وأما يوم الفطر ويوم الأضحى، فقد جاء فيهما عن أنس رضي الله عنه قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: «ما هذان اليومان»، قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل قد أبدلكم بهما خيرًا منهما، يوم الأضحى، ويوم الفطر»، ورواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، والحاكم، وقال صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي في تلخيصه، وقد جاء ذكر يوم النحر أيضا في حديث عقبة بن عامر الذي سيأتي ذكره.
وأما يوم عرفة، وأيام التشريق فالدليل على أنها من أعياد المسلمين ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والحاكم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل، وشرب» صححه الترمذي، والحاكم وقال: على شرط مسلم، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وإذا علم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع لأمته عيدًا سوى السبعة الأيام التي تقدم ذكرها في الأحاديث الثابتة فليعلم أيضًا أن ما سوى ذلك من الأعياد فهو بدعة وضلالة مثل عيد المولد النبوي، وليلة المعراج، وليلة النصف من شعبان، ومن هذا الباب أيضًا أعياد الجلوس عند بعض الملوك والرؤساء، وأعياد الثورة عند المنازعين للملوك والرؤساء وانتصار بعضهم على بعض، وأعياد جلاء المستعمرين عند بعض المنتسبين إلى الإسلام، فكل هذه الأعياد المحدثة من باب واحد وكلها داخلة في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم «وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، وفي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
عموم قوله صلى الله عليه وسلم أيضًا: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
وأما قول الرفاعي: أما دليل كونها بدعة حسنة، فقد روي البيهقي بإسناده في مناقب الشافعي عن الشافعي، قال: المحدثات من الأمور ضربان أحدهما: ما أحدث مما يخالف كتابًا، أو سنة، أو أثرًا، أو إجماعًا فهذه البدعة ضلالة؛ الثاني: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا وهذه محدثة غير مذمومة، وقد قال عمر رضي الله عنه في قيام رمضان: "نعمت البدعة هذه" يعني أنها محدثة لم تكن، وإن كانت فليس فيها رد لما مضى.
فجوابه من وجوه، أحدها: أن يقال إن الأدلة على جواز الشيء وتحسينه، أو على منعه وذمه لا تؤخذ من أقوال العلماء، وإنما تؤخذ من القرآن، أو من السنة، أو من الإجماع، أو من قول الصحابي إذا لم يخالفه غيره منهم على القول الراجح. وما ذكره البيهقي عن الشافعي -رحمه الله تعالى- ليس فيه دليل على تحسين بدعة المولد، ولا غيرها من البدع، بل يؤخذ من كلامه ذم الاحتفال بالمولد لمخالفته للكتاب والسنة والأثر وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها كما سيأتي بيانه إن شاء الله -تعالى، وقد روي كلام الشافعي -رحمه الله تعالى- بلفظ آخر وهو ما رواه الحافظ أبو نعيم في الحلية من طريق إبراهيم بن الجنيد حدثنا حرملة بن يحيى، قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: «البدعة بدعتان، بدعة محمودة، وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم، واحتج بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قيام رمضان نعمت البدعة هذه»، قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى- في كتابه "جامع العلوم والحكم": ومراد الشافعي -رضي الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
عنه- ما ذكرناه من قبل (1) أن أصل البدعة المذمومة ما ليس لها أصل في الشريعة ترجع إليه، وهي البدعة في إطلاق الشرع، وأما البدعة المحمودة فما وافق السنة يعني ما كان لها أصل من السنة ترجع إليه، وإنما هي بدعة لغة لا شرعًا لموافقتها للسنة، انتهى.
الوجه الثاني: أن يقال إن بدعة المولد ليس لها أصل في الشريعة ترجع إليه، وإنما هي مخالفة لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته، وعلى هذا فهي بدعة مذمومة، وفي الرواية التي ذكرها أبو نعيم عن الشافعي -رحمه الله تعالى- أبلغ رد على الرفاعي فيما تعلق به من الرواية الأولى عن الشافعي، وزعم أنها تدل على تحسين بدعة المولد.
الوجه الثالث: أن يقال إن الاحتفال بالمولد مخالف للكتاب والسنة والأثر، وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها، فأما مخالفته للكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها فقد تقدم بيانه في أول الكتاب فليراجع (2).
وأما مخالفته للأثر، فقد قال أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه: حدثنا معاذ بن معاذ قال: أخبرنا ابن عون عن نافع، قال: بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن ناسا يأتون الشجرة التي بويع تحتها قال: فأمر بها فقطعت، إسناده صحيح إلى نافع، ولكن فيه انقطاع بينه وبين عمر رضي الله عنه، فإنه لم يدركه وهذا الأثر مشهور عن عمر رضي الله عنه، وقال ابن أبي شيبة أيضًا: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المعرور بن سويد قال: خرجنا مع عمر رضي الله عنه--------------------------------------------
(1) 13.
(2) ص 6 - 13.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
في حجة حجها، فقرأ بنا في الفجر {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ}، {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} فلما قضى حجه، ورجع والناس يبتدرون، فقال: ما هذا، فقال: مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «هكذا هلك أهل الكتاب اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا، من عرض له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل» إسناده صحيح على شرط الشيخين، وفي هذين الأثرين عن عمر رضي الله عنه دليل على أنه لا يجوز الاحتفال بالمولد واتخاذه عيدًا لما في ذلك من الغلو ومضاهاة أهل الكتاب في تتبعهم لآثار أنبيائهم، وقد صرح عمر رضي الله عنه، أن تتبع آثار الأنبياء من الهلاك، وقد ذكرت فيما تقدم أن الاحتفال بالمولد النبوي مبني على التشبه بالنصارى في اتخاذهم مولد المسيح عيدًا والتشبه بهم حرام شديد التحريم، وقد ذكرت الأدلة على ذلك فيما تقدم فلتراجع (1) ففيها أبلغ رد على الرفاعي الذي قد نصب نفسه لتأييد بدعة المولد والذبّ عنها.
الوجه الرابع: أن يقال إن الاحتفال بالمولد واتخاذه عيدًا يعود في كل عام لم يكن من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا من سنة الخلفاء الراشدين، ولم يفعله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم بإحسان، وإنما أحدثه سلطان إرببل في آخر القرن السادس من الهجرة، أو في أول القرن السابع، وقد تقدم إيراد النصوص في التحذير من محدثات الأمور، وبيان أن كل محدثة بدعة، وأن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وبيان أن شر الأمور محدثاتها، وتقدم أيضا ما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه--------------------------------------------
(1) ص 26 - 27.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
وسلم -
قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي رواية: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وفي هذه النصوص أبلغ تحذير من بدعة المولد وغيرها من المحدثات، وقد قال الله تعالى {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}، وبدعة المولد داخلة فيما نهى عن رسول الله لأنها من محدثات الأمور التي قد حذر منها، وأخبر أنها شر وضلالة، وقال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، والذين يعملون بدعة المولد لا شك أنهم قد خالفوا الأمر الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم لم يقتصروا على الأعياد المشروعة للمسلمين، بل زادوا عليها عيدًا لم يأذن به الله، ولم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه رضي الله عنهم، فهم بذلك متعرضون للفتنة والعذاب الأليم.
وقد أمر الله المؤمنين باتباع ما أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ونهاهم عن اتباع الأولياء من دونه، وعلق محبته للعباد ومغفرته لذنوبهم وهدايته إياهم ونيلهم الفلاح على اتباع رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وذم الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، وذم الذين ابتدعوا في الدين ما لم يأذن به الله، وفي هذا أبلغ تحذير من الابتداع في الدين واتباع المبتدعين للأعياد وغيرها من البدع.
وأما قوله: وقد قال عمر رضي الله عنه في قيام رمضان نعمت البدعة هذه، يعني أنها محدثة لم تكن، وإن كانت فليس فيها رد لما مضى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
فجوابه أن يقال: إن الاجتماع على إمام واحد في قيام رمضان ليس ببدعة، وإنما هو سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد صح عنه من عدة أوجه أنه صلى بالناس جماعة في شهر رمضان ثلاث ليال، ثم ترك ذلك مخافة أن تفرض صلاة الليل على أمته فيعجزوا عنها. وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة، منها ما رواه مالك، وأحمد، والبخاري، ومسلم، واللفظ له، وأبو داود، والنسائي، عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من جوف الليل فصلى في المسجد فصلى رجال بصلته، فأصبح الناس يحدثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليلة الثانية، فصلوا بصلاته فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج فصلوا بصلاته فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطفق رجال منهم يقولون الصلاة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خرج لصلاة الفجر، فلما قضى الفجر أقبل على الناس، ثم تشهد، فقال: «أما بعد، فإنه لم يخف علي شأنكم الليلة، ولكني خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل، فتعجزوا عنها» وفي رواية لهم، وذلك في رمضان.
ومنها ما رواه الإمام أحمد أيضًا واللفظ له، وأهل السنن عن أبي ذر رضي الله عنه قال: صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان فلم يقم بنا شيئا من الشهر حتى بقي سبع، فقام بنا حتى ذهب نحو من ثلث الليل، ثم لم يقم بنا الليلة الرابعة، وقام بنا الليلة التي تليها حتى ذهب نحو من شطر الليل، قال: فقلنا يا رسول الله لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه قال: «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
ينصرف حسب له بقية ليلته»، ثم لم يقم بنا السادسة وقام بنا السابعة قال: وبعث إلى أهله واجتمع الناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح قال: قلت: وما الفلاح؟ قال السحور. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وفي قوله صلى الله عليه وسلم «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له بقية ليلته» دليل على أن الاجتماع على إمام واحد في قيام رمضان سنة وليس ببدعة.
ومنها ما رواه الإمام أحمد، والنسائي أيضًا بإسناد جيد عن نعيم بن زياد أبي طلحة الأنماري، قال: سمعت النعمان بن بشير رضي الله عنهما على منبر حمص يقول: قمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قمنا معه ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح وكانوا يسمونه السحور.
وإذا علم ما جاء في هذه الأحاديث من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالناس ثلاث ليال في رمضان فليعلم أيضًا أن ما فعله عمر رضي الله عنه من جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان هو السنة لأمرين: أحدهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى بالناس ثلاث ليال في رمضان، ثم قطع ذلك خشية أن يفرض على أمته، وما فعله النبي ص فهو سنة وليس ببدعة. الأمر الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ»، فهذا النص الصحيح يدل على أن ما فعله عمر- رضي الله عنه من جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان فهو سنة وليس ببدعة، ويدل على ذلك أيضًا ما رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
والبخاري في تاريخه، والحاكم في مستدركه عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر»، قال الترمذي: هذا حديث حسن، وصححه الحاكم، والذهبي، وللترمذي والحاكم أيضًا من حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.
وقد قال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى-: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه من بعده سننًا الأخذ بها، تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها، من عمل بها مهتد، ومن انتصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا. رواه أبو بكر الخطيب من طريق الزهري عن عمر بن عبد العزيز، -رحمه الله تعالى-، وقد ذكره الشاطبي في كتاب "الاعتصام"، فقال ومن كلامه الذي عني به وبحفظه العلماء وكان يعجب مالكًا جدًا، فذكر كلام عمر الذي رواه الخطيب، ثم قال: وبحق ما كان يعجبهم فإنه كلام مختصر جمع أصولا حسنة من السنة منها قوله: ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها، قطع لمادة الابتداع جملة، وقوله من عمل بها مهتد إلى آخر الكلام مدح لمتبع السنة، وذم لمن خالفها بالدليل الدال على ذلك، وهو قول الله سبحانه: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}، ومنها ما سنه ولاة الأمر من بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فهو سنة لا بدعة فيه البتة، وإن لم يعلم في كتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم نص عليه على الخصوص فقد جاء ما يدل عليه في الجملة،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
وذلك نص حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، حيث قال فيه: «فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور»، فقرن عليه السلام كما ترى سنة الخلفاء الراشدين بسنته، وإن من اتباع سنته اتباع سنتهم، وإن المحدثات خلاف ذلك ليست منها في شيء؛ لأنهم رضي الله عنهم، فيما سنوه إما متبعون لسنة نبيهم عليه السلام نفسها، وإما متبعون لما فهموا من سنته صلى الله عليه وسلم في الجملة والتفصيل على وجه يخفى على غيرهم مثله، لا زائد على ذلك.
ومن الأصول المضمنة في أثر عمر بن عبد العزيز أن سنة ولاة الأمر وعملهم تفسير لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: «الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة في دين الله»، وهو أصل مقرر في غير هذا الموضع، فقد جمع كلام عمر بن عبد العزيز، رحمه الله أصولا حسنة وفوائد مهمة انتهى كلام الشاطبي -رحمه الله تعالى-.
وإذا علم هذا فليعلم أيضا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إنما سمى ما فعله من جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان بدعة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستمر على فعله ولم يكن يفعل في زمان أبي بكر الصديق رضي الله عنه فلهذا قال عمر رضي الله عنه فيه ما قال. وقد صرح الشاطبي في كتاب "الاعتصام" أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه إنما سمى قيام الناس في ليالي رمضان بدعة على المجاز، وقال في موضع آخر من كتاب "الاعتصام" وأما قسم المندوب فليس من البدع بحال، وتبيين ذلك بالنظر في الأمثلة التي مثل لها بصلاة التراويح في رمضان جماعة في المسجد، فقد قام بها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد واجتمع الناس خلفه، ثم ذكر الشاطبي حديث أبي ذر رضي الله عنه في قيام النبي صلى الله عليه وسلم بالناس ثلاث ليال في العشر الأواخر من رمضان، وذكر أيضًا حديث عائشة رضي الله عنها في ذلك وفيه أنهم لما اجتمعوا في الليلة الثالثة أو الرابعة، لم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصبح قال: «قد رأيت صنيعكم، فلم يمنعني من الخروج إلا أني خشيت أن يفرض عليكم»، وقد ذكرت هذين الحديثين قريبًا ومعهما حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما بنحو حديث أبي ذر رضي الله عنه ثم قال الشاطبي بعد ذكره لحديث عائشة رضي الله عنها فتأملوا ففي هذا الحديث ما يدل على كونها سنة، فإن قيامه أولا بهم دليل على صحة القيام في المسجد جماعة في رمضان، وامتناعه بعد ذلك من الخروج خشية الافتراض لا يدل على امتناعه مطلقًا؛ لأن زمانه كان زمان وحي وتشريع فيمكن أن أوحى إذا عمل به الناس بالإلزام.
فلما زالت علة التشريع بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع الأمر إلى أصله، وقد ثبت الجواز فلا ناسخ له، وإنما لم يقم ذلك أبو بكر رضي الله عنه، لأحد أمرين: إما لأنه رأى أن قيام الناس آخر الليل وما هم عليه كان أفضل عنده من جمعهم على إمام أول الليل ذكره الطرطوشي، وإما لضيق زمانه رضي الله عنه عن النظر في هذه الفروع مع شغله بأهل الردة وغير ذلك مما هو أوكد من صلاة التراويح، فلما تمهد الإسلام في زمن عمر رضي الله عنه، ورأى الناس في المسجد أوزاعًا كما جاء في الخبر، قال: لو جمعت الناس على قارئ واحد لكان أمثل فلما تم له ذلك نبه على أن قيامهم آخر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
الليل أفضل، ثم اتفق السلف على صحة ذلك وإقراره، والأمة لا تجتمع على ضلالة، وقد نص الأصوليون أن الإجماع لا يكون إلا عن دليل شرعي.
فإن قيل فقد سماها عمر، رضي الله عنه، بدعة وحسنها بقوله: «نعمت البدعة هذه»، وإذا ثبتت بدعة مستحسنة في الشرع ثبت مطلق الاستحسان في البدع.
فالجواب: إنما سماها بدعة باعتبار ظاهر الحال من حيث تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتفق إن لم تقع في زمان أبي بكر رضي الله عنه، لا أنها بدعة في المعنى فمن سماها بدعة بهذا الاعتبار فلا مشاحة في الأسامي، وعند ذلك فلا يجوز أن يستدل بها على جواز الابتداع بالمعنى المتكلم فيه؛ لأنه نوع من تحريف الكلم عن مواضعه، انتهى.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية، رحمه الله تعالى، في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم": فأما صلاة التراويح فليست بدعة في الشريعة، بل هي سنة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله، فإنه قال: «إن الله فرض عليكم صيام رمضان، وسننت لكم قيامه»، ولا صلاتها جماعة بدعة، بل هي سنة في الشريعة، بل قد صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجماعة في أول شهر رمضان ليلتين، بل ثلاثًا، وصلاها أيضًا في العشر الأواخر في جماعة مرات، وقال: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» لما قام بهم حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح. رواه أهل السنن، وبهذا الحديث احتج أحمد وغيره على أن فعلها في الجماعة أفضل من فعلها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
في حال الانفرد، وفي قوله هذا ترغيب في قيم شهر رمضان خلف الإمام وذلك أوكد من أن يكون سنة مطلقة، وكان الناس يصلونها جماعة في المسجد على عهده صلى الله عليه وسلم ويقرهم، وإقراره سنة منه صلى الله عليه وسلم، انتهى.
وقد ذكر الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى- في كتابه "جامع العلوم والحكم" قول عمر رضي الله عنه، لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد وخرج ورآهم يصلون كذلك، فقال: «نعمت البدعة هذه»، قال وروي عنه أنه، قال: «إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة»، ومراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصل في الشريعة يرجع إليه، فمنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحث على قيام رمضان، ويرغب فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحدانًا، وهو صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه في رمضان غير ليلة، ثم امتنع من ذلك معللاً بأنه خشي أن يكتب عليهم فيعجزوا عن القيام، وهذا قد أُمن بعده صلى الله عليه وسلم، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوم بأصحابه ليالي الإفراد في العشر الأواخر، ومنها أنه صلى الله عليه وسلم أمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين، وهذا قد صار من سنة الخلفاء الراشدين، فإن الناس اجتمعوا عليه في زمن عمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم، انتهى.
وأما قول الرفاعي في العدد الأخير وهو الصادر في 23 من ربيع الأول سنة 1402 هـ عدد 4870 من جريدة السياسة الكويتية، ونورد اليوم المزيد من الأدلة على جواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف وهي كثيرة أهمها ما يلي:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
1 - أن الاحتفال بالمولد الشريف تعبير عن الفرح والسرور بالمصطفى صلى الله عليه وسلم، وقد انتفع بذلك الاحتفال الكافر فقد جاء في صحيح البخاري أنه يخفف عن أبي لهب كل اثنين بسبب عتقه لثويبة جاريته لما بشرته بولادة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك قال الحافظ شمس الدين الدمشقي:
إذا كان هذا كافرًا جاء ذمه … بتبّت يداهُ في الجحيم مخلدًا
أتى أنه في يوم الاثنين دائمًا … يخفف عنه للسرور بأحمدا
فما الظن بالعبد الذي كان عمره … بأحمد مسرورًا ومات موحدًا
فجوابه من وجوه، أحدها: أن يقال هذا الكلام منقول بالنص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة 267 من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وهذا الكتاب مملوء من الشركيات والشطحات والخرافات، وعسى الله أن يَهُيئ الفرصة للرد عليه وبيان ما فيه من البلايا العظيمة، ولو أن الرفاعي نسب الكلام إلى قائله لكان أولى به من الاتصاف بصفة الاختلاس، وقد ذكر ابن علوي هذا الكلام أيضًا مختصرًا ومبسوطًا في صفحة، 6 وصفحة 98، وصفحة 161، وصفحة 261، وجميع أدلة الرفاعي التي سيأتي ذكرها والرد عليها كلها مأخوذة من كتاب ابن علوي، وسيأتي التنبيه على ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى.
الوجه الثاني: أن يقال إن الأدلة على جواز الشيء أو منعه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
لا تؤخذ من أفراح الناس وسرورهم، ولا من أحزانهم وغمومهم، وإنما تؤخذ من القرآن أو السنة أو الإجماع، وليس مع من ادعى جواز الاحتفال بالمولد النبوي دليل على ما ادعاه لا من الكتاب ولا من السنة ولا من الإجماع، وعلى هذا فدعواه باطلة مردودة.
الوجه الثالث: أن يقال قد دلت السنة على ذم المحدثات والتحذير منها، وقد تَقدَّم إيراد الأحاديث الدالة على ذلك في أول الكتاب فلتراجع، وبدعة المولد من المحدثات التي قد أحدثت بعد زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو من ست مائة سنة وهي داخلة فيما ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحذر منه.
الوجه الرابع: أن يقال إن الفرح والسرور بالنبي صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يكون على الدوام، ولا يكون مقصورًا على ليلة واحدة من كل سنة.
وأما قوله: وقد انتفع بذلك الاحتفال الكافر، فقد جاء في صحيح البخاري أنه يخفف عن أبي لهب كل اثنين بسبب عتقه لثويبة جاريته لما بشرته بولادة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال لم يجيء في صحيح البخاري أنه يخفف عن أبي لهب العذاب كل اثنين ولا أن أبا لهب أعتق ثويبة من أجل بشرتها إياه بولادة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فكل هذا من التقول على البخاري، وقد روى البخاري في أول "كتاب النكاح" من صحيحه في باب {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} من طريق الزهري عن عروة بن الزبير أن زينب ابنة أبي سلمة أخبرته أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
أم حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنهما أخبرتها إنها قالت: يا رسول الله انكح أختي بنت أبي سفيان، فقال: «أو تحبين ذلك»، فقلت: نعم لست لك بمخيلة، وأحب من شاركني في خير أختي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن ذلك لا يحل لي»، قلت: فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة، قال: «بنت أم سلمة» قلت: نعم، فقال: «لو أنها لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن على بناتكن، ولا أخواتكن» قال عروة وثويبة مولاة لأبي لهب، وكان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي صلى الله عليه وسلم، فلما مات أبو لهب أُريه بعض أهله بشرِّ حِيْبة (1) قال له ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة، هذا لفظ الحديث عند البخاري، وليس فيه ما تقوَّله ابن علوي والرفاعي على البخاري.
الوجه الثاني: أن يقال لم يثب من طريق صحيح أنا أبا لهب فرح بولادة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أن ثويبة بشرته بولادته، ولا أنه أعتق ثويبة من أجل البشارة بولادة النبي صلى الله عليه وسلم، فكل هذا لم يثبت، ومن ادعى ثبوت شيء من ذلك فعليه إقامة الدليل على ما ادعاه، ولن يجد إلى الدليل الصحيح سبيلاً، وسيأتي في الوجه الثالث أن إعتاق أبي لهب لثويبة كان بعدما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.
الوجه الثالث: أن يقال ظاهر قول عروة بن الزبير: إن إعتاق--------------------------------------------
(1) حِيْبة بكسر الحاء وسكون الياء. قال الحميدي أي بشر حال، ذكره عنه ابن الأثير في جامع الأصول.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
أبي لهب لثويبة كان قبل أن ترضع النبي صلى الله عليه وسلم، قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": والذي في السير يخالفه وهو أن أبا لهب أعتقها قبل الهجرة، وذلك بعد الإرضاع بدهر طويل، انتهى.
وقد روى ابن سعد في الطبقات عن محمد بن عمر الواقدي عن غير واحد من أهل العلم قالوا: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلها وهو بمكة، وكانت خديجة تكرمها وهي يومئذ مملوكة، وطلبت إلى أبي لهب أن تبتاعها منه لتعتقها، فأبى أبو لهب، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أعتقها أبو لهب، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث إليها بصلة وكسوة حتى جاءه خبرها أنها قد توفيت سنة سبع مرجعه من خيبر، انتهى. وهذا الذي ذكره ابن سعد يرد قول من قال إن أبا لهب أعتقها لما بشرته بولادة النبي صلى الله عليه وسلم.
الوجه الرابع: أن يقال إن خبر عروة مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدثه به. والمرسل لا يثبت به شيء، قال الحافظ ابن حجر في "فتح لباري": وعلى تقدير أن يكون موصولا فالذي في الخبر رؤيا منام فلا حجة فيه، ولعل الذي رآها لم يكن إذ ذاك أسلم بعد، فلا يحتج به، انتهى.
الوجه الخامس: أن يقال إن الله تبارك وتعالى قد أخبر في آيات من القرآن أن أعمال الكفار حابطة، وقال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا}، وقال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ}، وفي هاتين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
الآيتين مع الآيات الدالة على إحباط أعمال الكفار دليل على أن أبا لهب لا ينتفع بإعتاقه ثويبة؛ لأن أعماله كلها حابطة، وقد جعلت هباء منثورًا وكالرماد الذي قد اشتدت به الريح في يوم عاصف، وفيها أيضًا أبلغ رد على ما جاء في خبر عروة.
الوجه السادس: أن يقال إن أبا لهب كان من أشد الناس عداوة للنبي صلى الله عليه وسلم بعد البعثة، وكان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم أشد الأذى، وعلى تقدير أن يكون قد فرح بولادة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه أعتق ثويبة لما بشرته بولادته، فإن عداوته للنبي صلى الله عليه وسلم بعد البعثة ومبالغته في أذيته تهدم كل ما كان أسلفه من الفرح والسرور بولادة النبي صلى الله عليه وسلم، وعتق ثويبة وغير ذلك من الأعمال الحسنة إن كان له أعمال حسنة، ومن كان بهذه المثابة فلا يتعلق بالرؤيا التي ذكرت عنه ويستدل بها على جواز الاحتفال بالمولد، إلا من هو بعيد كل البعد عن السداد وإصابة الحق.
الوجه السابع: أن يقال إن نصوص القرآن دالة على أن العذاب لا يخفف عن الكفار، وقد جاء ذلك في عدة آيات منها قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ}، وأبو لهب ممن تنطبق عليه هاتان الآيتان لشدة كفره بالله وشدة عداوته لرسول الله، صلى الله عليه وسلم وأذيته له، وقد عمّر عمرًا طويلاً وجاءه النذير وهو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
محمد صلى الله عليه وسلم على القول الراجح، وهو قول أكثر المفسرين، فكذب النذير وبارزه بالعداوة والأذى.
ومن الآيات أيضًا قول الله تعالى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ}، وأبو لهب ممن تنطبق عليه هذه الآيات؛ لأنه قد جاءه الحق على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فكرهه أشد الكراهة، وعادى من جاء به أشد العداوة وآذاه أشد الأذى.
ومن الآيات أيضًا قول الله تعالى: {وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا}، وأبو لهب ممن تنطبق عليه هذه الآيات لكفره بآيات الله وتكذيبه سيد المرسلين وبمالغته في عداوته وإيذائه، وقد قال الله تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ}، ولم يأت في كتاب الله، ولا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على تخفيف العذاب عن أبي لهب طرفة عين، ومن ادعى تخفيف العذاب عنه كل يوم اثنين فعليه إقامة الدليل على ذلك من الكتاب أو من السنة، ولن يجد إلى ذلك سبيلاً البتة. وأما الرؤيا التي ذكرها عروة فهي مرسلة كما تقدم بيان ذلك، وعلى تقدير ثبوتها فليس فيها إلا أن أبا لهب أخبر عن نفسه أنه جوزي عن إعتاقه ثويبة بأن سقي في النقرة التي في الأبهام، وماذا تغني عنه هذه القطرة الصغيرة مع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
شدة عطشه في النار، وليس في سقيه القطرة الصغيرة تخفيف عنه من العذاب كما قد يتوهم ذلك من لا علم عندهم. والمقصود ههنا أن الرؤيا التي ذكرها عروة لم تثبت من طريق صحيح متصل فلا يعول عليها، وأما التخفيف عن أبي لهب في كل يوم اثنين فهذا لم يثبت بإسناد صحيح يعتمد عليه، بل ولم يرو بإسناد ضعيف، وإنما ذكره بعض المؤرخين بدون إسناد، ومثل هذا لا ينبغي أن يلتفت إليه فضلاً عن أن يحتج به، والله أعلم.
وأما قول الرفاعي:
2 - أنه صلى الله عليه وسلم كان يعظم يوم مولده ويشكر الله تعالى فيه على نعمته الكبرى عليه وتفضله عليه بالوجود لهذا الوجود إذ سعد به كل موجود، وكان يعبر عن ذلك التعظيم بالصيام كما جاء في الحديث عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: «فيه ولدت، وفيه أنزل علي» كما ورد في صحيح مسلم.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال هذا الكلام منقول من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة 267 من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية"، وقد نقله الرفاعي نصًا، ولم يبين أنه نقله من كلام ابن علوي وهذا عمل غير مرضي عند أهل العلم لما فيه من الاتصاف بصفة الاختلاس.
الوجه الثاني: أن يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يخص اليوم الثاني عشر من ربيع الأول بالصيام، ولا بشيء من الأعمال دون سائر الأيام، ولو كان يعظم يوم مولده كما زعم ذلك ابن علوي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
والرفاعي؛ لكان يتخذ ذلك اليوم عيدًا في كل سنة، أو كان يخصه بالصيام أو بشيء من الأعمال دون سائر الأيام، دليل على أنه لم يكن يفضله على غيره، وقد قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ}، والتأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم هو التمسك بهديه، والبعد عما أحدثه أهل البدع ومنه بدعة المولد، لأنها لم تكن من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا من عمل أصحابه رضي الله عنهم.
الوجه الثالث: أن يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم قد رغب في صيام يوم الاثنين من كل أسبوع، كما رغب في صيام يوم الخميس ويوم عرفة ويوم عاشوراء وأيام البيض وست من شوال، وكان يصوم حتى يقول القائل لا يفطر، ويفطر حتى يقول القائل لا يصوم، وكان يكثر الصوم في شعبان، وكان يتحرى صيام يوم الاثنين والخميس، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يخص يوم الاثنين بالصيام دون يوم الخميس فاستدلال ابن علوي والرفاعي بصوم يوم الاثنين على جواز الاحتفال ببدعة المولد في غاية البعد والتكلف.
الوجه الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم علل صيامه ليوم الاثنين والخميس بأنهما يومان تعرض فيهما الأعمال على الله تعالى، وأنه يحب أن يعرض عمله وهو صائم، وقد جاء ذلك في حديثين عن أبي هريرة وأسامة بن زيد رضي الله عنهم فأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه فقد رواه الإمام أحمد، والترمذي وحسنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تعرض الأعمال يوم الاثنين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)