظر شرح بن قاسم 2/ 358.
(2) انظر شرح بن قاسم 2/ 358، والآمدي 1/ 360، وابن الحاجب 2/ 36، والمحصول 2/ 93، والآيات البينات 3/ 294، ونهاية السول 2/ 276.
(3) الأحكام لابن حزم 1/ 47،
(4) انظر تيسير التحرير 3/ 235، والمستصفى 1/ 188، والجمع مع البينات 2/ 181، وسلاسل الذهب ص 341، وروضة الناظر 1/ 346، وإرشاد الفحول ص 89.
(5) البحر المحيط 4/ 465.
(6) المصدر نفسه 4/ 475.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)
العاشرة: أما البلوغ فاشتراط العدالة مغن عن ذكره، إذ لا يوصف به صبي في الاعتبار الشرعي ولو وصف به عرفاً، إذ العدل إذا أطلق في الشريعة فالمقصود به المكلف البالغ المجتنب لمقتضيات الفسق وخوارم المروءة، كارتكاب كبيرة أو إصرار على صغيرة أومخالفة مقتضيات المروءة. هذا ما ظهر لي والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)
وإجماع هذه الأمة حجة دون غيرها لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) رواه الترمذي وغيره.
والشرع ورد بعصمة هذه الأمة لهذا الحديث ونحوه
والإجماع حجة على العصر الثاني ومن بعده وفي أي عصر كان من عصر الصحابة ومن بعدهم.
[الشرح والإيضاح]
حجية الإجماع وفيه مسائل:
قوله: وإجماع هذه الأمة حجة دون غيرها.
انفراد هذه الأمة الإسلامية بهذه المزية مما توافرت وتظافرت عليه أدلة الكتاب والسنة المحصلة للناظر العلم القطعي بهذا، بخلاف غيرها من الأمم: فقد أجمعت النصارى على أن المسيح ابن الله، واليهود على أن عزيراً ابن الله، وكله باطل وضلال، على أنهم لم يجمعوا بالمعنى المصطلح عليه حقيقةً وإنما الكثرة.
ومن الأدلة على هذا قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى قد أجار أمتي أن تجتمع على ضلالة)(1)، وهو حديث ثابت مشهور له طرق كثيرة، استدل به العلماء جيلاً بعد جيل على عصمة هذه الأمة بمجموعها عن الخطأ والضلال.
ومن الأدلة قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143]، والوسط العدول، فلو أمكن اجتماعهم على ضلال لبطلت شهادتهم على غيرهم، ومنه قوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]، وقوله: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ} [التوبة: 100]، فلو كان يرضى عن طريق غير طريقة المتبعين المقتفين لهم بإحسان--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة، برقم (82)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزياداته برقم (1786).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)
لما كان للآية معنى، فدل أن إجماعهم معصوم، {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108]، والشاهد فيه: ومن اتبعني، فأمته هي المتبعة له وهي على بصيرة، ولو جاز إجماعهم على ضلال لكانوا على غير بصيرة.
وقوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} [الفاتحة: 6، 7]، فالأمة على الصراط المستقيم وغيرها على ضلال وغضب، ولو جاز اجتماعهم على ضلال فلا مزية لهم حينئذ، وتصير الآية عبثاً وهو باطل.
وقوله: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]، وسبيل المؤمنين هو ما أجمعوا عليه لعدم اجتماعهم على ضلالة.
ومن الأحاديث كل ما دل على لزوم الجماعة، وعدم الشذوذ عنها، والخروج عليها وهي كثيرة جداً بالغة حد التواتر، ولو لم يكن فيها دلالة على أن جماعتهم على الهدى لما كان للوعيد الشديد لمن شذ عنهم أو شاقهم أو خرج على جماعتهم كبير معنى؛ لاحتمال أنه هو على الهدى ولأدى إلى التناقض.
إذا تبين هذا وهي:
المسألة الثانية: فالإجماع حجة شرعية يجب العمل به على كل مسلم، خلافاً للشيعة والخوارج والنظّام من المعتزلة"(1).
والمقصود بالشيعة أي: الإمامية، أما الزيدية فهم قائلون به، جاء في هداية العقول للحسين بن القاسم: "وهو حجة شرعية عند أكثر المسلمين خلافاً للنظام وبعض الخوارج، والإمامة، وإن حكي عنهم الوفاق على أنه حجة، فليس لكونه إجماعاً بل--------------------------------------------
(1) الأحكام للآمدي 1/ 286، وانظر الأحكام لابن حزم 4/ 128.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)
لاشتماله على قول الإمام المعصوم"(1).
الثالثة: الإجماع حجة شرعية كان من الصحابة، أم من بعدهم من التابعين في كل عصر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وزعم داود اقتصاره على الصحابة دون غيرهم، وخالفه ابن حزم، والأئمة الأربعة، وأصحابهم، وسائر العلماء من مختلف المذاهب(2).--------------------------------------------
(1) ج 1/ 497 - 498، وفي حاشيته قال الديلمي وسبب منعهم حجيته الإجماع أن قواعد اعتقادهم أكثرها تخالف الإجماع وعرفوا أنهم لو قالوا به لزمهم حجة الإجماع فنفوا كونه حجة ليكونوا مطلقين في الأحكام أ. هـ.
(2) انظر: الرسالة للشافعي ص 39، 508، والأصول للشاشي ص 287، وأصول الجصاص 3/ 257، والشيرازي في التصبرة ص 359، والآمدي في الأحكام 1/ 286، والأرموي في التحصيل 2/ 84، وكشف الأسرار للبزدوي 3/ 451.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 266)
ولا يشترط في حجيته انقراض العصر، بأن يموت أهله على الصحيح؛ لسكوت أدلة الحجية عنه.
وقيل يشترط، لجواز أن يطرأ لبعضهم ما يخالف اجتهاده فيرجع عنه.
وأجيب بأنه لا يجوز له الرجوع عنه، لإجماعهم عليه.
فإن قلنا انقراض العصر شرط، فيعتبر في انعقاد الإجماع قول من ولد في حياتهم وتفقه وصار من أهل الاجتهاد.
ولهم على هذا القول إن يرجعوا عن ذلك الحكم، الذي أدى اجتهادهم إليه.
[الشرح والإيضاح]
مسألة انقراض العصر في الاجماع
انقراض العصر معناه هنا: أنه إذا أجمع أهل عصر على قول فهل هذا القول يعد إجماعاً بمجرد انعقاده، أم أنه لا يثبت الإجماع ما دام أهله باقين حتى ينقرضوا جميعاً بالموت؛ لاحتمال رجوعهم حال حياتهم؟ الصحيح الذي عليه المذاهب: الحنفية، والمالكية، والشافعية،(1) والظاهرية،(2) وغيرهم(3) أنه ليس بشرط، بل يعد الإجماع حجة صحيحة بعد لحظة انعقاده، ولا يعتد بخلاف من خالف بعد ذلك؛ لأن الاجتهاد يعد سائغاً "ما لم يوجد نص أو إجماع، فإذا وجد نص أو إجماع سقط جواز الاجتهاد"(4).--------------------------------------------
(1) انظر تيسير التحرير 2/ 230. وفواتح الرحموت 2/ 224. والآيات البينات 3/ 294، 295، ومفتاح الأصول ص 743.
(2) انظر الأحكام لأبن حزم 4/ ص 558.
(3) انظر هداية العقول 1/ 567.
(4) أصول الجصاص 3/ 346.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)
بل لا يصح إجماع ينقض إجماعاً سابقاً صحيحاً في عين المسألة،(1) وإنما ضعف العلماء القول باشتراط الانقراض(2):
أ- لتعذر معرفته، مما يفضي إلى عدم القول بإجماع البتة.
ب- بعموم الأدلة على حجية الإجماع بلا تفصيل، فدل على عدم اشتراط انقراض العصر.
وهذا هو ما حمل ابن حزم على قوله: "وليت شعري متى يمكنه التطوف عليهم في آفاقهم، بل ألَاّ يزايلهم إلى أن يموتوا ومتى جمعوا له في صعيد واحد ما في الرعونة أكثر من هذا، ولا في الهزل والتدين بالباطل ما يفوق هذا، ونعوذ بالله العظيم من الضلال"(3).
أما ما احتج به من شرط انقراض العصر:
فرأي على في جواز بيع أمهات الأولاد، مع أن عمر والصحابة وفيهم علي رضي الله عنهم منعوا ذلك، ورد هذا بأنهم لم يجمعوا على ذلك، بل الخلاف منقول عن ابن مسعود وجابر وابن الزبير وابن عباس في رواية(4) فلم ينعقد إجماع إذاً.
وهو "إنما يدل على اتفاق جماعة عليه لا على أنه قول كل الأمة"(5)، ويدل له قول جابر بن عبدالله رضي الله عنه: "بعناهن على زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وشطر من ولاية عمر"(6). أخرجه أبو داود وابن ماجة وغيرهما.--------------------------------------------
(1) المعتمد للبصري ج 1/ 40.
(2) وهو قول أحمد وأكثر اصحابه وابن فورك وسليم وحكى عن الأشعري والمعتزلة (التحبير ص 1617)، والمنقول عن الأشعري والمعتزلة خلافه، هداية العقول 1/ 567.
(3) أصول الاحكام 4/ 560.
(4) هداية العقول 1/ 568.
(5) هداية العقول 1/ 568.
(6) أخرجه: أبو داود في السنن برقم (3954)، وابن ماجة في سننه برقم (2517).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)
وهكذا مخالفة عمر لأبي بكر في قسمة الفيء، ففضل عمر وسوّى أبوبكر كانت في زمن أبي بكر فلم ينعقد إجماعاً(1)، ومخالفة علي لهم في أن حد الخمر ثمانون فجعلها علي أربعين(2)؛ لأن عمر زاد تعزيراً لا عن إجماع(3). وإلى هذا الخلاف أشار بقوله:
"وقيل يشترط لجواز أن يطرأ لبعضهم ما يخالف اجتهاده فيرجع عنه".
الذي شرط انقراض العصر هو الإمام أحمد، وبه قال أكثر أصحابه، واختاره ابن فورك، وسليم الرازي(4)، وفي المسألة أقوال أخرى:
1 - يعتبر الانقراض للإجماع السكوتي؛ لضعفه دون غيره، اختاره الآمدي(5) وجماعة(6).
2 - ونقل عن الجويني أن الإجماع إذا كان عن قياس؛ اشترط له انقراض العصر وإلا فلا"(7).
3 - وقيل إن بقي عدد التواتر من المجمعين اشترط انقراض العصر وإلا فلا(8)، فيؤثر رجوع البعض في الحالة الأولى بخلاف الثانية فلا يؤثر.
4 - وقيل يعتبر انقراض العصر في إجماع الصحابة دون إجماع غيرهم، وهو ظاهر كلام الطبري"(9).--------------------------------------------
(1) انظر سنن البيهقي 6/ 348 - 230.
(2) أخرجه مسلم 2/ رقم 1331.
(3) الأحكام لابن حزم 4/ 565.
(4) انظر التمهيد لأبي الخطاب 3/ 3480، وشرح الكوكب المنير 2/ 246، والتحبير 4 ص 1617.
(5) الاحكام 1/ 366.
(6) أبو إسحاق الإسفرائيني وأبو الطيب الطبري البندينجي وأبو علي الجبائي كما في البحر المحيط 4/ 512، وروضة الناظر 1/ 367.
(7) انظر الغيث الهامع لابن العراقي 2/ 114، وخطأ ابن الحاجب في نقله هذا عن إمام الحرمين
(8) الغيث الهامع لابن العراقي 2/ 114.
(9) التحبير 4/ 1622.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
فتحصل في المسألة ستة أقوال كلها مضعفة إلا الأول
قوله: "وأجيب بأنه لا يجوز له الرجوع عنه لإجماعهم عليه".
وتعليله أن في رجوع المجتهد عن قول المجمعين مخالفة للإجماع وهو غير جائز، وللخصم أن يجيب قائلاً: لا أسلم أنه إجماع حتى يستقر بالانقراض، وعليه فرجوع المجتهد لا يعتبر مخالفة للإجماع، ورد بأن عدم التسليم بأنه إجماع مفض إلى عدم وقوع إجماع البتة وهو باطل. وإليه أشار بقوله: "فإن قلنا انقراض العصر شرط … الخ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)
والإجماع يصح بقولهم وبفعلهم؛ كأن يقولوا بجواز شيء أو يفعلوه، فيدل فعلهم له على جوازه لعصمتهم كما تقدم.
وبقول البعض وفعل البعض وانتشار ذلك القول أو الفعل وسكوت الباقين عنه، ويسمى ذلك: بالإجماع السكوتي.
[الشرح والإيضاح]
أقسام الإجماع:
1 - إجماع قولي: بأن يفتي به سائر أهل الاجتهاد بلا خلاف بينهم.
2 - إجماع فعلي: وهو أن يفعله أهل الاجتهاد باتفاق.
3 - أن يقول البعض، ويسكت الباقون، أو يفعله ويسكت الباقون وهذا ما يسمى بالإجماع السكوتي.
وفيه خلاف بين العلماء:
أفأكثر الحنفية، والمالكية، وأحمد وأصحابه، وحكي عن الشافعي وأكثر أصحابه: أن المجتهد إذا قال قولاً وانتشر ولم يُنكر: قبل استقرار المذاهب أنه إجماع(1).
ب المذهب الجديد للشافعي هو أنه لا ينسب إلى ساكت قول، فلا يعتبر السكوت إجماعاً ولا حجة، قال إمام الحرمين: إنه ظاهر المذهب … واختاره(2). وقال الغزالي: نص عليه في الجديد(3)، وقال الباقلاني: أنه آخر--------------------------------------------
(1) انظر تيسير التحرير 3/ 246، والمنخول ص 381، وشرح الكوكب المنير 2/ 252، والتمهيد 3/ 323، وإحكام الفصول للباجي ص 474، وشرح جمع الجوامع 2/ 189.
(2) البرهان 1/ 701.
(3) المنخول ص 318.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
أقوال الشافعي(1).
شروط الإجماع السكوتي عند القائلين به:
لقد شرط الذين ذهبوا إلى الإجماع السكوتي وحجيته شروطاً لاعتباره(2):
- الأول: أن يكون في المسائل التكليفية بخلاف ما ليس كذلك، نحو قولهم مثلاً: عمار أفضل من حذيفة.
- الثاني: ألا يكون هناك أمارة سخط، وإن لم يصرحوا به.
- الثالث: أن يمضي زمن يتسع للنظر من المجتهدين.
- الرابع: ألا ينكر ذلك مع طول الزمان.
- الخامس: أن يكون في محل الاجتهاد.
- السادس: أن يطلعوا على ذلك.
- السابع: أن يكون قبل استقرار المذاهب.
محترزات هذه الشروط، والغرض منها:
- أما الأول: فخرج به ما ليس من مسائل التكليف، إذ المجتهد لا يتكلم وجوباً عليه إلا فيها، فلا يعد سكوته في غيرها إقراراً بل فسيكون إعراضاً عن الخوض فيما لا طائل فيه لعده من الفضول.
- والثاني: ما إذا وجدت أمارة سخط، فإنه ليس بحجة بلا خلاف.
- وبالثالث: ما إذا لم يتسع الوقت لنظر المجتهد.--------------------------------------------
(1) انظر البحر المحيط 4/ 494.
(2) انظر التحبير 4 ص 2211 وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)
- وبالرابع: إن أنكر مع طول زمن؛ إذ الإنكار علامة على عدم الموافقة وإنما أخره لعلة.
- وبالخامس: خرجت الأمور الثابتة قطعاً، فالسكوت عمن أفتى بخلاها ليس دليلاً على موافقته، بل قد يعد استهجاناً له وإعراضاً عنه.
- وبالسادس: إن لم يطلعوا عليه.
- وبالسابع: ما كان بعد استقرار المذاهب، فلا أثر للسكوت قطعاً: كإفتاء مقلد سكت عنه المخالفون للعلم بمذهبهم ومذهبه، كحنبلي يفتي بنقض الوضوء بمس الذكر فلا يدل سكوت من يخالفه كالحنفية على موافقته. والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)
وقول الواحد من الصحابة ليس بحجة على غيره، على القول الجديد.
وفي القديم حجة لحديث: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)، وأجيب بضعفه.
[الشرح والإيضاح]
هل قول الصحابي حجة:
قول الصحابي الواحد إذا نُقل عنه: كفتوى أو قضاء ونحوه في حادثة شرعية، لم يرد فيها نص من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، ولم ينقل هذا القول عن أحد من الصحابة لا موافقة ولا خلافاً.
فهل هو حجة؟
المنصوص عن الشافعي في الرسالة هو أنه يذهب "إلى إتباع قولٍ واحد" قال: إذا لم أجد كتاباً ولا سنة ولا إجماعاً ولا شيئاً في معناه يحكم له بحكمه أو وجد معه قياس"، وقل ما يوجد من قول الواحد منهم لا يخالفه غيره من هذا"(1).
ونقل عنه أصحابه من نقله الجديد خلاف هذا، وهو الذي أوقع الاضطراب في تحرير مذهب الشافعي الجديد في الاحتجاج بقول الصحابي بشروطه المتقدمة، أما في القديم فهو قائل بحجيته وفاقاً لأبي حنيفة، وأكثر أصحابه، ومالك وأصحابه وأحمد وأصحابه.--------------------------------------------
(1) الرسالة ص 598.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)