في هذا الحديث أنه أمرهم بترك القيام الذي هو فرض في الصلاة وعلل ذلك بأن قيام المأمومين مع قعود الإمام يشبه فعل فارس والروم بعظمائهم في قيامهم وهم قعود.
ومعلوم أن المأموم إنما نوى أن يقوم لله لا لإمامه وهذا تشديد عظيم في النهي عن القيام للرجل القاعد. ونهي أيضا عما يشبه ذلك وإن لم يقصد به ذلك.
وفي الحديث أيضا نهي عما يشبه فعل فارس والروم وإن كانت نيتنا غير نيتهم لقوله: «فلا تفعلوا». فهل بعد هذا في النهي عن مشابهتهم في مجرد الصورة غاية انتهى.
وقال النووي فيه النهي عن قيام الغلمان والتباع على رأس متبوعهم الجالس لغير حاجة.
وأما القيام للداخل إذا كان من أهل الفضل والخير فليس من هذا بل هو جائز قد جاءت به أحاديث وأطبق عليه السلف والخلف.
قلت في آخر هذا الكلام نظر فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان أفضل الخلق وخيرهم ومع هذا فقد نهى أصحابه عن القيام له إذا خرج عليهم وأخبرهم أن ذلك من فعل الأعاجم يعظم بعضهم بعضا.
وقال أنس رضي الله عنه: لم يكن شخص أحب إليهم من النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك.
ولما قام ابن عامر لمعاوية رضي الله عنه لما خرج عليهم أمره أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)
يجلس وحدثهم بما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم من التشديد في ذلك. وهذه أحاديث صحيحة فيجب العمل بها.
ومن قال: إنها محمولة على القيام على الملوك وهم قعود وما أشبه ذلك فقد أبعد النجعة وخالف ما دلت عليه هذه الأحاديث من النهي عن القيام للداخل ونحوه على وجه التعظيم والاحترام.
وقد رد ابن القيم رحمه الله تعالى على من قال بهذا القول فقال في تهذيب السنن على قول المنذري.
وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه أنهم لما صلوا خلفه صلى الله عليه وسلم قيامًا وهو قاعد فأشار إليهم فقعدوا فلما سلم قال: «إن كدتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا».
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: حمل أحاديث النهي -يعني حديث معاوية وحديث أبي أمامة- على مثل هذه الصورة ممتنع فإن سياقها يدل على خلافه وأنه صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن القيام له إذا خرج عليهم ولأن العرب لم يكونوا يعرفون هذا وإنما هو من فعل فارس والروم.
ولأن هذا لا يقال له: قيام للرجل إنما هو قيام عليه.
ففرق بين القيام للشخص المنهي عنه والقيام عليه المشبه لفعل فارس والروم والقيام إليه عند قدومه الذي هو سنة العرب وأحاديث الجواز تدل عليه فقط انتهى.
وذكر ابن القيم أيضا حديث معاوية رضي الله عنه ثم قال: وفيه رد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 204)
على من زعم أن معناه: أن يقوم الرجل للرجل في حضرته وهو قاعد فإن معاوية روى الخبر لما قاما له حين خرج.
قال: وأما الأحاديث المتقدمة فالقيام فيها عارض للقادم مع أنه قيام إلى الرجل للقائه لا قيام له وهو وجه حديث فاطمة فالمذموم القيام للرجل.
وأما القيام إليه للتلقي إذا قدم فلا بأس به وبهذا تجتمع الأحاديث والله أعلم انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
والأحاديث التي أشار إليها أنها قد تقدمت ستأتي في القسم الثالث وهي حديث عائشة رضي الله عنها في قيام النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة، وقوله للأنصار: «قوموا إلى سيدكم» وحديث عائشة رضي الله عنها في قيام النبي صلى الله عليه وسلم إلى فاطمة إذا دخلت عليه وقيامها إليه إذا دخل عليها.
إذا علم هذا فالقيام على ثلاثة أقسام:
أحدها: القيام على الرجل وهو قاعد كما يفعله الشرط وغيرهم من أعوان الملوك مع الملوك وهذا هو الذي ورد النهي عنه في حديث جابر رضي الله عنه الذي تقدم ذكره ولا أعلم نزاعًا في كراهته والمنع منه.
ويستثنى من هذا مسألة واحدة وهي ما إذا قدم على الإمام رسل من الأعداء وخيف منهم أن يغدروا به فلا بأس أن يقوم بعض أعوانه على رأسه بالسلاح كما فعل المغيرة بن شعبة رضي الله عنه في صلح الحديبية فإنه كان قائما بالسلاح على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه رسل قريش.
والحديث بذلك في صحيح البخاري ومسند الإمام أحمد وغيرهما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)
القسم الثاني: القيام للداخل ونحوه إعظامًا له واحترامًا لا لقصد المعانقة أو المصافحة. وفي كراهة هذا والمنع منه نزاع بين العلماء والصحيح المنع منه لما تقدم عن أبي أمامة وأنس ومعاوية رضي الله عنهم في ذلك. وأحاديثهم وإن كانت واردة في هذا القسم فعمومها يشمل القسم الأول أيضا لأن كلا منهما من أفعال الأعاجم وتعظيم بعضهم بعضًا. والمسلم منهي عن التشبه بالأعاجم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم» وفي الحديث الآخر: «ليس منا من تشبه بغيرنا».
وقد فرق بعض العلماء بين القيام لأهل الفضل والفقه وبين القيام لغيرهم فأجازوه لأهل الخير ومنعوه لغيرهم وهذا تفريق لا دليل عليه. وقد تقدم رد ما قاله النووي في ذلك.
قال إسحاق بن إبراهيم: خرج أبو عبد الله على قوم في المسجد فقاموا له فقال: لا تقوموا لأحد فإنه مكروه.
وقال أحمد أيضا في رواية مثنى: لا يقوم أحد لأحد.
وقال ابن حنبل: قلت لعمي ترى للرجل أن يقوم للرجل إذا رآه قال: لا يقوم أحد لأحد إلا الولد لوالده أو لأمه فأما لغير الوالدين فلا. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
وظاهر هذه الروايات أنه لا فرق بين القيام لأهل الفقه والدين وبين القيام لغيرهم. وقد روي عن الإمام مالك نحو هذا قال ابن القاسم في «المدونة»: قيل لمالك الرجل يقوم للرجل له الفضل والفقه قال: أكره ذلك ولا بأس بأن يوسع له في مجلسه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)
قال: وقيام المرأة لزوجها حتى يجلس من فعل الجبابرة وربما يكون الناس ينتظرونه فإذا طلع قاموا فليس هذا من فعل الإسلام.
وقال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»: محصل المنقول عن مالك إنكار القيام ما دام الذي يقام لأجله لم يجلس ولو كان في شغل نفسه فإنه سئل عن المرأة تبالغ في إكرام زوجها فتتلقاه وتنزع ثيابه وتقف حتى يجلس فقال: أما التلقي فلا بأس به وأما القيام حتى يجلس فلا فإن هذا من فعل الجبابرة وقد أنكره عمر بن عبد العزيز انتهى.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: أبو بكر والقاضي ومن تبعهما فرقوا بين القيام لأهل الدين وغيرهم فاستحبوه لطائفة وكرهوه لأخرى والتفريق في مثل هذا بالصفات فيه نظر.
قال: وأما أحمد فمنع منه مطلقا لغير الوالدين فإن النبي صلى الله عليه وسلم سيد الأئمة ولم يكونوا يقومون له فاستحباب ذلك للإمام العادل مطلقا خطأ.
وقصة ابن أبي ذئب مع المنصور تقتضي ذلك.
وما أراد أبو عبد الله -والله أعلم-إلا لغير القادم من سفر فإنه قد نص على أن القادم من السفر إذا أتاه إخوانه فقام إليهم وعانقهم فلا بأس به.
وحديث سعد يخرج على هذا وسائر الأحاديث فإن القادم يتلقى لكن هذا قام فعانقهم والمعانقة لا تكون إلا بالقيام.
وأما الحاضر في المصر الذي قد طالت غيبته والذي ليس من عادته المجيء إليه فمحل نظر. فأما الحاضر الذي يتكرر مجيئه في الأيام كإمام المسجد أو السلطان في مجلسه أو العالم في مقعده فاستحباب القيام له خطأ بل المنصوص عن أبي عبد الله هو الصواب انتهى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)
وقصة ابن أبي ذئب التي أشار إليها الشيخ قد ذكرت له مع المهدي وأنه لما حج دخل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فلم يبق أحد إلا قام إلا ابن أبي ذئب فقال له المسيب بن زهير: قم هذا أمير المؤمنين فقال ابن أبي ذئب: إنما يقوم الناس لرب العالمين، فقال المهدي: دعه فلقد قامت كل شعرة في رأسي. ذكره الخطيب في تاريخه.
وقد سئل الشيخ أيضًا عن النهوض الذي يعده الناس من الإكرام والاحترام عند قدوم شخص معتبر هل يجوز أم لا؟ وإذا كان يغلب على ظن المتقاعد عن ذلك أن القادم يخجل أو يتأذى باطنه وربما أدى ذلك إلى بغض ومقت وعداوة.
فأجاب -رحمه الله تعالى-: لم يكن من عادة السلف على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين أن يعتادوا القيام للداخل المسلم كما يردون عليه السلام كما يعتاد كثير من الناس بل قد قال أنس بن مالك رضي الله عنه: لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهته لذلك. ولكن ربما قاموا للقادم من مغيبه تلقيا له، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام لعكرمة. وقال للأنصار لما قدم سعد ابن معاذ قوموا إلى سيدكم، وكان سعد متمرضًا بالمدينة وكان قد قدم إلى بني قريظة شرقي المدينة.
والذي ينبغي للناس أن يعتادوا ما كان السلف عليه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم خير القرون وخير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد فلا يعدل أحد عن هدي خير الخلق وهدي خير القرون إلى ما دونه وينبغي للمطاع أن يقرر ذلك مع أصحابه بحيث إذا رأوه لم يقوموا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 208)
ولا يقوم لهم في اللقاء المعتاد. فأما القيام لمن قدم من سفر ونحو ذلك تلقيًا له فحسن.
وإذا كان من عادة الناس إكرام من يجيء بالقيام ولو ترك ذلك لاعتقد أن ذلك بخس لحقه أو قصد لخفضه ولم يعلم العادة الموافقة للسنة فالأصلح أن يقام له، لأن في ذلك إصلاح ذات البين وإزالة للتباغض والشحناء.
وأما من عرف عادة القوم الموافقة للسنة فليس في ترك ذلك إيذاء له وليس هذا القيام هو القيام المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم: «من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار» فإن ذلك أن يقوموا له وهو قاعد ليس هو أن يقوموا لمجيئه إذا جاء ولهذا فرقوا بين أن يقال قمت إليه وقمت له.
والقائم للقادم قد ساواه في القيام بخلاف القائم للقاعد.
وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى بهم قاعدًا في مرضه وصلوا قيامًا أمرهم بالقعود وقال: «لا تعظموني كما تعظم الأعاجم بعضها بعضًا» فقد نهاهم عن القيام في الصلاة وهو قاعد لئلا يتشبهوا بالأعاجم الذين يقومون لعظمائهم وهم قعود.
وجماع ذلك أن الذي يصلح اتباع عادة السلف وأخلاقهم والاجتهاد في ذلك بحسب الإمكان فمن لم يعتد ذلك أو لم يعرف أنه العادة وكان في ترك مقابلته بما اعتاده الناس من الإكرام مفسدة راجحة فإنه يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما كما تحصل المصلحة بتفويت أدناهما انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وقال أيضا في الفتاوى المصرية: ينبغي ترك القيام في اللقاء المتكرر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)
المعتاد ونحوه لكن إذا اعتاد الناس القيام وقدم من لا يرى كرامته إلا به فلا بأس به فالقيام دفعًا للعداوة والفساد خير من تركه المفضي إلى الفساد وينبغي مع هذا أن يسعى في الاصطلاح على متابعة السنة انتهى.
القسم الثالث: القيام إلى القادم لمعانقته أو مصافحته أو إنزاله عن دابته ونحو ذلك من المقاصد الجائزة. وهذا القيام جائز قد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله أصحابه بحضرته، كما في جامع الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي فأتاه فقرع الباب فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عريانًا يجر ثوبه والله ما رأيته عريانا قبله ولا بعده فاعتنقه وقبله. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
قولها: عريانا تريد أنه عليه الصلاة والسلام كان ساترا ما بين سرته وركبته ولكن سقط رداؤه عن عاتقه فكان ما فوق سرته وما تحت ركبته عريانا. قال الطيبي: وكان هذا من شدة فرحه حيث لم يتمكن من تمام التردي بالرداء حتى جره وكثيرا ما يقع مثل هذا انتهى.
وروى البيهقي وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل عليه عكرمة بن أبي جهل مسلمًا مهاجرًا قام إليه فرحا بقدومه.
وروى أبو داود والترمذي والنسائي عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت أحدًا كان أشبه سمتًا وهديًا ودلا برسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة رضي الله عنها كانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها وقبلها وأجلسها في مجلسه وكانت إذا دخل عليها قامت إليه وأخذت بيده وقبلته وأجلسته في مجلسها قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 210)
أهل قريظة لما نزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه أرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم فجاء على حمار فقال النبي للأنصار: «قوموا إلى سيدكم».
وفي رواية لأحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال أبو سعيد فلما طلع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قوموا إلى سيدكم فأنزلوه» فقال عمر رضي الله عنه: سيدنا الله قال: «أنزلوه» فأنزلوه. الحديث قال الحافظ ابن حجر سنده حسن.
قلت: وفي هذه الرواية بيان المراد من الأمر بالقيام إلى سعد رضي الله عنه ففيه رد على من استدل به على جواز القيام المنهي عنه.
قال الحافظ ابن حجر: هذه الزيادة -يعني قوله فأنزلوه- تخدش في الاستدلال بقصة سعد على مشروعية القيام المتنازع فيه انتهى.
وفي الصحيحين وغيرهما في قصة كعب بن مالك رضي الله عنه لما تاب الله عليه قال: وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحوله الناس فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني الحديث.
فهذا وما أشبهه من القيام جائز كما دلت عليه هذه الأحاديث وهو قيام إلى الشخص لا له والقيام إلى الشخص من فعل العرب. القيام له أو عليه من فعل العجم. وقد تقدم قول ابن القيم رحمه الله تعالى أن المذموم القيام للرجل.
وأما القيام إليه للتلقي إذا قدم فلا بأس به.
وقد روي عن أحمد رحمه الله تعالى ما يوافق هذا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)
قال أبو جعفر محمد بن أحمد بن المثنى: أتيت أحمد بن حنبل فجلست على بابه أنتظر خروجه فلما خرج قمت إليه فقال لي: أما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب أن يتمثل الناس له قياما فليتبوأ مقعده من النار» فقلت له: إنما قمت إليك لا لك فاستحسنه.
فصل
النوع الخامس والعشرون: من التشبه بأعداء الله تعالى ما يفعله كثير من الجهال من التصفيق في المجالس والمجامع عند رؤية ما يعجبهم من الأفعال وعند سماع ما يستحسنونه من الخطب والأشعار وعد مجيء الملوك والرؤساء إليهم. وهذا التصفيق سخف ورعونة ومنكر مردود من عدة أوجه.
أحدها: أن فيه تشبهًا بأعداء الله تعالى من المشركين وطوائف الإفرنج وأشباههم.
فأما المشركون فقد قال الله تعالى عنهم: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً}.
قال أهل اللغة وجمهور المفسرين: المكاء الصفير، والتصدية: التصفيق، وبهذا فسره ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم. فأما ابن عمر رضي الله عنهما فرواه ابن جرير عنه وفيه أنه حكى فعل المشركين فصفر وأمال خده وصفق بيديه.
وروى ابن أبي حاتم عنه رضي الله عنه أنه قال: إنهم كانوا يضعون خدودهم على الأرض ويصفقون ويصفرون.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)
وأما ابن عباس رضي الله عنهما فرواه ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الفرج ابن الجوزي عنه. ولفظ ابن أبي حاتم قال: كانت قريش تطوف بالبيت عراة تصفر وتصفق والمكاء الصفير والتصدية التصفيق.
وكذا روي عن مجاهد ومحمد بن كعب وأبي سلمة بن عبد الرحمن والضحاك والحسن وقتادة وعطية العوفي وغيرهم. قال ابن عرفة وابن الأنباري: المكاء والتصدية ليسا بصلاة ولكن الله تعالى أخبر أنهم جعلوا مكان الصلاة التي أمروا بها المكاء والتصدية فألزمهم ذلك عظيم الأوزار.
وروى الإمام أحمد والنسائي والبيهقي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر قريشا أنه أسري به إلى بيت المقدس قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا قال: «نعم» قال: فمن بين مصفق ومن بين واضع يده على رأسه متعجبا للكذب.
وأما الإفرنج وأضرابهم من أعداء الله تعالى فقد ذكر المخالطون لهم أن التصفيق من أفعالهم في محافلهم إذا أعجبهم كلام أو فعل من أحد صفقوا تعجبًا وتعظيمًا لذلك القول أو الفعل. وقد أخذ سفهاء المسلمين عنهم هذا الفعل السخيف تقليدًا لهم وتشبها بهم.
وقد تقدم حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم» وتقدم أيضا حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)
وفي هذين الحديثين دليل على المنع من التصفيق لما فيه من التشبه بأعداء الله تعالى.
ويدل على المنع منه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: «خالفوا المشركين» متفق عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «هدينا مخالف لهديهم» -يعني المشركين- رواه الحاكم في مستدركه من حديث ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة عن المسور بن مخرمة رضي الله عنهما وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ورواه الشافعي في مسنده من حديث ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة مرسلا ولفظه: «هدينا مخالف لأهل الأوثان والشرك».
ومن المقرر عند الأصوليين أن الأمر بالشيء نهي عن ضده وعلى هذا فالأمر بمخالفة المشركين هو في الحقيقة نهي عن موافقتهم والتشبه بهم فيما يفعلونه من التصفيق وغيره من زيهم وأفعالهم السيئة. وكذلك إخباره صلى الله عليه وسلم بأن هدي المسلمين مخالف لهدي أهل الشرك يقتضي منع المسلمين من التصفيق وغيره من أفعال المشركين والله أعلم.
وقد روي أن التصفيق من أعمال قوم لوط فروى ابن عساكر في تاريخه عن الحسن مرسلاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عشر خصال عملها قوم لوط بها أهلكوا وتزيدها أمتي بخلة» فذكر الخصال ومنها التصفيق.
الوجه الثاني: أن التصفيق من خصائص النساء لتنبيه الإمام إذا نابه شيء في صلاته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إنما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)
التصفيق للنساء» رواه مالك وأحمد والشيخان وأبو داود والنسائي من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.
وقد أتى صلى الله عليه وسلم في هذه الجملة الوجيزة بالحصر والاستغراق والاختصاص فدل على أنه لا مدخل فيه للرجال بحال. وعلى هذا فمن صفق من الرجال فقد تشبه بالنساء فيما هو من خصائصهن.
وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والبخاري وأهل السنن إلا النسائي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وروى ابن ماجه في سننه بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن المرأة تتشبه بالرجال والرجل يتشبه بالنساء» ورواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي بنحوه وصححه ابن حبان والحاكم والنووي وغيرهم وقال الحاكم على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي في تلخيصه.
وروى الإمام أحمد أيضا عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس منا من تشبه بالرجال من النساء ولا من تشبه بالنساء من الرجال» في إسناده رجل مبهم وبقية رجاله ثقات وقد رواه الطبراني فأسقط الرجل المبهم قال الهيثمي: فعلى هذا رجال الطبراني كلهم ثقات.
قلت: ورواه أبو نعيم في الحلية من طريق الإمام أحمد وقد أسقط الرجل المبهم ورجاله كلهم ثقات.
الوجه الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على الرجال لما صفقوا في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)
الصلاة لأنهم فعلوا فعلاً لا يجوز للرجال فعله ولا يليق بهم وإنما يليق بالنساء وقد قرن الإنكار ببيان العلة في ذلك فقال إنما التصفيق للنساء.
فهذه الجملة تفيد منع الرجال من التصفيق ألبتة وأنه ينبغي الإنكار على من صفق منهم.
الوجه الرابع: أن التصفيق لم يكن من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من هدي أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين ولم يكن من عمل التابعين وتابعيهم بإحسان وإنما حدث في المسلمين في أثناء القرن الرابع عشر من الهجرة النبوية لما كثرت مخالطة المسلمين للإفرنج وأعجب جهال المسلمين بسنن أعداء الله وأفعالهم الذميمة.
وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وصححه ابن حبان والحاكم وقال: ليس له علة ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي رواية للحاكم: «عليكم بما تعرفون من سنة نبيكم والخلفاء الراشدين المهديين وعضوا على نواجذكم بالحق» قال: الحاكم صحيح على شرطهما جميعًا ولا أعرف له علة ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب أبلغ الخطب ويخطب البلغاء بحضرته وينشد فحول الشعراء عنده أفخم الشعر وأجزله ولم ينقل أن أحدًا من أصحابه صفق عند سماع خطبة ولا قصيدة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 216)
وكذلك الخلفاء الراشدون بعده كانوا يخطبون أبلغ الخطب ويخطب عندهم البلغاء وتنشد عندهم الأشعار الجيدة ولم ينقل عنهم ولا عن غيرهم من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يصفقون عند التعجب والاستحسان وإنما نقل عن كفار قريش أن بعضهم صفقوا تعجبًا لما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أسري به إلى بيت المقدس. فهؤلاء هم سلف المصفقين عند التعجب والاستحسان وسلفهم الآخر الإفرنج وأشباههم من أعداء الله تعالى. وكل امرئ يهفو إلى ما يناسبه. ومن تشبه بقوم فهو منهم.
ولهم أيضا سلف ثالث من شر السلف وهم قوم لوط فقد روى ابن عساكر في تاريخه عن الحسن البصري مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عشر خصال عملها قوم لوط بها أهلكوا وتزيدها أمتي بخلة» فذكر الخصال ومنها التصفيق.
وللمصفقين أيضا سلف رابع من شر السلف وهم جهال المتصوفة ومبتدعوهم.
قال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله تعالى: إذا طرب أهل التصوف لسماع الغناء صفقوا ثم ساق بإسناده إلى أبي علي الكاتب قال: أن ابن بنان يتواجد وكان أبو سعيد الخراز يصفق له.
قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: والتصفيق منكر يطرب ويخرج عن الاعتدال ويتنزه عن مثله العقلاء ويتشبه فاعله بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند البيت من التصدية وهي التي ذمهم الله عز وجل بها فقال: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً}. فالمكاء الصفير والتصدية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)
التصفيق. قال وفيه أيضا تشبه بالنساء والعاقل يأنف من أن يخرج عن الوقار إلى أفعال الكفار والنسوة انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في «قواعد الأحكام»: وأما الرقص والتصفيق فخفة ورعونة مشبهة لرعونة الإناث لا يفعلهما إلا أرعن أو متصنع كذاب كيف يتأتى الرقص المتزن بأوزان الغناء ممن طاش لبه وذهب قلبه؟ وقد قال عليه السلام: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» ولم يكن أحد من هؤلاء الذين يقتدى بهم يفعل شيئا من ذلك -إلى أن قال-: وقد حرم بعض العلماء التصفيق على الرجال بقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما التصفيق للنساء». ولعن عليه الصلاة والسلام المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء. ومن هاب الإله وأدرك شيئا من تعظيمه لم يتصور منه رقص ولا تصفيق ولا يصدر التصفيق والرقص إلى من غبي جاهل ولا يصدران من عاقل فاضل.
ويدل على جهالة فاعلهما أن الشريعة لم ترد بهما في كتاب ولا سنة ولم يفعل ذلك أحد من الأنبياء ولا معتبر من أتباع الأنبياء وإنما يفعل ذلك الجهلة السفهاء الذين التبست عليهم الحقائق بالأهواء وقد مضى السلف وأفاضل الخلف ولم يلابسوا شيئًا من ذلك انتهى.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى وأما اتخاذ التصفيق والغناء والضرب بالدفوف والنفخ في الشبابات والاجتماع على ذلك دينًا وطريقًا إلى الله تعالى وقربة فهذا ليس من دين الإسلام وليس مما شرعه لهم نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم ولا أحد من خلفائه ولا استحسن ذلك أحد من أئمة المسلمين بل ولم يكن أحد من أهل الدين يفعل ذلك على عهد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 218)
رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عهد أصحابه ولا تابعيهم بإحسان ولا تابعي التابعين انتهى.
والغرض منه قوله: إنه لم يكن أحد من أهل الدين يفعل ذلك يعني التصفيق وما ذكر معه لا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا على عهد أصحابه ولا تابعيهم بإحسان ولا تابعي التابعين.
وقال الشيخ أيضا في موضع آخر: وأما الرجال على عهده -يعني عهد النبي صلى الله عليه وسلم فلم يكن أحد منهم يضرب بدف ولا يصفق بكف بل قد ثبت عنه في الصحيح أن قال: «إنما التصفيق للنساء». ولعن المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء.
ولما كان الغناء والضرب بالدف والكف من عمل النساء كان السلف يسمون من يفعل ذلك مخنثًا انتهى.
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في «كتاب الإغاثة»: والله سبحانه لم يشرع التصفيق للرجال وقت الحاجة إليه في الصلاة إذا نابهم أمر بل أمروا بالعدول عنه إلى التسبيح لئلا يتشبهوا بالنساء فكيف إذا فعلوه لا لحاجة وقرنوا به أنواعًا من المعاصي قولاً وفعلاً؟ انتهى.
وقال الحليمي يكره التصفيق للرجال فإنه مما يختص به النساء وقد منعوا من التشبه بهن كما منعوا من لبس المزعفر لذلك انتهى قال الأذرعي: وهو يشعر بتحريمه على الرجال.
قلت: يعني أن مراد الحليمي بالكراهة: كراهة التحريم لأن التشبه بالنساء حرام على الرجال والمتشبه بهن ملعون واللعن لا يكون إلا على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)
كبيرة من الكبائر وفيما قاله هؤلاء كفاية في بيان قبح التصفيق من الرجال وذم من يتعاطى ذلك منهم.
فصل
النوع السادس والعشرون: من التشبه بأعداء الله تعالى ما يفعله بعض السفهاء من الصفير على أوزان الغناء. وهذا الصفير من المكاء الذي ذم الله به كفار قريش فقال تعالى: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً}. والصفير على أوزان الغناء من أفعال الإفرنج وأشباههم من أعداء الله تعالى وعنهم أخذ السفهاء هذا الفعل الذميم.
وقد روي أن الصفير من أعمال قوم لوط فروى ابن عساكر في تاريخه عن الحسن البصري مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عشر خصال عملها قوم لوط بها أهلكوا وتزيدها أمتي بخلة» فذكر الخصال ومنها الصفير. إذا علم هذا فالصفير منكر من وجهين:
أحدهما: ما فيه من التشبه بقوم لوط وكفار قريش وبالإفرنج وأضرابهم من أعداء الله تعالى والتشبه بكل من هؤلاء حرام.
والثاني: ما فيه من أوزان الغناء وإيقاعاته وهو من هذا الوجه لهو وغناء وكلاهما باطل محرم.
فصل
النوع السابع والعشرون: من التشبه بأعداء الله تعالى ما يفعله كثير من الجهال من تكتيف اليدين على الدبر. وهذا الفعل السخيف من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)
أفعال الإفرنج وأضرابهم من أعداء الله تعالى كما حدثنا بذلك من خالطهم كثيرًا ورأى ذلك منهم. وقد تلقى ذلك عنهم كثير من سفهاء المسلمين.
وقد تقدم حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من تشبه بقوم فهو منهم» وتقدم أيضا حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى».
وفي هذين الحديثين دليل على المنع من تكتيف اليدين على الدبر لما في ذلك من التشبه بأعداء الله تعالى.
وقد روى أبو داود في سننه بإسناد جيد عن الشريد بن سويد رضي الله عنه قال: مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جالس هكذا وقد وضعت يدي اليسرى خلف ظهري واتكأت على إلية يدي فقال: «أتقعد قعدة المغضوب عليهم» صححه النووي ورواه الحاكم في مستدركه وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفيه دليل على أنه لا يجوز للمسلم أن يتشبه بأعداء الله تعالى لا في فعل ولا في هيئة ففيه دليل على المنع من تكتيف اليدين على الدبر.
ولو فرضنا عدم الدليل على المنع من هذا التكتف الذميم لكان العقل يقتضي المنع منه لأمرين:
أحدهما ما فيه من التشبه بالأسارى المستذلين المقهورين والعاقل لا يرضى لنفسه أن يكون مثلهم وقد ورد النهي عن التشبه بالذين يعذبون فقال أبو داود في سننه:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)
حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء حدثنا أبي -ح- وحدثنا محمد بن سلمة حدثنا ابن وهب وهذا لفظه جميعا عن هشام بن سعد عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه رأى رجلا يتكئ على يده اليسرى وهو قاعد في الصلاة وقال هارون بن زيد ساقط على شقه الأيسر ثم اتفقا فقال: لا تجلس هكذا فإن هكذا يجلس الذين يعذبون. إسناد الأول حسن والثاني صحيح على شرط مسلم.
وقد رواه الإمام أحمد في مسنده مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير حدثنا هشام يعني ابن سعد عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا ساقطًا يده في الصلاة فقال: «لا تجلس هكذا إنما هذه جلسة الذين يعذبون» إسناده صحيح على شرط مسلم وفيه دليل على المنع من تكتيف اليدين على الدبر لما فيه من التشبه بالأسارى المكتوفين. والتكتيف نوع من التعذيب.
الأمر الثاني: أنه فعل مستقبح عند ذوي المرواءات والشيم. وكيف لا يكون قبيحًا بالرجل أن يضع يديه على دبره ثم يمشي بين الناس وهو على ذلك الوضع المستهجن المزري بالصبيان الصغار فضلا عن الرجال الكبار؟
فينبغي للعاقل أن يسمو إلى معالي الأمور التي تجمله وتزينه ويبعد عن سفاسف الأمور التي تدنسه وتشينه والله الموفق.
وقد زعم بعض المفتونين بتكتيف اليدين على الدبر أن في ذلك فائدة طبية والظاهر أن
هذا غير صحيح وإنما هو من المغالطات والحجج الجدلية ولو قدر صحة ما زعمه لم يكن ذلك مبيحًا للتشبه بأعداء الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)