ضلالة في النار» وقال في حديث عائشة رضي الله عنها: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وقال في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» وقال فيما رواه أنس بن مالك وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: «من رغب عن سنتي فليس مني» وقد تقدم إيراد هذه الأحاديث مع عزوها إلى مخرجيها في أول الكتاب وفي أثنائه فلتراجع (1).
وتقدم أيضًا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه أمر بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن ناسًا يأتونها، وتقدم عنه أيضًا أنه أنكر على الذين يبتدرون إلى مسجد قد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «هكذا هلك أهل الكتاب اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل ومن لم تعرض له فيه الصلاة فلا يصل» وتقدم أيضًا عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه أنكر أشد الإنكار على الذين يجتمعون للذكر ويعدون التسبيح والتهليل والتكبير بالحصى وقال لهم: «والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد صلى الله عليه وسلم أو مفتتحو باب ضلالة»
وفي رواية أنه قال لهم: «والذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلماء أو لقد فضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علمًا»
وفي رواية أنه لم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد، وقد أنكر عليهم أبو موسى الأشعري أيضًا--------------------------------------------
(1) (10، 11) (27، 110).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
وقد أنكر الصحابة رضي الله عنهم على الخوارج وقاتلهم علي رضي الله عنه ومن معه، وأنكر الصحابة على الغلاة من الروافض وعلى القدرية، وقد تقدم كل هذا فليراجع (1) ففيه مع ما تقدم قبله من الأحاديث المرفوعة أبلغ رد على من نصب نفسه لتأييد بدعة المولد والذب عنها وزعم أن التسامح الديني هو سمة ديننا الحنيف.
الوجه الثالث: أن يُقال إن التسامح في المجادلة والمخاطبة والمناقشة مع المسلمين إنما تكون مع الجاهل منهم إذا وقع منه ما لا يجوز من قول أو فعل فيوعظ بلطف ولين فإن أصر بعد العلم عومل بما يستحقه من هجر أو تأديب، وأما غير الجاهل ممن يكابر في رد الحق أو يجادل في نصر الباطل فإنه يقابل بالشدة ويعامل بما يمنعه ويردعه وأما غير المسلمين فمن رجي إسلامهم فإنهم يجادلون بالتي هي أحسن، ومن لم يرج إسلامهم فإنهم يقاتلون إن أمكن قتالهم والله أعلم.
فصل: والمنكرون لبدعة المولد كثيرون،
ومنهم شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية، رحمه الله تعالى في كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم» فقد بسط القول في ذم أعياد المشركين من أهل الكتاب والأعاجم وغيرهم ثم قال بعد ذلك: ومن المنكرات في هذا الباب سائر الأعياد والمواسم المبتدعة فإنها من المنكرات المكروهات سواء بلغت الكراهة التحريم أو لم تبلغه وذلك أن أعياد أهل الكتاب--------------------------------------------
(1) ص (36 - 39، 45، 46، 110 - 120).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
والأعاجم نهي عنها لسببين أحدهما: أن فيها مشبهة للكفار والثاني: أنها من البدع، فما أحدث من المواسم والأعياد فهو منكر وإن لم يكن فيه مشابهة لأهل الكتاب لوجهين:
أحدهما: أن ذلك داخل في مسمى البدع والمحدثات فيدخل فيما رواه مسلم في صحيحه عن جابر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم ويقول: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» وفي رواية للنسائي «وكل ضلالة في النار» وفيما رواه أيضًا في الصحيح عن عائشة، رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وفي لفظ في الصحيحين «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي الحديث الصحيح الذي رواه أهل السنن عن العرباض بن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» وهذه قاعدة قد دلت عليها السنة والإجماع مع ما في كتاب الله من الدلالة عليها أيضًا قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله أو أوجبه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه الله فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكًا لله شرع له من الدين ما لم يأذن به الله، وقد قال سبحانه: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} قال عدي بن حاتم للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ما عبدوهم قال: «ما عبدوهم ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم» فمن أطاع أحدًا في دين لم يأذن به الله من تحليل أو تحريم أو استحباب أو إيجاب فقد
لحقه من هذا الذم نصيب، ويلحق الذم من يبين له الحق فيتركه أو من قصر في طلبه حتى لم يتبين له أو أعرض عن طلب معرفته لهوى أو لكسل أو نحو ذلك. قال والأصل في العبادات أن لا يشرع منها إلا ما شرعه الله، وهذه المواسم المحدثة إنما نهي عنها لما حدث فيها من الدين الذي يتقرب به، قال واعلم أن هذه القاعدة وهي الاستدلال بكون الشيء بدعة على كراهته قاعدة عظيمة ثم ذكر الشيخ رحمه الله تعالى بعد كلام طويل أن العيد يكون اسمًا لنفس المكان ولنفس الزمان ولنفس الاجتماع، قال وهذه الثلاثة قد أحدث منها أشياء.
أما الزمان فثلاثة أنواع ويدخل فيها بعض بدع أعياد المكان والأفعال أحدها يوم لم تعظمه الشريعة أصلاً ولم يكن له ذكر في وقت السلف ولا جري فيه ما يوجب تعظيمه مثل أول خميس من رجب وليلة تلك الجمعة التي تسمى الرغائب، فإن تعظيم هذا اليوم والليلة إنما حدث في الإسلام بعد المائة الرابعة وروي فيه حديث موضوع باتفاق العلماء مضمونة فضيلة صيام ذلك اليوم وفعل هذه الصلاة المسماة عند الجاهلين بصلاة الرغائب، والصواب الذي عليه المحققون من أهل العلم النهي عن إفراد هذا اليوم بالصوم وعن هذه الصلاة المحدثة وعن كل ما فيه تعظيم لهذا اليوم من صنعة الأطعمة وإظهار الزينة ونحو ذلك حتى يكون هذا اليوم بمنزلة غيره من بقية الأيام وحتى لا يكون له مزية أصلاً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
النوع الثاني: ما جرى فيه حادثة كما كان يجري في غيره من غير أن يوجب ذلك جعله موسمًا ولا كان السلف يعظمونه كثامن عشر ذي الحجة الذي خطب فيه النبي صلى الله عليه وسلم بغدير خم مرجعه من حجة الوداع، ثم ذكر الشيخ أن اتخاذ هذا اليوم عيدًا محدث لا أصل له فلم يكن في السلف لا من أهل البيت ولا من غيرهم من اتخذ ذلك عيدً حتى يحدث فيه أعمالاً إذ الأعياد شريعة من الشرائع، فيجب فيها الاتباع لا الابتداع وللنبي صلى الله عليه وسلم خطب وعهود ووقائع في أيام معددة مثل يوم بدر وحنين والخندق وفتح مكة ووقت هجرته ودخول المدينة وخطب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين، ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ مثال تلك الأيام أعيادًا وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثل أيام حوادث عيسى عليه السلام أعيادًا واليهود، وإنما العيد شريعة فما شرعه الله اتبع وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه وكذلك ما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد، لا على البدع من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيدًا مع اختلاف الناس في مولده، فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له وعدم المانع، ولو كان هذا خيرًا محضًا أو راجحًا لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا له منا وهم على الخير أحرص وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره وإحياء سنته باطنًا وظاهرا، ونشر ما بعث به والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان فإن هذه هي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وأكثر هؤلاء الذين تجدونهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
حرصاء على أمثال هذه البدع مع ما لهم فيها من حسن القصد والاجتهاد الذي يرجى لهم به المثوبة تجدونهم فاترين في أمر الرسول عما أمروا بالنشاط فيه، وإنما هم بمنزلة من يحلي المصحف ولا يقرأ فيه أو يقرأ فيه ولا يتبعه، وبمنزلة من يزخرف المسجد ولا يصلي فيه أو يصلي فيه قليلا، وبمنزلة من يتخذ المسابح والسجادات المزخرفة وأمثال هذه الزخارف الظاهرة التي لم تشرع ويصحبها من الرياء والكبر والاشتغال عن المشروع ما يفسد حال صاحبها إلى أن قال: فتعظيم المولد واتخاذه موسمًا قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما قدمته لك، أنه يحسن من بعض الناس ما يستقبح من المؤمن المسدد انتهى المقصود من كلامه ملخصا.
وقد علق الشيخ حامد الفقي رحمه الله تعالى على موضعين من كلام شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية، رحمه الله تعالى أولهما قوله: عن الذين يتخذون المولد محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا له والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد، قال الشيخ حامد الفقي كيف يكون لهم ثواب على هذا وهم مخالفون لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهدي أصحابه، فإن قيل لأنهم اجتهدوا فأخطئوا فنقول أي اجتهاد في هذا، وهل تركت نصوص العبادات مجالاً للاجتهاد؟، والأمر فيه واضح كل الوضوح، وما هو إلا غلبة الجاهلية وتحكم الأهواء حملت الناس على الإعراض عن هدي رسول صلى الله عليه وسلم إلى دين اليهود والنصارى والوثنين فعليهم ما يسحقونه من لعنة الله وغضبه، وهل تكون محبة وتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن هديه وكرهه وكراهية ما جاء به من الحق لصلاح الناس من عند ربه والمسارعة إلى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
الوثنية واليهودية والنصرانية، ومن هم أولئك الذين أحيوا تلك الأعياد الوثنية هل هم مالك، أو الشافعي، أو أحمد، وأبو حنيفة، أو السفيانان، أو غيرهم من أئمة الهدي رضي الله عنهم حتى يعتذر لهم ولأخطائهم كلا بل ما أحدث هذه الأعياد الشركية إلا العبيديون الذين أجمعت الأمة على زندقتهم، وأنهم كانوا أكفر من اليهود والنصارى وأنهم كانوا وبالا على المسلمين وعلى أيديهم وبدسائسهم وما نفثوا في الأمة من سموم الصوفية الخبيثة، انحرف المسلمون عن الصراط المستقيم حتى كانوا مع المغضوب عليهم والضالين وكلام شيخ الإسلام نفسه يدل على خلاف ما يقول من إثابتهم؛ لأن حب الرسول وتعظيمه الواجب على كل مسلم إنما هو باتباع ما جاء به من عند الله كما قال الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}.
الموضع الثاني: قوله وكثر هؤلاء الذين تجدونهم حرصاء على أمثال هذه البدع مع ما لهم فيها من حسن القصد الذي يرجى لهم به المثوبة إلى آخر كلامه الذي تقدم ذكره، قال الشيخ حامد الفقي: فكيف مع هذا يرجى لهم ثواب أو تقبل منهم دعوى حسن قصد، وهل الأعمال الظاهرة إلا عناوين للمقاصد والنوايا وإذا كان لهؤلاء ثواب على بدعتهم فليكن لليهود والنصارى وكل كافر إذا ثواب على ما يأتون من الكفر والوثنية لأنهم يقسمون جهد أيمانهم أنهم لا يقصدون به إلا الإحسان والتوفيق انتهى كلام الشيخ حامد الفقي.
قلت: ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن الذين يتخذون المولد عيدًا أن الله تعالى قد يثيبهم، وقوله أيضًا: أنه يرجى لهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
المثوبة على حسن القصد والاجتهاد، وقوله أيضًا: إن تعظيم المولد واتخاذه موسمًا قد يفعله بعض الناس ويكون فيه أجر عظيم، كل هذا فيه نظر وقد تتقدم حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومسّاكم ويقول: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» رواه الإمام أحمد ومسلم وابن ماجه والدارمي ورواه النسائي ولفظه: «إن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» وفي النص على أن شر الأمور محدثاتها وأن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار أوضح دليل على أنه لا ثواب ولا أجر للذين يأخذون المولد عيدًا بل فيه دليل على الوعيد الشديد لهم؛ لأنهم قد فعلوا شرًا وضلالة وقد قال صلى الله عليه وسلم: «وكل ضلالة في النار».
وأيضًا فإن الله تعالى قال: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وفي هذه الآية تهديد شديد ووعيد أكيد لمن خالف أمر الرسول صلى الله عليه وسلم قال ابن كثير رحمه الله تعالى: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم هو سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قبل وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائنًا من كان انتهى.
قلت: ولا يخفى ما في اتخاذ المولد عيدًا من الزيادة على ما شرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من الأعياد وما في ذلك من مخالفة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
الأمر الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، وارتكاب ما حذر النبي صلى الله عليه وسلم منه حيث قال: «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقال أيضًا: «وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» وعلى هذا فالذين يتخذون المولد عيدًا ليسوا من الذين ترجى لهم المثوبة على هذه البدعة وإنما هم من الذين تخشى عليهم العقوبة على مخالفتهم للأمر الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم.
وأيضًا فإن الله تعالى قال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} وفي هذه الآية وعيد شديد لمن خالف أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وارتكب نهيه، ومن ذلك اتخاذ المولد عيدًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر به ولم يكن من هديه ولا من عمل أصحابه رضي الله عنهم وإنما هو نوع من أنواع المحدثات التي حذر منها وأخبر أنها شر وضلالة، وما كان بهذه المثابة فإنه لا يرجى لفاعليه مثوبة وإنما تخشى عليهم العقوبة.
وقد تقدم (1) ما قرره شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى من أن العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع، وأن الإسلام مبني على أصلين:
أحدهما: أن لا نعبد إلا الله.
والثاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم لا نعبده بالأهواء والبدع وأنه ليس لأحد أن يعبد الله إلا بما شرعه على--------------------------------------------
(1) ص (73 - 75).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من واجب ومستحب، ولا يعبده بالأمور المبتدعة، وأنه لا ينبغي لأحد أن يخرج عما مضت به السنة وجاءت به الشريعة ودل عليه الكتاب والسنة وكان عليه سلف الأمة، وأن من خرج عما أمره به الرسول من الشريعة وتعبد بالبدعة فلم يحقق شهادة أن محمدًا رسول الله، وما ذكره عن الفضيل بن عياض أنه قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذ كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا. والخالص: أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة وذلك تحقيق قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} فليراجع كلامه ففي كل جملة منه رد على الذين يتخذون المولد عيدًا، ورد أيضًا لقوله عن الذين يتخذون المولد عيدًا أن الله قد يثيبهم ولقوله أيضًا أنه يرجى لهم المثوبة على حسن القصد والاجتهاد ولقوله أيضًا أن تعظيم المولد واتخاذه موسمًا قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم فكلام الشيخ رحمه الله تعالى في هذه الجمل الثلاث مردود بكلامه الذي تقدم ذكره في أثناء الكتاب (1) ومردود أيضًا بقوله في كلامه الذي تقدم ذكره قريبًا (2) أن سائر الأعياد والمواسم المبتدعة من المنكرات المكروهات سواء بلغت الكراهة التحريم أو لم تبلغه، وبقوله أيضًا: إن ما أحدث من المواسم والأعياد فهو منكر وإن لم يكن فيه مشابهة لأهل الكتاب.
وبقوله أيضًا: إن من ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله أو أوجبه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه الله فقد شرع من الدين ما لم يأذن به--------------------------------------------
(1) ص (73 - 75).
(2) ص (144، 145).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكًا لله شرع له من الدين ما لم يأذن به الله، وبقوله إن من أطاع أحدًا في دين لم يأذن به الله من تحليل أو تحريم أو استحباب أو إيجاب فقد لحقه من الذم نصيب، فلتتأمل هذه الجمل من كلام شيخ الإسلام أبي العباس، رحمه الله تعالى ففيها رد لما جاء في كلامه من رجاء المثوبة والأجر العظيم للذين يخذون المولد عيدًا ويعظمونه وكيف ترجى المثوبة والأجر العظيم للذين لم يحققوا شهادة أن محمدًا رسول الله وكان عملهم مخالفًا لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان هذا بعيد جدًا والله أعلم.
وقد ذكر الشاطبي في كتاب «الاعتصام» ما جاء في المبسوطة عن يحيى بن يحيى أنه ذكر الأعراف وأهله فتوجع واسترجع، ثم قال: قوم أرادوا وجهًا من الخير فلم يصيبوه فقيل له: يا أبا محمد أفيرجى لهم مع ذلك لسعيهم ثواب فقال ليس في خلاف السنة رجاء ثواب انتهى، وفيه رد لما جاء في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس أيضًا في جواب له في صفحة 298 من المجلد الخامس والعشرين من مجموع الفتاوى، وأما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الأول التي يقال إنها ليلة المولد أو بعض ليالي رجب أو ثامن عشر ذي الحجة أو أول جمعة من رجب أو ثامن شوال الذي يسميه الجهال عيد الأبرار فإنها من البدع التي لم يستحبها السلف ولم يفعلوها انتهى.
ومن المنكرين لبدعة المولد من أكابر العلماء المحققين إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي رحمه الله تعالى فقد ذكر بعض
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
أنواع البدع في أول كتابه «الاعتصام» وعد منها اتخاذ يوم ولادة النبي صلى الله عليه وسلم عيدًا وكلامه في ذم المولد في صفحة 34 من الجزء الأول المطبوع في مطبعة المنار بمصر سنة 1331 هـ.
ومنهم أبو عبد الله ابن الحاج في كتابه «المدخل» فقد قال فيه «فصل في المولد» ومن جملة ما أحدثوه من البدع مع اعتقادهم أن ذلك من أكبر العبادات وإظهار الشعائر ما يفعلونه في شهر ربيع الأول من المولد، وقد احتوى على بدع ومحرمات جمة، فمن ذلك استعمالهم الأغاني ومعهم آلات الطرب من الطار المصرصر والشبابة وغير ذلك مما جعلوه آلة للسماع، ومضوا في ذلك على العوائد الذميمة في كونهم يشتغلون في أكثر الأزمنة التي فضلها الله تعالى وعظمها ببدع ومحرمات ولا شك أن السماع في غير هذه الليلة فيه ما فيه فكيف به إذا انضم إلى فضيلة هذا الشهر العظيم الذي فضله الله تعالى وفضلنا فيه بهذا النبي صلى الله عليه وسلم الكريم على ربه عز وجل وقد نقل ابن الصلاح رحمه الله تعالى أن الإجماع منعقد على أن آلات الطرب إذا اجتمعت فهي محرمة، ومذهب مالك أن الطار الذي فيه الصراصر محرم، وكذلك الشبابة، ويجوز الغربال لإظهار النكاح فآلة الطرب والسماع أي نسبة بينها وبني تعظيم هذا الشهر الكريم الذي من الله تعالى علينا فيه بسيد الأولين والآخرين، ثم أطال الكلام في ذكر المولد وصرح في عدة مواضع من كلامه أنه بدعة وأطال الكلام أيضًا في ذكر ما يفعل فيه من أنواع المنكرات من الغناء والرقص واستعمال آلات اللهو والطرب واختلاط الرجال والنساء وغير ذلك من المنكرات التي ذكرها وبالغ في ذمها والتحذير منها إلى أن قال: ألا ترى أنهم لما خالفوا السنة المطهرة وفعلوا المولد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
لم يقتصروا على فعله، بل زادوا عليه ما تقدم ذكره من الأباطيل المتعددة فالسعيد من شد يده على امتثال الكتاب والسنة والطريق الموصلة إلى ذلك وهي اتباع السلف الماضين؛ لأنهم أعلم بالسنة منا إذ هم أعرف بالمقال وأفقه بالحال، وكذلك الاقتداء بمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وليحذر من عوائد أهل لوقت وممن يفعل العوائد الرديئة وهذه المفاسد مركبة على فعل المولد إذا عمل بالسماع فإن خلا منه وعمل طعامًا فقط ونوى به المولد ودعا إليه الإخوان وسلم من كل ما تقدم ذكره فهو بدعة بنفس نيته فقط، إذ أن ذلك زيادة في الدين وليس من عمل السلف الماضين، واتباع السلف أولى بل وجب من أن يزيد نية مخالفة لما كانوا عليه لأنهم أشد الناس اتباعًا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا له ولسنته صلى الله عليه وسلم ولهم قدم السبق في المبادرة إلى ذلك، ولم ينقل عن أحد منهم أنه نوى المولد ونحن لهم تبع فيسعنا ما وسعهم إلى أن قال: ثم انظر رحمنا الله وإياك إلى مخالفة السنة ما أشنعها، ألا ترى أنهم لما ابتدعوا فعل المولد على ما تقدم تشوفت نفوس النساء لفعل ذلك.
وقد تقدم ما في مولد الرجال من البدع والمخالفة للسلف الماضين فكيف إذا فعله النساء لا جرم أنهن لما فعلنه ظهرت فيه عورات جمة ومفاسد عديدة، ثم ذكر بعض لمفاسد التي تقع في المولد الذي تفعله النساء إلى أن قال: وقد تقدم أن خروج المرأة لا يكون إلا لضرورة شرعية، وخروجها للمولد ليس لضرورة شرعية بل للبدع والمناكر والمحرمات، قال: ثم العجب العجيب كيف يعملون المولد بالأغاني والفرح والسرور لأجل مولده، عليه الصلاة والسلام في هذا الشهر الكريم، وهو عليه الصلاة والسلام انتقل فيه إلى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
كرامة ربه عز وجل وفجعت الأمة فيه وأصيبت بمصاب عظيم لا يعدل ذلك غيرها من المصائب أبدًا، فعلى هذا كان يتعين البكاء والحزن الكثير لما أصيب به، فانظر في هذا الشهر الكريم كيف يلعبون فيه ويرقصون ولا يبكون ولا يحزنون، ولو فعلوا ذلك لكان أقرب إلى الحال، مع أنهم لو فعلوا ذلك والتزموه لكان أيضًا بدعة، ولو قال قائل أنا أعمل المولد للفرح والسرور لولادته صلى الله عليه وسلم ثم أعمل يومًا آخر للمأتم والحزن والبكاء عليه. فالجواب أنه قد تقدم أن من عمل طعامًا بنية المولد ليس إلا، وجمع له الإخوان فإن ذلك بدعة فكيف إذا كرر ذلك مرتين مرة للفرح ومرة للحزن فتزيد البدع ويكثر اللوم عليه من جهة الشرع؟، انتهى المقصود من كلامه ملخصا وفيه رد على ما زعمه الرفاعي تقليدًا للسيوطي، حيث أوهم من لا علم عندهم أن كلام ابن الحاج على عمل لمولد حاصله مدح ما كان فيه من إظهار شعار وشكر، والواقع في الحقيقة بخلاف ما زعمه السيوطي ومن قلده فإن ابن الحاج قد صرح في عدة مواضع من كلامه أن عمل المولد من البدع، وصرح أيضًا أنه زيادة في الدين وليس من عمل السلف الماضين.
وقد جاء في أول كلام ابن الحاج في ذم المولد جملة ينبغي التنبيه عليها وهي قوله: «فكان يجب أن يزاد فيه أي في شهر ربيع الأول من العبادات والخير شكرًا للمولى سبحانه وتعالى على ما أولانا من هذه النعم العظيمة، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يزد فيه على غيره من الشهور شيئا من العبادات وما ذاك إلا لرحمته، صلى الله عليه وسلم بأمته ورفقه بهم لأنه عليه الصلاة والسلام كان يترك العمل خشية أن يفرض على أمته رحمة منه بهم، لكن أشار
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
عليه الصلاة والسلام إلى فضيلة هذا الشهر العظيم بقوله عليه الصلاة والسلام: «ذلك يوم ولدت فيه» فتشريف هذا اليوم متضمن لتشريف هذا الشهر الذي ولد فيه فينبغي أن نحترمه حق الاحترام ونفضله بما فضل الله به الأشهر الفاضلة إلى أن قال: فإن قال قائل قد التزم عليه الصلاة والسلام ما التزمه في الأوقات الفاضلة مما قد علم ولم يلتزم في هذا الشهر ما التزمه في غيره، فالجواب إن المعنى الذي لأجله لم يلتزم عليه الصلاة والسلام شيئًا في هذا الشهر الشريف إنما هو ما قد علم من عادته الكريمة في كونه عليه الصلاة والسلام يريد الخفيف عن أمته - إلى أن قال- فتعظيم هذا الشهر الشريف إنما يكون بزيادة الأعمال الزاكيات فيه والصدقات إلى غير ذلك من القربات انتهى.
والجواب: أن يُقال أما زعمه أنه يجب أن يزد في شهر ربيع الأول من العبادات والخير فهو مردود بقوله: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزد فيه على غيره من الشهور شيئًا من العبادات، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يزد فيه على غيره من الشهور شيئًا من العبادات فلا يجوز لأحد أن يزيد فيه شيئًا لأن العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع،
وقد قال الله تعالى: {فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}، وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ} وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من رغب عن سنتي فليس مني» وقال صلى الله عليه وسلم «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وقال - صلى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
الله عليه وسلم -:
«لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» (1).
وأما قوله إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزد فيه على غيره من الشهور شيئًا من العبادات رحمة بأمته ورفقًا بهم.
فجوابه أن يقال إنه يجب على كل أحد أن يتبع هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يزيد عليه فإن الزيادة على هديه شر وضلالة كما جاء في الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: «وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة».
وقال أيضًا: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة».
وأما قوله أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى فضيلة شهر ربيع الأول بقوله للسائل الذي سأله عن صوم يوم الاثنين فقال: «ذلك يوم ولدت فيه».
فجوابه أن يُقال إنه لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على فضيلة شهر ربيع الأول وإنما جاء عنه الترغيب في صيام يوم الاثنين من كل أسبوع في السنة كلها كما جاء عنه الترغيب في صيام يوم الخميس أيضًا، وقد علل صيامهما بأنهما يومان تعرض فيهما الأعمال على الله تعالى وأنه يحب أن يعرض عمله وهو صائم. وقد--------------------------------------------
(1) قد تقدم إيراد هذه الأحاديث في ص (11، 27، 79/ 80).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
ذكرت الوارد في ذلك في أول الكتاب فليراجع (1) ففيه أبلغ رد على من توهم أن ترغيب النبي صلى الله عليه وسلم في صيام يوم الاثنين إنما أراد به الإشارة إلى فضيلة شهر ربيع الأول ولو كان الأمر على ما توهمه هذا القائل لكان الترغيب في صوم يوم الاثنين مقصورا على أيام الاثنين التي تكون في شهر ربيع الأول دون غيره من سائر الشهور.
وأما قوله: فينبغي أن نحترمه حق الاحترام ونفضله بما فضل الله به الأشهر الفاضلة.
فجوابه: أن يُقل إن الله تعالى قد نوه في كتابه العزيز بذكر شهر رمضان وأشهر الحج وعشر ذي الحجة ويوم الحج الأكبر وأيام التشريق والأشهر الحرم، ولم يذكر غيرها من الشهور، وعلى هذا فلا ينبغي أن يسوى في التفضيل بين ما نوه الله بذكره من الشهور والأيام وبين ما لم يذكر في القرآن فإن هذا من الجمع بين ما فرق الله بينه.
وأما قوله: إن المعنى الذي لأجله لم يلتزم عليه الصلاة والسلام في شهر ربيع الأول ما التزمه في غيره إنما هو ما قد علم من عادته في كونه عليه الصلاة والسلام يريد التخفيف عن أمته.
فجوابه: أن يُقال ليست إرادة النبي صلى الله عليه وسلم التخفيف على الأمة خاصة بشهر ربيع الأول وإنما هي عامة في جميع الأشهر، ولم يأت عنه صلى الله عليه وسلم ما يدل على أنه كان--------------------------------------------
(1) ص62/ 63.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
يريد الإكثار من العمل في شهر ربيع الأول وأنه ترك ذلك قصدًا للتخفيف على الأمة وإنما هذا من التوهمات التي لم تستند إلى دليل.
وأما قوله فتعظيم هذا الشهر إنما يكون بزيادة الأعمال الزاكيات فيه والصدقات إلى غير ذلك من القربات.
فجوابه أن أقول قد ذكرت قريبًا القاعدة المشهورة: وهي أن العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع، وبناء على هذه القاعدة فإنه لم يقم دليل على ما ذهب إليه ابن لحاج في تعظيم شهر ربيع الأول، وما ليس عليه دليل فليس عليه تعويل، وقد كرر القول في ذم المولد وصرح في عدة مواضع من كلامه بأنه بدعة ومع هذا فقد قابل بدعة المولد ببدعة أخرى وهي الترغيب في تعظيم شهر ربيع الأول بزيادة الأعمال الزاكيات فيه والصدقات وغير ذلك من القربات، وهذه البدع كلها مردودة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» وبقوله أيضًا: «من رغب عن سنتي فليس مني» وبقوله أيضًا: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» وقد تقدمت هذه الأحاديث وأشرت إلى مواضعها قريبًا.
وممن ألف في إنكار بدعة المولد وذمها تاج الدين عمر بن علي اللخمي السكندري المشهور بالفاكهاني من متأخري المالكية وقد سمي كتابه «المورد في الكلام على عمل المولد» وقال فيه بعد لخطبة ما بعد فإنه تكرر سؤال جماعة من المباركين عن الاجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول ويسمونه المولد هل له أصل في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
الشرع أو هو بدعة وحدث في الدين؟ وقصدوا الجواب عن ذلك فقلت وبالله التوفيق؛ لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة ولم ينقل عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطالون وشهوة نفس اعتنى بها الأكالون بدليل أنا إذا درنا عليه الأحكام الخمسة قلنا: إما أن يكون واجبًا أو مندوبًا أو مباحًا أو مكروهًا أو محرمًا وليس بواجب إجماعًا ولا مندوبًا؛ لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع من غير ذم على تركه وهذا لم يأذن فيه الشرع ولا فعله الصحابة ولا التابعون ولا العلماء المتدينون فيما علمت، وهذا جوابي عنه بين يدي الله تعالى إن عنه سئلت ولا جائز أن يكون مباحًا لأن الابتداع في الدين ليس مباحًا بإجماع المسلمين فلم يبق إلا أن يكون مكروها أو حرامًا وحينئذ يكون الكلام فيه في فصلين والتفرقة بين حالين.
أحدهما: أن يعمله رجل من عين ماله لأهله وأصحابه وعياله لا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام ولا يقترفون شيئًا من الآثام وهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة الذين هم فقهاء الإسلام وعلماء الأنام.
والثاني: أن تدخله الجناية وتقوى به العناية حتى يعطي أحدهم الشيء ونفسه تتبعه لا سيما إن أنصاف إلى ذلك شيء من الغناء بآلات الباطل من الدفوف والشبابات واجتماع الرجال مع الشباب المرد والنساء الفاتنات إما مختلطات بهم أو مشرفات، والرقص بالتثني والانعطاف والاستغراق في اللهو ونسيان يوم المخاف، وكذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالتهنيك والتطريب في الإنشاد والخروج في التلاوة والذكر عن المشروع والأمر المعتاد وهذا لا يختلف في تحريمه اثنان إلى أن قال هذا مع أن الشهر الذي ولد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
فيه صلى الله عليه وسلم وهو ربيع الأول هو بعينه الشهر الذي توفي فيه فليس الفرح فيه بأولى من الحزن فيه، انتهى المقصود من كلامه ملخصًا، وممن كتب في إنكار بدعة المولد أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي وشيخه بشير الدين القنوجي ذكر ذلك شمس الحق في تعليقه على "كتاب الأقضية والأحكام" من سنن الدارقطني عند الكلام على حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» قال شمس الحق ولشيخنا العلامة بشير الدين القنوجي في ذلك الباب كتاب مستقل سماه "غاية الكلام في إبطال عمل المولد والقيام".
وممن كتب في إنكار بدعة المولد وذمها رشيد رضا في صلى الله عليه وسلم 111 من الجزء السابع عشر من المنار وهو أيضًا في صلى الله عليه وسلم 1242 - 1243 من المجلد الرابع من فتاوى رشيد رضا فقد سئل عن قراءة القصص المسماة بالموالد هل هي سنة أم بدعة ومن أول من فعل ذلك فأجاب بقوله: «هذه الموالد بدعة بلا نزاع وأول من ابتدع الاجتماع لقراءة قصة المولد النبوي أحد ملوك الشراكسة بمصر».
قلت قد جزم السيوطي في رسالته التي سماها "حسن المقصد في عمل المولد" أن أول من أحدث الاحتفال بالمولد صاحب إربل الملك المظفر أبو سعيد كوكبري بن زين الدين علي بن بكتكين وكانت وفاته في سنة ثلاثين وست مائة وقد ذكر ابن كثير وابن خلكان وغيرهما عنه أنه كان يعمل المولد في ربيع الأول.
ولرشيد رضا أيضًا جواب آخر عن بدعة المولد وهو مذكور في ص664 - 668 من الجزء التاسع والعشرين من المنار، وهو أيضًا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)