قوله: "وأما الأدلة فيقدم الجلي منها على الخفي"، هذه قاعدة كلية جامعة مانعة تدخل في كل باب، إذ لابد للمجتهد من معرفة الجلي من الخفي في كل الأدلة.
والأدلة هي: القرآن والسنة والإجماع والقياس، وهذه القاعدة تدخل في جميعها، ففي القرآن الكريم يقدم الدليل الجلي على الخفي.
والجلي: شامل للنص والظاهر، والنص مقدم على الظاهر.
والخفي: كالمؤول بأنواع التأويل، من صرف عن الحقيقة إلى المجاز أو دعوى الإضمار أو التركيب أو دعوى التأكيد أو التقديم والتأخير أو دعوى الخصوص أو التقييد.
وقد قدمنا لك في بابها جميعها مع أمثلتها.
وجميع ما تقدم من الأبواب: في الأحكام السبعة، واللغات، والأمر والنهي، والعام والخاص، والمجمل والمبين، والنص، وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم وتقريراته وأقواله، والإجماع والقياس، والاستصحاب، والحظر والإباحة، كلها فيها جلي وخفي، فيقدم الجلي الواضح الدلالة على ما خفيت دلالته.
ففي الأحكام الخمسة: قدم الحظر على البقية؛ لأنه دفع مفسدة، وهي مقدمة على جلب مصلحة في الجملة، وقدم الندب على الإباحة؛ لأنه ناقل. وقدم الواجب على الندب. وقدمت الكراهة على الندب.
وفي اللغات: يقدم ما له معنى واحد على ما احتمل معان بالاشتراك، وتقدم الحقيقة على المجاز، ويقدم المقتضى على الإيماء والتنبيه، ويقدم الإيماء والتنبيه على المفهوم، ويقدم المنطوق على المفهوم. وهكذا ..
ويقدم مثبت من الأخبار على النافي إلا في الحدود فيقدم الدرء على الاثبات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 344)
وفي الأمر والنهي: يقدم النهي على الأمر؛ لأنه صريح مفيد للتكرار والدوام، ولأنه دفع مفسدة.
وفي العام: يقدم بعض الألفاظ على بعض، فيقدم العام بأدوات الشرط: كمن، وما، وأي، على العام بنفي الجنس؛ لأن الشرطي نص على التعليل. ويقدم العام على الخاص إلا عند التعارض فيقدم الخاص.
أما الإجماع: فبعض الأصوليين قدمه على الكتاب والسنة وهذا غلط، وقد حمله صاحب المذكرة على الإجماع القطعي المستند لنص،(1) وهذا مخالف لما صرّحوا به من أن الإجماع مقدم على الكتاب والسنة سواء القطعي القولي أو الآحادي القولي أو السكوتي المتواتر أو الآحادي.
جاء في مختصر التحرير: وهو أنواع، أحدها: الإجماع النطقي المتواتر وهو أعلاها، ثم يليه الإجماع النطقي الثابت بالآحاد، ثم يليه الإجماع السكوتي المتواتر، ثم يليه الإجماع السكوتي الثابت بالآحاد، فهذه الأنواع الأربعة كلها مقدمة على باقي الأدلة.(2)
وهكذا يقدم الإجماع القولي القاطع على غيره من السكوتي.
وأما في القياس: فيقدم الجلي على الخفي في جميع القياسات، وقد تقدم بيان الجلي والخفي في محله من القياس.
وأما في الاستصحاب: فيقدم الجلي وهو المجمع عليه، وهو النوع الأول من الاستصحاب وقد قدمناه في بابه.
قوله: "وذلك كالظاهر والمؤول، فيقدم اللفظ في معناه الحقيقي على معناه المجازي".--------------------------------------------
(1) مذكرة في أصول الفقه للشنقيطي (ص: 304).
(2) شرح الكوكب المنير (4/ 601)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 345)
الإشارة في قوله "ذلك" راجعة إلى الجلي على الخفي، أي: وذلك التقديم مثاله كالظاهر والمؤول، وتقديم الحقيقة على المجاز، وقد ضرب مثالين متعلقان بالألفاظ.
المسألة الثانية: خمس قواعد مستخلصة من كلام المصنف في ترتيب الأدلة.
القاعدة الأولى: يبدأ النظر في الكتاب والسنة.
وأغفل المصنف تقديم الإجماع على الكتاب والسنة كما فعل جمع من الأصوليين؛ لأنه مسلك ضعيف، إذ كيف يقدم الإجماع على نص الكتاب والسنة.
القاعدة الثانية: يقدم الموجب للعلم على الموجب للظن.
فعلى المجتهد البدء بالتواتر إن وجد، وإلا فالآحاد.
إلا في حالة أن يكون المتواتر عاما والآحاد خاصا فيخص به كما تقدم في تخصيص المتواتر بالآحاد.
القاعدة الثالثة: ويقدم النطق من الكتاب والسنة على الدليل الرابع في الرتبة وهو القياس.
فلا يلجأ إلى القياس مع الكتاب والسنن، أما إذا حصل تعارض بين القياس والمنقول من كتاب وسنة، فالقياس يرد ويسمى فاسد الإعتبار.
القاعدة الرابعة: يقدم القياس الجلي على الخفي.
القاعدة الخامسة: يقدم النطق من كتاب أو سنة على الاستصحاب.
وما تقدم في هذا الباب هو خاص بترتيب الأدلة، أما حالها عند التعارض فهو مبحث آخر تقدم في باب مستقل وقد تقدم في بابه.
وقد قسم الأصوليون ذلك إلى: ما كان التعارض بين منقولين أو معقولين أو منقول ومعقول.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 346)
أما المنقولين: فالترجيح بينهما يكون بالسند، والمتن، والخارج.
وأما المعقولين وهو القياس: فالترجيح راجع إلى الأصل، والفرع، والخارج.
وأما بين منقول ومعقول: أي بين الكتاب والسنة والقياس، فالمقدّم هو النطق من كتاب أوسنة. إلا أن يكون النطق عاما كما قال المصنف.
قوله القياس الجلي على الخفي.
القياس الجلي: منه ما قطع فيه بإلغاء الفارق، أو كان احتمال الفارق ضعيفاً، وتقدمت أنواعه.
والقياس الخفي: منه ما كان احتمال تأثير الفارق فيه قوياً، ومنه تفريق أبي حنيفة بين القتل بالمثقل والمحدد، فأوجب القصاص في الثاني دون الأول.
والفرق أن المثقل أصل وضعه للتأديب، لا للقتل وهذه شبهة تدرأ الحد.
ورد هذا بأن احتمال قوة الفرق لا يمنع إلغاءه لاعتبار آخر كما هنا، فإن إزهاق المهجة هو المعتبر مع ما يقتل غالباً.
قوله: "فإن وجد في النطق من كتاب وسنة" أي: وما هو راجع إليهما: كالإجماع والقياس والمفهوم، فإن هذه إذا وجدت لم يلجأ إلى الاستصحاب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 347)
شروط المفتي والمستفتي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 349)
ومن شرط المفتي وهو المجتهد أن يكون عالماً بالفقه أصلاً وفرعاً، خلافاً ومذهباً، أي بمسائل الفقه، وقواعده وفروعه، وبما فيها من الخلاف، ليذهب إلى قول منه ولا يخالفه، بأن يحدث قولاً آخر، لاستلزام اتفاق من قبله بعدم ذهابهم إليه على نفيه.
وأن يكون كامل الآلة في الاجتهاد عارفاً بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام من النحو واللغة ومعرفة الرجال الراوين للأخبار؛ ليأخذ برواية المقبول منهم دون المجروح.
وتفسير الآيات الواردة في الأحكام والأخبار الواردة فيها ليوافق ذلك في اجتهاده ولا يخالفه، وما ذكره من قوله عارفاً إلى آخره من جملة آلة الاجتهاد.
ومنها معرفته بقواعد الأصول وغير ذلك.
ومن شرط المستفتي أن يكون من أهل التقليد، فيقلد المفتي في الفتيا.
فإن لم يكن الشخص من أهل التقليد بأن كان من أهل الاجتهاد، فليس له أن يستفتي كما قال، وليس للعالم أي: المجتهد أن يقلد لتمكنه من الاجتهاد.
والتقليد: قبول قول القائل بلا حجة يذكرها، فعلى هذا قبول قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يذكره من الأحكام يسمى تقليداً.
ومنهم من قال: التقليد قبول قول القائل وأنت لا تدري من أين قاله، أي لا تعلم مأخذه في ذلك.
فإن قلنا إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بالقياس، …
بأن يجتهد فيجوز أن يسمى قبول قوله تقليداً، لاحتمال أن يكون عن اجتهاد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 351)
وإن قلنا إنه لا يجتهد وإنما يقول عن وحي: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}، فلا يسمى قبول قوله تقليداً، لاستناده إلى الوحي.
[الشرح والإيضاح]
قوله: ومن شرط المفتي وهو المجتهد.
أتى بمن التبعيضية؛ لأنه لم يتقص شروط المفتي،(1)
وإنما ذكر هنا شرطاً وحداً وهو--------------------------------------------
(1) روضة الطالبين وعمدة المفتين (11/ 95) وللنووي هنا كلام نفيس أنقله بكاملة لأهميته قال:
وإنما يحصل أهلية الاجتهاد لمن علم أمورا أحدها كتاب الله تعالى، ولا يشترط العلم بجميعه، بل مما يتعلق بالأحكام، ولا يشترط حفظه عن ظهر القلب، ومن الأصحاب من ينازع ظاهر كلامه فيه. الثاني: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا جميعها، بل ما يتعلق منها بالأحكام، ويشترط أن يعرف منها العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والناسخ والمنسوخ، ومن السنة المتواتر والآحاد، والمرسل والمتصل، وحال الرواة جرحا وتعديلا. الثالث: أقاويل علماء الصحابة ومن بعدهم رضي الله عنه إجماعا واختلافا. الرابع: القياس فيعرف جليه وخفيه، وتمييز الصحيح من الفاسد. الخامس: لسان العرب لغة وإعرابا؛ لأن الشرع ورد بالعربية وبهذه الجهة يعرف عموم اللفظ وخصوصه وإطلاقه وتقييده، وإجماله وبيانه. قال أصحابنا: ولا يشترط التبحر في هذه العلوم، بل يكفي معرفة جمل منها، وزاد الغزالي تخفيفات ذكرها في أصول الفقه منها: أنه لا حاجة إلى تتبع الأحاديث على تفرقها وانتشارها، بل يكفي أن يكون له أصل مصحح وقعت العناية فيه بجميع أحاديث الأحكام كسنن أبي داود، ويكفي أن يعرف مواقع كل باب، فيراجعه إذا احتاج إلى العمل بذلك الباب.
قلت: لا يصح التمثيل بسنن أبي داود فإنه لم يستوعب الصحيح من أحاديث الأحكام ولا معظمه، وذلك ظاهر، بل معرفته ضرورية لمن له أدنى اطلاع. وكم في صحيح البخاري ومسلم من حديث حكمي ليس في سنن أبي داود. وأما ما في كتابي الترمذي والنسائي وغيرهما من الكتب المعتمدة فكثرته وشهرته غنية عن التصريح بها. - والله أعلم -.
ومنها: أنه لا يشترط ضبط جميع مواضع الإجماع والاختلاف بل يكفي أن يعرف في المسألة التي يفتي فيها أن قوله لا يخالف الإجماع، بأن يعلم أنه وافق بعض المتقدمين، أو يغلب على ظنه أن المسألة لم يتكلم فيها الأولون بل تولدت في عصره، وعلى قياس معرفة الناسخ والمنسوخ. ومنها: أن كل حديث أجمع السلف على قبوله أو تواترت عدالة رواته فلا حاجة إلى البحث عن عدالة رواته، وما عدا ذلك ينبغي أن يكتفي في عدالة رواته بتعديل إمام مشهور عرفت صحة مذهبه في الجرح والتعديل.
قلت: هذه المسألة مما أطبق جمهور الأصحاب عليه، وشذ من شرط في التعديل اثنين، وقوله: تواترت عدالة رواته يعني مع ضبطهم. ولو قال: أهلية رواته كان أولى ليشمل العدالة والضبط. وقوله: أجمع السلف على قبوله يعني على العمل به، ولا يكفي عملهم على وفقه، فقد يعملون على وفقه بغيره. - والله أعلم -.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 352)
الاجتهاد، ثم بين أن هذا الشرط يشتمل على: العلم بالفقه، ولابد أن يكون علمه بالفقه أصلا وفرعا، خلافا ومذهبا.
وأصلا هنا تشمل الأول: علمه بأصول الفقه وقواعده، وعلمه بأصول المسائل الفقهية من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وعلمه بمسائل الفقه الكبرى في كل باب؛ لأنها أصول الأبواب.
وأما قوله: "وفرعا"، فمعناه علمه بفروع المسائل.
وأما قوله: "وخلافا"، فمعناه اطّلاعه على الخلاف الفقهي ومحله، وبالضرورة على الاجماع؛ لأن من اطلع على محلات الخلاف علم مواطن الإجماع.
ومعنى قوله: "مذهبا"، علمه بفقه المذهب.
وإنما شرط فيه ذلك؛ لأن معرفته بالخلاف تطلعه على أدلة كل فريق، ومناهجهم في الاستدلال وتقرير المسائل، وهذا يفيده في تحرير المسألة ومحل النزاع فيها، ومعرفة الحق فيها.
ويستفيد معرفة مواطن الإجماع فيعمل به ولا يخرقه إن كان صحيحا.
هل يجوز الخروج عن الخلاف السابق المستقر وإحداث قول آخر.
قوله: "ليذهب إلى قول منه ولا يخالفه، بأن يحدث قولاً آخر؛ لاستلزام اتفاق من قبله بعدم ذهابهم إليه على نفيه".
المسألة من حيث هي أعني هل يجوز إحداث قول ثالث بعد القولين أو قول آخر بعد انحصار الخلاف في أقوال، وبتتبع كلام أهل الأصول فيها تبين أن هذه المسألة فيها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 353)
ثلاثة مذاهب:(1)
الأول: المنع مطلقا؛ لأنه خرق للإجماع على عدم قول آخر.
وهذا ما ذهب إليه الجمهور: منهم عامة الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة.
قال في البحر: وهذا وهو قول الجمهور، وقال إلكيا: إنه الصحيح وبه الفتوى، وقال ابن برهان: إنه مذهبنا، وجزم به القفال الشاشي في كتابه، والقاضي أبو الطيب، وكذا الروياني، والصيرفي، … وهو مذهب عامة الفقهاء، ونص عليه الشافعي.
القول الثاني: الجواز مطلقا، وهو قول لبعض الحنفية، كذا نقلوا عن الحنفية لكن بالرجوع إلى مصادر الحنفية تبين أنهم متفقون على المنع من إحداث قول ثالث بعد اختلاف الصحابة، أما غير الصحابة فذهب البعض إلى المنع، والآخرون إلى الجواز، والجواز منقول كذلك عن داود، وأنكر ذلك النقل ابن حزم.
القول الثالث: التفصيل، وهو إحداث قول فيه اشتراك مع القولين، قال في البحر المحيط: "وهو الحق عند المتأخرين أن الثالث إن لزم منه رفع ما أجمعوا عليه لم يجز إحداثه، وإلا جاز، وكلام الشافعي في الرسالة.
قلت: ودليل الجواز فعل التابعين مع الصحابة، ومثال هذه المسألة مسألة الحرام، وهي: إذا قال لزوجته أنت عليّ حرام، فإن الصحابة اختلفوا في هذه المسألة على خمسة أقاويل، وأحدث مسروق قولاً سادساً، وقال لا أبالي أحرم امرأتي أم قصعة من ثريد. يعني أنه ليس بشيء.--------------------------------------------
(1) انظر قواطع الأدلة في الأصول (1/ 488) البحر المحيط في أصول الفقه (6/ 518) التحبير شرح التحرير (4/ 1642) تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول (2/ 273) تشنيف المسامع بجمع الجوامع (3/ 137) الفائق في أصول الفقه (2/ 122) تيسير الوصول إلى منهاج الأصول لابن إمام الكاملية (5/ 91) المعتمد (2/ 44) العدة في أصول الفقه (4/ 1113) التبصرة في أصول الفقه للشيرازي (ص: 387) التلخيص في أصول الفقه (3/ 90) المستصفى (ص: 154) المحصول لابن العربي (ص: 123) المحصول للرازي (4/ 128) روضة الناظر وجنة المناظر (1/ 431) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (1/ 268) المسودة في أصول الفقه (ص: 326) شرح مختصر الروضة (3/ 89) كشف الأسرار شرح أصول البزدوي (3/ 235) نشر البنود على مراقي السعود (2/ 92).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 354)
وكذلك أحدث ابن سيرين قولاً ثالثاً في مسألة زوجة وأبوين، وزوج وأبوين، فذهب ابن عباس إلى أن لها ثلث الجميع في المسألتين، وذهب الصحابة إلى أن لها ثلث الباقي في المسألتين، وفصل ابن سيرين، فقال: بثلث المال للأم في مسألة زوجة وأبوين، وقال: بثلث الباقي للأم في مسألة زوج وأبوين، ولم ينكر عليه أحد.
وكذلك قال الصحابة: أن الجد مع الأخوة إما يسقطهم أو يقاسمهم، وجاء ابن حزم فقال: الجد ساقط بالأخوة.
وقال أحمد في مسألة قراءة الجنب للقرآن: بأن له أن يقرأ بعض الآية، مع أن الصحابة قالوا بقولين فقط هو المنع مطلقا، والجواز مطلقا، وهكذا فعل مالك، ومنهم من أجاز للحائض لا للجنب، ولم ينكر عليهم.
مسائل مشابهة لهذه المسألة نذكرها تتميما للفائدة.(1)
1_ أما إحداث تفصيل بعد قولين تقدما، أحدهما نفيا والآخر إثباتا، فهذا جائز عند الأكثر من العلماء.
2_ وكذلك إحداث دليل آخر جائز عند الأكثر؛ لأن من سبق غير متعبد باستيعاب الأدلة في المسألة، بل يكتفي بواحد.
3_ وكذلك إحداث تأويل آخر ليس فيه إبطال ما تقدم، جوزه الجمهور.
4_ أما الإجماع من المتأخرين على أحد القولين أو الأقوال المتقدمة فليس إجماعا عند الجمهور؛ لأن الأقوال لا تموت بموت أصحابها كما قال الشافعي، وقال أكثر الحنفية أنه إجماع، وثمَّ أقوال أخرى.
قوله: وأن يكون كامل الآلة في الاجتهاد، عارفاً بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام.--------------------------------------------
(1) انظر التحبير شرح التحرير (4/ 1642) وغيره مما سبق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 355)
ذكر ستة أمور تُشترط للمجتهد إضافة للعلم بالفقه أصلاً، وفرعاً، وخلافاً، ومذهباً:
1_معرفة بما يحتاج له من النحو.
2_ معرفة ما يحتاج له من اللغة.
3_ معرفة الرجال.
4_ معرفة آيات الأحكام وتفسيرها.
5_ العلم بأحاديث الأحكام وما تحويه من الأحكام.
6_قواعد الأصول.
قوله: عارفاً بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام من النحو واللغة.
معرفة لغة العرب؛ لأن الشرع نزل بها فمن لم يعرفها لا يكون مجتهداً، والناس هنا قسمان:
- قسم لا يعرف لسان العرب نطقاً فضلاً عن معرفة بلاغته، ونحوه، وصرفه، ومفرداته، فهذا الواجب الأول عليه تعلم نطقها، ومن ثم معرفة ألفاظها وقواعدها.
- وقسم عارف بها كونه من أهلها أو تعلمها، فواجب عليه للاجتهاد معرفة أساليب لغة العرب، وبلاغتها، وتصاريفها ونحوها.
ولا يشترط كونه كسيبويه، والخليل، وأضاربهم كما قال الشاطبي؛ لأن هذا غير متوفر حتى في الأئمة الأربعة؛ لأن سيبويه عالم بما يحتاج إليه في الاستنباط وما لا يحتاج إليه البتة.
بل المراد معرفة ما يحتاجه من اللغة للاستنباط، ولا يمكن هذا إلا بكثرة المطالعة والبحث فيما يتعلق بالمعاني والبيان والبديع، وأساليب اللغة، وتصاريفها، ومفرداتها،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 356)
وأضدادها، وإعرابها، لا أن يقتصر على مختصر من المختصرات في ذلك.
قال الإمام الشافعي: يجب على كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما يبلغه جهده في أداء فرضه. وقال الماوردي: ومعرفة لسان العرب فرض على كل مسلم من مجتهد وغيره.(1)
قوله: ومعرفة الرجال الراوين للأخبار ليأخذ برواية المقبول منهم دون المجروح.
هذا من أهم شروط المجتهد، ليتمكن من معرفة الصحيح من السقيم، وعليه أن يقرأ في علم المصطلح كتباً كثيرة: كمقدمة ابن الصلاح وشروحها، وتقييدات العراقي، ونكت ابن حجر. ومختصراتها: كمختصر النووي وشرحه تدريب الراوي للسيوطي، وشروح نظمها للعراقي والسيوطي، ويدمن على قراءة علم العلل: كعلل ابن أبي حاتم، وعلل الدارقطني، وعلل الترمذي وشرحها لابن رجب، فهو نافع جدا خاصة ما أضافه ابن رجب عليها من الأبواب، ذكر فيها كثيرا من مهمات علم العلل.
وقد نظمت كثيرا من هذه العلل أثناء تدريس هذا السفر العظيم.
وعليه أن يطلع على طبقات المدلسين وأسماء المختلطين، ويعرف من روى له قبل الاختلاط أو بعده.
وقد نظمت جميع المدلسين في ليلة في مئتي بيت، ثم شرحتها في التنفيس عما تضمّنه الجوهر النفيس، ثم اختصرتها فنظمتها في جلسة واحدة زهاء خمسين بيتا.
وعليه أن يعلم كيف يصل إلى رجال الإسناد ويميزهم، ويعرف طبقاتهم. وهذا كله لازم للمجتهد ليكمل نظره وعلمه.
قوله: وتفسير الآيات الواردة في الأحكام والأخبار الواردة فيها؛ ليوافق ذلك في اجتهاده ولا يخالفه.--------------------------------------------
(1) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول (2/ 209).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 357)
العلم بنصوص الكتاب والسنة، ومعنى العلم بهما: هو المعرفة إما الحفظ وإما معرفة مظانها. ولايشترط معرفة جميع نصوص القرآن والسنن، بل ما يتعلق بالأحكام.
وحصرها البعض بنحو خمسمئة آية، وبيّن الماوردي أن هذا الحصر إنما هو لأنهم رأوا مقاتل بن سليمان أفرد آيات الأحكام في تصنيف وجعلها خمسمائة آية.
أما السنة فمنهم من قال خمس مئة حديث، ومنهم من قال ثلاثة آلاف حديث، وشدد أحمد لما سئل: كم يكفي الرجل من الحديث حتى يمكنه أن يفتي، يكفيه مائة ألف؟ قال: لا. قلت: مائتا ألف؟ قال: لا. قلت ثلاثمائة ألف؟ قال: لا. قلت: أربعمائة ألف؟ قال: لا. قلت: خمسمائة ألف؟ قال: أرجو.
وهذا محمول على أكمل العلماء(1)
قوله: ومنها معرفته بقواعد الأصول وغير ذلك.
وعليه أن يعرف فيه المواضع التي تتعلق بالاستنباط، وهي الأحكام الخمسة، ودلالات الألفاظ من عموم وخصوص، وأمر ونهي، ومطلق ومقيد، ونص وظاهر، ومجمل ومبين ومؤول، وصحة وضعف، وناسخ ومنسوخ.--------------------------------------------
(1) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول (2/ 208) قال الشوكاني:
ولا يخفاك أن كلام أهل العلم في هذا الباب بعضه من قبيل الإفراط، وبعضه من قبيل التفريط.
والحق الذي لا شك فيه ولا شبهة أن المجتهد لا بد أن يكون عالما بما اشتملت عليه مجاميع السنة التي صنفها أهل الفن، كالأمهات الست وما يلتحق بها: مشرفا على ما اشتملت عليه المسانيد، والمستخرجات، والكتب التي التزم مصنفوها الصحة، ولا يشترط في هذا أن تكون محفوظة له، مستحضرة في ذهنه، بل أن يكون ممن يتمكن من استخراجها من مواضعها، بالبحث عنها عند الحاجة إلى ذلك، وأن يكون ممن له تمييز بين الصحيح منها، والحسن، والضعيف، بحيث يعرف حال رجال الإسناد معرفة يتمكن بها من الحكم على الحديث بأحد الأوصاف المذكورة، وليس من شرط ذلك أن يكون حافظا لحال الرجال عن ظهر قلب، بل المعتبر أن يتمكن بالبحث في كتب الجرح والتعديل من معرفة حال الرجال، مع كونه ممن له معرفة تامة بما يوجب الجرح، وما لا يوجبه من الأسباب، وما هو مقبول منها، وما هو مردود، وما هو قادح من العلل، وما هو غير قادح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 358)
وأن يعلم الأدلة التي يبنى عليها الفقه، وهي الكتاب والسنة وما هو راجع إليها من إجماع وقياس، ولا بد أن يعرف القياس معرفة تامة ما له وما عليه، ويعرف ترتيب الأدلة، والتعارض والترجيح.(1)
متى تتعين الفتوى على المفتي.
قال النووي: ومتى لم يكن في الموضع إلا واحد يصلح للفتوى تعين عليه أن يفتي، وإن كان هناك غيره فهو من فروض الكفايات، ومع هذا فلا يحل التسارع إليه، فقد كانت الصحابة رضي الله عنهم مع مشاهدتهم الوحي يحيل بعضهم على بعض في الفتوى، ويحترزون عن استعمال الرأي والقياس ما أمكن.(2)
قوله: ومن شرط المستفتي أن يكون من أهل التقليد.
فيقلد المفتي في الفتيا، فإن لم يكن الشخص من أهل التقليد: بأن كان من أهل الاجتهاد، فليس له أن يستفتي كما قال، وليس للعالم أي المجتهد أن يقلد؛ لتمكنه من الاجتهاد إلخ.
والتقليد: قبول قول القائل بلا حجة يذكرها، وفيه أمور:
1_ أن المستفتي لا بد أن يكون مقلداً لا عالماً.
وبيّن الشارح أن المراد بقوله: "ليس للعالم" أنه يقصد العالم المجتهد، وهذا يفيد أن العالم هو من عرف الأحكام الشرعية بالاستنباط، أما من عرفها بالتقليد فليس بعالم، لكن يدخل فيهم في الإطلاق العرفي؛ لأن من وقف على العلماء دخل المقلد، ومن كان عالما فلا يستفتي لأنه يعرف الحكم بنظره.
2_ العالم إن ذهب إلى قول باجتهاد فهو ما يعتقد أنه الحق.--------------------------------------------
(1) راجع روضة الطالبين وعمدة المفتين (11/ 95).
(2) المصدر السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 359)
وإن ضاق الوقت ولا يحضره في المسألة حكم، جاز له الأخذ بقول غيره أو استفتاؤه؛ لعموم قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].
3_ تعريف التقليد: هو أخذ قول القول بلا حجة يبينها أو بدون معرفة مأخذه.
ثم بني على هذا التعريف مسألة من فضول الكلام ولا تعلق لها بالأصول من قريب ولا بعيد، والصحيح أن الأخذ بقول النبي صلى الله عليه وسلم اتباعا؛ لأن قوله حجة فكيف يقال إنك لا تدري مأخذه أو بلا حجة يوردها.
هذا عجب. قال الزركشي: واختار ابن السمعاني أنه لا يسمى تقليدا، بل هو اتباع شخص، لأن الدليل قد قام في أن له حجة، فلا يكون قبول قوله قبول قول في الدين من قائله بلا حجة. وأغرب القاضي في التقريب " فنقل الإجماع على أن الآخذ بقول النبي عليه الصلاة والسلام، والراجع إليه ليس بمقلد، بل هو صائر إلى دليل وعلم يقين.(1)
خاتمة فيها أمور هامة تتعلق بالمفتي والإفتاء.
لما كان "الحق دقيقاً غامضاً لا يدركه إلا الأقلون ويعجز عنه الأكثرون؛ لأنه يحتاج إلى شروط كثيرة من الممارسة، والتفرغ للنظر، ونفاد القريحة، والخلو عن الشواغل"(2)، بين العلماء من يجوز استفتاؤه ومن لا يجوز، ونحن نذكر أهم ذلك بإيجاز كما يلي:
1 - لا يستفتي إلا من عُرف بالعلم والعدالة، أما من عُرف بالجهل أو الفسق، فلا يسأل اتفاقاً، فلا يُستفتى إلا من استفاضت أهليته، وعلمت عدالته(3)، بل نص العلماء أن المجهول الذي لا يُعرف علمه ولا جهله لا يجوز استفتاؤه،--------------------------------------------
(1) البحر المحيط في أصول الفقه (8/ 317)
(2) تيسير التحرير 4/ 348، والأحكام للآمدي 4/ 311، وشرح الكوكب المنير للفتوحي 4/ 544، ونثر الورد، شرح مراقي السعود للشنقيطي 2/ 644، والغاية للحسين بن القاسم 2/ 678.
(3) الروضة للنووي 11/ 390.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 360)
فضلاً عمن عرف بعدم العلم(1).
2 - "ويحرم الحكم والفتيا بقول أو وجه من غير نظر في الترجيح إجماعاً"(2)، فلا يجوز في الشرع الإفتاء بلا جزم بالراجح، "فإن لم يظهر له الراجح انتظر ظهوره أو امتنع من المسألة كما فعله كثير(3) من أهل العلم.
3 - "ولا تصح الفتيا من فاسق لغيره وإن كان مجتهداً، … ولا يسأله غيره لعدم حصول المقصود، والوثوق به".(4)
4 - يحرم استفتاء من عُرف بالتساهل، وتتبع الرُّخص وهو فاسق لا ثقة به. نص العلماء أنه "لا يجوز للمفتي أن يتساهل في فتواه، فمن عرف بذلك لم يجز أن يستفتي".(5)
5 - وأنه يجب عليه التحري، وتكرار النظر، وعدم التسرع، وينبغي له أن يشاور من يثق بعلمه، وأن يلجأ إلى الله تعالى، أما أن "تحمله أغراض فاسدة على تتبع الحيل المحرمة أو المكروهة، والتمسك بالشبهة طلباً للترخيص على من يروم نفعه، أو التغليط على من يروم ضره"(6)، فإنه قد ارتكب كبيرة من الكبائر العظيمة، ومن فعل هذا فلا وثوق به(7)، وقد "فسق وحرم استفتاؤه"(8).
6 - حرمة إفتاء العامي غيره ولو علم المسألة بدليلها، قال النووي: "ويشترط فيه -أي المفتي- أهلية الاجتهاد، فلو عرف العامي مسألة أو مسائل بدليلها--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 11/ 390.
(2) كشاف القناع عن متن الإقناع 6/ 296.
(3) الروضة للنووي 11/ 110.
(4) المصدر السابق 11/ 100 - 110، وكشاف القناع 6/ 300.
(5) المصدر نفسه 11/ 110
(6) الروضة للنووي 11/ 110
(7) المصدر نفسه 11/ 110.
(8) كشاف القناع 6/ 307.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 361)
لم يكن له أن يفتي بها، ولا لغيره أن يقلده ويأخذ بقوله"(1).
7 - لو أفتى المقلد مفت واحد، وعمل به المقلد لزمه قطعاً، وليس له الرجوع عنه إلى فتوى غيره في تلك الحادثة بعينها إجماعاً(2).
8 - المقلد غير المجتهد إذا كان فقيه النفس، يجوز له أن يخبر عن مذهب مجتهد في المسألة "ولا يكون مفتياً في تلك الحالة وإنما هو مخبر، فيحتاج أن يجيء عن رجل بعينه من أهل الاجتهاد فيكون معمولاً بخبره لا بفتياه"(3)؛ لأنه لا يجوز الاختيار إلا لعالم بكتاب وسنة، وقال أكثر العلماء: يجوز لغير المجتهد أن يفتي إن كان مطّلعا على المأخذ أهلاً للنظر(4).
"ودونهم في الرتبة: أن يكون فقيه النفس حافظاً للمذهب، قادراً على التخريج والترجيح، فهل له الإفتاء بذلك؟ أقوال: أصحها يجوز، والثاني المنع، والثالث عند عدم المجتهد".(5)
قال النووي: والعالم الذي لم يبلغ غاية الاجتهاد كالعامي، في أنه لا يجوز تقليده على الصحيح.(6)--------------------------------------------
(1) الروضة للنووي 11/ 99.
(2) نقله ابن الحاجب، والهندي وغيرهما انظرالتحبير شرح التحرير للمرداوي 8/ 4095، كالآمدي في الأحكام 4/ 238، والأصفهاني في شرح مختصر ابن الحاجب 12316، والأسنوي في نهاية السؤل 3/ 878.، وابن الهمام في تيسير التحرير 4/ 253، ونقل عن الزركشي أن فيه خلاف ولو بعد العمل، ورجح المرداوي في التحبير شرح التحرير أنه إن وقع في نفسه صحته وأنه الحق لزمه 8/ 496؛ لأنه يؤدي إلى التلاعب بالشرع، والتشهي والهوى وهو خلاف مقصد الشريعة ..
(3) التحبير شرح التحرير 8/ 4072.
(4) المصدر نفسه 8/ 4072.
(5) المصدر نفسه، 8/ 4073.والقول بالجواز هو قول الأكثر كالآمدي وابن الحاجب كما في الغيث الهامع شرح جمع الجوامع 3/ 901 لولي الدين أبي زرعة أحمد العراقي.
(6) روضة الطالبين وعمدة المفتين (11/ 99).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 362)
الاجتهاد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 363)
وأما الاجتهاد: فهو بذل الوسع في بلوغ الغرض المقصود من العلم ليحصل له.
والمجتهد إن كان كامل الآلة في الاجتهاد كما تقدم فإن اجتهد في الفروع وأصاب فله أجران على اجتهاده وإصابته.
وإن اجتهد فيها وأخطأ فله أجر واحد على اجتهاده، وسيأتي دليل ذلك.
ومنهم من قال كل مجتهد في الفروع مصيب، بناءاً على أن حكم الله تعالى في حقه وحق مقلده ما أدى إليه اجتهاده.
ولا يجوز أن يقال كل مجتهد في الأصول الكلامية أي العقائد مصيب؛ لأن ذلك يؤدي إلى تصويب أهل الضلالة من النصارى في قولهم بالتثليث، والمجوس في قولهم بالأصلين للعالم النور والظلمة، والكفار في نفيهم التوحيد وبعثة الرسل والمعاد في الآخرة، والملحدين في نفيهم صفاته تعالى كالكلام وخلقه أفعال العباد وكونه مرئياً في الآخرة وغير ذلك.
(ودليل من قال ليس كل مجتهد في الفروع مصيباً قوله صلى الله عليه وسلم: «من اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد» وجه الدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم خطَّأ المجتهد تارة وصوبه أخرى).
والحديث رواه الشيخان، ولفظ البخاري: (إذا اجتهد الحاكم فحكم فأصاب فله أجران وإذا حكم فأخطأ فله أجر).
(والله أعلم).
والحمد لله على نعمائه، وصلى الله على سيدنا محمد خير رسله وأنبيائه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 365)
[الشرح والإيضاح]
الاجتهاد وما يتعلق بتصويب المجتهدين.
فيه مسائل:
المسألة الأولى: قوله: "كامل الآلة"، احتراز عن مجتهد المذهب والفتوى؛ لأن للعلماء مراتب (1):
1. مرتبة المجتهد المستقل.
وهو: من كان فقيهاً بمعرفة أدلة الأحكام الشرعية من الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، وما التحق بهما على التفصيل، عالماً بما يشترط في الأدلة ووجوه دلالتها، عارفاً من علوم القرآن والحديث، والناسخ والمنسوخ، والنحو واللغة والتصريف، واختلاف العلماء واتفاقهم بالقدر الذي يتمكن معه من الوفاء بشروط الأدلة والاقتباس منها، ذا دراية وارتياض في استعمال ذلك، عالماً بالفقه ضابطاً لأمهات مسائله وتفاريعه، فمن جمع هذه الأوصاف فهو المجتهد، والمفتي المستقل الذي يتأدى به فرض الكفاية.
2. المنتسب إلى مذهب، وهو أربعة:
أ. المنتسب لمذهب معين مع عدم تقليد إمامه في المذهب ولا في الدليل: وهذا مجتهد مستقل إلا أنه ينسب إلى هذا الإمام لسلوكه طريقه في الاجتهاد.
ب. مجتهد مقيد، وهو: من قُيّد بمذهب إمامه مستقلاً بتقرير أصوله بالدليل، غير أنه لا يتجاوز في أدلته أصول إمامه وقواعده، وشرط كونه عالماً بالفقه، وأصوله وأدلة الأحكام تفصيلاً، بصيراً بمسالك الأقيسة والمعاني، تام الارتياض في التخريج والاستنباط، قيماً بإلحاق ما ليس منصوصاً عليه--------------------------------------------
(1) انظر: مقدمة المجموع للإمام النووي: 1/ 42 وما بعدها، وانظر: الإنصاف للمرداوي: 11/ 183، وتشنيف المسامع للزركشي: 2/ 398.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 366)