وسلم -
لم يخص يوم مولده بشيء من الأعمال دون سائر الأيام فليس لأحد من الناس أن يبتدع فيه أعمالا لم يأذن بها الله ولم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد ذكرت في أول الكتاب (1) حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي رواية «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، وهذا الحديث الصحيح هو الحجة القاطعة على رد ما أحدثه سلطان إربل وغيره في ليلة المولد.
وأما قول الرفاعي: كما يؤخذ تكريم وتعظيم المكان المرتبط بنبي من قوله تعالى مخاطبًا هذه الأمة {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}.
فجوابه أن أقول: قد ذكرت مرارًا أن العبادات مبناها على التوقيف والاتباع، لا على الرأي والابتداع، فما عظمه الله ورسوله من زمان أو مكان فإنه يستحق التعظيم وما لا فلا، والله تبارك وتعالى قد أمر عباده أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، ولم يأمرهم أن يتخذوا يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيدًا ويبتدعوا فيه بدعًا لم يؤمروا بها، وأما قياس المكان لمرتبط ببعض الأنبياء على الصلاة خلف مقام إبراهيم فهو من أفسد القيام، وهو من جنس قياس الذين قالوا إنما البيع مثل الربا، وتعظيم الأمكنة المرتبطة ببعض الأنبياء من أعظم الوسائل إلى الشرك، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن اتخاذ قبره عيدًا، وأنه نهى عن اتخاذ القبور مساجد، وثبت عنه أنه لعن اليهود والنصارى الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وإنما--------------------------------------------
(1) ص (11).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
تركت إيراد الأحاديث في ذلك إيثارًا للاختصار. وقد تقدم (1) ما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح إلى نافع أنه قال: بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن ناسًا يأتون الشجرة التي بويع تحتها، قال: فأمر بها فقطعت، وتقدم أيضًا (2) ما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن المعرور بن سويد، قال: خرجنا مع عمر رضي الله عنه في حجة حجها، فلما قضى حجه ورجع رأى الناس يبتدرون، فقال ما هذا؟ فقالوا مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هكذا هلك أهل الكتاب، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل»، فهذا قول الخليفة الراشد في الإنكار على الذين يعظمون الشجرة التي بويع تحتها النبي صلى الله عليه وسلم، والذين يعظمون المكان الذي قد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان تعظيم الأمكنة المرتبطة ببعض الأنبياء جائزًا لما قطع عمر رضي الله عنه الشجرة التي بويع النبي صلى الله عليه وسلم تحتها، ولما نهى الناس عن تحري الصلاة في المسجد الذي قد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي فعل عمر رضي الله عنه وقوله أبلغ رد على ما رآه الرفاعي من القياس الفاسد، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر وقلبه» رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح--------------------------------------------
(1) ص45.
(2) ص46.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
غريب، قال: وفي الباب عن الفضل بن العباس وأبي ذر وأبي هريرة، انتهى.
ولفظه عند ابن حبان: «إن الله جعل الحق على لسان عمر يقول به»، وروى الإمام أحمد أيضًا، وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه»، وروي الإمام أحمد أيضًا، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم في مستدركه، عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به»، قال: الحاكم صحيح على شرط الشيخين، وقال الذهبي في تلخيصه صحيح على شرط مسلم. وروي الإمام أحمد أيضًا، والترمذي، وابن ماجه والبخاري في التاريخ، والحاكم في مستدركه عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر»، قال الترمذي: هذا حديث حسن، وصححه الحاكم، والذهبي.
وقد قال ابن وضاح في كتاب "البدع والنهي عنها": كان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد، وتلك الآثار للنبي صلى الله عليه وسلم ما عدا قباء وأحدًا، قال ابن وضاح: وسمعتهم يذكرون أن سفيان الثوري دخل مسجد بيت المقدس فصلى فيه ولم يبع تلك الآثار ولا الصلاة فيها، وكذلك فعل غيره أيضًا ممن يقتدى به، وقدم وكيع أيضًا مسجد بيت المقدس فلم يعد فعل سفيان، قال ابن وضاح: فعليكم بالاتباع لأئمة الهدى المعروفين، فقد قال: بعض من مضى كم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
كان منكرا عند من مضى، ومتحبب إليه بما يبغضه عليه، ومتقرب إليه بما يبعده منه، وكل بدعة عليها زينة وبهجة، انتهى.
وأما قول الرفاعي تقليدًا لابن علوي: وكذلك من طلب جبريل عليه السلام ليلة الإسراء والمعراج من النبي، صلى الله عليه وسلم بصلاة ركعتين ببيت لحم، ثم قال: أتدري أين صليت قال: لا، قال: صليت ببيت لحم، حيث ولد عيسى عليه السلام.
فجوابه أن يقال: قد جاء ذكر الصلاة في بيت لحم في حديثين عن أنس بن مالك، وشداد بن أوس رضي الله عنهم، وقد تكلم الحافظ ابن كثير في كل من الحديثين، فأما حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، فقال فيه غرابة، ونكارة جدًا قلت: قد رواه النسائي في سننه عن عمرو بن هشام عن مخلد، وهو ابن يزيد القرشي عن سعيد بن عبد العزيز عن يزيد بن أبي مالك عن أنس بن مالك رضي الله عنه وقد قال الحافظ ابن حجر في كل من يزيد ومخلد: إنه صدوق له أوهام، وقال الذهبي في "الميزان": يزيد بن أبي مالك صاحب تدليس وإرسال عمن لم يدرك، وقال يعقوب الفسوي: يزيد بن أبي مالك فيه لين، وقال الذهبي أيضًا في ترجمة مخلد بن يزيد القرشي: صدوق مشهور روى حديثًا في الصلاة مرسلا فوصله، قال أبو داود: مخلد شيخ، إنما رواه الناس مرسلا، وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة مخلد بن يزيد القرشي من "تهذيب التهذيب": قال الأثرم عن أحمد لا بأس به، وكان يهم، وقال الساجي: كان يهم، ثم ذكر ابن حجر من أوهامه حديثًا وصله وهو مرسل. قلت: وهذا مما يدعو إلى التوقف في قبول الحديث؛ لأنه يحتمل أن يكون قد وقع فيه وهم من أحد الرجلين، ولهذا قال الحافظ ابن كثير: إن فيه غرابة ونكارة جدًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
وأما حديث شداد بن أوس رضي الله عنهما فرواه البيهقي في دلائل النبوة من طريق أبي إسماعيل الترمذي حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن الضحاك الزبيدي، قال: حدثنا عمرو بن الحارث، وساق بقية الإسناد ومتن الحديث، وقال بعد إيراده: هذا إسناد صحيح، قلت: وفي تصحيحه نظر؛ لأن في إسناده إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي المعروف بابن زبريق، قال الذهبي في "الميزان": قال النسائي: ليس بثقة، وقال أبو داود: ليس بشيء وكذّبه محدث حمص محمد بن عوف الطائي. وقال الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب": روى الآجري عن أبي داود أن محمد بن عوف قال: ما أشك أن إسحاق بن زبريق يكذب، انتهى.
وقد أثنى عليه ابن معين، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وثناء ابن معين عليه، وما قاله أبو حاتم فيه لا يقاوم ما قيل فيه من الجرح الشديد، وهذا مما يدعو إلى رد الحديث وعدم قبوله، وقد أورده الحافظ ابن كثر في تفسير سورة الإسراء، ثم قال: ولا شك أن هذا الحديث أعني الحديث المروي عن شداد بن أوس مشتمل على أشياء منها ما هو صحيح كما ذكره البيهقي، ومنها ما هو منكر كالصلاة في بيت لحم وسؤال الصديق عن نعت بيت المقدس وغير ذلك والله أعلم انتهى كلام ابن كثير -رحمه الله تعالى- والمقصود هنا بيان أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى في بيت لحم؛ لأن الحديثين اللذين ذكر ذلك فيهما قد تكلم في كل منهما، والله أعلم.
وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي بإسناد صحيح عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتيت بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
فلم نزايل ظهره أنا وجبريل حتى انتهينا إلى بيت المقدس» الحديث، وقد رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح وصححه أيضا ابن حبان، والحاكم، والذهبي.
وفي قوله: صلى الله عليه وسلم «فلم نزايل ظهره أنا وجبريل حتى انتهينا إلى بيت المقدس» أبلغ رد على ما جاء في حديثي أنس، وشداد بن أوس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بيثرب، وطور سيناء، وبيت لحم حين مر بهذه المواضع في ليلة الإسراء وهو ذاهب إلى بيت المقدس، ولو ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ليلة الإسراء في بيت لحم لم يكن في ذلك ما يؤيد بدعة المولد ولا غيرها من البدع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أمته بتعظيم بيت لحم، ولم يأمرهم بالصلاة فيه، ولم يكن أحد من الصحابة رضي الله عنهم يعظم بيت لحم ويصلي فيه والخير كل الخير في اتباع ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، والشر كل الشر في مخالفتهم، والأخذ بالبدع وتعظيمها وتعظيم أهلها، وإطراح الأحاديث الصحيحة في ذم المحدثات والتحذير منها.
وأما قول الرفاعي:
9 - إن الاحتفال بالمولد كما أسلفنا استحسنه العلماء والمسلمون من السلف والخلف في جميع البلاد والأصقاع وجري به العمل، فهو مطلوب شرعًا للقاعدة المأخوذة من حديث ابن مسعود (ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح) أخرجه الإمام أحمد.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال هذا الكلام مأخوذ من كلام
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة 270، وصفحة 271 من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية"، وقد غير فيه الرفاعي بعض التغيير.
الوجه الثاني: أن يقال إن الاحتفال بالمولد بدعة في الإسلام أحدثها سلطان إربل في آخر القرن السادس من الهجرة، أو في أول القرن السابع، والمحدثات كلها شر وضلالة بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسواء في ذلك بدعة المولد وغيرها من البدع؛ لأن ألفاظ الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذم البدع والتحذير منها ووصفها بصفة الشر والضلالة كلها على العموم وليس فيها استثناء لشيء من البدع.
وقد جاء ذم المحدثات والنص على أنها شر وضلالة في ثلاثة أحاديث صحيحة عن العرباض بن سارية، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم وقد ذكرتها في أول الكتاب فلتراجع، وذكرت في أول الكتاب أيضًا حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحدث في مرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي رواية «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، وهذا الحديث الصحيح يعم كل بدعة وهو الحكم القاطع في بدعة المولد وغيرها من البدع فكلها مردودة بنص حديث عائشة رضي الله عنها ومن توقف في هذا فهو إما جاهل أو مكابر معاند.
الوجه الثالث: أن يقال: ما زعمه ابن علوي والرفاعي من استحسان العلماء والمسلمين من السلف والخلف في جميع البلاد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
والأصقاع لبدعة المولد فهو من مجازفاتهما التي كتباها من غير تثبت، ولا يخفى ما في هذه المجازفة من التقول على الصحابة وجميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها منذ زمن الصحابة رضي الله عنهم إلى آخر القرن السادس من الهجرة؛ لأن هؤلاء لم يكونوا يعرفون بدعة المولد، ولا كانت تفعل في زمانهم، فكيف يستحسنونها وهم لا يعرفونها؟.
وأما من كان بعد القرن السادس من الهجرة إلى زماننا في أول القرن الخامس عشر من الهجرة، فالمتمسكون منهم بالكتاب والسنة كلهم ينكرون بدعة المولد أشد الإنكار وينهون عن فعلها عملاً بتحذير النبي صلى الله عليه وسلم من البدع، ووصفه إياها بأنها شر وضلالة من غير استثناء شيء منها، وعملاً أيضًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وأما المتساهلون الذين استحسنوا بدعة المولد وقالوا بجوازها فلا شك أنهم قد خالفوا النصوص الدالة على ذم البدع والتحذير منها والأمر بردها، وهؤلاء على خطر عظيم؛ لأن الله تعالى يقول: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}، ويقول تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا}، ويقول تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ}، ويقول تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، ويقول تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، ثم جعل يتلو هذه الآية.
{فَلَا وَرَبِّكَ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.
الوجه الرابع: أن يُقال إنه يلزم على استحسان بدعة المولد والعمل بها أن يكون الدين ناقصا، وأن يكون العمل بهذه البدعة من مكملات الدين. وهذا اللازم لا محيد عنه، وقد قال الشاطبي -رحمه الله تعالى- في أول كتاب "الاعتصام": إن الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان؛ لأن الله تعالى قال فيها {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}، وفي حديث العرباض بن سارية وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها الأعين، ووجلت منها القلوب فقلنا: يا رسول الله إن هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا قال: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» الحديث.
وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى أتى ببيان جميع ما يحتاج إليه في أمر الدين والدنيا، وهذا لا مخالف عليه من أهل السنة، فإذا كان كذلك فالمبتدع إنما محصول قوله بلسان حاله أو مقاله أن الشريعة لم تتم وأنه بقي منها أشياء يجب، أو يستحب استدراكها؛ لأنه لو كان معتقدًا لكمالها وتمامها من كل وجه لم يبتدع ولا استدرك عليها، وقائل هذا ضال عن الصراط المستقيم، قال ابن الماجشون: سمعت مالكًا يقول من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة؛ لأن الله يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا، ثم قال الشاطبي: إن المبتدع معاند للشرع ومشاق له؛ لأن الشارع قد عين لمطالب العبد طرقًا خاصة على وجوه خاصة، وقصر الخلق عليها بالأمر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
والنهي والوعد والوعيد، وأخبر أن الخير فيها وأن الشر في تعديها إلى غير ذلك؛ لأن الله يعلم ونحن لا نعلم، وأنه إنما أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، فالمبتدع راد لهذا كله فإنه يزعم أن ثم طرقًا أخر ليس ما حصره الشارع بمحصور ولا ما عينه بمتعين، كأن الشارع يعلم ونحن أيضًا نعلم، بل ربما يفهم من استدراكه الطرق على الشارع أنه علم ما لم يعلمه الشارع، وهذا إن كان مقصودًا للمبتدع فهو كفر بالشريعة والشارع، وإن كان غير مقصود فهو ضلل مبين، وإلى هذا المعنى أشار عمر بن عبد العزيز رحمه الله إذ كتب له عدي بن أرطاة يستشيره في بعض القدرية فكتب إليه «أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وترك ما أحدث المحدثون فيما قد جرت سنته وكفوا مؤنته، فعليك بلزوم السنة فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق، فارض لنفسك بما رضي به القوم لأنفسهم فإنهم على علم وقفوا، وببصر نافذ قد كفوا، وهم كانوا على كف
الأمور أقوى، وبفضل كانوا فيه أحرى، فلئن قلتم أمر حدث بعدهم ما أحدثه بعدهم إلا من اتبع غير سنتهم، ورغب بنفسه عنهم إنهم لهم السابقون، فقد تكلموا منه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم مقصر وما فوقهم محسر، لقد قصر عنهم آخرون فضلوا وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم»، انتهى.
فليتأمل كلام عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى وما قبله من كلام الشاطبي وما نقله عن الإمام مالك -رحمه الله تعالى- ففي ذلك أبلغ رد على من استحسن بدعة المولد وعلى من عمل بها.
الوجه الخامس: أن يقال ظاهر كلام ابن علوي والرفاعي أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
الاحتفال بالمولد قد جري به العمل في زمن السلف، وهذا لا أساس له من الصحة، وقد ذكرت في الوجه الثالث أن الصحابة الذين هم خيرة السلف وصفوتهم لم يكونوا يعرفون الاحتفال بالمولد، ولم يكن معروفا في زمن التابعين وتابعيهم ومن كان بعد ذلك إلى آخر القرن السادس من الهجرة، وبهذا يتضح لكل عاقل ما في كلام ابن علوي والرفاعي من التهور والتلبيس على ضعفاء البصيرة.
وأما قول ابن علوي والرفاعي فهو مطلوب شرعًا للقاعدة المأخوذة من حديث ابن مسعود (ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح).
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال إن المطلوب شرعًا هو ما شرعه الله في كتابه وعلى لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك ما سنه الخلفاء الراشدون وهم: أبو بكر، وعمر وعثمان، وعلي رضي الله عنهم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حث على الأخذ بسنته وسنتهم والتمسك بها والعض عليها بالنواجذ، وما سوى ذلك من المحدثات في الدين، فهي من الشرع الذي لم يأذن به الله، وما كان من هذا القبيل فهو مردود؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» أي مردود، وهذا الحديث عام لجميع المحدثات في الدين فيدخل فيه الاحتفال بالمولد، واتخاذه عيدًا، وكذلك غيره من الأعياد المبتدعة والأمور المحدثة في الدين.
الوجه الثاني: أن يقال لا يخفى ما في كلام ابن علوي والرفاعي من التهور والجراءة على الله تعالى حيث زعم كل منهما أن الاحتفال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
بالمولد مطلوب شرعًا فزادا في شرع الله ما ليس منه، أما يخشى ابن علوي والرفاعي أن يكونا ممن عناهم الله بقوله: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أما يخشى كل منهما أن يكون داخلا في عموم قول الله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.
الوجه الثالث: أن يقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أشد الناس قيامًا بالأمور المشروعة وأشد الناس محافظة عليها، وكذلك كان أصحابه من بعده، ومع هذا فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم يحتفلون بالمولد ولا يخصون ليلته بشيء من الأعمال دون غيرها من الليالي، وعلى هذا فهل يقول ابن علوي والرفاعي إن الذين يحتفلون بالمولد كانوا أشد قيامًا بالأمور المشروعة من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأشد منهم محافظة عليها، أم ماذا يجيبان به عن التهور والجراءة على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى الشريعة المطهرة.
الوجه الرابع: أن يقال إنه يلزم على قول ابن علوي والرفاعي لوازم شنيعة جدًا.
أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قصر في البيان والتبليغ حيث لم يخبر أمته أن الاحتفال بمولده مطلوب شرعًا.
الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ترك العمل بأمر مطلوب شرعًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
الثالث: تكذيب قول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}.
الرابع: أن الدين كان ناقصًا منذ زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن أُقيم الاحتفال بالمولد في آخر القرن السادس من الهجرة، أو في أول القرن السابع.
الخامس: الطعن في الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى آخر القرن السادس من الهجرة بأنهم قد تركوا العمل بمر مطلوب شرعًا.
السادس: تكذيب ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القرون الثلاثة المفضلة حيث قال: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» وما لزمت عليه هذا اللوازم السيئة فهو قول سوء لا يصدر من رجل له عقل ودين.
الوجه الخامس: أن يقال إن الاحتفال بالمولد من شرع سلطان إربل الملك المظفر أبي سعيد كوكبوري التركماني فهو أول من ابتدع هذه البدعة وشرعها للجهال وقد أمر الله تبارك وتعالى باتباع الشرع الذي أنزله في كتابه وعلى لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ونهى عن اتباع ما سوى ذلك فقال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ}.
الوجه السادس: أن يقال قول ابن مسعود رضي الله عنه: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون سيئًا فهو عند الله سيئ» إنما أراد به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد به كل من هب ودب من المسلمين والمنتسبين إلى الإسلام وكلامه صريح في ذلك وهذا لفظه عند الإمام أحمد، رحمه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
الله تعالى، قال: «إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد، صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقتلون على دينه فما رأي المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيئ».
وروى ابن عبد البر في كتاب «جامع بيان العلم وفضله» بإسناده عن قتادة قال. قال ابن مسعود رضي الله عنه: «من كان منكم متأسيًا فليتأس بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا وأعمقها علمًا وأقلها تكلفًا وأقومها هديًا وأحسنها حالا قومًا اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم» إسناده منقطع لأن قتادة لم يدرك ابن مسعود رضي الله عنه، ولكن هذا الأثر مشهور عن ابن مسعود، رضي الله عنه وقد ذكره ابن الأثير في جامع الأصول ونسب في بعض النسخ منه إلى رواية رزين. وقد روى أبو نعيم في الحلية نحوه عن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، وهذا الأثر والأثر قبله قد تطابقا على شيء واحد وهو الحث على اتباع الصحابة رضي الله عنهم والتأسي بهم وأن ما رآه الصحابة رضي الله عنهم حسنًا فهو حسن وما رأوه سيئًا فهو سيئ فما من بعد الصحابة رضي الله عنهم فقد تفرقت بالأكثرين منهم الأهواء والملل وظهر مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة» وفي رواية ملة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة وفي رواية أنهم قالوا وما هي تلك الفرقة قال: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
وإذا علم هذا فليعلم أيضًا أن كل فرقة من فرق أهل الأهواء والبدع تستحسن بدعتها وتدعو إليها وترى أنها هي التي على الحق ومن سواها فهم على الباطل، فإذا كان ابن علوي والرفاعي ومن كان يرى رأيهما قد زعموا أن الاحتفال بالمولد حسن ومطلوب شرعًا فإن الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة والمعتزلة والجهمية وغيرهم من أهل الأهواء والبدع لا يتوقفون عن استحسان بدعهم وعن الدعوى أنها مطلوبة شرعًا وسواء قالوا ذلك بلسان الحال أو بالمقال، وليس أحد من أهل البدع ومنها بدعة المولد، إلا وهو مبطل فيما يدعيه من تحسين بدعته ومشروعيتها.
الوجه السابع: أن يقال إن ابن علوي والرفاعي قد حرفا في آخر كلام ابن مسعود، رضي الله عنه حيث قالا: «وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح» وقد ذكر ابن علوي والرفاعي أن الإمام أحمد أخرجه والذي في مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى هو ما ذكرته في الوجه السادس ولفظه «وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيء».
الوجه الثامن: أن يقال إن استدلال ابن علوي والرفاعي على تحسين بدعة المولد ومشروعيتها بقول ابن مسعود رضي الله عنه ليس بمطابق وإنما هو في الحقيقة من تحريف الكلم عن مواضعه، ومن تأمل كلام ابن مسعود رضي الله عنه، عرف أنه إنما أراد به الصحابة رضي الله عنهم، ولم يرد به من بعدهم، وذلك لأن الصحابة رضي الله عنهم قد أجمعوا على بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ورأوا ذلك حسنًا وأجمعوا على بيعة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أبي بكر رضي الله عنه، ورأوا ذلك حسنًا وأجمعوا على تسمية عمر رضي الله عنه، ومن بعده من الخلفاء بأمير
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
المؤمنين وروا ذلك حسنًا وأجمعوا على العمل بالتاريخ والابتداء به من الهجرة ورأوا ذلك حسنًا، وأجمعوا على الاجتماع على إمام واحد في قيام رمضان ورأوا ذلك حسنًا، وأجمعوا على وضع ديوان العطاء في زمان عمر، رضي الله عنه، ورأوا ذلك حسنًا وأجمعوا على بيعة عثمان بن عفان رضي الله عنه ورأوا ذلك حسنًا وأجمعوا على كتابة المصاحف على العرضة الأخيرة ورأوا ذلك حسنًا، إلى غير ذلك مما رآه الصحابة رضي الله عنهم حسنًا وكل ما رأوه حسنًا فلا يشك المسلم العاقل في حسنه.
وأما ما رآه الصحابة رضي الله عنهم سيئًا، فمنه التحلق والاجتماع على عد التسبيح والتحميد والتكبير، وقد أنكر ذلك ابن مسعود وأبو موسى رضي الله عنهما على الذين فعلوا ذلك وقال لهم ابن مسعود رضي الله عنه: «ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم» وقال لهم أيضًا: «والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد صلى الله عليه وسلم أو مفتتحوا باب ضلالة» وفي رواية أنه قال لهم «لقد جئتم ببدعة ظلماء أو لقد فضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علمًا عليكم بالطريق فالزموه ولئن أخذتم يمينًا وشمالا لتضلن ضلالا بعيدًا» وقد ذكرت هذه القصة في أول الكتاب من عدة طرق فلتراجع ولم يذكر عن أحد من الصحابة رضي الله عنه أنه خالف ما جاء عن ابن مسعود وأبي موسى، رضي الله عنهما من الإنكار على الذين يجتمعون للتسبيح والتحميد والتكبير ويعدونه بالحصى فكان كالإجماع على أنه عمل سيئ.
ومن ذلك بدعة الخوارج فقد أنكر الصحابة رضي الله عنهم،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
مذهبهم ورأوه سيئًا، ومن ذلك غلو الرافضة في علي رضي الله عنه فقد أنكر ذلك علي، رضي الله عنه، وغيره من الصحابة، رضي الله عنهم ورأوا ذلك سيئًا ومن ذلك قول القدرية فقد أنكر ذلك ابن عمر وابن عباس وغيرهما من الصحابة، رضي الله عنهم ورأوا ذلك سيئًا وأما غير ذلك من البدع والملل فإنما حدثت بعد زمان الصحابة رضي الله عنهم وقد أنكر علماء التابعين ما حدث في زمانهم منها وأنكر اتباع التابعين ومن بعدهم من علماء أهل السنة والجماعة ما حدث بعد ذلك من البدع وصنفوا المصنفات الكثيرة في الرد على أهل البدع والتحذير من بدعهم.
ومن ذلك بدعة المولد فقد أنكرها غير واحد من أكابر العلماء وعدوها من البدع، وسيأتي إيراد أقوالهم في ذلك في آخر الرد على ما يتعلق ببدعة المولد إن شاء الله تعالى
وقد تقدم في أول الكتاب قول النووي رحمه الله تعالى أن البدعة في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: ويستثنى من ذلك سنة الخلفاء الراشدين وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم فإنها سنة بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم وليست ببدعة وقد تقدم التنبيه على ذلك وقال الشاطبي رحمه الله تعالى في كتابه «الاعتصام» في تعريف البدعة «إنها عبارة عن طريق في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه» ثم ذكر أن منها التزام الكيفيات والهيئات المعينة كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد واتخاذ يوم ولادة النبي - صلى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
الله عليه وسلم - عيدًا وما أشبه ذلك ومنها التزام العبادات المعينة في وقات معينة لم يوجد لها ذلك التعيين في الشريعة كالتزام صيام يوم النصف من شعبان وقيام ليلته إلى أن قال إن صاحب البدعة إنما يخترعها ليضاهي بها السنة حتى يكون ملبسًا بها على الغير أو تكون هي مما تلتبس عليه بالسنة إذ الإنسان لا يقصد الاستتباع بأمر لا يشابه المشروع لأنه إذ ذاك لا يستجلب في ذلك الابتداع نفعًا ولا يدفع به ضررًا ولا يجيبه غيره إليه، ولذلك تجد المبتدع ينتصر لبدعته بأمور تخيل التشريع ولو بدعوى الاقتداء بفلان المعروف منصبه في هل الخير فأنت ترى العرب الجاهلية في تغيير ملة إبراهيم عليه السلام كيف تأولوا فيما أحدثوه احتجاجًا منهم كقولهم في أصل الإشراك (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) وكترك لحمس الوقوف بعرفة لقولهم لا نخرج من الحرم اعتدادًا بحرمته وطواف من طاف منهم بالبيت عريانًا قائلين: لا نطوف بثياب عصينا الله فيها، وما أشبه ذلك مما وجهوه ليصيروه بالتوجيه كالمشروع، فما ظنك بمن عد أو عد نفسه من خواص أهل الملة فهم أحرى بذلك وهم المخطئون وظنهم الإصابة انتهى.
المقصود من كلام الشاطبي فليتأمل كلامه رحمه الله تعالى ففيه أبلغ رد على ما تخيله ابن علوي والرفاعي في بدعة المولد، حيث زعم كل منهما أن الاحتفال بهذه البدعة مطلوب شرعًا وأن ذلك مأخوذ من قول ابن مسعود رضي الله عنه: «وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن» وقد قال الشاعر وأحسن فيما قال:
يقضي على المرء في أيام محنته … حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
وأما قول الرفاعي:
10 - أن المولد اجتماع لإحياء ذكرى المصطفى، صلى الله عليه وسلم وذلك أمر مشروع عندنا في الإسلام فإن ذلك قياس على أعمال الحج التي هي إحياء لذكريات مشهودة ومواقف محمودة فالسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار والذبح بمنى كلها حوادث ماضية سابقة للأنبياء الكرام يحيي المسلمون كل عام ذكراها بتجديد صورتها وتجسيدها في الواقع.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال هذا الكلام منقول من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في صلى الله عليه وسلم 273 من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد غير فيه الكاتب بعض الكلمات وزاد فيه ونقص منه شيئًا يسيرًا.
الوجه الثاني: أن يقال ما زعمه ابن علوي والرفاعي من أن الاجتماع في المولد لإحياء ذكرى المصطفى، صلى الله عليه وسلم أمر مشروع في الإسلام فهو من التقول على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى لم يشرع الاجتماع لإحياء ذكرى المصطفى لا في يوم المولد ولا في غيره من الأيام ولم يشرع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بقوله ولا بفعله، وإن ابن علوي والرفاعي ومن كان على منوالهما لعلى خطر عظيم من تهجمهم على الشريعة وإلصاقهم بدعة المولد بها وزعمهم أن ذلك مشروع في الإسلام.
الوجه الثالث: أن يقال إن الله تعالى قد رفع ذكر نبيه، صلى الله عليه وسلم بما شرعه لعباده من الشهادة له بالرسالة في الصلاة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
والأذان والإقامة والخطب في الجمعة والعيدين والاستسقاء وما شرعه أيضًا من الصلاة والسلام عليه في الصلاة والخطبة وبعد الأذان والدعاء وعند دخول المسجد والخروج منه وعند ذكره صلوات الله وسلامه عليه وكذلك قد رفع الله ذكر نبيه صلى الله عليه وسلم في القرآن العظيم وعظم شأنه فيه غاية التعظيم اقرأ قول الله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *} وقوله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} وقوله تعالى: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} وقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} وقوله تعالى: {فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} وقوله تعالى: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} وقوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} وقوله تعالى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} وقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} وقوله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي يعظم
فيها الرب تبارك وتعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم ولو تتبعتها لطال الكلام جدا وفيما ذكرته كفاية إن شاء الله تعالى ولا شك أن قراءة القرآن تشتمل على أعظم الإحياء لذكر النبي صلى الله عليه وسلم وأعظم الشعور بتعظيم شأنه عند ربه وكذلك قراءة الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها أعظم الإحياء لذكر النبي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)