بحيث كان يتابع أبا رية على تخبيطه وجهله ويعتمد على أوهامه وتخرصاته، ومن ذلك زعمه أن أبا هريرة رضي الله عنه لم يعاصر النبي صلى الله عليه وسلم إلا عاما وتسعة أشهر، وهذا خطأ واضح وجهل فاضح لأن أبا هريرة رضي الله عنه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما فتح خيبر وكان ذلك في أول سنة سبع من الهجرة.
وقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بعدما افتتحها» الحديث، فعلى هذا يكون أبا هريرة رضي الله عنه قد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع سنين وزيادة أيام، وروى ابن سعد في الطبقات عن حميد بن عبد الرحمن قال صحب أبو هريرة النبي صلى الله عليه وسلم أربع سنين، وروى ابن سعد أيضاً عن قيس بن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال «صحبت النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين ما كنت في سنوات قط أعقل مني ولا أحب إلي أن أعي ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم مني فيهن».
والجمع بين هذه الرواية والرواية قبلها أن أبا هريرة رضي الله عنه ذكر الزمن الذي كان ملازماً للنبي صلى الله عليه وسلم فيه وهو ثلاث سنين وأسقط السنة التي غاب فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم وذلك حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع العلاء بن الحضرمي إلى البحرين.
وأما ما نقله المؤلف تبعاً لأبي رية عن ابن حزم أنه قال إن مسند تقي بن مخلد قد احتوى من حديث أبي هريرة على 5374 روى البخاري منها 446.
فجوابه أن يقال أما قوله «تقي بن مخلد» فصوابه «بقي بن مخلد» بالباء الموحدة لا بالتاء المثناة، وقد وقع هذا التصحيف من المؤلف لا من أبي رية.
وأما العدد الذي ذكره ابن حزم فلا يستكثر مثله من أبي هريرة رضي الله عنه لأنه قد صحب النبي صلى الله عليه وسلم أربع سنين وكان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخدمه ويدور معه حيث دار، وكان حريصاً على أخذ الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحرص على الحديث والعلم كما في صحيح البخاري عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال قلت يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 259)
فقال «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث».
وروى الإِمام أحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن معاوية بن معتب الهذلي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمعه يقول سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا رد إليك ربك في الشفاعة فقال «والذي نفس محمد بيده لقد ظننت أنك أول من يسألني عن ذلك من أمتي لما رأيت من حرصك على العلم» الحديث. قال الحاكم صحيح الإِسناد ووافقه الذهبي في تلخيصه. وقال الهيثمي في إسناد أحمد رجاله رجال الصحيح غير معاوية بن معتب وهو ثقة.
وروى الحاكم أيضاً عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أبو هريرة وعاء العلم».
وقد روى القاضي أبو الحسين في طبقات الحنابلة عن أبي جعفر محمد بن منصور العابد المعروف بالطوسي قال سمعت أحمد بن حنبل يقول رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت يا رسول الله كل ما روى عنك أبو هريرة حق قال نعم؟
وقد كان أبو هريرة رضي الله عنه مشهوراً بالحفظ حتى قال الشافعي رحمه الله تعالى أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، رواه البيهقي وغيره، وذكره النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» وابن كثير في «البداية والنهاية».
وقال شيخ الإِسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى أبو هريرة حافظ الأمة على الإِطلاق يؤدي الحديث كما سمعه ويدرسه بالليل درساً فكانت همته مصروفة إلى الحفظ وتبليغ ما حفظه كما سمعه انتهى من المجلد الرابع من الفتاوى صفحة 94.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «مفتاح دار السعادة» هو حافظ الأمة على الإِطلاق وكل ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو صحيح انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في الإِصابة أجمع أهل الحديث على أنه أكثر الصحابة حديثاً. وقال البخاري روى عنه نحو الثمانمائة من أهل العلم وكان أحفظ من روى الحديث في عصره، قال وكيع حدثنا الأعمش عن أبي صالح قال كان أبو هريرة أحفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرجه البغوي من رواية أبي بكر بن عياش عن الأعمش بلفظ ما كان أفضلهم ولكنه كان أحفظ، وأخرج ابن أبي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 260)
خيثمة من طريق سعيد ابن أبي الحسن قال لم يكن أحد من الصحابة أكثر حديثا من أبي هريرة وقال الحاكم أبو أحمد كان من أحفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وألزمهم له على شبع بطنه فكانت يده مع يده يدور معه حيث دار إلى أن مات ولذلك كثر حديثه، وقال أبو نعيم كان أحفظ الصحابة لأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا له بأن يحببه إلى المؤمنين انتهى ملخصا.
وذكر أبو الحسن ابن الأثير في كتابه «أسد الغابة، في معرفة الصحابة» عن البخاري أنه قال روى عن أبي هريرة رضي الله عنه أكثر من ثمانمائة رجل من صاحب وتابع، فمن الصحابة ابن عباس وابن عمر وجابر وأنس وواثلة بن الأسقع انتهى.
وروى الحاكم في مستدركه عن محمد بن عمرو بن حزم أنه قعد في مجلس فيه أبو هريرة يحدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينكره بعضهم ويعرفه البعض حتى فعل ذلك مراراً فعرفت يومئذ أن أبا هريرة أحفظ الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن عبد البر في الاستيعاب أسلم أبو هريرة عام خيبر وشهدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لزمه وواظب عليه رغبة في العلم راضياً بشبع بطنه فكانت يده مع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يدور معه حيث دار وكان من أحفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يحضر ما لا يحضر سائر المهاجرين والأنصار لاشتغال المهاجرين بالتجارة والأنصار بحوائطهم وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه حريص على العلم والحديث انتهى.
وفي قوله إن أبا هريرة رضي الله عنه شهد خيبر نظر والصحيح أنه لم يشهدها لما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر بعدما افتتحها» فعلى هذا لا يعد أبو هريرة رضي الله عنه فيمن شهد خيبر.
وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» وقد كان أبو هريرة من الصدق والحفظ والديانة والعبادة والزهادة والعمل الصالح على جانب عظيم انتهى. وقال أيضاً في أول «البداية والنهاية» لما ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه في احتجاج آدم وموسى من كذب بهذا الحديث فمعاند لأنه متواتر عن أبي هريرة رضي الله عنه وناهيك به عدالة وحفظاً وإتقاناً انتهى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)
ولحفظ أبي هريرة رضي الله عنه سبب خصه به رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري وجامع الترمذي عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله إني أسمع منك حديثاً كثيراً أنساه قال «ابسط رداءك» فبسطته قال فغرف بيده ثم قال «ضمه» فضممته فما نسيت شيئاً بعده، هذا لفظ البخاري وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح قد روي من غير وجه عن أبي هريرة، وفي جامع الترمذي أيضاً عن أبي الربيع عن أبي هريرة رضي الله عنه قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فبسطت ثوبي عنده ثم أخذه فجمعه على قلبي فما نسيت بعده حديثاً، قال الترمذي هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
وروى النسائي في العلم من كتاب السنن أن رجلاً جاء إلى زيد بن ثابت فسأله فقال له زيد عليك بأبي هريرة فإِني بينما أنا وأبو هريرة وفلان في المسجد ندعو الله ونذكره إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس إلينا فقال «عودوا للذي كنتم فيه» قال زيد فدعوت أنا وصاحبي فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمن على دعائنا ودعا أبو هريرة فقال إني أسألك ما سأل صاحباي وأسألك علماً لا ينسى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «آمين» فقلنا يا رسول الله ونحن نسأل الله علماً لا ينسى فقال «سبقكما بها الغلام الدوسي» قال الحافظ ابن حجر في الإِصابة سنده جيد.
وفي صحيح البخاري عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائين فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم.
قال ابن كثير في «البداية والنهاية» وهذا الوعاء الذي كان لا يتظاهر به هو الفتن والملاحم وما وقع بين الناس من الحروب والقتال وما سيقع التي لو أخبر بها قبل كونها لبادر كثير من الناس إلى تكذيبه وردوا ما أخبر به من الحق كما قال لو أخبرتكم أنكم تقتلون إمامكم وتقتتلون فيما بينكم بالسيوف لما صدقتموني، انتهى.
وقد شهد غير واحد من أكابر الصحابة رضي الله عنهم لأبي هريرة رضي الله عنه بالحفظ وأنكر بعضهم وبعض التابعين إكثاره من الحديث فرد عليهم أبو هريرة رضي الله عنه فسكتوا ولم يعارضوه، وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة منها ما رواه الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال لأبي هريرة يا أبا هريرة أنت كنت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)
ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظنا لحديثه، قال الترمذي هذا حديث حسن.
وقد رواه الإِمام أحمد وفيه قصة ولفظه عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه مر بأبي هريرة وهو يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «من تبع جنازة فصلى عليها فله قيراط فإِن شهد دفنها فله قيراطان، القيراط أعظم من أحد» فقال له ابن عمر رضي الله عنهما أبا هر انظر ما تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام إليه أبو هريرة حتى انطلق به إلى عائشة فقال لها يا أم المؤمنين أنشدك بالله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «من تبع جنازة فصلى عليها فله قيراط فإِن شهد دفنها فله قيراطان» فقالت اللهم نعم فقال أبو هريرة رضي الله عنه إنه لم يكن يشغلني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غرس الودي ولا صفق بالأسواق إني إنما كنت أطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة يعلمنيها وأكلة يطعمنيها فقال له ابن عمر أنت يا أبا هريرة كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلمنا بحديثه، وقد رواه مسلم في صحيحه مختصراً، ورواه الحاكم في مستدركه بنحو رواية الإِمام أحمد وقال صحيح الإِسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه، وقال الحافظ ابن حجر في «تهذيب التهذيب» والإِصابة قال ابن عمر «أبو هريرة خير مني وأعلم» زاد في الإِصابة «بما يحدث».
ومنها ما رواه ابن سعد في الطبقات قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني عبد الله بن نافع عن أبيه قال كنت مع ابن عمر رضي الله عنهما في جنازة أبي هريرة وهو يمشي أمامها ويكثر الترحم عليه ويقول كان ممن يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين.
ومنها ما رواه الترمذي والحاكم واللفظ له عن مالك بن أبي عامر قال كنت عند طلحة بن عبيد الله فدخل عليه رجل فقال يا أبا محمد والله ما ندري هذا اليماني أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم أم أنه يقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل يعني أبا هريرة فقال طلحة والله ما نشك أنه سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم نسمع وعلم ما لم نعلم إنا كنا قوماً أغنياء لنا بيوت وأهلون كنا نأتي نبي الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار ثم نرجع وكان أبو هريرة مسكينا لا مال له ولا أهل ولا ولد إنما كانت يده مع يد النبي صلى الله عليه وسلم وكان يدور معه حيثما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)
دار ولا أشك أنه قد علم ما لم نعلم وسمع ما لم نسمع ولم يتهمه أحد منا أنه تقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل، قال الترمذي هذا حديث حسن غريب وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وقال الذهبي على شرط مسلم.
ومنها ما رواه ابن أبي خثيمة من طريق محمد بن إسحاق عن عمر أو عثمان بن عروة عن أبيه قال قال لي أبي الزبير ادنني من هذا اليماني - يعني أبا هريرة - فإِنه كان يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فأدنيته منه فجعل أبو هريرة يحدث وجعل الزبير يقول صدق كذب صدق كذب قال قلت يا أبت ما قولك صدق كذب قال يا بني أما أن يكون سمع هذه الأحاديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا أشك ولكن منها ما يضعه على مواضعه ومنها ما وضعه على غير مواضعه.
ومنها ما رواه الطبراني والحاكم عن أبي الشعثاء سليم بن الأسود قال قدمت المدينة فوجدت أبا أيوب يحدث عن أبي هريرة فقلت تحدث عن أبي هريرة وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية الحاكم وأنت صاحب منزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن أبا هريرة قد سمع ما لم نسمع وإني إن أحدث عنه أحب إلي من أن أحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم أسمعه منه، قال الهيثمي رواه الطبراني من طريقين في إحداهما سعيد بن سيفان الجحدري وثقه غير واحد وفيه ضعف وبقية رجالها ثقات.
ومنها ما رواه عبد الله بن الإِمام أحمد في زوائد المسند عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن أبا هريرة رضي الله عنه كان جريئاً على أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء لا يسأله عنه غيره، قال الهيثمي رجاله ثقات وثقهم ابن حبان.
قلت وقد رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه ولفظهما قال كان أبو هريرة جريئاً على النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن أشياء لا نسأله عنها.
ومنها ما رواه مسدد من طريق عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا سمع أبا هريرة رضي الله عنه يتكلم قال إنا نعرف ما يقول ولكنا نجبن ويجترئ، ذكره الحافظ ابن حجر في الإِصابة.
ومنها ما رواه أبو داود وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من طريق عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)
رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا صلى أحدكم الركعتين قبل الصبح فليضطجع على يمينه» فقال له مروان بن الحكم أما يجزي أحدنا ممشاه إلى المسجد حتى يضطجع على يمينه قال لا، قال فبلغ ذلك ابن عمر فقال أكثر أبو هريرة على نفسه قال فقيل لا بن عمر هل تنكر شيئاً مما يقول قال لا ولكنه اجترأ وجبنا قال فبلغ ذلك أبا هريرة فقال ما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا.
ومنها ما رواه الحاكم من طريق الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة رضي الله عنه قال قال رجل لابن عمر رضي الله عنهما إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابن عمر رضي الله عنهما أعيذك بالله أن تكون في شك مما يجيء به ولكنه اجترأ وجبنا.
قال ابن الأثير الاجتراء الإِقدام على الشيء من غير خوف ولا فزع، والجبن خلافه انتهى.
ومنها ما رواه ابن سعد عن الوليد بن رباح أن مروان قال يا أبا هريرة إن الناس قد قالوا إنك أكثرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما قدمت قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بيسير فقال أبو هريرة رضي الله عنه نعم قدمت ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر سنة سبع وأنا يومئذ قد زدت على الثلاثين سنة سنوات وأقمت معه حتى توفي أدور معه في بيوت نسائه وأخدمه وأنا والله يومئذ مقل وأصلي معه وأحج وأغزو معه فكنت والله أعلم الناس بحديثه قد والله سبقني قوم بصحبته والهجرة إليه من قريش والأنصار وكانوا يعرفون لزومي له فيسألوني عن حديثه منهم عمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فلا والله ما يخفى علي كل حديث كان بالمدينة وكل من أحب الله ورسوله وكل من كانت له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلة، وذكر تمام الخبر.
ومنها رواه الإِمام أحمد والبخاري ومسلم عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثاً ثم يتلو (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات - إلى قوله - الرحيم) إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطنه ويحضر ما لا يحضرون ويحفظ ما لا يحفظون، هذا لفظ البخاري في كتاب العلم، وقد رواه في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)
كتاب المزارعة، وفي كتاب الاعتصام بأطول من هذا، ولفظه في كتاب المزارعة قال يقولون إن أبا هريرة يكثر الحديث والله الموعد ويقولون ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه وإن أخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق وإن إخوتي من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم وكنت امرءاً مسكينا ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني فأحضر حين يغيبون وأعي حين ينسون وقال النبي صلى الله عليه وسلم يوماً «لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمعها إلى صدره فينسى من مقالتي شيئاً أبداً» فبسطت نمرة ليس علي ثوب غيرها حتى قضى النبي صلى الله عليه وسلم مقالته ثم جمعتها إلى صدري فو الذي بعثه بالحق ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا والله لولا آيتان في كتاب الله ما حدثتكم شيئاً أبداً (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات - إلى قوله - الرحيم) ، ورواه في كتاب البيوع من حديث سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن بنحوه.
قال الحافظ ابن حجر في «تهذيب التهذيب» وهو من علامات النبوة فإِن أبا هريرة كان أحفظ من كل من يروي الحديث في عصره ولم يأت عن أحد من الصحابة كلهم ما جاء عنه، وقال في «الإِصابة» والحديث المذكور من علامات النبوة فإِن أبا هريرة كان أحفظ الناس للأحاديث النبوية في عصره انتهى.
ومنها ما رواه مسلم عن أبي رزين قال خرج إلينا أبو هريرة رضي الله عنه فضرب بيده على جبهته فقال ألا إنكم تحدثون أني أكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لتهتدوا وأضل الحديث.
ومنها ما رواه البخاري عن سعيد المقبري قال قال أبو هريرة رضي الله عنه يقول الناس أكثر أبو هريرة فلقيت رجلاً فقلت بما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم البارحة في العتمة فقال لا أدري فقلت لم تشهدها قال بلى قلت لكن أنا أدري قرأ سورة كذا وكذا.
ومنها ما رواه الحاكم في مستدركه عن خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنا دعت أبا هريرة رضي الله عنه فقالت له يا أبا هريرة ما هذه الأحاديث التي تبلغنا أنك تحدث بها عن النبي صلى الله عليه وسلم هل سمعت إلا ما سمعنا وهل رأيت إلا ما رأينا قال يا أماه إنه كان يشغلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المرآة والمكحلة والتصنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 266)
وإني والله ما كان يشغلني عنه شيء، قال الحاكم صحيح الإِسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه، وقد رواه أبو القاسم البغوي ولفظه أن عائشة رضي الله عنها قالت لأبي هريرة رضي الله عنه أكثرت الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا هريرة قال إنه والله ما كانت تشغلني عنه المكحلة والخضاب ولكن أرى ذلك شغلك عما استكثرت من حديثي قالت لعله.
ومنها ما رواه أبو يعلي عن أبي رافع أن رجلاً من قريش أتى أبا هريرة في حلة وهو يتبختر فيها فقال يا أبا هريرة إنك تكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل سمعته يقول في حلتي هذه شيئاً قال والله إنكم لتؤذوننا ولولا ما أخذ الله على أهل الكتاب (لتبيننه للناس ولا تكتمونه) ما حدثتكم بشيء، سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول «إن رجلاً ممن كان قبلكم بينما هو يتبختر في حلة إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها حتى تقوم الساعة» فو الله ما أدري لعله كان من قومك أو من رهطك شك أبو يعلى.
وقال الحاكم في المستدرك قد تحريت الابتداء من فضائل أبي هريرة رضي الله عنه لحفظه لحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وشهادة الصحابة والتابعين له بذلك فإِن كل من طلب حفظ الحديث من أول الإِسلام وإلى عصرنا هذا فإِنهم من أتباعه وشيعته إن هو أولهم وأحقهم باسم الحفظ، وقد أخبرني عبد الله بن محمد بن زياد العدل قال سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق الإِمام يقول وذكر أبا هريرة قال كان من أكثر أصحابه عنه رواية فيما انتشر من روايته ورواية غيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع مخارج صحاح، وقال أبو بكر وقد روى عنه أبو أيوب الأنصاري مع جلالة قدره ونزول رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده، ثم ذكر رواية أبي الشعثاء أن أبا أيوب رضي الله عنه كان يحدث عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقد تقدم ذكرها قريباً، ثم قال الحاكم قال الإِمام أبو بكر فمن حرص أبي هريرة على العلم روايته عمن كان أقل رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم منه حرصاً على العلم فقد روى عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه ثم ساق بإِسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يشهرن أحدكم على أخيه السيف لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من حفر النار» قال أبو هريرة رضي الله عنه سمعته من سهل بن سعد الساعدي سمعه من رسول الله صلى الله عليه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)
وسلم، قال أبو بكر فحرصه على العلم يبعثه على سماع خبر لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم منه، وإنما يتكلم في أبي هريرة لدفع أخباره من قد أعمى الله قلوبهم فلا يفهمون معاني الأخبار، إما معطل جهمي يسمع أخباره التي يرويها خلاف مذهبهم الذي هو كفر فيشتمون أبا هريرة ويرمونه بما الله تعالى قد نزهه عنه تمويها على الرعاء والسفل أن أخباره لا تثبت بها الحجة، وإما خارجي يرى السيف على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولا يرى طاعة خليفة ولا إمام إذا سمع أخبار أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله
عليه وسلم خلاف مذهبهم الذي هو ضلال لم يجد حيلة في دفع أخباره بحجة وبرهان كان مفزعه الوقيعة في أبي هريرة، أو قدري اعتزل الإِسلام وأهله وكفر أهل الإِسلام الذين يتبعون الأقدار الماضية التي قدرها الله تعالى وقضاها قبل كسب العباد لها إذا نظر إلى إخبار أبي هريرة التي قد رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات القدر ولم يجد حجة تؤيد صحة مقالته التي هي كفر وشرك كانت حجته عند نفسه أن أخبار أبي هريرة لا يجوز الاحتجاج بها، أو جاهل يتعاطى الفقه ويطلبه من غير مظانه إذا سمع أخبار أبي هريرة فيما يخالف مذهب من قد اجتبى مذهبه وأخباره تقليداً بلا حجة ولا برهان تكلم في أبي هريرة ودفع أخباره التي تخالف مذهبه ويحتج بأخباره على مخالفيه إذا كانت أخباره موافقة لمذهبه، وقد أنكر بعض هذه الفرق على أبي هريرة أخباراً لم يفهموا معناها.
قال الحاكم رحمه الله وأنا ذاكر بمشيئة الله عز وجل في هذا رواية أكابر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين عن أبي هريرة، فقد روى عنه زيد بن ثابت وأبو أيوب الأنصاري وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وأبي بن كعب وجابر بن عبد الله وعائشة والمسور بن محزمة وعقبه بن الحارث وأبو موسى الأشعري وأنس بن مالك والسائب بن يزيد وأبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو أمامة بن سهل وأبو الطفيل وأبو نضرة الغفاري وأبو رهم الغفاري وشداد بن الهاد وأبو حدرد عبد الله بن حدرد الأسلمي وأبو رزين العقيلي وواثلة بن الأسقع وقبيصة بن ذؤيب وعمرو بن الحمق والحجاج الأسلمي وعبد الله بن عكيم والأغر الجهني والشريد بن سويد رضي الله عنهم أجمعين فقد بلغ عدد من روى عن أبي هريرة من الصحابة ثمانية وعشرين رجلاً فأما التابعون فليس فيهم أجل ولا أشهر وأشرف وأعلم من أصحاب أبي هريرة، وذكرهم في هذا الموضع يطول لكثرتهم، والله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)
يعصمنا من مخالفة رسول رب العالمين والصحابة المنتخبين وأئمة الدين من التابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين رضي الله عنهم أجمعين في أمر الحافظ علينا شرائع الدين أبي هريرة رضي الله عنه انتهى كلام الحاكم رحمه الله تعالى.
وفيما نقله عن الإِمام أبي بكر ابن خزيمة رحمه الله تعالى أبلغ رد على المؤلف وأبي رية وأشباههما من سخفاء العصريين الذين ينتقصون أبا هريرة رضي الله عنه ويرمونه ظلماً وعدواناً بكل ما يرون أنه يشينه ويقدح فيه، وهذا دليل على قلة الإِيمان فيهم أو عدمه لما رواه الإِمام أحمد ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله أدع الله أن يحببني وأمي إلى عباده المؤمنين ويحببهم إلينا قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللهم حبب عبيدك هذا - يعني أبا هريرة - وأمه إلى عبادك المؤمنين وحبب إليهما المؤمنين» فما خُلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني.
قلت دعاء النبي صلى الله عليه وسلم مستجاب بلا شك، وعلى هذا فلا يبغض أبا هريرة رضي الله عنه أحد في قلبه إيمان، ولا يتنقصه ويرميه بالإِفك والبهتان أحد في قلبه إيمان.
وقد نقل القاضي أبو الحسين في طبقات الحنابلة عن أبي محمد البربهاري أنه قال في «شرح كتاب السنة» إذا رأيت الرجل يحب أبا هريرة وأسيداً فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله، قال ومن تناول أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه أراد محمداً صلى الله عليه وسلم وقد آذاه في قبره، وذكر عن سفيان بن عيينة أنه قال من نطق في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمة فهو صاحب هوى.
وأما قول المؤلف تبعاً لأبي رية وقال أبو هريرة عن نفسه في البخاري ما من أصحاب النبي - ص - أحد أكثر حديثا مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فقد كان يكتب ولا أكتب، ولو بحثنا عن كل ما رواه ابن عمرو هذا لوجدناه 700 حديثا روى البخاري منها سبعة ومسلم 20.
فجوابه أن يقال ما ذكره أبو هريرة رضي الله عنه عن عبد الله بن عمرو رضي الله نهما أنه كان أكثر حديثاً منه فقد قال ذلك والله أعلم بحسب ما ظهر له من فعل عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما حيث كان يكتب ما يسمعه من النبي صلى الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
عليه وسلم وكان أبو هريرة لا يكتب، ولكن الواقع المطابق للحقيقة أن أبا هريرة رضي الله عنه كان أكثر الصحابة حديثاً بدون استثناء، ويحتمل أن يكون عند عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما حديث كثير جداً ولكنه لم ينتشر كما انتشر الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» وإنما قلّت الرواية عنه مع كثرة ما حمل لأنه سكن مصر وكان الواردون إليها قليلا بخلاف أبي هريرة فإِنه استوطن المدينة وهي مقصد المسلمين من كل جهة انتهى.
وقد حاول المؤلف وأبو رية النيل من أبي هريرة رضي الله عنه والطعن فيه بكثرة ما روى من الحديث فكانا كمن ينطح الجبل العظيم ويظن أنه يضره وإنما يضر نفسه ولا يضر الجبل شيئاً. وما مثل المؤلف وأبي رية وكلامهما في أبي هريرة رضي الله عنه إلا كما قال الشاعر:
وما ضر نور الشمس أن كان ناظراً … إليه عيون لم تزل دهرها عميا
وكما قال الأعشى:
كناطح صخرة يوماً ليوهيها … فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
وكما قال الحسين بن حميد:
يا ناطح الجبل العالي ليكلمه … أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل
وبعد فإِن أبا هريرة رضي الله عنه حافظ الأمة على الإِطلاق وهو البار الصادق فيما روى وإن رغم أنف أبي رية وأنف المؤلف وأنوف أعداء السنة من الرافضة وأتباعهم من العصريين.
وأما قوله روى البخاري منها سبعة ومسلم 20.
فجوابه أن يقال هذا خطأ مردود فقد ذكر النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» والخزرجي في «الخلاصة» أن البخاري ومسلماً اتفقا على سبعة عشر من أحاديث عبد الله بن عمرو وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بعشرين، فعلى هذا يكون البخاري قد أخرج لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما خمسة وعشرين حديثاً وأخرج له مسلم سبعة وثلاثين حديثاً.
وأما قوله والحقيقة التاريخية تقول إن ابن عمرو هو أحد الرواة عن كعب الأحبار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)
فجوابه أن يقال هذا من كيس أبي رية وتخرصاته، وقد تبعه المؤلف على ذلك وزاد الطين بلة فزعم أن هذه الكذبة التي كذبها أبو رية حقيقة تاريخية، وهذه ترجمة عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما موجودة في كتب التاريخ وأسماء الرجال وليس في شيء منها أنه روى عن كعب الأحبار، فأين الحقيقة التي زعمها المؤلف.
وأما قوله وكان قد أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب كان يرويها للناس فتجنب الأخذ عنه كثير من أئمة التابعين.
فجوابه أن يقال إن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما لم يكن يروي للناس من الزاملتين إلا الشيء القليل مما له تصديق في القرآن أو في السنة. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» رواه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وقال حسن صحيح، ورواه الإِمام أحمد وأبو داود وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه الإِمام أحمد أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وإسناده صحيح على شرط الشيخين. وروى أبو يعلى والبزار نحوه من حديث جابر رضي الله عنه.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه عن بني إسرائيل رواه الإِمام أحمد وأبو داود وابن حبان في صحيحه عن حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، ورواه الإِمام أحمد أيضاً والبزار والطبراني من حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما وإسناد أحمد حسن وإسناد الطبراني صحيح.
وفي هذه الأحاديث أبلغ رد على من أنكر على عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في روايته من الزاملتين لأن عبد الله رضي الله عنه قد أخذ بقول النبي صلى الله عليه وسلم وتأسى به في فعله.
وأما قوله فتجنب الأخذ عنه كثير من أئمة التابعين.
فجوابه أن يقال هذا القول من المجازفات التي ليس لها مستند صحيح، والواقع يرد هذه المجازفة فقد روى عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أكثر من أربعين، منهم ستة من الصحابة رضي الله عنهم منهم أنس بن مالك وأبو أمامة بن سهل بن حنيف ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في «تهذيب التهذيب» وقال في «الإِصابة» قال أبو نعيم حدث عنه من الصحابة ابن عمر وأبو أمامة والمسور والسائب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
بن يزيد وأبو الطفيل وعدد كثير من التابعين، ثم ذكر الحافظ منهم أربعة عشر وذكر في «تهذيب التهذيب» منهم ستة وثلاثين ثم قال وغيرهم، وفي الذين رووا عنه كثير من كبار التابعين وأئمتهم، وفيما ذكره الحافظ ابن حجر أبلغ رد على مجازفة أبي رية وعلى المؤلف حيث كان يتلقى ترهات أبي رية بالقبول ويشاركه في مجازفاته.
وأما قوله وكان يقال له لا تحدثنا عن الزاملتين وقال فيها الخطيب البغدادي ومغيرة ما يسرني أنها لي بفلسين ووضوح ذلك في ص 93 تأويل مختلف الحديث.
فجوابه أن يقال هذا مما نقله المؤلف من هامش كتاب أبي رية وقد أساء التصرف في النقل وحرف كلام أبي رية فنقل ما قيل في الصحيفة الصادقة إلى الزاملتين وهذا من جهله وتخبيطه، وهذا نص كلام أبي رية «وكان يقال له لا تحدثنا عن الزاملتين، أما صحيفته التي كان يسميه الصادقة ويحرص عليها فهي أدعية وصلوات كما قال الخطيب البغدادي وقال فيها مغيرة ما تسرني أنها لي بفلسين ص 93 تأويل مختلف الحديث».
وأقول أما صحيفة عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما التي كان يسميها الصادقة فقد ذكرها ابن سعد وابن عبد البر وأبو الحسن ابن الأثير، فأما ابن سعد فقال في «الطبقات» أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن صفوان بن سليم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في كتابة ما سمعته منه قال فأذن لي فكتبته فكان عبد الله يسمي صحيفته تلك الصادقة رجاله كلهم ثقات من رجال الصحيحين.
وقال ابن سعد أيضاً أخبرنا معن بن عيسى قال حدثنا إسحاق بن يحيى عن مجاهد قال رأيت عند عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما صحيفة فسألته عنها فقال هذه الصادقة فيها ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بيني وبينه فيها أحد.
إسحاق بن يحيى ضعيف جداً ولكن رواية صفوان بن سليم تؤيد روايته وتشهد لها بالصحة.
وأما ابن عبد البر فروى في كتابه «جامع بيان العلم وفضله» عن ليث عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال «ما يرغبني في الحياة إلا خصلتان الصادقة والوهط فأما الصادقة فصحيفة كتبتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)
وأما الوهط فأرض تصدق بها عمرو بن العاص كان يقوم عليها».
وأما أبو الحسن ابن الأثير فقال في كتابه «أسد الغابة، في معرفة الصحابة ما نصه قال مجاهد أتيت عبد الله بن عمرو فتناولت صحيفة تحت مفرشه فمنعني قلت ما كنت تمنعني شيئاً قال هذه الصادقة فيها ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بيني وبينه أحد، إذا سلمت لي هذه وكتاب الله والوهط فلا أبالي علام كانت عليه الدنيا، قال ابن الأثير والوهط أرض كان يزرعها.
وأما قول أبي رية إن الصحيفة الصادقة أدعية وصلوات فهو مردود بقول عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن فيها ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ليس بينه وبينه أحد، وكذلك ما ذكره ابن قتيبة عن مغيرة أنه قال ما يسرني أنها ليس بفلسين هو مردود بقول عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وما أبشع هذا القول من مغيرة إن كان ثابتا عنه وكذلك إيراد ابن قتيبة له في كتابه «تأويل مختلف الحديث» مستبشع أيضاً لما في ذلك من رد الأحاديث التي سمعها عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما من النبي صلى الله عليه وسلم والاستخفاف بشأنها، ولعل مغيرة وابن قتيبة لم يثبت عندهما قول عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن الصحيفة الصادقة فيها ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم وكتبه بإِذنه أو أنهما ظنا أن الصحيفة هي مما أصابه يوم اليرموك من كتب أهل الكتاب فلهذا قال مغيرة ما قال ونقله عنه ابن قتيبة وأقره.
وأما قول المؤلف تبعاً لأبي رية إن أبا هريرة رضي الله عنه لم يحفظ القرآن.
فجوابه من وجوه أحدها أن يقال لم يسند أبو رية هذا القول إلى مصدر موثوق به، والأحرى أن ذلك من كيسه، وما يدريه قاتله الله أن أبا هريرة رضي الله عنه لم يحفظ القرآن (أعنده علم الغيب فهو يرى) ، وقد ذكر ابن كثير في «البداية والنهاية» عن ابن جريح عمن حدثه قال قال أبو هريرة رضي الله عنه إن أجزئ الليل ثلاثة أجزاء فجزءاً لقراءة القرآن وجزءاً أنام فيه وجزءاً أتذكر فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على أنه كان حافظا للقرآن.
الوجه الثاني أن يقال قد ذكر ابن سعد في الطبقات من جمع القرآن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر منهم أبا هريرة، وفي هذا أبلغ رد على المؤلف وأبي رية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)
الوجه الثالث أن يقال إن أبا هريرة رضي الله عنه كان من أئمة القراءات وهو من شيوخ الأعرج وأبي جعفر القارئ وهما من شيوخ نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم أحد الأئمة السبعة في القراءات وهو الذي قام بالقراءة بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، ذكر ذلك أبو بكر بن مجاهد في كتاب «السبعة في القراءات» قال وكان عبد الرحمن - يعني ابن هرمز الأعرج - قد قرأ على أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهما، حدثني أحمد بن محمد بن صدقة قال حدثنا إبراهيم بن محمد بن إسحاق المدني بقورس قال حدثنا عبيد بن ميمون التبان قال قال لي هارون بن المسيب قراءة من تقرأ قال قلت له قراءة نافع بن أبي نعيم قال فعلى من قرأ نافع قال قلت أخبرنا نافع أنه قرأ على الأعرج وأن الأعرج قال قرأت على أبي هريرة رضي الله عنه وقال أبو هريرة قرأت على أبي بن كعب وقال أبي عرض علي رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن وقال «أمرني جبريل أن أعرض عليك القرآن» ثم روى ابن مجاهد بإِسناده إلى عاصم بن بهدلة قال قلت للطفيل بن أبي بن كعب إلى أي معنى ذهب أبوك في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «أمرت أن أقرأ عليك القرآن» فقال ليقرأ علي فأخذو ألفاظه، وقال محمد بن إسحاق الصنعاني عن أبي عبيد قال معنى هذا الحديث أن يتعلم أبي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعلم قراءة أبي رضي الله عنه.
ثم قال ابن مجاهد وكان أبو جعفر - يعني يزيد بن القعقاع مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي - لا يتقدمه أحد في عصره أخذ القراءة عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهما وعن مولاه عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، ثم ساق ابن مجاهد بإِسناده إلى سليمان بن مسلم بن جماز الزهري قال سمعت ابا جعفر يحكي لنا قراءة أبي هريرة رضي الله عنه في (إذا الشمس كورت).
وفيما ذكره ابن مجاهد عن أبي هريرة رضي الله عنه أبلغ رد على المؤلف وأبي رية لأن أبا هريرة لم يكن ليقرئ القرآن إلا وهو حافظ له.
ومما ذكرته في أول هذا الفصل وآخره يتضح أنه قد اجتمع في أبي هريرة رضي الله عنه ثلاث خصال حميدة لا ينالها إلا القليل من الناس، أحدها أنه كان من حفاظ القرآن، الثانية أنه كان من أئمة القراءات، الثالثة أنه كان أحفظ من روى الحديث في عصره، وخصلة رابعة أيضاً لم يتقدم ذكرها وهو أنه كان من أئمة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)
الفتوى من الصحابة رضي الله عنهم، قال ابن سعد في الطبقات أخبرنا محمد بن عمر أخبرنا عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن زياد بن ميناء قال كان ابن عباس وابن عمر وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وجابر بن عبد الله ورافع بن خديج وسلمة بن الأكوع وأبو واقد الليثي وعبد الله بن بحينة مع أشباه لهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بفتون بالمدينة ويحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من لدن توفي عثمان إلى أن توفوا، والذين صارت إليهم الفتوى منهم ابن عباس وابن عمر وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم انتهى.
فليتأمل الشانئون لأبي هريرة رضي الله عنه ما ذكرنا من مناقبه الجليلة وليتقوا الله إن كانوا مسلمين، وليحذروا من العقوبات العاجلة أو الآجلة على بهتهم للصحابة ووقوعهم في أعراضهم، فما العقوبة من الظالمين ببعيد.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (59) وصفحة (60)
رأي الصحابة ورجال التخريج في أبي هريرة وكلامه مع عائشة بغير وقار لائق، روى مسلم بن الحجاج عن بسر بن سعد قال اتقوا الله وتحفظوا من الحديث لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول الله - ص - ويحدث عن كعب الأحبار ثم يقوم فاسمع بعض من كانوا معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب وحديث كعب عن رسول الله، وفي رواية يجعل ما قاله كعب عن رسول الله وما قاله رسول الله عن كعب فاتقوا الله وتحفظوا في الحديث.
وقال يزيد بن هارون سمعت شعبة يقول أبو هريرة كان يدلس أي يروي ما سمعه من كعب وما سمعه من رسول الله ولا يميز بين هذا من هذا، ذكره ابن عساكر، وكأن شعبة يشير إلى حديث «من أصبح جنباً فلا صيام له» فإِنه لما حوقق عليه قال أخبرني مخبر ولم أسمعه من رسول الله (ص 109 جـ 8 البداية والنهاية لابن كثير، وقال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث وكان أبو هريرة يقول قال رسول الله - ص - كذا وإنما سمعه من الثقة فحكاه (ص 50 تأويل مختلف الحديث) ، وقال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث ص 48 إنه لما أتى أبو هريرة من الرواية عن رسول الله ما لم يأت بمثله من صحبه من جلة أصحابه الأولون وأنكروا عليه وقالوا كيف سمعت هذا وحدك ومن سمعه معك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)
وكانت عائشة أشدهم إنكاراً عليه لتطاول الأيام به، وممن اتهم أبا هريرة بالكذب عمر وعثمان وعلي وغيرهم - كما قال الكاتب الإِسلامي الكبير مصطفى صادق الرافعي إنه أول راوية اتهم في الإِسلام (ص 278 تاريخ آداب العرب) للأديب الرافعي، ولما قالت عائشة إنك لتحدث حديثاً ما سمعته من النبي - ص - أجابها بجواب لا أدب فيه ولا وقار إذ قال لها كما رواه ابن سعد والنجار وابن كثير وغيرهم شغلك عنه - ص - المرآة والمكحلة، وفي رواية ما كانت تشغلني عنه المكحلة والخضاب ولكن أرى ذلك شغلك عنه ثم عاد بعد ذلك واعترف بأنها أعلم منه في حديث «من أصبح جنباً لا صيام له» عندما واجهته بأن النبي - ص - كان يصبح جنبا وهو صائم فتراجع وقال إنه سمعه من الفضل وكان الفضل بن عباس قد مات، وقصة ذلك في صفحة 28 من تأويل مختلف الحديث، ولما روى حديث «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يضعها في الإِناء فإِن أحدكم لا يدري أين باتت يده» لم تأخذ به وقالت كيف نصنع بالمهراس، والمهراس صخر ضخم منقور لا يحمله الرجال ولا يحركونه يملؤنه ماءاً ويتطهرون منه ولما سمع الزبير بن العوام أحاديثه قال صدق كذب (109 جـ البداية والنهاية) وأنكر
عليه ابن مسعود قوله من غسل ميتاً ومن حمله فليتوضأ وقال فيه قولا شديداً ثم قال يا أيها الناس لا تنجسوا من موتاكم (ص 25 جـ2 جامع بيان العلمي).
والجواب أن يقال هذا مما نقله المؤلف من كتاب أبي رية وغير فيه بعض الكلمات. فمن ذلك قوله «بسر بن سعد» وصوابه «بسر بن سعيد» ومنها قوله «بعض من كانوا» وصوابه «بعض من كان» ومنها قوله «ولا يميز بين هذا من هذا» وصوابه «ولا يميز هذا من هذا» ومنها قوله «قال أخبرني مخبر» وصوابه «قال أخبرنيه مخبر» ومن ذلك قوله «وإنما سمعه من الثقة فحكاه» وصوابه «وإنما سمعه من الثقة عنده فحكاه» ومنها قوله «من جلة أصحابه الأولون» وصوابه «من جلة أصحابه والسابقين الأولين» ومن ذلك قوله «لتطاول الأيام به» وصوابه «لتطاول الأيام بها وبه» ومن ذلك قوله «والنجار» وصوابه «والبخاري» ومن ذلك قوله «جامع بيان العلمي» وصوابه «جامع بيان العلم».
والكلام على ما في أول هذا الفصل من وجهين أحدهما أن يقال لم يثبت عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)
أحد الصحابة رضي الله عنهم ولا عن أحد من التابعين ولا عن أحد من أئمة الجرح والتعديل أنه تكلم في أبي هريرة رضي الله عنه بما يقدح فيه. وقد ذكرت قريبا ثناء بعض الأكابر من الصحابة عليه وشهادتهم بحفظه وكذلك ثناء كثير من أكابر العلماء عليه وشهادتهم بحفظه، وقول شيخ الإِسلام أبي العباس ابن تيمية وابن القيم أنه حافظ الأمة على الإِطلاق، وقول الشافعي وغيره أنه أحفظ من روى الحديث في دهره وأنه أحفظ الصحابة فليراجع ذلك (1).
وقال شيخ الإِسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في جواب له إن الصحابة كلهم كانوا يأخذون بحديث أبي هريرة كعمر وابن عمر وابن عباس وعائشة، ومن تأمل كتب الحديث عرف ذلك، قال ولم يطعن أحد من الصحابة في شيء رواه أبو هريرة بحيث قال إنه أخطأ في هذا الحديث لا عمر ولا غيره، بل كان لأبي هريرة مجلس إلى حجرة عائشة فيحدث ويقول يا صاحبة الحجرة هل تنكرين مما أقول شيئاً فلما قضت عائشة صلاتها لم تنكر مما رواه لكن قالت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم ولكن كان يحدث حديثا لو عده العاد لحفظه، فأنكرت صفة الأداء لا ما أداه، وكذلك ابن عمر قيل له هل تنكر مما يحدث أبو هريرة شيئاً فقال لا ولكن اجترأ وجبنا فقال أبو هريرة ما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا، وكانوا يستعظمون كثرة روايته حتى يقول بعضهم أكثر أبو هريرة حتى قال أبو هريرة الناس يقولون أكثر أبو هريرة والله الموعد - ثم ذكر الحديث وقد تقدم ذكره (2) - قال وكان عمر بن الخطاب يستدعي الحديث من أبي هريرة ويسأله عنه ولم ينهه عن رواية ما يحتاج إليه من العلم الذي سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ولا توعده على ذلك ولكن كان عمر يحب التثبت في الرواية حتى لا يجترئ الناس فيزاد في الحديث انتهى من الجزء الرابع من مجموع الفتاوى صفحة 535 - 536.
الوجه الثاني أن أقول قد ذكرت في أثناء الفصل الذي قبل هذا الفصل ما ذكره الحاكم في المستدرك عن الإِمام محمد بن إسحاق بن خزيمة أنه قال إنما يتكلم في أبي هريرة لدفع أخباره من قد أعمى الله قلوبهم فلا يفهمون معاني الأخبار وهم إما معطل جهمي وإما خارجي أو قدري أو جاهل مقلد بلا حجة ولا برهان، وذكرت أيضاً--------------------------------------------
(1) ص: 260 - 265.
(2) ص: 265 - 266.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)
ما ذكره الحاكم من رواية أكابر الصحابة رضي الله عنهم عن أبي هريرة رضي الله عنه وأنه قد بلغ عدد من روى عنه من الصحابة ثمانية وعشرين رجلاً، وذكرت قبل ذلك قول البخاري أنه روى عنه نحو الثمانمائة من أهل العلم فليراجع (1) ما تقدم ذكره ففيه أبلغ رد على المؤلف وأبي رية وغيرهما من المتنطعين الذين يتكلمون في أبي هريرة رضي الله عنه ويتنقصونه ويطعنون في روايته.
وأما قول بسر بن سعيد الذي رواه مسلم فإِنما رواه في كتاب التمييز وكان ينبغي لمن أورده أن ينبه على ذلك لئلا يتوهم أحد أنه في الصحيح، وإذا كان بعض المغفلين الذين ليسوا من أهل الحفظ والإِتقان والعناية بالعلم يحضرون مجلس أبي هريرة رضي الله عنه فيقع منهم الغلط فيما سمعوه ولا يميزون بين ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم وما رواه عن غير النبي صلى الله عليه وسلم فأي ذنب لأبي هريرة رضي الله عنه في هذا حتى يجعل المؤلف وأبو رية ذلك من معائبه وإنما الذنب لغيره وقد قال الله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى).
وأما قوله وقال يزيد بن هارون سمعت شعبة يقول أبو هريرة كان يدلس أي يروي ما سمعه من كعب وما سمعه من رسول الله ولا يميز بين هذا وهذا، ذكره ابن عساكر.
فجوابه أن يقال يبعد كل البعد أن يقول شعبة هذا القول الباطل في أبي هريرة رضي الله عنه، ولا يبعد أن يكون ذلك من أكاذيب أعداء السنة الذين يختلقون المعائب لأبي هريرة رضي الله عنه ثم ينسبونها إلى بعض أكابر العلماء.
وقد قال العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في كتابه «الأنوار الكاشفة» هي حكاية شاذة لا أدري كيف سندها إلى يزيد ويقع في ظني إن كان السند صحيحاً أنه وقع فيه تحريف فقد يكون الأصل «أبو حرة» فتحرفت على بعضهم فقرأها «أبو هريرة» وأبو حرة معروف بالتدليس كما تراه في طبقات المدلسين لابن حجر ص 17 وقوله «أي يروي …» أراه من قول ابن عساكر بناه على قصة بسر السابقة، فقوله لا يميز هذا من هذا» يعني لا يفصل بين قوله قال النبي صلى الله عليه وسلم …» وقوله زعم كعب .......» مثلاً بفصل طويل حتى يؤمن أو يقل الالتباس على ضعفاء الضبط، وتسمية هذا تدليساً غريب فلذلك قال ابن كثير وحكاه--------------------------------------------
(1) ص: 260 - 261 و 268.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)