- صلى الله عليه وسلم
وأعظم الشعور بعظم شأنه عند الله تعالى وعند المسلمين.
وبالجملة فالمسلمون لم يزالوا محيين لذكر نبيهم صلى الله عليه وسلم في كثير من أوقاتهم ولم يميتوا ذكره فيحتاجوا إلى إحيائه كما يفعل ذلك الجاهلون الذين لا يعرفون نبيهم إلا في ليلة المولد وعلى هيئة مبتدعة، ومن لم يتسع له في إحياء ذكر المصطفى صلى الله عليه وسلم ما اتسع للصحابة رضي الله عنهم، ومن سار على منهاجهم من المتمسكين بالكتاب والسنة فهو على خطر عظيم لأن الله تعالى يقول: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} فليحذر المؤمن الناصح لنفسه من الوقوع فيما جاء في هذه الآية الكريمة.
الوجه الرابع: أن يقال من أكبر الخطأ وأقبح الجهل قياس بدعة المولد على أعمال الحج، وهذا القياس من أفسد القياس لما فيه من التسوية بين الأعمال التي شرعها الله تعالى لعباده وبين البدعة التي شرعها الشيطان لأهل لجهل والضلال بواسطة سلطان إربل.
الوجه الخامس: أن يقال من أكبر الخطأ أيضًا زعم ابن علوي والرفاعي أن أعمال الحج هي إحياء لذكريات مشهودة إلى آخر كلامهما الذي تقدم ذكره، وهذا الخطأ مردود بقول النبي صلى الله عليه وسلم «إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الحجار لإقامة ذكر الله» رواه أبو داود والترمذي من حديث عائشة رضي الله عنه، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
وأما قول الرفاعي:
11 - إن الله تبارك وتعالى وجل شأنه قال: {وَكُلاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} وهذا يشير أن الحكمة في قص أنباء الرسل وأخبارهم، عليهم السلام على النبي صلى الله عليه وسلم كان لتثبيت فؤاده الشريف بذلك، ولا شك أننا اليوم محتاجون إلى تثبيت أفئدتنا بأنبائه وأخباره وسيرته العطرة وجهاده صلى الله عليه وسلم أكثر وأشد من احتياجه هو صلى الله عليه وسلم إلى ذلك والاحتفال السنوي بالمولد يحقق هذه الغاية العظيمة النبيلة.
فجوابه من وجهين أحدهما: أن يقال هذا الكلام منقول منن كلام محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة 271 من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد غير فيه الرفاعي وزاد الجملة التي في آخره وهي قوله: والاحتفال السنوي بالمولد يحقق هذه الغاية العظيمة النبيلة.
الوجه الثاني: أن يقال إن البدع كلها شر وضلال بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلها مردودة بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فرق في ذلك بين بدعة المولد وغيرها من البدع، وما كان من الشر والضلالة والأمور المردودة فإنه لا خير فيه، ولا يرجى من ورائه تحقيق شيء من الغايات النبيلة، بل الفاعلون له متعرضون للوعيد الشديد على ارتكابهم لما حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفه بالصفات الذميمة ونص على رده قال الله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ومن أراد الاطلاع على أخبار رسول الله - صلى الله عليه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
وسلم -
وسيرته وجهاده فإنه يمكنه ذلك في غير ليلة المولد وحيث لا تكون بدعة.
وأما قول الرفاعي:
12 - ليس كل ما لم يفعله السلف ولم يكن في الصدر الأول فهو بدعة منكر سيئة يحرم فعلها ويلزم الإنكار عليها بل يجب أن يعرض ما أحدث على أدلة الشرع فما اشتمل على مصلحة فهو واجب أو على محرم فهو محرم أو على مكروه فهو مكروه أو على مباح فهو مباح أو على مندوب فهو مندوب، إذ للوسائل حكم المقاصد فقد قسم العلماء البدعة إلى خمسة أقسام، واجبة كالرد على أهل البدع وتعلم النحو، ومندوبة كإحداث الربط والمدارس والأذان على المنابر وصنع إحسان لم يع هد في الصدر الأول، مكروه كزخرفة المساجد وتزويق المصاحف مباحة كالتوسع في المأكل والمشرب، ومحرمة وهي ما أحدث لمخالفة السنة ولم تشمله أدلة الشرع العامة ولم يحتو على مصلحة شرعية (خلاصة آراء الإمام الشافعي وسلطان العلماء العز بن عبد السلام والإمام النووي وابن الأثير) وعمل المولد وإن حدث بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد صحابته رضوان الله عليهم ليس فيه مخالفة لكتاب الله ولا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لإجماع المسلمين فلا يقال بأنه مذموم فضلا عن كونه منكرًا وبدعة سيئة وكون السلف الصالح الأول لم يفعلوه ليس بدليل للمعترض وإنما هو عدم دليل، ويستقيم الدليل على كونه ممنوعًا أو منكرا لو نهى الله تعالى عنه في كتابه العزيز أو نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته الصحيحة ولم ينه عنه فيهما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال إن بعض هذا الكلام منقول من كلام محمد بن علوي المالكي وهو من أول الكلام إلى قوله ولم يحتو على مصلحة شرعية، وقد ذكره ابن علوي في كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وهو في صلى الله عليه وسلم 271، 272.
الوجه الثاني: ن أقول قد ذكرت فيما تقدم قول شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية، رحمه الله تعالى إن العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع فإن الإسلام مبني على أصلين.
أحدهما: أن نعبد الله وحده لا شريك له.
والثاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم لا نعبده بالهواء والبدع قال الله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} وقال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ} فليس لأحد أن يعبد الله إلا بما شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من واجب ومستحب، ولا يعبده بالأمور المبتدعة، انتهى. وقال أيضًا ولا ينبغي لأحد أن يخرج عما مضت به السنة وجاءت به الشريعة ودل عليه الكتاب والسنة وكان عليه سلف الأمة انتهى.
وقد تقدم إيراده بأبسط من هذا فليراجع فإنه مهم جدًا.
وإذا علم أن العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع وأن من أصول الإسلام أن نعبد الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
بما شرعه على لسان رسوله، صلى الله عليه وسلم ولا نعبده بالأهواء والبدع وأنه لا ينبغي لأحد أن يخرج عما مضت به السنة وجاءت به الشريعة ودل عليه الكتاب والسنة وكان عليه سلف الأمة، فليعلم أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع لأمته سوى سبعة أعياد في سبعة أيام وهي يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم الأضحى ويوم عرفة وأيام التشريق فمن زاد على هذه الأعياد عيدًا غيرها فقد ابتدع في الدين وخالف الأمر الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم وقد ذكرت الأعياد المشروعة فيما تقدم وذكرت بعدها جملة من الأعياد المبتدعة ومنها: عيد المولد النبوي فليراجع ما تقدم (1) وليراجع أيضًا (2) حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، وهذا الحديث الصحيح أصل في رد المحدثات التي لم يأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تكن من هديه، ولا من سنة خلفائه الراشدين، وعيد المولد من الأمور المردودة بنص حديث عائشة رضي الله عنها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر به، ولم يكن من هديه، ولا من سنة خلفائه الراشدين، ومن توقف في هذا فلا يخلو من أحد أمرين، إما الجهل بعموم حديث عائشة رضي الله عنها لجميع البدع المحدثة في الإسلام، وإما المكابرة في رد الحق والجدال بالباطل لإدحاضه، وما أكثر المتصفين بهذه الصفة الذميمة من المنتسبين إلى العلم.--------------------------------------------
(1) ص (39 - 43).
(2) ص (11).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
الوجه الثالث: أن يقال إذا عرضنا عيد المولد النبوي على أدلة الشرع وجدناه زائدًا على الأعياد التي شرعها الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ووجدناه داخلا في عموم قول الله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ}، وفي عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وحينئذ فإنه يكون من الأعمال التي يجب إنكارها وردها.
الوجه الرابع: قد ذكرت في أول الكتاب إن الاحتفال بالمولد واتخاذه عيدًا مبني على التشبه بالنصارى في احتفالهم بمولد المسيح واتخاذه عيدًا، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم»، وقد ذكرت كلام العلماء على هذا الحديث في أول الكتاب، ومنه قول شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية إن هذا الحديث أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم، وقوله أيضًا موجب هذا تحريم التشبه بهم مطلقًا، فليراجع ما تقدم (1) ففيه أبلغ رد على الذين لا يبالون بالتشبه بأعداء الله.
وأما ما ذكره ابن علوي والرفاعي من تقسيم البدعة إلى خمسة أقسام فهو تقسيم لا دليل عليه ولا حاصل تحته. والجواب عنه من وجوه أحدها: أن يقال إن هذا التقسيم مناقض للنص على أن شر الأمور محدثاتها وأن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وهذا النص عام فيدخل فيه جميع البدع ولا يخرج عنه شيء منها، وما ناقض النص--------------------------------------------
(1) ص (26، 27).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه مردود على قائله كائنًا من كان.
الوجه الثاني: أن الشاطبي رحمه الله تعالى نقل في كتاب "الاعتصام" عن القرافي أنه قال: «اعلم أن الأصحاب فيما رأيت متفقون على إنكار البدع نص على ذلك ابن أبي زيد وغيره، والحق التفصيل وأنها خمسة أقسم» ثم ذكر الشاطبي كلام القرافي على الأقسام الخمسة وأتبعه بكلام شيخه عز الدين ابن عبد السلام عليها ثم قال انتهى محصول ما قال وهو يصرح مع ما قبله بأن البدع تنقسم بأقسام الشريعة فلا يصح أن تحمل أدلة ذم البدع على العموم، بل لها مخصصات.
والجواب أن هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي، بل هو في نفسه متدافع لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل ع ليها دليل شرعي لا من نصوص الشرع ولا من قواعده إذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة لما كان ثم بدعة ولكان العمل داخلا في عموم الأعمال المأمور بها أو المخير فيها، فالجمع بين كون تلك الأشياء بدعًا وبين كون الأدلة تدل على وجوبها أو ندبها أو إباحتها جمع بين متنافيين، أما المكروه منها والمحرم فمسلم من جهة كونها بدعًا لا من جهة أخرى إذ لو دل دليل على منع أمر أو كراهته لم يثبت ذلك كونه بدعة لإمكان أن يكون معصية كالقتل والسرقة وشرب الخمر ونحوها، فلا بدعة يتصور فيها ذلك التقسيم البتة إلا الكراهية والتحريم. فما ذكره القرافي عن الأصحاب من الاتفاق على إنكار البدع صحيح، وما قسمه فيها غير صحيح، ومن العجب حكاية الاتفاق مع المصادمة بالخلاف ومع معرفته بما يلزم في خرق الإجماع، انتهى المقصود من كلام الشاطبي وقد رد على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
القائلين بتقسيم البدع إلى خمسة أقسام ردًا وافيًا شافيًا فليراجع في الجزء الأول من كتاب "الاعتصام".
الوجه الثالث: أن يقال إن ابن علوي والرفاعي قد أدخلا في مسمى البدعة أشياء ليست من البدع مثل الرد على أهل البدع وتعليم النحو وبناء المدارس والأذن على المآذن وصنع الإحسان الذي لم يعهد في الصدر الأول والتوسع في المأكل والمشرب، وهذه الأشياء ليست من البدع. ما الرد على أهل البدع فإنه من إنكار المنكر لأن البدع هي أعظم المنكرات بعد الشرك بالله، وهو أيضًا من الجهاد في سبيل الله ومن النصيحة للمسلمين. والآيات والأحاديث في الأمر بإنكار المنكر والحث على ذلك كثيرة جدًا وكذلك الآيات والأحاديث في فضل الجهاد. وكذلك الأحاديث في فضل النصيحة للمسلمين وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على الثلاثة الذين قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا وقال آخر أنا أصوم ولا أفطر وقال آخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا فقال رسول الله ص: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي ورقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والنسائي من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وروى الإمام أحمد أيضًا بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما قال أرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأتيته فقال لي: «أتصوم النهار» قلت: نعم قال: «وتقوم الليل» قلت: نعم قال: «لكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأمس النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» فهذه الأعمال التي كان يعملها عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما والرجلان اللذان قال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
أحدهما: أما أنا فأصلي الليل أبدًا وقال الآخر وأنا أصوم ولا أفطر كلها من أعمال الخير، ومع هذا فقد أنكرها النبي صلى الله عليه وسلم وعدها من الرغبة عن سنته، وفي هذا أبلغ رد على الذين يحتفلون بالمولد لأن الاحتفال به لم يكن من سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد أنكر الصحابة رضي الله عنهم، ما ابتدع في زمانهم من البدع، فمن ذلك ما تقدم (1) عن ابن مسعود، وأبي موسى رضي الله عنهما أنهما أنكرا على الذين يجتمعون للذكر ويعدون التسبيح والتهليل والتكبير بالحصى، وقال لهم ابن مسعود رضي الله عنه: «ما أسرع ما ضللتم وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحياء»، وفي رواية أنه قال لهم: «ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم صلى الله عليه وسلم متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد صلى الله عليه وسلم، أو مفتتحو باب ضلالة»، قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير قال: «وكم من مريد للخير لن يصيبه»، وفي رواية أنه قال لهم: «والله الذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلماء، أو لقد فضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علمًا، عليكم بالطريق فالزموه، ولئن أخذتم يمينًا وشمالا لتضلن ضلالاً بعيدًا»، وفي رواية فأمرهم أن يتفرقوا، وفي رواية أنه لم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد، وهو يقول: «لقد أحدثتم بدعة ظلماء، أو لقد فضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علمًا».
ولما خرج الخوارج وأظهروا بدعتهم، أنكر ذلك أمير المؤمنين--------------------------------------------
(1) ص (36 - 39).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومن معه من الصحابة وقاتلوهم، ولم يخالف أحد من الصحابة رضي الله عنهم في إنكار بدعتهم ووجوب قتالهم، وقد وردت الأحاديث الكثيرة في ذمهم والأمر بقتالهم إذا خرجوا، وليس هذا موضع ذكرها.
ولما أظهر الغلاة من الروافض بدعتهم، أنكر ذلك أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وحرقهم بالنار ولم يخالف أحد من الصحابة رضي الله عنهم في إنكار بدعتهم إلا أن ابن عباس رضي الله عنهما رأى أن يقتلوا قتلا ولا يحرقوا بالنار.
ولما أظهر القدرية بدعتهم أنكر ذلك ابن عمر وابن عباس وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم وتبرءوا منهم.
وفيما ذكرته من الأحاديث والآثار عن الصحابة رضي الله عنهم دليل على مشروعية الرد على هل البدع، وفيه أيضًا أبلغ رد على من جعل الرد على أهل البدع داخلا في أقسام البدعة.
وأما علم النحو فإنه مهم جدًا إذ به يعرف الإعراب، ويجتنب الإنسان اللحن في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.
وقد روي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو أول من تكلم فيه ووضع أصوله، وعلي رضي الله عنه أحد الخلفاء الراشدين المهديين الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالأخذ بسنتهم، وعلى هذا فلا يجوز عد النحو مع البدع، ومن عده معها فقد أخطأ، وقد رد الشاطبي -رحمه الله تعالى- على من عده من البدع، فقال في أول كتابه الاعتصام بعد أن ذكر البدعة وأنها عبارة عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله -سبحانه-: ولما كانت الطرائق في الدين تنقسم، فمنها ما له أصل في الشريعة، ومنها ما ليس له أصل فيها، خص منها ما هو المقصود بالحد وهو القسم المخترع: أي طريقة ابتدعت على غير مثال تقدمها من الشارع، إذ البدعة إنما خاصتها: أنها خارجة عما رسمه الشارع، وبهذا القيد انفصلت عن كل ما ظهر لبادئ الرأي أنه مخترع مما هو متعلق بالدين: كعلم النحو، والتصريف، ومفردات اللغة وأصول الفقه وأصول الدين، وسائر العلوم الخادمة للشريعة، فأنها وإن لم توجد في الزمان الأول فأصولها موجودة في الشرع، إذ الأمر بإعراب القرآن منقول، وعلوم اللسان هادية للصواب في الكتاب والسنة، فحقيقتها إذًا أنها فقه التعبد بالألفاظ الشرعية الدالة على معانيها كيف تؤخذ وتؤدى.
وأصول الفقه إنما معناها استقراء كليات الأدلة حتى تكون عند المجتهد نصب عين، وعند الطالب سهلة الملتمس، وكذلك أصول الدين وهو علم الكلام، إنما حاصله تقرير لأدلتها في الفروع العبادية (فإن قيل) فإن تصنيفها على ذلك الوجع مخترع.
(فالجواب) أن له أصلاً في الشرع ففي الحديث ما يدل عليه، ولو سلم أنه ليس في ذلك دليل على الخصوص فالشرع بجملته يدل على اعتباره، وهو مستمد من قاعدة المصالح المرسلة، فعلى القول بإثباتها أصلاً شرعيًا لا إشكال في أن كل علم خادم للشريعة داخل تحت أدله التي ليست بمأخوذة من جزئي واحد فليست ببدعة البتة. وعلى القول بنفيها لا بد أن تكون تلك العلوم مبتدعات، وإذا دخلت في علم البدع كانت قبيحة؛ لأن كل بدعة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
ضلالة من غير إشكال، ويلزم من ذلك أن يكون كتب المصحف وجمع القرآن قبيحًا وهو باطل بالإجماع فليس إذا ببدعة، ويلزم أن يكون له دليل شرعي، وليس إلا هذا النوع من الاستدلال وهو المأخوذ من جملة الشريعة، وإذا ثبت جزئي في المصالح المرسلة ثبت مطلق المصالح المرسلة، فعلى هذا لا ينبغي أن يسمى علم النحو، أو غيره من علوم اللسان أو علم الأصول، أو ما أشبه ذلك من العلوم الخادمة للشريعة بدعة أصلا، ومن سماه بدعة فإما على المجاز كما سمى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قيام الناس في ليالي رمضان بدعة، وإما جهلا بمواقع السنة والبدعة، فلا يكون قول من قال ذلك معتدًا به، ولا معتمدًا عليه، انتهى.
وأما بناء المدارس فلا يدخل في مسمى البدعة؛ لأن البدعة عبارة عن الإحداث في الدين كما يدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وبناء المدارس ليس فيه إحداث في الدين، وإنما فيه الإحسان إلى من بنيت لهم من الناس؛ ليتعلموا كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من العلوم النافعة، وقد قال الله تعالى: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، وقد رد الشاطبي في كتاب "الاعتصام" على من جعل بناء المدارس من قبيل البدع، فقال: وأما المدارس فلا يتعلق بها أمر تعبدي يقال في مثله بدعة، إلا على فرض أن يكون من السنة أن لا يقرأ العلم إلا بالمساجد، وهذا لا يوجد بل العلم كان في الزمان الأول يبث بكل مكان من مسجد، أو منزل، أو سفر وحضر، أو غير ذلك حتى في الأسواق، فإذا أعد أحد من الناس مدرسة يعني بإعدادها الطلبة، فلا يزيد بذلك على إعداده له منزلا من منازله، أو حائطًا من حوائطه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
أو غير ذلك، فأين مدخل البدعة ههنا، وإن قيل أن البدعة في تخصيص ذلك الموضع دون غيره، قيل التخصيص ههنا ليس بتخصيص تعبدي، وإنما هو تعيين بالحبس كما تتعين سائر الأمور المحبسة وتخصيصها ليس ببدعة، فكذلك ما نحن فيه، انتهى.
وأما الأذان على المنار فلا يدخل في مسمى البدعة؛ لأن البدعة في الأذان هي لزيادة في ألفاظه، مثل قول الرافضة: أشهد أن عليا ولي الله، وقول بعضهم: أشهد أن عليًا حجة الله، وقولهم: حي على خير العمل، وتكريرهم قول: لا إله إلا الله مرتين في آخر الأذان، ورفعهم الصوت بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله بعد الأذان، فهذا هو المبتدع في الأذان، وأما الأذان على المكان المرتفع فهو مروي عن بلال رضي الله عنه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومروي أيضًا عن ابن مسعود، وأبي هريرة رضي الله عنهما فأما المروي عن بلال رضي الله عنه فهو في سنن أبي داود عن عروة بن الزبير عن امرأة من بني النجار قالت: كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، فكان بلال يؤذن عليه الفجر، فيأتي بسحر فيجلس على البيت ينظر إلى الفجر فإذا رآه تمطى، ثم قال: اللهم إني أحمدك واستعينك على قريش أن يقيموا دينك. قالت: ثم يؤذن، قالت: والله ما علمته كان تركها ليلة واحدة هذه الكلمات، وقد سكت عليه أبو داود، والمنذري، ورواه البيهقي في سننه من طريق أبي داود، وترجم له أبو داود بقوله: "باب الأذان فوق المنارة"، وترجم له البيهقي بقوله: "الأذان في المنارة"، ويستفاد من ترجمتي أبي داود، والبيهقي على حديث عروة أن الأذان فوق المنارة مثل الأذان فوق البيت المرتفع، ولا فرق بينهما.
وروي أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه بإسناد صحيح عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
عروة بن الزبير، قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا أن يؤذن يوم الفتح فوق الكعبة، وقال ابن إسحاق حدثني والدي، حدثني بعض آل جبريل بن مطعم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة أمر بلالا فعلا على الكعبة على ظهرها فأذن عليها بالصلاة، وروي عبد الرزاق عن معمر عن أيوب قال: قال ابن أبي مليكة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا، فأذن يوم الفتح فوق الكعبة.
وأما المروي عن ابن مسعود رضي الله عنه، فقال أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه: حدثنا عبد الأعلى عن الجريري عن عبد الله بن شقيق، قال: من السنة الأذان في المنارة، والإقامة في المسجد، وكان عبد الله يفعله إسناده صحيح على شرط مسلم، وقد ترجم ابن أبي شيبة على هذا الأثر، والأثر الذي رواه عن عروة بن الزبير بقوله: «في المؤذن يؤذن على المواضع المرتفعة المنارة وغيرها».
وأما المروي عن أبي هريرة رضي الله عنه فقال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا عبد الصمد، حدثنا عبد العزيز، حدثنا إسماعيل يعني ابن أبي خالد عن أبيه، قال: قلت لأبي هريرة رضي الله عنه أهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بكم، قال: وما أنكرت من صلاتي، قال: قلت أردت أن أسألك عن ذلك، قال: نعم وأوجز، قال: وكان قيامه قدر ما ينزل المؤذن من المنارة، ويصل إلى الصف، إسناده حسن، أبو خالد هو البجلي الأحمسي ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ ابن حجر في "تقريب التهذيب": مقبول، وقد ذكره الذهبي في "الميزان"، وقال: قد صحح له الترمذي، وبقية رجال الإسناد كلهم من رجال الصحيحين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
وفيما ذكرته من الآثار والتراجم عليها كفاية في الرد على من جعل الأذان على المنار من البدع.
وأما صنع الإحسان فإنه من المعروف، وليس من البدع سواء كان معهودًا في الصدر الأول أو لم يكن معهودا فيه، وقد قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ}، وقال تعالى: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، والآيات والأحاديث الصحيحة في الحث على الإحسان كثيرة جدًا، وإنما يذم منه ما تجاوز الحد وكان من التبذير.
وأما التوسع في المأكل والمشرب فلا يدخل في مسمى البدعة وإنما هو من المباح ما لم يبلغ إلى حد الإسراف فحينئذ يكون منهيًا عنه؛ لقول الله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}.
وأما إحداث الربط فإن كان المراد بذلك ما أحدثه الصوفية من اتخاذ الربط والزوايا للاعتزال عن الناس والانقطاع للعبادة فهذا داخل في مسمى البدعة، وليس من المندوبات والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة رضي الله عنها: «من أحدث في مرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، وقوله صلى الله عليه وسلم في حديثي أنس وعبد الله بن عمرو رضي الله عنهم: «من رغب عن سنتي فليس مني» وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه «عليكم بسنتي وسنة الخفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة»، وقوله - صلى الله عليه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
وسلم - في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة، وقد ذكرت هذه الأحاديث في أول الكتاب معزوة إلى مخرجيها فلتراجع (1) ففيها أبلغ رد على ابن علوي والرفاعي وغيرهما ممن زعم أن إحداث الربط من البدع المندوبة، وقد رد الشاطبي رحمه الله تعالى في كتابه "الاعتصام" على من جعل إحداث الربط من البدع المندوبة فقال: إن عني بالربط ما بني من الحصون والقصور قصدا للرباط فيها فلا شك إن ذلك مشروع بشرعية الرباط ولا بدعة فيه.
وإن عنى بالربط ما بني لالتزام سكناها قصد الانقطاع للعبادة لأن إحداث الربط التي شأنها أن تبني تدينًا للمنقطعين للعبادة في زعم المحدثين ويوقف عليها أوقاف يجري منها على الملازمين لها ما يقوم بهم في معاشهم من طعام ولباس وغيرهما لا يخلو أن يكون لها أصل في الشريعة أم لا، فإن لم يكن لها أصل دخلت في الحكم تحت قاعدة البدع التي هي ضلالات فضلاً عن أن تكون مندوبًا إليها، وإن كان لها أصل فليست ببدعة فإدخالها تحت جنس البدع غير صحيح.
ثم إن كثيرًا ممن تكلم على هذه المسألة من المصنفين في التصوف تعلقوا بالصفة التي كانت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتمع فيها فقراء المهاجرين، وهم الذين نزل فيهم {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} الآية، وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} الآية--------------------------------------------
(1) ص (10 - 11) (79، 80).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
فوصفهم الله بالتعبد والانقطاع إلى الله بدعائه قصدًا لله خالصًا فدل على أنهم انقطعوا لعبادة الله بدعائه قصدًا لله لا يشغلهم عن ذلك شاغل، فنحن إنما صنعنا صفة مثلها أو تقاربها يجتمع فيها من أراد الانقطاع إلى الله ويلتزم العبادة ويتجرد عن الدنيا والشغل بها وذلك كان شأن الأولياء ينقطعون عن الناس ويشتغلون بإصلاح بواطنهم ويولون وجوههم شطر الحق فهم على سيرة من تقدم، وإنما يسمى ذلك بدعة باعتبار ما بل هي سنة وأهلها متبعون للسنة فهي طريقة خاصة لأناس.
وهذا كله من الأمور التي جرت عند كثير من الناس، هكذا غير محققة ولا منزلة على الدليل الشرعي ولا على أحوال الصحابة والتابعين، ولا بد من بسط طرف من الكلام في هذه المسألة بحول الله حتى يتبين الحق فيها لمن أنصف ولم يغالط نفسه وبالله التوفيق، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة كانت الهجرة واجبة على كل مؤمن بالله ممن كان بمكة أو غيرها، فكان منهم من احتال على نفسه فهاجر بماله أو شيء منه فاستعان به لما قدم المدينة في حرفته التي كان يحترف من تجارة أو غيرها كأبي بكر الصديق رضي الله عنه فإنه هاجر بجميع ماله وكان خمسة آلاف، ومنهم من فرّ بنفسه ولم يقدر على استخلاص شيء من ماله فقدم المدينة صفر اليدين، وكان الغالب على أهل المدينة العمل في حوائطهم وأموالهم بأنفسهم فلم يكن لغيرهم معهم كبير فضل في العمل، وكان من المهاجرين من أشركهم الأنصار في موالهم وهم الأكثرون ومنهم من لم يجد وجهًا يكتسب به لقوت ولا لسكنى فجمعهم النبي صلى الله عليه وسلم في صفة كانت في مسجده وهي سقيفة كانت من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
جملته إليها يأوون وفيها يقعدون إذ لم يجدوا مالا ولا أهلا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحض الناس على إعانتهم والإحسان إليهم، وقد وصفهم أبو هريرة، رضي الله عنه إذ كان من جملتهم وهو أعرف الناس بهم، قال في الصحيح وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد إذا أتته يعني النبي صلى الله عليه وسلم صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها فوصفهم أنهم أضياف وحكم لهم كما ترى بحكم الأضياف، وإنما وجبت الضيافة في الجملة لأن من نزل بالبادية لا يجد منزلا ولا طعامًا لشراء إذ لم يكن لأهل الوبر أسواق ينال منها ما يحتاج إليه من طعام يشترى، ولا حانات يؤوى إليها فصار الضيف مضطرًا وإن كان ذا مال فوجب على أهل الموضع ضيافته وإيواؤه حتى
يرتحل، فإن كان لا مال له فذلك أحرى فكذلك أهل الصفة لما لم يجدوا منزلا آواهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد حتى يجدوا، كما أنهم حين لم يجدوا ما يقوتهم ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى إعانتهم وفيهم نزل {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} ألا ترى كيف قال: أخرجوا ولم يقل: خرجوا فإنه قد كان يحتمل أن يخرجوا اختيارًا فبان أنهم إنما خرجوا منها اضطرارًا ولو وجدوا سبيلا أن لا يخرجوا لفعلوا، ففيه دليل على أن الخروج عن المال اختيارًا ليس بمقصود للشارع وهو الذي تدل عليه أدلة الشريعة فلأجل ذلك بوأهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفة فكانوا في أثناء ذلك ما بين طالب للقرآن والسنة كأبي هريرة فإنه قصر نفسه على ذلك، وكان منهم من يتفرغ لذكر الله وعبادته وقراءة القرآن فإذا غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا معه وإذا أقام أقام معه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
حتى فتح الله على رسوله وعلى المؤمنين، فصار إلى ما صار إليه غيرهم ممن كان ذا أهل ومال وطلب للمعاش واتخاذ المسكن؛ لأن العذر الذي حبسهم في الصفة قد زال فرجعوا إلى الأصل لما زال العارض.
فالذي تحصل أن القعود في الصفة لم يكن مقصودًا لنفسه ولا بناء الصفة للفقراء مقصودًا بحيث يقال إن ذلك مندوب إليه لمن قدر عليه، ولا هي رتبة شرعية تطلب بحيث يقال إن ترك الاكتساب والخروج عن المال والانقطاع إلى الزوايا يشبه حالة أهل الصفة وهي الرتبة العليا؛ لأنها تشبه بأهل صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين وصفهم الله تعالى في القرآن بقوله: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ}، وقوله: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} الآية فإن ذلك لم يكن على ما زعم هؤلاء بل كان على ما تقدم.
والدليل من العمل أن المقصود بالصفة لم يدم ولم يثابر أهلها ولا غيرهم على البقاء فيها ولا عمرت بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان من قصد الشارع ثبوت تلك الحالة لكانوا هم أحق بفهمها أولا ثم بإقامتها والمكث فيها عن كل شغل، وأولى بتجديد معاهدها لكنهم لم يفعلوا ذلك البتة، فالتشبه بأهل الصفة إذًا في إقامة ذلك المعنى واتخاذ الزوايا والربط لا يصح، فليفهم الموفق هذا الموضع فإنه مزلة قدم لمن لم يأخذ دينه عن السلف الأقدمين والعلماء الراسخين.
ولا يظن العاقل أن القعود عن الكسب ولزوم الربط مباح أو مندوب إليه أفضل من غيره إذ ليس ذلك بصحيح، ولن يأتي آخر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها، ولا كفى المسكين المغتر بعمل الشيوخ المتأخرين أن صدور هذه الطائفة المتصفين بالصوفية لم يتخذوا رباطًا ولا زاوية ولا بنوا بناء يضاهون به الصفة للاجتماع على التعبد والانقطاع عن أسباب الدنيا كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم والجنيد وإبراهيم الخواص والحارث المحاسبي والشبلي وغيرهم ممن سابق في هذا الميدان، وإنما محصول هؤلاء أنهم خالفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالفوا السلف الصالح، وخالفوا شيوخ الطريقة التي انتسبوا إليها ولا توفيق إلا بالله، انتهى كلام الشاطبي رحمه الله.
وأما قول الرفاعي وعمل المولد وإن حدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد صحابته رضوان الله عليهم ليس فيه مخالفة لكتاب الله ولا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لإجماع المسلمين فلا يقال بأنه مذموم فضلا عن كونه منكرًا وبدعة سيئة.
فجوابه أن يقال: إن عيد المولد محدث في الإسلام، والاحتفال بهذا العيد مخالف للكتاب والسنة ولما كان عليه المسلمون منذ زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخر القرن السادس من الهجرة فأما مخالفته للكتاب فإن الله تعالى أمر عباده باتباع ما أنزله إليهم ونهاهم عن اتباع الأولياء من دونه فقال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} والاحتفال بالمولد داخل في عموم ما نهى الله عنه في هذه الآية الكريمة؛ لأن الله تعالى لم يأمر به ولا أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم وإنما أمر به من أحدثه وهو سلطان إربل، فالمحتفلون بالمولد قد اتبعوا سلطان إربل وارتكبوا ما نهى الله عنه من اتباع الأولياء من دونه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)