وأيضا فإن الله تعالى قال: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ} وعيد المولد داخل في عموم هذه الآية الكريمة لأن الله تعالى لم يشرعه وإنما شرعه سلطان إربل، فالمحتفلون به قد اتبعوا شرعًا لم يأذن به الله.
وأيضًا فإن الله تعالى قال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أمته أن يحتفلوا بمولده وقد حذرهم من محدثات الأمور وبالغ في التحذير، وعيد المولد من محدثات الأمور التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون داخلاً فيما أمر الله تعالى بالانتهاء عنه.
وأيضًا فإن الله تعالى قال: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} والاحتفال بالمولد لم يكن من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم ففي الاحتفال به مخالفة للأمر الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأيضا فإن الله تعالى قال: {فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} والآيات في الأمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والحث على اتباعه كثيرة جدًا ولا شك أن الاحتفال بالمولد خارج عن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه كما تقدم بيان ذلك وكما سيأتي إن شاء الله تعالى وقد قال الله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا}.
وأما مخالفة عيد المولد للسنة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» والاحتفال بالمولد لم يكن من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من سنة الخلفاء الراشدين المهديين وإنما هو من محدثات الأمور فيكون داخلاً فيما حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأيضًا فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» وفي رواية: «وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» والاحتفال بالمولد لم يكن من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما حدث بعده بنحو من ست مائة سنة فيكون داخلاً فيما حذر منه وأخبر أنه شر وضلالة.
وأيضًا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» والاحتفال بالمولد محدث في الإسلام فيكون مردودًا بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأيضًا فإن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته سبعة أعياد في سبعة أيام وهي يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم الأضحى ويوم عرفة وأيام التشريق، ولم يشرع لهم عيدًا في يوم مولده ولا أمرهم بالاحتفال به، وقد تقدم إيراد الأحاديث الدالة على مشروعية الأعياد السبعة وبيان أن ما سواها من الأعياد المحدثة فهو شر وضلالة فليراجع ذلك في أول الكتاب (1).--------------------------------------------
(1) ص (39 - 44).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم «وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» وقوله أيضًا: «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقوله أيضًا: «وكل ضلالة في النار» أبلغ رد على قول الرفاعي ن عمل المولد لا يقال بأنه مذموم فضلاً عن كونه منكرا وبدعة سيئة.
ومما يرد به على الرفاعي أيضًا قول النبي صلى الله عليه وسلم «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» رواه الإمام أحمد ومسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وهذا لفظ مسلم، وما أخبر به صلى الله عليه وسلم عن الخلوف أنهم يفعلون ما لا يؤمرون ينطبق على الذين يحتفلون بالمولد فإنهم يفعلون فيه أفعالا لم يأمر الله بها ولا رسوله، صلى الله عليه وسلم وفي الحديث الحث على جهادهم على قدر المستطاع باليد وباللسان أو بالقلب، وفي الحث على جهادهم دليل على أن فعلهم مذموم ومنكر وبدعة سيئة وفي ذلك أبلغ رد على الرفاعي.
وأما مخالفة عيد المولد لما كان عليه المسلمون في القرون الستة الأولى فهو معلوم مما ذكره بعض المؤرخين عن سلطان إربل الملك المظفر أنه هو أول من احتفل بالمولد وجعل ذلك عيدا يعود في كل عام، وكان ابتداعه له في آخر القرن السادس من الهجرة أو في أول
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
القرن السابع ولم يكن قبل ذلك معروفًا عند المسلمين، ولو كان خيرًا لسبق إليه الصحابة رضي الله عنهم، فإنهم كانوا أحرص على الخير ممن جاء بعدهم وكانوا أعظم الأمة محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وأشدها تمسكًا بسنته واتباعًا لهديه، وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم الفرقة الناجية من أمته بأنهم من كان على مثل ما كان عليه هو وأصحابه، رضوان الله عليهم.
وأما قول الرفاعي وكون السلف الصالح لم يفعلوه ليس بدليل للمعترض وإنما هو عدم دليل.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال هذه الجملة مأخوذة من كلام محمد بن علوي المالكي وهي في ص (273) من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية"
الوجه الثاني: أن يقال إن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أسبق إلى الخير وأحرص عليه ممن جاء بعدهم ومع هذا لم يكونوا يحتفلون بالمولد ويتخذونه عيدًا، ولو كان في ذلك خير لسبقوا إليه، وتركهم للشيء مع وجود سببه في زمانهم وعدم المانع من فعله يدل على أنه غير جائز.
الوجه الثالث: أن الله تعالى قال فيما امتن به على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه، رضي الله عنهم وعلى سائر الأمة بعدهم: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} وفي هذه الآية دليل على أن الاحتفال بالمولد لا يجوز لأنه ليس من الدين الذي أكمله الله تعالى لهذه الأمة في حياة نبيها ورضيه لهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
الوجه الرابع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما: «إن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة» قالوا من هي يا رسول الله. قال: «ما أنا عليه وأصحابي» رواه الترمذي وحسنه.
وهذا الحديث يدل على أن الاحتفال بالمولد لا يجوز لأنه من الأعمال التي لم يكن عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم.
الوجه الخامس: ما رواه ابن عبد البر عن ابن مسعود، رضي الله عنه أنه قال: «من كان منكم متأسيًا فليتأس بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا وأعمقها علمًا وأقلها تكلفًا وأقومها هديًا وأحسنها حالا، قومًا اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدي المستقيم».
فقد ذكر ابن مسعود، رضي الله عنه أن الصحابة، رضي الله عنهم كانوا أقوم الأمة هديًا وأحسنها حالا وأنهم كانوا على الهدى المستقيم، وهم مع هذا لم يكونوا يحتفلون بالمولد ويتخذونه عيدًا فهل يقول عاقل مؤمن أن المحتفلين بالمولد قد أدركوا من الخير ما لم يحصل مثله لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يقول إن المحتفلين بالمولد كانوا أقوم هديًا، أحسن حالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا لا يقول ذلك من له أدنى مسكة من عقل ودين.
الوجه السادس: أن يقال إن عيد المولد النبوي قد وجد سببه في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد أصحابه رضي الله عنهم ولم يوجد مانع يمنع من فعله ومع هذا لم يأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفعله ولم يأمر به أحد من الخلفاء الراشدين ولم يفعلوه ولم يفعله غيرهم من الصحبة، رضي الله عنهم، وكما أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم وفعله حجة فكذلك تركه للشيء مع وجود سببه وعدم المانع من فعله يكون حجة على أنه غير جائز وكذلك ترك الصحابة رضي الله عنهم للشيء مع وجود سببه وعدم المانع من فعله يدل على أنه غير جائز والأصل في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»،
وقوله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة»، وقوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الفرقة الناجية من هي قال: «ما أنا عليه وأصحابي».
وهذه الأحاديث الثلاثة تدل على المنع من الأعمال التي لم تكن من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من عمل الصحابة رضي الله عنهم وفيها أبلغ رد على قول ابن علوي والرفاعي إن كون السلف الصالح الأول لم يعملوا المولد ليس بدليل على أنه ممنوع وإنما هو عدم دليل.
وأما قول الرفاعي ويستقيم الدليل على كونه ممنوعا أو منكرًا لو نهى الله تعالى عنه في كتابه العزيز أو نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته الصحيحة ولم ينه عنه فيهما.
فجوابه أن يقال قد دل الكتاب والسنة على المنع من جميع البدع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
والنهي عنها ولا فرق في ذلك بين بدعة المولد وغيرها من البدع.
فأما الدليل من الكتاب ففي عدة آيات منها قول الله تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} وهذه الآية تدل على المنع من الاحتفال بالمولد لأن الله تعالى لم يأمر به ولم يأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما أمر به سلطان إربل فالمحتفلون بالمولد قد اتبعوا سلطان إربل وذلك من اتباع الأولياء من دون الله، واتباع الأولياء من دون الله من أعظم المنكرات.
ومن الآيات أيضًا قول الله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ}.
وهذه الآية عامة لك لبدعة في الدين ومنها بدعة المولد فهي من الشرع الذي لم يأذن به الله.
ومنها أيضًا الآيات الكثيرة في الأمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والتحذير من معصيته ومخالفة أمره، والنبي صلى الله عليه وسلم قد أمر أمته بالأخذ بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين وحذرهم من محدثات الأمور وبالغ في التحذير وأخبرهم أنها شر وضلالة وأنها في النار وأمرهم بردها، وفي هذا أوضح دليل على المنع من بدعة المولد وغيرها من البدع وبيان أنها من المنكرات.
وأما الدليل من السنة فهو ما أشرت إليه آنفًا مما هو ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث العرباض بن سارية وجابر بن عبد الله وعائشة أم المؤمنين، رضي الله عنهم، وكذلك ما رواه ابن ماجه عن ابن مسعود رضي الله عنه وقد ذكرت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
أحاديثهم في أول الكتاب فلتراجع ففيها أوضح دليل على المنع من بدعة المولد وغيرها من البدع وبيان أنها من المنكرات.
وأما قول الرفاعي:
13 - ليس الاحتفال بالمولد من مخترعات الدولة الفاطمية كما أشار الأخ سليمان معرفي في تعليقه على مقالي السابق، بل هو السلطان مظفر صحب إربل المتوفى سنة 630 هـ كما ذكرت سابقًا نقلا عن "وفيات الأعيان" لابن خلكان (3/ 273) وسبط ابن الجوزي في "مرآة الزمان" وقد أكد ذلك الإمام السيوطي في رسالة "حسن المقصد في عمل المولد" حيث قال: (وأول من أحدث المولد صاحب إربل الملك المظفر أبو سعيد كوكبري بن زين الدين علي أحد الملوك الأمجاد والكبراء الأجواد وكان له آثار حسنة وهو الذي عمر الجامع المظفري بسفح قاسيون) وقال ابن كثير في تاريخ عنه (كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالا هائلا وكان شهمًا شجاعًا بطلا عاقلا عالمًا عادلاً، وقد طالت مدته في الملك إلى أن مات وهو محاصر للإفرنج بمدينة عكا سنة ثلاثين وست مائة محمود السيرة والسريرة.
فجوابه من وجهين أحدهما: أن يقال قد قرر الرفاعي في هذه الجملة أن أول من أحدث بدعة المولد صاحب إربل الملك المظفر أبو سعيد كوكبري بن زين الدين علي، وقد ذكر ذلك في أول مقاله أيضًا وعلى هذا فلا يخلو الرفاعي من أحد أمرين إما أن يكون جاهلا بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حذر أمته من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
المحدثات على وجه العموم من غير استثناء شيء منها وما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه وصف المحدثات بالشر والضلالة من غير استثناء شيء منها وأنه صلى الله عليه وسلم قال: «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار»، وما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من رغب عن سنتي فليس مني» وإما أن يكون عالمًا بهذه الأحاديث وببعضها ولكنه لم يبال بها ولم يقم لها وزنًا وما أعظم هذا الأمر وأشد خرطه كما أن الأمر الأول قبيح جدًا ممن ينتسب إلى العلم، ولا محيد للرفاعي من أحد هذين الأمرين الذميمين فليختر لنفسه ما يناسبه منهما.
الوجه الثاني: أن يقال إن ثناء ابن كثير والأسيوطي وغيرهما على سلطان إربل معارض بكلام ياقوت الحموي فيه وهو من معاصريه وقد مات قبله بأربع سنين، وقد دخل ياقوت مدينة إربل واطلع على أحوال سلطانها وغيره من أكابر أهلها، وقد ذكرها في كتابه «معجم البلدان» وذكر سلطانها الملك المظفر كوكبري وقال فيه ما نصه وطباع هذا أمير مختلفة متضادة فإنه كثير الظلم عسوف بالرعية راغب في أخذ الأموال من غير وجهها وهو مع ذلك مفضل على الفقراء كثير الصدقات على الغرباء يسير الأموال الجمة الوافرة يستفك بها الأسارى من أيدي الكفار،
وفي ذلك يقول الشاعر:
كساعية للخير من كسب فرجها … لك الويل لا تزني ولا تتصدقي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
انتهى كلام ياقوت الحموي وما ذكره عن سلطان إربل من كثرة الظلم والعسف بالرعية وأخذ الأموال من غير وجهها فيه أبلغ رد على من تجاوز الحد في مدحه والثناء عليه بالعدل وحسن السيرة والسريرة وقد ذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" نقلاً عن سبط ابن الجوزي أنه قال فيما ذكره عن سلطان إربل أنه كان يعمل للصوفية في المولد سماعًا من الظهر إلى الفجر ويرقص بنفسه معهم.
قلت: وهذا أيضًا مما يزري به ويقدح فيه لأن عمل السماع من البدع المحدثة في الإسلام والبدع كلها شر وضلالة بالنص الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديثي العرباض بن سارية وجابر بن عبد الله رضي الله عنهما وكلها مردودة بالنص الثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وقد ذكرت هذه الأحاديث في أول الكتاب فلتراجع (1).
وأما الرقص فإنه من خوارم المروءة ومما يزري بالعقل والأدب قال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام الرقص لا يتعاطاه إلا ناقص العقل، وقال أبو الفرج ابن الجوزي حدثني بعض المشايخ عن الغزالي أنه قال الرقص حماقة بين الكتفين لا تزول إلا بالتعب، قال وقال أبو الفواء ابن عقيل قد نص القرآن على النهي عن الرقص فقال عز وجل {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا} والرقص أشد المرح والبطر، وهل شيء يزري بالعقل والوقار ويخرج عن سمت الحلم والأدب أقبح من ذي لحية يرقص فكيف إذا كانت شيبة ترقص وتصفق على أوقاع--------------------------------------------
(1) ص (10، 11).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
الألحان انتهى وقد ذكر الفقهاء أن شهادة الرقاص غير مقبولة لأن الرقص من خوارم المروءة.
وفيما ذكرته في هذا الوجه أبلغ رد على من بالغ في إطراء سلطان إربل وتجاوز الحد في مدحه والثناء عليه.
وأما قول الرفاعي:
14 - لقد قيد العلماء رضوان الله عليهم حديث (وكل بدعة ضلالة) بالبدعة السيئة والدليل على هذا القيد ما وقع من أكابر الصحابة والتابعين من المحدثات التي لم تكن في زمنه صلى الله عليه وسلم (راجع كتاب إقامة الحجة على أن الإكثار من العبادة ليس بدعة تحقيق أبي غدة) ونحن اليوم قد أحدثنا مسائل كثيرة لم يفعلها السلف الصالح وذلك كجمع الناس على إمام واحد في آخر الليل من العشر الأواخر في شهر رمضان (صلاة القيام بعد صلاة التراويح وكختم المصحف فيها وقراءة دعاء ختم القرآن وكخطبة الإمام بالحرمين الشريفين ليلة سبع وعشرين من رمضان في صلاة القيام، وكنداء المنادي بقوله (صلاة القيام أثابكم الله) وكالزيارات والتهاني المتبادلة في ليالي رمضان المبارك، فكل هذا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من السلف فهل يكون فعلنا له بدعة سيئة.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال إن أول هذا الكلام مأخوذ من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة 272 وصفحة 273 من كتاب المسمى "بالذخائر المحمدية"
الوجه الثاني: أن يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم قد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
أطلق القول في التحذير من المحدثات ووصفها بالشر وأخبر أن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وقال صلى الله عليه وسلم «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» أي مردود والأحاديث في هذا مذكورة في أول الكتاب فلتراجع (1) وإذا كانت أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم في التحذير من البدع وذمها والأمر بردها كلها على الإطلاق فلا يجوز لأحد أن يقيدها لأن تقييدها يكون استدراكًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أعظم ذلك وأشد خرطه وقد قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا} وقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.
الوجه الثالث: أن يُقال ما ذكره ابن علوي والرفاعي عن أكابر الصحابة والتابعين أنه قد وقع منهم محدثات لم تكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إن أراد أنه قد وقع منهم محدثات في الدين فهذا لا صحة له، وإن أراد بها المحدثات في غير الدين فهذا غير مدفوع.
فإن اعترض بعض الناس وأورد في هذا ما فعله الخلفاء الراشدون من جمع القرآن وترتيب سوره وكتابته في المصاحف وجمع الناس على إمام واحد في صلاة القيام في رمضان وزيادة التأذين الأول يوم الجمعة قلنا هذه كلها من السنن بنص رسول الله - صلى الله--------------------------------------------
(1) ص (10، 11).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
عليه وسلم -
في حديث العرباض بن سارية، رضي الله عنه حيث قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» وقال في حديث حذيفة رضي الله عنه: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» وقد تقدم كل من الحديثين معزوًا إلى مخرجيه فليرجع إليهما (1).
الوجه الرابع: أن يُقال إن جمع الناس على إمام واحد في آخر الليل من العشر الأواخر من رمضان ليس بمحدث وإنما هو سنة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فعله ثم تركه خشية أن يُفرض على أمته، وقد ذكرت الأحاديث الواردة في قيامه صلى الله عليه وسلم بالناس في العشر الأواخر من رمضان في أول الكتاب فلتراجع (2) وقد ذكر أبو ذر والنعمان بن بشير رضي الله عنهما في حديثهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام بهم ليلة سبع وعشرين حتى خشوا أن يفوتهم السحور، وروى مالك في الموطأ والبيهقي من طريقه عن السائب بن يزيد رضي الله عنه أنه قال أمر عمر بن لخطاب رضي الله عنه أبي بن كعب وتميمًا الداري رضي الله عنهما، أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر. وروى مالك أيضًا والبيهقي من طريقه عن عبد الله بن أبي بكر يعني ابن محمد بن عمرو بن حزم قال: سمعت أبي يقول كنا ننصرف في رمضان فنستعجل الخدم بالطعام مخافة الفجر، وروى البيهقي أيضًا عن السائب بن يزيد قال: كانوا يقومون--------------------------------------------
(1) ص (10، 85).
(2) ص (48، 49).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
على عهد عمر بن لخطاب رضي الله عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة قال: وكانوا يقرؤون بالمئين وكانوا يتوكئون على عصيهم في عهد عثمان بن عفان، رضي الله عنه من شدة القيام، وروى مالك في الموطأ والبيهقي من طريقه عن يزيد بن رومان أنه قال: كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه في رمضان بثلاث وعشرين ركعة وقد تتقدم في رواية السائب بن يزيد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر أُبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال البيهقي: ويمكن الجمع بين الروايتين فإنهم كانوا يقومون بإحدى عشرة ثم كانوا يقومون بعشرين ويوترون بثلاث والله أعلم انتهى.
وأما قول الرفاعي وكختم المصحف فيها.
فجوابه أن يقال: إن ختم القرآن في العشر الأواخر في رمضان ليس بمحدث فقد روى الإمام أحمد ومسلم وغيرهما عن حذيفة، رضي الله عنه، أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقرأ البقرة وآل عمران والنساء في ركعة، وفي رواية لأحمد والنسائي أن ذلك كان في رمضان، وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يكثر من قراءة القرآن في قيام رمضان، وعلى هذا فلا يبعد أنه كان يختم القرآن في العشر الأواخر من رمضان أكثر من مرة وقد تقدم في خبر السائب بن يزيد أن عمر رضي الله عنه أمر أبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال وقد كان القارئ يقرأ بالمئين، وهذا يدل على أنهم كانوا يطيلون القيام ويكثرون من قراءة القرآن، وعلى هذا فلا يبعد أنهم كانوا يختمون في العشر الأواخر من رمضان أكثر من مرة والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
وقد جاء في هذا آثار كثيرة عن بعض الصحابة والتابعين رواها أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه، منها عن عثمان بن عفان وتميم الداري وسعيد بن جبير أن كلا منهم قرأ القرآن في ركعة، وقرأه سعيد بن جبير أيضًا في ركعتين، وقرأه علقمة في ليلة وكان علي الأزدي يختم القرآن في رمضان في كل ليلة، وكان ابن مسعود يقرأ القرآن في كل ثلاث، وكان أبي يختم القرآن في ثمان وكان تميم الداري يختم القرآن في سبع، وكان الأسود يقرأ القرآن في شهر رمضان في ليلتين ويختم في سوى رمضان في ست، وكان علقمة يختمه في خمس، وكان عبد الرحمن بن يزيد وإبراهيم وعروة بن الزبير كل منهم يقرأ القرآن في كل سبع، وكان أبو مجلز واسمه لاحق بن حميد يؤم الحي في رمضان وكان يختم في سبع، وكان المسيب بن رافع يختم القرآن في كل ثلاث.
وفيما ذكرته عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن بعض الصحابة والتابعين أبلغ رد على زعم الرفاعي أن ختم المصحف في العشر الأواخر من رمضان محدث. وأما قول الرفاعي وقراءة دعاء ختم القرآن.
فجوابه أن يقال: قد ثبت عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه كان إذا ختم القرآن جمع أهله وولده فدعا لهم رواه الطبراني قال الهيثمي ورجاله ثقات. وقال الإمام محمد بن نصر المروزي في كتاب "قيام رمضان" "باب الترغيب في الدعاء عند ختم القرآن" ثم ذكر في هذا الباب عن أنس رضي الله عنه أنه كان إذا ختم القرآن جمع ولده وأهل بيته فدعا لهم. وذكر القاضي أبو الحسين في "طبقات الحنابلة" عن إبراهيم الحربي أنه قال سئل أحمد يعني ابن حنبل، رحمه الله عن الرجل يختم القرآن في شهر رمضان في الصلاة، أيدعو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
قائمًا في الصلاة أم يركع ويسلم ويدعو بعد السلم فقال: بل يدعو في الصلاة وهو قائم بعد الختمة، قيل له فيدعو في الصلاة بغير ما في القرآن؟ قال: نعم، وذكر القاضي أيضا عن الفضل بن زياد القطان قال: سألت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى قلت: أختم القرآن أجعله في الوتر أو في التراويح حتى يكون لنا دعاءان اثنان كيف أصنع؟ قال إذا فرغت من آخر القرآن فارفع يديك قبل أن تركع وادع بنا ونحن في الصلاة وأطل القيام قلت بم أدعو؟ قال: بما شئت ففعلت كما أمرني وهو خلفي يدعو قائمًا ورفع يديه.
وفيما ثبت عن أنس رضي الله عنه وقول الإمام أحمد وفعله رد على الرفاعي حيث جعل الدعاء بعد ختم القرآن من المحدثات، وقد كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى، من أعلم الناس بالسنة وأتبعهم لها فلا يظن به أنه كان يفعل شيئًا محدثًا أو يفتي بجواز المحدثات.
وإذا علم هذا فينبغي لمن أراد أن يدعو بعد ختم القرآن أن يقتصر في الدعاء على الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأن يجتنب السجع والكلام الذي لا فائدة فيه.
وأما قول الرفاعي وكخطبة الإمام بالحرمين الشريفين ليلة سبع وعشرين من رمضان في صلاة القيام.
فجوابه أن يقال: ما فعله بعض الأئمة من الموعظة والتذكير في ليلة سبع وعشرين من رمضان قد ترك منذ سنوات فلا متعلق للرفاعي في ذكره.
وأما قوله وكنداء المنادي بقوله (صلاة القيام أثابكم الله).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
فجوابه أن يُقال: هذا لا أصل له وينبغي أن يُترك.
وأما قوله وكالزيارات والتهاني المتبادلة في ليالي رمضان المبارك.
فجوابه أن يُقال: هذه من الأمور العادية وليست من العبادات فلا تدخل في مسمى البدعة.
وأما قول الرفاعي:
15 - ليس كل بدعة محرمة ولو كانت كذلك لحرم جمع أبي بكر وعمر وزيد بن ثابت ورضي الله عنهم القرآن الكريم وكتبه عنهم في حروب الردة ولما تم جمع وتدوين الحديث الشريف في كتب الصحاح والسنن وغيرها ولما ألف علم الفقه والتجويد والتوحيد وغيرها من العلوم الشرعية التي صنفت وابتكرت بعد العهد النبوي الشريف.
فجوابه من وجهين أحدهما: أن يُقال هذا الكلام مأخوذ من كلام محمد بن علوي المالكي بعضه بالنص وبعضه بالمعنى وهو في ص (272) من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية".
الوجه الثاني: أن يُقال أما قول ابن علوي والرفاعي ليست كل بدعة محرمة فهو قول باطل مردود بقول النبي صلى الله عليه وسلم «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقوله أيضًا: «وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة كل ضلالة في النار» وقوله أيضًا: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».
فهذه الأحاديث الثابتة تدل على رد البدع في الدين والتشديد فيها، وفي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
وصفها بالشر والضلالة والإخبار عنها أنها في النار أوضح دليل على تحريمها والله أعلم.
وأما جمع القرآن وكتابته في المصاحف فهو سنة لقول النبي صلى الله عليه وسلم «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» وقوله أيضًا: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر».
وأما جمع الحديث وتدوينه والتأليف في التوحيد والفقه والتجويد وغيرها من العلوم الشرعية فالأصل في جواز ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر أصحابه أن يكتبوا خطبته التي خطب بها يوم الفتح لأبي شاه، وكذلك ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أذن لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن يكتب كل ما سمعه منه، رواه الإمام أحمد وأبو داود والدارمي والحاكم من طرق وصححه الحاكم والذهبي وكذلك كتابة الصحيفة التي كانت عند علي رضي الله عنه، وكان فيها أسنان الإبل وأشياء من الجراحات وأشياء غير ذلك من الحكام، روى ذلك أحمد والبخاري ومسلم وأهل السنن وفي رواية لأحمد عن علي رضي الله عنه أنه قال هذه الصحيفة أخذتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فرائض الصدقة قال الحافظ ابن حجر سنده حسن وكذلك كتاب النبي صلى الله عليه وسلم الذي كتبه لعمرو بن حزم وفيه الفرائض والسنن والديات وكذلك كتاب أبي بكر الصديق رضي الله عنه الذي كتبه لأنس رضي الله عنه حين وجهه إلى البحرين وفيه بيان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
الصدقة ونصب الزكاة، فهذه الأحاديث هي الأصل في جواز جمع الحديث وتدوينه ثم انعقد الإجماع على الجواز، قال القاضي عياض فيما نقله النووي عنه في شرح مسلم كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم فكرهها كثيرون منهم وأجازها أكثرهم ثم أجمع على جوازها وزال ذلك الخلاف. وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري قال العلماء كره جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث واستحبوا أن يؤخذ عنهم حفظًا كما أخذوه حفظًا لكن لما قصرت الهمم وخشي الأئمة ضياع العلم دونوه وأول من دون الحديث ابن شهاب الزهري على رأس المائة بأمر عمر بن عبد العزيز ثم كثر التدوين ثم التصنيف وحصل بذلك خير كثير، وذكر الحافظ أيضًا أن السلف اختلفوا في كتابة العلم عملا وتركًا وإن كان الأمر استقر والإجماع انعقد على جواز كتابة العلم، بل على استحبابه بل لا يبعد وجوبه على من خشي النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم انتهى.
وأما قول الرفاعي وأخيرًا نقول إن التسامح الديني هو سمة ديننا الحنيف الذي أمرنا به مع المسلم وغيره عندما نجادله ونخاطبه ونناقشه.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال إن التسامح إنما يكون في الأمور الدنيوية وما لا يخل بالدين، فأما الشرك والبدع في الدين والمعاصي فلا يجوز التسامح فيها، بل يجب إنكار ما ظهر منها وتغييره بحسب القدرة لقول النبي صلى الله عليه وسلم «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
أضعف الإيمان» رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي ومسلم وأهل السنن من حديث أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، وروى مسلم أيضًا عن ابن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم أنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» وفي هذين الحديثين أبلغ رد على من بذل جهده في تأييد بدعة المولد والذب عنها وزعم أن التسامح الديني هو سمة ديننا الحنيف.
الوجه الثاني: أن يُقال أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتسامح في البدع ولا مع أهل البدع، وكذلك الصحابة والتابعون وأئمة العلم والهدي من بعدهم، والآثار عنهم في ذلك كثيرة جدًا وهي مذكورة في كتب السنة وغيرها من الكتب المؤلفة في ذم البدع والتحذير منها وقد ذكرت طرفًا منها في "تحفة الإخوان، بما جاء في الموالاة والمعادة والحب والبغض والهجران" فلتراجع هناك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث العرباض بن سارية، رضي الله عنه: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة». وقال في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» زاد النسائي في روايته «وكل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)