واستحسانه، وأنهم قد زلوا واخطئوا حيث خالفوا الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في التحذير من البدع، وبيان أنها شر وضلالة، وأنها مردودة على من أحدثها، ومن عمل بها. وقد خالفوا أيضا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم، والتابعون لهم بإحسان، فليعلم أيضًا أن القائلين بجواز بدعة المولد واستحسانها قد خالفهم كثير من المحققين، وردوا عليهم، وصرحوا بذم الاحتفال بالمولد، وأن ذلك من البدع السيئة، وسيأتي ذكر أقوالهم في آخر الكلام على ما يتعلق ببدعة المولد إن شاء الله تعالى.
وأما زعم الرفاعي أن علماء أهل السنة والجماعة أفتوا بما زعم أنها بدعة حسنة ابتدعت في الإسلام، وأنهم أثنوا عليها.
فجوابه أن يقال: أما علماء أهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين وأئمة العلم والهدي من بعدهم، فكلهم على إنكار البدع في الدين على سبيل العموم. ومن زعم أنهم استحسنوا شيئًا من البدع في الدين وأفتوا بها وأثنوا عليها فقد تقول عليهم. وأما المتساهلون ببعض البدع من المتأخرين الذين ذكرهم الرفاعي واعتمد على أقوالهم في استحسان بدعة المولد، فهؤلاء محجوجون بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، وبقوله أيضًا: «وشر الأمور محدثاتها»، وبقوله أيضًا: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وقد قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا}، وسيأتي ذكر أقوال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
الذين خالفوهم وردوا عليهم في آخر الكلام على ما يتعلق ببدعة المولد إن شاء الله تعالى.
فإن قيل إن عمر رضي الله عنه قد استحسن جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان، وقال: «نعمت البدعة هذه».
فالجواب أن يقال: إن ما فعله عمر رضي الله عنه من جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان ليس ببدعة، وإنما هو سنة بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: «عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين»، وأيضا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى بالناس جماعة في قيام رمضان، ثم ترك ذلك خشية أن يفرض على أمته، وعلى هذا ففعل عمر رضي الله عنه موافق لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس من البدع وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
وأما ما ذكره الرفاعي عن السخاوي أنه قال: ولو لم يكن في ذلك إلا إرغام الشيطان، وسرور أهل الإيمان من المسلمين لكفى.
فجوابه أن يقال: وما يدريه أن بدعة المولد ترغم الشيطان، بل إن ذلك مما يفرح به الشيطان ويسر به؛ لأن البدع في الدين كلها من عمل الشيطان وتزيينه، وإذا عمل المسلمون بما يدعوهم إليه من البدع والمعاصي فلا شك أنه يسر بذلك. وقد روى أبو الفرج ابن الجوزي بإسناده إلى سفيان الثوري أنه قال: «البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها»، والدليل على أن البدع في الدين كلها من عمل الشيطان قول الله تعالى مخبرًا عن إبليس أنه قال: {وَلَأُضِلَّنَّهُمْ}، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
الأحاديث التي تقدم ذكرها: وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة فدلت الآية والأحاديث الصحيحة على أن البدع في الدين من إضلال الشيطان، وقد روى الإمام أحمد عن غضيف بن الحارث الثمالي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة»، وهذا يدل على شؤم البدع في الدين، وأنها مما يفرح به الشيطان لما يقع بسببها من رفع السنن.
وأما زعمه أن بدعة المولد فيها سرور أهل الإيمان.
فجوابه أن يقال: إنه لا يسر ببدعة المولد من المسلمين إلا من هو جاهل بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من التحذير من المحدثات والنص على أنها شر، وأن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما ثبت عنه أيضًا أن من عمل عملاً ليس عليه أمره فهو رد، أي مردود، فأما أهل العلم والإيمان فإنما يكون سرورهم بإحياء السنن، وإماتة البدع كما أنه يسوءهم إحياء البدع، وإماتة السنن.
وأما ما ذكره الرفاعي عن السخاوي أنه قال: وإذا كان أهل الصليب اتخذوا ليلة مولد نبيهم عيدًا أكبر، فأهل الإسلام أولى بالتكريم وأجدر.
فجوابه أن يقال: لا شك أن الاحتفال بالمولد النبوي واتخاذه عيدًا مبني على التشبه بالنصارى في اتخاذهم مولد المسيح عيدًا، وهذا مصداق ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرًا وذراعًا ذراعًا حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم»، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى قال: فمن؟ رواه الإمام أحمد والبخاري، ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
عنه- وروى الإمام أحمد، والبخاري أيضًا، وابن ماجه نحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وروى محمد بن نصر المروزي في كتاب السنة نحوه من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وإسناده جيد، وروى محمد بن نصر أيضًا، والبزار، والحاكم نحوه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وصححه الحاكم، والذهبي، وروى أبو داود الطيالسي، والترمذي، ومحمد بن نصر بعضه من حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه وقال الترمذي: حسن صحيح، وروى أبو داود الطيالسي، ومحمد بن نصر، وأبو بكر الآجري نحوه من حديث عمرو بن عوف المزني رضي الله عنه وروى الطبراني نحوه من حديث المستورد بن شداد رضي الله عنه.
وإذا علم أن عيد المولد عند جهال المسلمين مبني على التشبه بالنصارى، فليعلم أيضًا أن التشبه بالنصارى وغيرهم من المشركين حرام شديد التحريم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم «من تشبه بقوم فهو منهم»، رواه الإمام أحمد، وأبو داود من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وصححه ابن حبان، وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية: إسناده جيد، وقال ابن حجر العسقلاني: إسناده حسن.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد احتج أحمد وغيره بهذا الحديث، قال: وهذا الحديث أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}، وقال شيخ الإسلام أيضًا في موضع آخر قوله صلى الله عليه وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم» موجب هذا تحريم التشبه بهم مطلقًا، انتهى.
وقد روى الترمذي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود، ولا بالنصارى»، قال ابن مفلح في قوله: «ليس منا» هذه الصيغة تقتضي عند أصحابنا التحريم، انتهى.
وأما ما ذكره الرفاعي عن أبي شامة أنه قال في إقامة عيد المولد: إنه مشعر بمحبته، صلى الله عليه وسلم وتعظيمه، وفيه إغاظة للكفرة والمنافقين.
فجوابه أن يقال: إن تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون بارتكاب البدع التي حذر منها، وأخبر أنها شر وضلالة، وأنها في النار، وإنما يكون تعظيمه بطاعته، واتباع هديه، والتمسك بسنته، ونشر ما دعا إليه كما كان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فهؤلاء هم المحبون للرسول صلى الله عليه وسلم حقًا والسير على منهاجهم هو الذي يشعر بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه، وقد روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به»، قال النووي في الأربعين: له حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح، ثم قال في الكلام على هذا الحديث، يعني أن الشخص يجب عليه أن يعرض عمله على الكتاب والسنة ويخالف هواه ويتبع ما جاء به صلى الله عليه وسلم، وهذا نظير قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}، فليس لأحد مع الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم أمر ولا هوى، انتهى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
وقد قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في أول كتابه «إغاثة اللهفان»: لا تجد مشركًا قط إلا وهو متنقص لله سبحانه، وإن زعم أنه يعظمه بذلك كما إنك لا تجد مبتدعًا إلا وهو متنقص للرسول صلى الله عليه وسلم، وإن زعم أنه معظم له بتلك البدعة، فإنه يزعم أنها خير من السنة وأولى بالصواب، أو يزعم أنها هي السنة إن كان جاهلا مقلدًا، وإن كان مستبصرًا في بدعته فهو مشاق لله ورسوله انتهى.
وأما قوله: وفيه إغاظة للكفرة والمنافقين.
فجوابه أن يقال: بل الأمر بالعكس فإن الكفار والمنافقين يفرحون بما يكون من بعض المسلمين من المخالفة لهدي نبيهم صلى الله عليه وسلم وارتكابهم لما حذرهم منه من البدع والضلالات، وقد قال الله تعالى: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً}، وإذا يئسوا من كفر المسلمين رضوا منهم بإظهار البدع في الدين؛ لأنها تئول إلى الشرك. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية. رحمه الله تعالى، المبتدع يئول إلى الشرك، ولم يوجد مبتدع إلا وفيه نوع من الشرك كما قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}، وكان من شركهم أنهم أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم، انتهى.
وقال السدي في تفسير هذه الآية: استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم قلت: وهذا هو المطابق لحال المشركين وأهل البدع، فإنهم استنصحوا الذين يدعوهم إلى الشرك والبدع في الدين، ونبذوا كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وراء ظهورهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
وأما ما ذكره الرفاعي عن السيوطي أنه قال: إن عمل المولد من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها.
فجوابه أن يقال: إن كلام السيوطي مردود بقول النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث التي تقدم ذكرها "وشر الأمور محدثاتها"، وقوله أيضًا: «وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، وقوله أيضًا: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، فقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم البدع بأنها شر وضلالة، وهذه صفات سيئة ذميمة، وأخبر أنها مردودة على أصحابها، وأنها في النار. وهذا يدل على أن صاحب البدعة لا يثاب على بدعه، بل إنه يخشى عليه من الفتنة والعذاب الأليم؛ لأن الله تعالى يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وكل ضلالة في النار»، والثواب إنما يكون على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وتقديم هديه على هدي غيره، ويدل على ذلك قول الله تعالى {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}، وقوله تعالى: {فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}، فقد جعل الله تبارك وتعالى اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم سببًا لمحبته لمن اتبعه وهدايته ومغفرة ذنوبه، وعمل المولد ليس من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم وسنته، وإنما هو من هدي سلطان إربل وسنته، وذلك بعد زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو من ست مائة سنة، وقد قال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى، وأحسن فيما قال:
وهل أفسد الدين إلا الملو … ك وأحبار سوء ورهبانها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
وأما ما ذكره الرفاعي عن ابن حجر المكي أنه خرّج بدعة المولد على صيام يوم عاشوراء.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال ما زعمه الرفاعي من أن الذي خرج بدعة المولد على صيام يوم عاشوراء هو ابن حجر المكي فهو غلط ظاهر، وإنما هو ابن حجر العسقلاني صاحب "فتح الباري"، وقد نقل ذلك عنه السيوطي في رسالته التي سماها "حسن المقصد، في عمل المولد" وهي الرسالة الرابعة والعشرون مما في كتاب "الحاوي للفتاوي" وقد توفي السيوطي في سنة إحدى عشرة وتسع مائة من الهجرة، وذلك بعدما ولد ابن حجر الهيتمي المكي بسنتين؛ لأنه قد ولد في سنة تسع وتسع مائة من الهجرة، وهذا الذي في سن الفطام حين توفي السيوطي، لا يقول عاقل إن السيوطي قد نقل عنه، والظاهر أن الرفاعي نقل تخريج ابن حجر من رسالة السيوطي، وتوهم أنه أراد به ابن حجر الهيتمي المكي.
الوجه الثاني أن يقال: إن ابن حجر العسقلاني قد صرح في أول كلامه الذي نقله السيوطي عنه أن أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، وهذه الجملة من كلام ابن حجر كافية في ذم المولد إذ لو كان خيرًا لسبق إليه الصحابة والتابعون وأئمة العلم والهدى من بعدهم. ثم قال ابن حجر: ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها فمن تحرى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة، وإلا فلا، قال: وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت وهو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم لمدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون، ونجى موسى فنحن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
نصومه شكرًا لله تعالى فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، انتهى.
وهذه الجملة من كلام ابن حجر مردودة بما صرح به في الجملة أولى من كلامه وهو قوله: إن أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، وقد ذكرت الآيات والأحاديث لدالة على ذم البدع والتحذير منها، والأمر بردها في أول الكتاب فلتراجع ففيها أبلغ رد على الجملة الأخيرة من كلام ابن حجر.
ومما يرد به عليه أيضًا كلامه في "فتح الباري" لما ذكر حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، قال: هذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده فإن معناه من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه، قال وفيه رد المحدثات، وأن النهي يقتضي الفساد؛ لأن المنهيات كلها ليست من مر الدين فيجب ردها، انتهى.
وقد صرح في كلامه الذي تقدم ذكره أن أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة فيلزم على قوله في "فتح الباري" أنه يجب ردها؛ لأنها من المحدثات وليست من أمر الدين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
الوجه الثالث: أن يقال إن تخريج بدعة المولد على صيام يوم عاشوراء ليس بوجيه، وإنما هو من التكلف المردود؛ لأن العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الرأي والاستحسان والابتداع، ولم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه أمر أمته بالاحتفال بمولده، ولا أنه خص ليلة المولد أو يومه بشيء من الأعمال دون سائر الليالي والأيام، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، وقال أيضًا: «من رغب عن سنتي فليس مني»، وفي هذين الحديثين أبلغ رد على من جعل ليلة المولد عيدًا وخصها بأعمال لم يأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة ولم يفعلها، وفيهما أيضًا رد على من خرج بدعة المولد على صيام يوم عاشوراء؛ لأن صيام يوم عاشوراء قد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ورغب فيه بخلاف الاحتفال بالمولد واتخاذه عيدًا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله ولم يرغب فيه، ولو كان في الاحتفال بالمولد واتخاذه عيدًا أدنى شيء من الفضل لبين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته، لأنه لا خير إلا وقد دلهم عليه ورغبهم فيه، ولا شر إلا وقد نهاهم عنه وحذره منه، والبدع من الشر الذي نهاهم عنه وحذرهم منه كما تقدم النص على ذلك في أحاديث العرباض بن سارية، وجابر بن عبد الله وابن مسعود رضي الله عنهم.
ولو قال قائل بتخريج بدعة المولد على نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ قبره عيدًا لكان أولى وأقرب من تخريجها على صيام يوم عاشوراء، وكذلك تخريج بدعة المولد على قوله صلى الله عليه وسلم «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم» هو أولى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
وأقرب من تخريجها على صيام يوم عاشوراء، ويؤيد هذا التخريج أن عيد المولد النبوي مبني على التشبه بالنصارى في اتخاذهم يوم مولد المسيح عيدًا، فعيد مولد المسيح عند النصارى وعيد مولد النبي صلى الله عليه وسلم عند جهال المسلمين متشابهان ولا فرق، وكلاهما من ثمرة الغلو والإطراء ونتائجهما السيئة.
وفيه وجه ثالث لتخريج بدعة المولد النبوي: وهو المنع من تعظيم أعياد أهل الجاهلية وتعظيم مواضعها، والنص على أن ذلك معصية لله تعالى وأنه لا يجوز الوفاء بالنذر في ذلك. وقد جاء فيه حديث صحيح رواه أبو داود في سننه بإسناد على شرط البخاري ومسلم عن ثابت بن الضحاك، ورضي الله عنه، قال: نذر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحر إبلا ببوانة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة فقال النبي صلى الله عليه وسلم «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد»، قالوا: لا، قال: «هل كان فيها عيد من أعيادهم»، قالوا: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم»، وهذا الحديث الصحيح يدل على تحريم مضاهاة أهل الجاهلية والتشبه بهم في تعظيم الأوثان والأعياد التي شرعها لهم أولياؤهم من شياطين الجن والإنس، كما قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ}، والذين يحتفلون بالمولد النبوي قد جمعوا بين التشبه بأهل الجاهلية في تعظيم الأعياد المبتدعة وبين التشبه بالنصارى في تعظيم مولد المسيح واتخاذه عيدًا، والتشبه بأهل الجاهلية وبالنصارى حرام شديد التحريم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم»، ولقوله أيضًا: «ليس منا من تشبه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى»، وقد ذكرت هذين الحديثين قريبًا وذكرت من خرجهما من الأئمة فليراجع ما تقدم (1).
وأما زعم الرفاعي أن بدعة المولد سنة مباركة وبدعة حسنة واستدلاله على ذلك باحتفال جمهور المنتسبين إلى الإسلام بهذه البدعة، وزعمه أن احتفالهم بها دليل ساطع على إجماعهم عليها.
فجوابه أن يقال ليس في البدع في الدين شيء مبارك ولا حسن البتة، ووصفها بالبركة والحسن من مجازفات أهل الغلو والإطراء ومجاوزة الحد، وقد تقدم في الأحاديث الصحيحة عن العرباض بن سارية، وجابر بن عبد الله، وابن مسعود رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذر أمته من محدثات الأمور، وأخبرهم أنها شر وأن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وفي هذه الأحاديث أوضح دليل على أن بدعة المولد شر وضلالة، واحتفال جمهور العوام بها لا يحيلها من الشر والضلالة إلى البركة والحسن؛ لأن الله تعالى يقول: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}، وقال تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ}، وقال تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً}، وقد افتتن كثير من المنتسبين إلى الإسلام بالقبور واتخذوا بعضها أوثانًا، وجعلوا لبعض الأموات أعيادًا زعموها لمواليدهم، كما يفعلون ذلك في مولد البدوي وغيره من الأموات الذي يعظمهم الجهال، وهذه الأعياد كلها شر وبدعة وضلالة، ولا فرق في ذلك بين بدعة مولد النبي - صلى--------------------------------------------
(1) ص 6 - 12.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
الله عليه وسلم - وبدعة مولد البدوي وغيره من الأموات، فكلها داخلة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وشر الأمور محدثاتها»، وقوله أيضًا: «وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، وكلها مردودة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه مرنا فهو رد»، وبدع المواليد في الإسلام مأخوذة مما ابتدعه النصارى في مولد المسيح حيث جعلوا ذلك عيدًا يعود كل عام، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم».
وأما قول الرفاعي: وهذا الإجماع يعتبر إجماعًا سكوتيًا يعتد به عند فقهاء المسلمين.
فجوابه ن يقال: هذه الجملة مما كتبه الرفاعي من غير تثبت ولا تعقل، وهل يقول عاقل له أدنى علم ومعرفة: إن الإجماع يؤخذ من أفعال العوام والجهال وسكوتهم على ما يفعلونه من البدع، وأن ذلك يعتبر إجماعًا سكوتيًا يعتد به عند فقهاء المسلمين، كلا لا يقول ذلك من له أدنى علم ومعرفة.
ويقال أيضًا: إن الإجماع الذي يعتد به عند فقهاء المسلمين هو إجماع الصحابة وأئمة العلم والهدى من بعدهم، فأما العوام والجهال، فلا عبرة بهم، ولا بأقوالهم وأفعالهم، وقد ذكر الشاطبي أن منشأ الاحتجاج بعمل الناس في تحسين البدع الظن بأعمال المتأخرين، وإن جاءت الشريعة بخلاف ذلك، والوقوف مع الرجال دون التحري للحق، وقال الشاطبي أيضًا: لا خلاف أنه لا اعتبار بإجماع العوام، وإن ادعوا الإمامة، انتهى.
وأما قول الرفاعي: ودليل كونها بدعة وحسنة قوله - صلى الله عليه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
وسلم -: «ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة».
فجوابه أن يقال: هذا من تحريف الكلم عن مواضعه، وحمل كلام النبي صلى الله عليه وسلم على غير المراد به، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد حث على الأخذ بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم وحذر مما سوى ذلك من محدثات الأمور التي لم تكن على عهده صلى الله عليه وسلم، ولا على عهد الخلفاء الراشدين، وأخبر أن شر الأمور محدثاتها، وأن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وإذا علم هذا فليعلم أيضًا أن ما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سنه أحد الخلفاء الراشدين فهو السنة الحسنة، وما أحدثه غيرهم مما ليس له أصل في الشريعة يرجع إليه فهو بدعة سيئة وضلالة مردودة، وإن كان صاحبه يريد الخير، ومن ذلك بدعة المولد. وقد أنكر ابن مسعود، وأبو موسى الأشعري رضي الله عنهما هو دون بدعة المولد بكثير، وعده ابن مسعود رضي الله عنه من البدع وإن كان في الظاهر حسنًا، ومن أفعال الخير، وقد روي ذلك من عدة طرق، منها ما رواه الطبراني في الكبير عن عمرو بن سلمة قال: كنا قعودًا على باب ابن مسعود رضي الله عنه بين المغرب والعشاء، فأتى أبو موسى رضي الله عنه فقال: أخرج إلينا أبا عبد الرحمن، فخرج ابن مسعود رضي الله عنه فقال: أبا موسى ما جاء بك هذه الساعة، قال: لا والله إلا أني رأيت أمرًا ذعرني وإنه لخير، ولقد ذعرني وإنه لخير، قوم جلوس في المسجد ورجل يقول: سبحوا كذا وكذا، احمدوا كذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
وكذا، قال: فانطلق عبد الله وانطلقنا معهم حتى أتاهم فقال: «ما أسرع ما ضللتم وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحياء، وأزواجه شواب، وأبنيته لم تغير، أحصوا سيئاتكم، فأنا أضمن على الله أن يحصي حسناتكم».
ومنها ما رواه الدارمي عن عمرو بن يحيى قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه، قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري رضي الله عنه فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعًا فقال: له أبو موسى يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفا أمرًا أنكرته، ولم أر والحمد لله إلا خيرًا، قال: فما هو فقال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قومًا حلقًا جلوسًا، ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مائة فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة فيسبحون مائة، قال: فماذا قلت لهم. قال: ما قل لهم شيئًا انتظار رأيك أو انتظار أمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء، ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحق، فوقف عليهم فقال: «ما هذا الذي أراكم تصنعون» قالوا يا أبا عبد الرحمن حصى نعد به التكبير، والتهليل، والتسبيح، قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم صلى الله عليه وسلم متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد صلى الله عليه وسلم، أو مفتتحو باب ضلالة، قالوا: والله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: «وكم من مريد للخير لن يصيبه».
ومنها ما رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد الزهد، والطبراني، وأبو نعيم في الحلية، وأبو الفرج ابن الجوزي، واللفظ له عن أبي البختري، قال: أخبر رجل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن قومًا يجلسون في المسجد بعد المغرب فيهم رجل يقول: كبروا الله كذا وكذا، وسبحوا الله كذا وكذا، واحمدوا الله كذا وكذا، قال عبد الله فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فائتني فأخبرني بمجلسهم، فجلس فلما سمع ما يقولون، قام فأتى ابن مسعود رضي الله عنه وكان رجلاً حديدًا، فقال: أنا عبد الله بن مسعود والله الذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلماء، أو لقد فضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علما، عليكم بالطريق فالزموه، ولئن أخذتم يمينًا وشمالا لتضلن ضلالاً بعيدا، وفي رواية الطبراني فمرهم أن يتفرقوا.
ومنها ما رواه ابن وضاح أن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه حدث أن ناسًا يسبحون بالحصى في المسجد فأتاهم، وقد كوم كل رجل منهم كومة من حصى فلم يزل يحصبُهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد، وهو يقول: لقد أحدثتم بدعة ظلماء، أو لقد فضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علمًا.
وإذا كان ابن مسعود، وأبو موسى رضي الله عنهما قد أنكرا على الذين يجتمعون للذكر، وعد التكبير، والتهليل، والتسبيح بالحصى، وعد ابن مسعود رضي الله عنه فعلهم من البدع الظلماء والهلكة والضلالة، وقال لهم إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد - صلى الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
عليه وسلم -، أو مفتتحو باب ضلالة، ولم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد، فكيف بالذين يقيمون بدعة المولد كل عام ويجتمعون لذلك، فهؤلاء أولى بالإنكار، وأن يعد فعلهم من البدع الظلماء والهلكة والضلالة.
فليتأمل الرفاعي ما جاء عن ابن مسعود، وأبي موسى رضي الله عنهما من إنكار الأمر الذي لم يكن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم وإن كان ظاهره الخير، وليتأمل أيضًا قول الذين أنكر عليهم ابن مسعود رضي الله عنه والله ما أردنا إلا الخير وجواب ابن مسعود رضي الله عنه لهم بقوله وكم من مريد للخير لن يصيبه، وليتأمل أيضًا قول ابن مسعود رضي الله عنه لهم، عليكم بالطريق فالزموه، ولئن أخذتم يمينًا وشمالاً لتضلن ضلالاً بعيدًا، ولعل الرفاعي بعد التأمل يراجع الحق في إنكار بدعة المولد ولا يكون عونًا للشيطان في تأييد هذه البدعة والذب عنها، ولا ينس قول الله تعالى: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ}، وقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، وقوله تعالى: {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ}.
ومما يدل على أن عيد المولد بدعة وضلالة أن الله شرع لهذه الأمة على لسان نبيها صلى الله عليه وسلم سبعة أعياد في سبعة أيام وهي: يوم الجمعة، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، ويوم عرفة، وأيام التشريق، فأما يوم الجمعة فقد جاء فيه عدة أحاديث، منها ما رواه مالك في الموطأ، والشافعي في مسنده من طريق مالك عن ابن شهاب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
عن عبيد بن السباق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في جمعة من الجمع: «يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله عيدا، فاغتسلوا ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه، وعليكم بالسواك»، هكذا رواه مالك، والشافعي مرسلا، وقد رواه ابن ماجه، والطبراني من حديث صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن عبيد بن السباق عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره بنحوه.
ومنها ما رواه الإمام أحمد، والبخاري في الكنى، والحاكم في مستدركه وصححه عن أبي هريرة، رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده».
ومنها ما رواه الطبراني عن أبي هريرة، رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في جمعة من الجمع: «معاشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله لكم عيدًا، فاغتسلوا، وعليكم بالسواك».
ومنها ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم في مستدركه عن إياس بن أبي رملة الشامي قال: شهدت معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل زيد بن أرقم قال: أشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيدين اجتمعا في يوم واحد؟ قال: نعم، قال: فكيف صنع؟ قال: صلى العيد، ثم رخص في الجمعة، فقال: «من شاء أن يصلي فليصل» صححه الحاكم، والذهبي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
ومنها ما رواه أبو داود، وابن ماجه، والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون» قال الحاكم صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ومنها ما رواه ابن ماجه عن ابن عباس، رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث بي هريرة رضي الله عنه.
ومنها ما رواه ابن ماجه أيضًا عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال اجتمع عيدان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى بالناس ثم، قال: «من شاء أن يأتي الجمعة فليأتها، ومن شاء أن يتخلف فليتخلف».
ومنها ما رواه الشافعي في مسنده عن عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- قال: اجتمع عيدان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «من أحب أن يجلس من أهل العالية فليجلس في غير حرج».
وفي الباب أحاديث موقوفة منها ما رواه مالك في الموطأ، والشافعي في مسنده من طريق مالك عن ابن شهاب عن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال: شهدت العيد مع عثمان بن عفان رضي الله عنه فجاء فصلى، ثم انصرف، فخطب، وقال: إنه قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان، فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظرها، ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له.
ومنها ما رواه النسائي وابن خزيمة في صحيحه والحاكم في مستدركه عن وهب بن كيسان، قال: اجتمع عيدان على عهد ابن الزبير
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
فأخر الخروج حتى تعالى النهار، ثم خرج فخطب فأطال الخطبة، ثم نزل فصلى ولم يصل للناس يومئذ الجمعة فذكر ذلك لابن عباس رضي الله عنهما فقال: «أصاب السنة»، زاد ابن خزيمة، والحاكم فبلغ ابن الزبير، فقال: رأيت عمر بن الخطاب إذا اجتمع عيدان صنع مثل هذا، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي في تلخيصه، وقد رواه أبو داود في سننه من حديث عطاء بن أبي رباح بنحوه، وفي رواية له عن عطاء، قال: اجتمع يوم جمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير، فقال: «عيدان اجتمعا في يوم واحد، فجمعهما جميعًا فصلاهما ركعتين بكرة، لم يزد عليهما حتى صلى العصر».
ومنها ما رواه ابن جرير في تفسيره، والطبراني في الأوسط عن قبيصة بن ذؤيب قال: قال كعب: لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية؛ لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم فاتخذوه عيدًا يجتمعون فيه، فقال عمر رضي الله عنه: أي آية يا كعب فقال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}، فقال عمر رضي الله عنه: قد علمت اليوم الذي أنزلت فيه، والمكان الذي أنزلت فيه يوم الجمعة ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد.
ومنها ما رواه وابن جرير عن عمار بن أبي عمار، قال: قرأ ابن عباس رضي الله عنهما {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}، وعنده يهودي، فقال: لو أنزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدًا، فقال ابن عباس رضي الله عنهما فإنها نزلت في يوم عيدين في يوم الجمعة ويوم عرفة، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)