أبو رية «وكأن شعبة يشير بهذا إلى حديث «من أصبح جنباً فلا صيام له» فإِنه لما حوقق عليه قال أخبرنيه مخبر ولم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أقول يعني أنه قال أولاً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم …» مع أنه إنما سمعه من بعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو إرسال الصحابي الذي تقدم أنه ليس بتدليس ولكنه على صورته والله أعلم انتهى كلام المعلمي رحمه الله.
وأما قوله وقال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث وكان أبو هريرة يقول قال رسول الله - ص - كذا وإنما سمعه من الثقة فحكاه.
فجوابه أن يقال في تتمة كلام ابن قتيبة ما يرد على المؤلف وأبي رية وهو قوله، وكذلك كان ابن عباس يفعل وغيره من الصحابة وليس في هذا كذب بحمد الله ولا على قائله - إن لم يفهمه السامع جناح إن شاء الله انتهى.
ولما كان مراد المؤلف وأبي رية ابتغاء العيوب لأبي هريرة رضي الله عنه نقلا بعض كلام ابن قتيبة وتركا بعضه لأنهما لو ساقاه بتمامه لما حصل مقصودهما الخبيث من الطعن في أبي هريرة وفي أحاديثه، وقد قال عبد الرحمن بن مهدي أهل السنة يكتبون ما لهم وما عليهم وأهل البدعة يكتبون ما لهم ولا يكتبون ما عليهم.
ولا خلاف أن الصحابة كلهم عدول قال النووي في خطبة شرح مسلم كلهم مقطوع بعدالتهم عند من يعتد به من علماء المسلمين انتهى. فإِذا روى بعض الصحابة عن بعض عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر الواسطة بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم فهو مرسل صحابي وهو مقبول بالاتفاق. ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في فتح الباري في الباب الرابع من كتاب العلم وقرر صحة الاحتجاج بمراسيل الصحابة رضي الله عنهم، وفي هذا رد على من طعن على أحد من الصحابة بالإِرسال كما فعل المؤلف وأبو رية في طعنهما على أبي هريرة رضي الله عنه بالإرسال.
وأما قوله وقال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث أنه لما أتى أبو هريرة من الرواية عن رسول الله ما لم يأت بمثله من صحبه من جلة أصحابه الأولون وأنكروا عليه وقالوا كيف سمعت هذا وحدك ومن سمعه معك وكانت عائشة أشدهم إنكاراً عليه لتطاول الأيام بها وبه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)
فجوابه أن يقال هكذا قال المؤلف «الأولون» وصوابه «الأولين» وقد تقدم التنبيه على ذلك في أول الفصل، وقد اقتصر المؤلف تبعاً لأبي رية على هذه القطعة من كلام ابن قتيبة لأن غاية قصدهما سب أبي هريرة رضي الله عنه وإلصاق العيوب به. وقد أجاب ابن قتيبة عن ذلك بقوله فلما أخبرهم أبو هريرة بأنه كان ألزمهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم لخدمته وشبع بطنه وكان فقيراً معدماً وأنه لم يكن ليشغله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غرس الودي ولا الصفق بالأسواق، يعرض أنهم كانوا يتصرفون في التجارات ويلزمون الضياع في أكثر الأوقات وهو ملازم له لا يفارقه فعرف ما لم يعرفوا وحفظ ما لم يحفظوا - أمسكوا عنه انتهى.
ولم يثبت عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم أنه أنكر على أبي هريرة رضي الله عنه كثرة الرواية إلا ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما. وقد تقدم ذكر ذلك في الفصل الذي قبل هذا الفصل وفيه أن ابن عمر رضي الله عنهما قال أكثر أبو هريرة على نفسه فقيل له هل تنكر شيئاً مما يقول قال لا، وتقدم أيضاً عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه اعترف لأبي هريرة رضي الله عنه بأنه كان ألزمهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلمهم بحديثه، وتقدم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لأبي هريرة رضي الله عنه أكثرت الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنه والله ما كانت تشغلني عنه المكحلة والخضاب ولكن أرى ذلك شغلك عما استكثرت من حديثي قالت لعله. وفي رواية أن أبا هريرة رضي الله عنه لما قال لعائشة رضي الله عنها يا أماه إنه كان يشغلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المرآة والمكحلة والتصنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإني والله ما كان يشغلني عنه شيء. فسكتت. وهذا يدل على إقرارها لأبي هريرة رضي الله عنه بالحفظ.
قال العلامة المحقق عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في كتابه «الأنوار الكاشفة» إن أبا هريرة كان شديد التواضع، وعائشة معروفة بالصرامة وقوة العارضة فجوابه يدل على قوة إدلاله بصدقه ووثوقه بحفظه، ولو كان عنده أدنى تردد في صدقه وحفظه لاجتهد في الملاطفة فإِن المريب جبان، وسكوت عائشة بل قولها «لعله» أي لعل الأمر كما ذكرت يا أبا هريرة يدل دلالة واضحة أنه لم يكن عندها ما يقتضي اتهام أبي هريرة، هذا وحجة أبي هريرة واضحة فإِن عائشة لم تكن ملازمة للنبي صلى الله عليه وسلم بل انفردت عن الرجال بصحبته صلى الله عليه وسلم في الخلوة، وقد انفردت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)
بأحاديث كثيرة تتعلق بالخلوة وغيرها فلم ينكرها عليها أحد ولم يقل أحد - ولا ينبغي أن يقول - إن سائر أمهات المؤمنين قد كان لهن من الخلوة بالنبي صلى الله عليه وسلم مثل ما لها فما بال الرواية عنهن قليلة جداً بالنسبة إلى رواية عائشة انتهى.
وأما قوله وممن اتهم أبا هريرة بالكذب عمر وعثمان وعلي وغيرهم.
فجوابه من وجهين أحدهما أن يقال هذا من أكاذيب النظام ذكر ذلك ابن قتيبة في كتابه «تأويل مختلف الحديث» وقد نقل ذلك أبو رية في كتابه الذي هو ظلمات بعضها فوق بعض ورد عليه العلامة المحقق عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في كتابه «الأنوار الكاشفة» فقال هذا أخذه من كتاب ابن قتيبة وإنما حكاه ابن قتيبة عن النظام بعد أن قال ابن قتيبة «وجدنا النظام شاطراً من الشطار يغدو على سكر ويروح على سكر ويبيت على جرائرها ويدخل في الأدناس ويرتكب الفواحش والشائنات، ثم ذكر أشياء من آراء النظام المخالفة للعقل وللإجماع وطعنه على أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وحذيفة، فمن كان بهذه المثابة كيف يقبل نقله بلا سند، ومن الممتنع أن يكون وقع من عمر وعثمان وعلي وعائشة أو واحد منهم رمي لأبي هريرة بتعمد الكذب أو اتهام به ثم لا يشتهر ذلك ولا ينقل إلا بدعاوي من ليس بثقة ممن يعادي السنة والصحابة كالنظام وبعض الرافضة، وقد تقدم ثناء بعض الصحابة على أبي هريرة وسماع كثير منهم منه وروايتهم عنه، وأطبق أئمة التابعين من أبناء أولئك الأربعة وأقاربهم وتلاميذهم على تعظيم أبي هريرة والرواية عنه والاحتجاج بأخباره، وعند أهل البدع من المعتزلة والجهمية والرافضة والناصبة حكايات معضلة مثل هذه الحكاية تتضمن الطعن القبيح في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعائشة وغيرهم وفي كثير منها ما هو طعن في النبي صلى الله عليه وسلم، والحكم في ذلك واحد وهو تكذيب تلك الحكايات البتة انتهى.
الوجه الثاني أن يقال إن عمر رضي الله عنه قد استعمل أبا هريرة على البحرين ثم عزله ثم أراده على العمل فأبى قال عبد الرزاق حدثنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين أن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين فقدم بعشرة آلاف فقال له عمر استأثرت بهذه الأموال أي عدو الله وعدو كتابه فقال أبو هريرة لست بعدو الله ولا عدو كتابه ولكن عدو من عاداهما فقال فمن أين هي لك قال خيل نتجت وغلة رقيق لي وأعطية تتابعت علي فنظروا فوجدوه كما قال فلما كان بعد ذلك دعاه عمر ليستعمله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)
فأبى أن يعمل له فقال له تكره العمل وقد طلبه من كان خيراً منك طلبه يوسف عليه السلام فقال إن يوسف نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي وأنا أبو هريرة ابن أميمة وأخشى ثلاثاً واثنتين قال عمر فهلا قلت خمساً قال أخشى أن أقول بغير علم وأقضي بغير حلم أو يضرب ظهري وينزع مالي ويشتم عرضي.
وفي استعمال عمر رضي الله عنه لأبي هريرة رضي الله عنه أبلغ رد على من زعم أن عمر وعثمان وعلياً رضي الله عنهم اتهموا أبا هريرة رضي الله عنه بالكذب لأنه لو كان متهماً عند عمر رضي الله عنه لما استعمله فإِنه لم يكن متساهلاً في أمر الولاة بل كان بغاية الحزم والتدقيق عليهم ولم يكن يولي أحداً من المتهمين بالكذب ولو كان أبو هريرة رضي الله عنه متهماً بالكذب عند عثمان وعلي وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم لكانوا ينكرون توليته ويتكلمون فيه عند عمر رضي الله عنه، ولما لم يوجد منهم إنكار لتوليته دل ذلك على أنه لم يكن متهماً عندهم.
وأما قول مصطفى الرافعي في أبي هريرة رضي الله عنه أنه أول راوية اتهم في الإِسلام.
فجوابه من وجهين أحدهما أن يقال هذه كلمة بشعة جداً وهي تنم عما في قلب قائلها من الغيظ على أبي هريرة رضي الله عنه والبغض له، وقد تقدم في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لأبي هريرة وأمه أن يحببهما الله إلى عباده المؤمنين ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم مستجاب بلا شك، ويستفاد من هذا الحديث أنه لا يبغض أبا هريرة رضي الله عنه أحد في قلبه إيمان.
الوجه الثاني أن يقال إنما يتهم أبا هريرة رضي الله عنه من أعمى الله قلوبهم من الخوارج والروافض والقدرية والمعتزلة والجهمية ومن يقلدهم ويأخذ بأقوالهم من المتقدمين والمتأخرين. ومنهم مصطفى الرافعي وأبو رية والمؤلف وكثيرون سواهم من شرار العصريين الذين قد جعلوا أبا هريرة رضي الله عنه غرضاً للطعن والتنقص، وقد تقدم قريباً كلام ابن خزيمة في ذم المتكلمين في أبي هريرة رضي الله عنه وأنه لم يتكلم فيه إلا أهل البدع وأتباعهم فليراجع (1).
فأما أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة العلم والهدى فلم--------------------------------------------
(1) ص: 268.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 282)
يثبت عن أحد منهم أنه اتهم أبا هريرة رضي الله عنه. وقد تقدمت الآثار عن بعض الصحابة رضي الله عنهم في الثناء على أبي هريرة رضي الله عنه ووصفه بالحفظ وفيها أبلغ رد على من زعم أنه أول راوية اتهم في الإِسلام (1).
وأما قوله ولما قالت عائشة إنك لتحدث حديثاً ما سمعته من النبي - ص - أجابها بجواب لا أدب فيه ولا وقار إذ قال لها كما رواه ابن سعد والنجار «صوابه البخاري» وابن كثير وغيرهم شغلك عنه - ص - المرآة والمكحلة، وفي رواية ما كانت تشغلني عنه المكحلة والخضاب ولكن أرى ذلك شغلك عنه.
فجوابه من وجهين أحدهما أن يقال ليس في جواب أبي هريرة رضي الله عنه لعائشة رضي الله عنها ما يخل بالأدب والوقار إذ ليس فيه بذاء ولا فحش وليس في ذكر اشتغال المرأة بالمرآة والمكحلة والخضاب ما تستحي منه المرأة وتخجل من ذكره حتى يقول المبطلون إن ذكر أبي هريرة رضي الله عنه لذلك لا أدب فيه ولا وقار.
وقد تقدم في أثناء الفصل الذي قبل هذا الفصل أن أبا هريرة رضي الله عنه لما قال لعائشة رضي الله عنها إنه والله ما كانت تشغلني عن النبي صلى الله عليه وسلم المكحلة والخضاب ولكن أرى ذلك شغلك عما استكثرت من حديثي قالت لعله - أي لعل الأمر كما ذكرت يا أبا هريرة - وفي رواية أنها سكتت، وهذا يدل على أنها لم تر فيما قاله أبو هريرة رضي الله عنه بأسا. ولو كان في كلامه ما يخل بالأدب والوقار لأنكرت ذلك عائشة فإِنها كانت معروفة بالصرامة وقوة العارضة.
الوجه الثاني أن يقال إن سوء الأدب وعدم الوقار في الحقيقة هما في مكابرة المؤلف وأبي رية في رد الحديث الصحيح الدال على تفضيل عائشة رضي الله عنها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، وقد زعما أن هذا الحديث موضوع مع أنه ثابت في الصحيحين من حديث أنس ابن مالك رضي الله عنه، ومروي أيضاً في غير الصحيحين عن أنس بن مالك وأبي موسى وعائشة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وقرة بن إياس المزني رضي الله عنهم، وأسانيد هذه الأحاديث ما بين صحيح وحسن، وقد تقدم إبرادها في أثناء الكتاب فلتراجع (2) ففيها أبلغ رد على المؤلف وأبي رية.--------------------------------------------
(1) ص: 260 - 265.
(2) ص: 197 - 198.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)
وقد جمع المؤلف وأبو رية بين سوء الأدب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وسوء الأدب على عائشة رضي الله عنها، فأما سوء أدبهما على النبي صلى الله عليه وسلم فيتجلى ذلك في رد الحديث الثابت عنه صلى الله عليه وسلم وقلة المبالاة به، وأما سوء أدبهما على عائشة رضي الله عنها فيتجلى ذلك في إنكار ما خصها الله به من التفضيل على النساء.
وأما قوله ثم عاد بعد ذلك واعترف بأنها أعلم منه في حديث «من أصبح جنبا لا صيام له» عندما واجهته بأن النبي - ص - كان يصبح جنبا وهو صائم فتراجع وقال إنه سمعه من الفضل وكان الفضل بن عباس قد مات، وقصة ذلك في صفحة 28 من تأويل الحديث.
فجوابه من وجوه أحدها أن يقال هذا من أقوال النظام التي طعن بها على أبي هريرة رضي الله عنه ذكر ذلك ابن قتيبة في كتابه «تأويل مختلف الحديث» وقد نقل أبو رية كلام النظام من كتاب ابن قتيبة ولم يذكر أنه من كلام النظام فأوهم من لا علم لهم أنه من كلام ابن قتيبة وقد نقله المؤلف من كتاب أبي رية واختصره وغير فيه بعض الكلمات ولم يذكر أنه من أقوال النظام. وفي هذا أوضح دليل على أنه لا أمانة لأبي رية ولا للمؤلف، وقد ذكر ابن قتيبة قبل هذا الكلام أقوالاً للنظام يطعن بها على أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وحذيفة وأبي هريرة رضي الله عنهم، وقد رد عليه ابن قتيبة فقال، هذا قوله في جلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم كأنه لم يسمع بقول الله عز وجل في كتابه الكريم (محمد رسول الله والذين معه) إلى آخر السورة.
قلت وفي آخر الآية وهو قوله تعالى (ليغيظ بهم الكفار) أوضح دليل على كفر من يغتاظ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم عن الإِمام مالك أنه قال من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية، ومن تأمل أقوال النظام في الطعن على أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وحذيفة وأبي هريرة رضي الله عنهم لم يشك أنها فيض مما في قلبه من الغيظ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فالله يجازيه على ذلك بعدله.
ثم قال ابن قتيبة ولم يسمع بقوله تعالى (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم) ولو كان ما ذكرهم به
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 284)
حقا لا مخرج منه ولا عذر فيه ولا تأويل له إلا ما ذهب إليه لكان حقيقا بترك ذكره والإِعراض عنه إذ كان قليلا يسيراً مغمورا في جنب محاسنهم وكثير مناقبهم وصحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبذلهم مهجهم وأموالهم في ذات الله تعالى.
ثم رد ابن قتيبة على أقوال النظام رداً مفصلا فليراجع ذلك في أول كتابه «تأويل مختلف الحديث».
الوجه الثاني أن يقال إن أبا هريرة رضي الله عنه كان يفتي بما رواه عن الفضل بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «إذا نودي للصلاة صلاة الصبح وأحدكم جنب فلا يصم يومئذ» رواه الإِمام أحمد بإِسناد صحيح على شرط الشيخين. ولما أخبره عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما أنهما قالتا «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبا من غير حلم ثم يصوم» قال أبو هريرة رضي الله عنه هما أعلم ورجع عن قوله.
وقوله هما أعلم أي بهذه القضية لأنهما أخبرتاه عن النبي صلى الله عليه وسلم بشيء لا يطلع عليه إلا نساؤه وهو أنه كان يصبح جنباً من جماع غير احتلام ثم يصوم.
قال النووي في شرح مسلم لعل سبب رجوعه أنه تعارض عنده الحديثان فجمع بينهما وتأول أحدهما وهو قوله من أدركه الفجر جنباً فلا يصم وفي رواية مالك أفطر فتأوله على ما سنذكره من الأوجه في تأويله إن شاء الله تعالى. فلما ثبت عنده أن حديث عائشة وأم سلمة على ظاهره وهذا متأول رجع عنه وكان حديث عائشة وأم سلمة أولى بالاعتماد لأنهما أعلم بمثل هذا من غيرهما ولأنه موافق للقرآن فإِن الله تعالى أباح الأكل والمباشرة إلى طلوع الفجر قال الله تعالى (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) والمراد بالمباشرة الجماع ولهذا قال الله تعالى (وابتغوا ما كتب الله لكم) ومعلوم أنه إذا جاز الجماع إلى طلوع الفجر لزم منه أن يصبح جنباً ويصح صومه لقوله (ثم أتموا الصيام إلى الليل) وإذا دل القرآن وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على جواز الصوم لمن أصبح جنباً وجب الجواب عن حديث أبي هريرة عن الفضل عن النبي صلى الله عليه وسلم. وجوابه من ثلاثة أوجه أحدها أنه إرشاد إلى الأفضل فالأفضل أن يغتسل قبل الفجر فلو خالف جاز وهذا مذهب أصحابنا وجوابهم عن الحديث، والجواب الثاني لعله محمول على من أدركه الفجر مجامعاً فاستدام بعد طلوع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)
الفجر عالما فإِنه يفطر ولا صوم له، والثالث جواب ابن المنذر فيما رواه عنه البيهقي أن حديث أبي هريرة منسوخ وأنه كان في أول الأمر حين كان الجماع محرماً في الليل بعد النوم كما كان الطعام والشراب محرماً ثم نسخ ذلك ولم يعلمه أبو هريرة فكان يفتي بما علمه حتى بلغه الناسخ فرجع إليه، قال ابن المنذر هذا أحسن ما سمعت فيه والله أعلم انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري وإلى دعوى النسخ فيه ذهب ابن المنذر والخطابي وغير واحد وقرره ابن دقيق العيد بأن قوله تعالى (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) يقتضي إباحة الوطء في ليلة الصوم ومن جملتها الوقت المقارن لطلوع الفجر فيلزم إباحة الجماع فيه ومن ضرورته أن يصبح فاعل ذلك جنباً ولا يفسد صومه فإِن إباحة التسبب للشيء إباحة لذلك الشيء، قال ابن حجر وهذا أولى من سلوك الترجيح بين الخبرين، ثم ذكر الحافظ ابن حجر ما في حديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما من الفوائد ومنها ترجيح مروي النساء فيما لهن عليه الإِطلاع دون الرجال على مروي الرجال لعكسه. وأن المباشر للأمر أعلم به من المخبر عنه، وفيه فضيلة لأبي هريرة لاعترافه بالحق ورجوعه إليه، فيه استعمال السلف من الصحابة والتابعين الإرسال عن العدول من غير نكير بينهم لأن أبا هريرة اعترف بأنه لم يسمع هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه كان يمكنه أن يرويه عنه بلا واسطة وإنما بينها لما وقع من الاختلاف انتهى.
الوجه الثالث أن يقال وأي بأس في تحديث أبي هريرة رضي الله عنه بما رواه عن الفضل بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان تحديثه بذلك بعد موت الفضل، فأبو هريرة رضي الله عنه مأمون في روايته عن الفضل والفضل رضي الله عنه مأمون في روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يروون ما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم ويروون ما سمعه بعضهم من بعض عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يذكرون الواسطة بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم لأن الصحابة رضي الله عنهم كلهم عدول بالاتفاق وأهل صدق وأمانة في روايتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية بعضهم عن بعض، وقد قرر الحافظ ابن حجر في فتح الباري صحة الاحتجاج بمراسيل الصحابة رضي الله عنهم، قال لأن الواسطة بين الصحابي وبين النبي صلى الله عليه وسلم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)
مقبول اتفاقا وهو صحابي آخر، ذكر ذلك في الباب الرابع من كتاب العلم، وقرر في أول كتاب بدء الوحي أن مرسل الصحابة محكوم بوصله عند الجمهور.
الوجه الرابع أن يقال يظهر من كلام المؤلف أنه أراد الطعن في رواية أبي هريرة رضي الله عنه عن الفضل بن عباس رضي الله عنهما من أجل أن الفضل كان ميتا حين حدث أبو هريرة بالحديث عنه، وقد نقل المؤلف هذا الطعن من كتاب أبي رية ونقله أبو رية من كتاب «تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة، وهو من أقوال النظام التي طعن بها على أبي هريرة رضي الله عنه ورد عليه ابن قتيبة بما تقدم ذكره قريبا. وقال ابن قتيبة أيضاً وكان - يعني أبا هريرة رضي الله عنه يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وإنما سمعه من الثقة عنده فحكاه. وكذلك كان ابن عباس يفعل وغيره من الصحابة وليس في هذا كذب بحمد الله ولا على قائله - إن لم يفهمه السامع - جناح إن شاء الله انتهى كلام ابن قتيبة.
وأما قوله ولما روى حديث «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يضعها في الإِناء فإِن أحدكم لا يدري أين باتت يده» لم تأخذ به وقالت كيف نصنع بالمهراس، والمهراس صخر ضخم منقور لا يحمله الرجال ولا يحركونه يملؤنه ماءاً ويتطهرون منه.
فجوابه من وجوه أحدها أن يقال إن ذكر عائشة رضي الله عنها في هذا الحديث خطأ من أبي رية وقد تبعه المؤلف على خطئه فصار مثله مع أبي رية كمثل أعمى يقوده أعمى فترديا جميعا في هوة الهلاك، وسيأتي أن الذي عارض الحديث برأيه هو قيس الأشجعي، فأما عائشة رضي الله عنها فلم يرو عنها أنها عارضت هذا الحديث أو تكلمت فيه بشيء.
الوجه الثاني أن يقال إن عائشة رضي الله عنها روت عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى، وفي هذا أبلغ رد على المؤلف وأبي رية حيث زعما أن عائشة رضي الله عنها عارضت حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
الوجه الثالث أن يقال إن حديث أبي هريرة رضي الله عنه حديث صحيح لا يتطرق إليه الطعن بوجه من الوجوه، وقد رواه الأئمة مالك والشافعي وأحمد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 287)
والبخاري ومسلم وأهل السنن الأربعة وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإِناء حتى يغسلها ثلاثا فإِنه لا يدري أين باتت يده» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، قال وفي الباب عن ابن عمر وجابر وعائشة، وفي بعض الروايات لأحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليفرغ على يديه من إنائه ثلاث مرات فإِنه لا يدري أين باتت يده» ورواه مسلم بنحوه، ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه بنحو ذلك إلا أنهم قالوا «حتى يفرغ عليها مرتين أو ثلاثا» وزاد أحمد في روايته الأخيرة فقال قيس الأشجعي يا أبا هريرة فكيف إذا جاء مهراسكم قال أعوذ بالله من شرك يا قيس، وقد رواه البيهقي في سننه وقال فقال له قيس الأشجعي فإِذا جئنا مهراسكم هذا فكيف نصنع به فقال أبو هريرة رضي الله عنه أعوذ بالله من شرك.
قلت وإنما تعوذ أبو هريرة رضي الله عنه من شره لأنه فهم منه معارضة الحديث بالرأي فأنكر عليه ذلك وتعوذ بالله من شره. وقد قال النووي في شرح مسلم قال أصحابنا وإذا كان الماء في إناء كبير أو صخرة بحيث لا يمكن الصب منه وليس معه إناء صغير يغترف به فطريقه أن يأخذ الماء بفمه ثم يغسل به كفيه أو يأخذ بطرف ثوبه النظيف أو يستعين بغيره انتهى.
الوجه الرابع أن يقال إن أبا هريرة رضي الله عنه لم ينفرد برواية هذا الحديث بل قد رواه ابن عمر وجابر وعائشة رضي الله عنهم وقد ذكر ذلك الترمذي تعليقا كما تقدم ذكره.
فأما حديث ابن عمر رضي الله عنهما فرواه ابن ماجه في سننه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإِناء حتى يغسلها» إسناده صحيح على شرط مسلم، وقد رواه الدارقطني في سننه بإِسناد صحيح على شرط مسلم ولفظه «إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يدخل يده في الإِناء حتى يغسلها ثلاث مرات فإِنه لا يدري أين باتت يده منه أو أين طافت يده» فقال له رجل أرأيت إن كان حوضا فحصبه ابن عمر وقال أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول أرأيت إن كان حوضاً، قال الدارقطني إسناده حسن، وقد رواه البيهقي في سننه من طريق الدارقطني فذكره بمثله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)
قلت وإنما حصبه ابن عمر رضي الله عنهما لأنه فهم منه معارضة الحديث بالرأي فأنكر عليه ذلك وحصبه.
وأما حديث جابر رضي الله عنه فرواه ابن ماجه والدارقطني في سننيهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا قام أحدكم من النوم فأراد أن يتوضأ فلا يدخل يده في وضوئه حتى يغسلها فإِنه لا يدري أين باتت يده ولا على ما وضعها» قال الدارقطني إسناده حسن.
وأما حديث عائشة فرواه أبو داود الطيالسي في مسنده قال حدثنا ابن أبي ذئب حدثني من سمع أبا سلمة يحدث عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من استيقظ من منامه فلا يغمس يده في طهوره حتى يفرغ على يده ثلاث غرفات ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك حتى يفرغ على يده ثلاثاً».
الوجه الثالث أن يقال قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يفرغ على يديه فيغسلهما ثلاث قبل الوضوء، رواه الإِمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه. ورواه الإِمام أحمد أيضا وأهل السنن من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ورواه مالك وأحمد والبخاري ومسلم وأهل السنن من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري رضي الله عنه، وقد قال الله تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) ومن لم يتأس بالرسول صلى الله عليه وسلم فليس بمؤمن، ومن عارض الأحاديث الصحيحة برأيه أو رأي غيره فهو على شفا هلكة.
وأما قوله ولما سمع الزبير بن العوام أحاديثه قال صدق كذب (109 جـ البداية والنهاية).
فجوابه أن يقال قد تقدم الحديث بذلك قريباً (1) وفيه أن عروة قال لأبيه يا أبت ما قولك صدق كذب قال يا بني أما أن يكون سمع هذه الأحاديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا أشك ولكن منها ما يضعه على مواضعه ومنها ما وضعه على غير مواضعه.--------------------------------------------
(1) ص: 264.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 289)
فعلم من هذا أن الزبير رضي الله عنه قد صدق أبا هريرة رضي الله عنه فيما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما خطأه في وضعه لبعض الأحاديث على غير مواضعها أي حملها على غير محملها، والخطأ في تفسير بعض الأحاديث وبيان معانيها قد يقع من بعض كبار العلماء ولا إثم في ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» رواه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وإنما يكون الإِثم في افتراء الكذب لقول الله تعالى (إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون) والصحابة رضي الله عنهم منزهون عن افتراء الكذب فكلهم عدول بالاتفاق وأهل صدق وأمانة فرضي الله عنهم وأرضاهم، وأبعد الله من أبغضهم ومن تنقصهم ومن رماهم بما هم برءاء منه.
وقد قال العلامة المحقق عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في كتابه «الأنوار الكاشفة» في خطبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، إنكم تقرؤن هذه الآية (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) الآية وإنكم تضعونها على غير موضعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقابه» فالوضع على غير الموضع ليس بتغيير اللفظ فإِن الناس لم يغيروا من لفظ الآية شيئاً، وإنما هو الحمل على المحمل الحقيقي «هكذا هو في الأنوار الكاشفة على المحمل الحقيقي» ولعله خطأ مطبعي والصواب «وإنما هو الحمل على غير المحمل الحقيقي» ومثال ذلك في الحديث أن يذكر أبو هريرة حديث النهي عن الادخار من لحوم الأضاحي فوق ثلاث، وحديث النهي عن الانتباذ في الدباء والنقير والمزفت، فيرى الزبير أن النهي عن الادخار إنما كان لأجل الدافة، وأن النهي عن الانتباذ في تلك الآنية إنما كان إذ كانوا حديثي عهد بشرب الخمر لأن النبيذ في تلك الآنية يسرع إليه التخمر فقد يتخمر فلا يصبر عنه حديث العهد بالشرب ونحو ذلك، وأن أبا هريرة إذا أخبر بذلك على إطلاقه يفهمه الناس على إطلاقه وذلك وضع له على غير موضعه ففي القصة شهادة الزبير لأبي هريرة بالصدق في النقل، فأما ما أخذه عليه فلا يضره فإِن في الأحاديث الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمطلق والمقيد وقد يعلم الصحابي هذا دون ذلك فعليه أن يبلغ ما سمعه، والعلماء بعد ذلك يجمعون الأحاديث والأدلة كلا منها بحسب ما يقتضيه مجموعها انتهى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 290)
وأما قوله وأنكر عليه ابن مسعود قوله عن غسل ميتا ومن حمله فليتوضأ وقال فيه قولا شديداً ثم قال يا أيها الناس لا تنجسوا من موتاكم.
فجوابه من وجوه أحدها أن يقال قد أسقط المؤلف تبعا لأبي رية قوله «فليغتسل» بعد قوله «من غسل ميتا» ولو كان عند المؤلف أدنى معرفة لتنبه لما أسقطه أبو رية من الحديث ولكنه أعمى البصيرة يسير خلف أعمى البصيرة ويقلده.
الوجه الثاني أن يقال قد ذكر ابن عبد البر هذا الأثر في كتابه «جامع بيان العلم وفضله» بدون إسناد، وما ليس له إسناد صحيح فليس بمقبول، وقد روى البيهقي في سننه عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال «إن كان صاحبكم نجسا فاغتسلوا وإن كان مؤمنا فلم نغتسل من المؤمن» قال البيهقي إسناده ليس بالقوي.
هذا ما رأيته مروياً عن ابن مسعود رضي الله عنه وما رأيت غيره، وليس فيه ذكر لأبي هريرة رضي الله عنه فضلا عن الإِنكار والقول الشديد الذي زعمه المؤلف تقليداً لأبي رية.
قوله نجسا أي كافراً لقول الله تعالى (إنما المشركون نجس).
الوجه الثالث أن يقال إن حديث أبي هريرة رضي الله عنه قد رواه أبو داود الطيالسي وأبو داود السجستاني وابن حبان في صحيحه والبيهقي في سننه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من غسَّل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ» وقد روى الإِمام أحمد وابن ماجه منه قوله «من غسل ميتا فليغتسل» وإسناد كل منهما صحيح، ورواه الترمذي ولفظه «من غسله الغسل ومن حمله الوضوء» يعني الميت، قال الترمذي حديث حسن، وقد روي عن أبي هريرة موقوفا قال وفي الباب عن علي وعائشة.
قلت أما حديث علي رضي الله عنه فرواه الشافعي وأحمد وأبو داود الطيالسي وابن أبي شيبة وأبو داود السجستاني والنسائي وعبد الله بن الإِمام أحمد في زوائد المسند وأبو يعلى والبزار والبيهقي قال لما توفي أبو طالب أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت إن عمك الشيخ قد مات قال اذهب فواره ثم لا تحدث شيئا حتى تأتيني قال فواريته ثم أتيته قال اذهب فاغتسل ثم لا تحدث شيئا حتى تأتيني قال فاغتسلت ثم أتيته قال فدعا لي بدعوات ما يسرني أن لي بها حمر النعم وسودها، قال وكان علي إذا غسل الميت اغتسل، هذا لفظ أحمد في إحدى الروايتين ولفظ ابنه عبد الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)
قال الحافظ ابن حجر في التلخيص مدار كلام البيهقي على أنه ضعيف ولا يتبين وجه ضعفه وقد قال الرافعي إنه حديث ثابت مشهور انتهى.
وأما حديث عائشة رضي الله عنها فرواه الإِمام أحمد وأبو داود وابن خزيمة في صحيحه والدارقطني والحاكم في مستدركه والبيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يغتسل من أربع من الجنابة ويوم الجمعة ومن الحجامة وغسل الميت» هذا لفظ أبي داود، وعند ابن خزيمة والحاكم قال «يغتسل من أربع» وعند الدارقطني «الغسل من أربع» وذكرها، قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه، وفيما قالاه نظر لأن في إسناد الحديث مصعب بن شيبة الحجبي ولم يخرج له البخاري وإنما خرج له مسلم وحده فالحديث على شرط مسلم وليس على شرط البخاري.
وفي الباب أيضاً عن أبي سعيد وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهما ذكره عنهما البيهقي في سننه، وفي الباب أيضا عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه رواه الإِمام أحمد في مسنده.
وقد قال الحافظ بن حجر في التلخيص في الكلام على حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفي الجملة هو بكثرة طرقه أسوأ أحواله أن يكون حسنا فإِنكار النووي على الترمذي تحسينه معترض وقد قال الذهبي في مختصر البيهقي طرق هذا الحديث أقوى من عدة أحاديث احتج بها الفقهاء ولم يعلوها بالوقف بل قدموا رواية الرفع انتهى. وقد مال الحافظ ابن حجر إلى أن الأمر فيه للندب، وذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في «تهذيب السنن» لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أحد عشر طريقا. ثم قال وهذه الطرق تدل على أن الحديث محفوظ، قال وهذه المسألة فيها ثلاثة مذاهب أحدها أن الغسل لا يجب على غاسل الميت وهذا قول الأكثرين الثاني أنه يجب وهذا اختيار الجوزجاني ويروى عن ابن المسيب وابن سيرين والزهري وهو قول أبي هريرة ويروى عن علي رضي الله عنه، الثالث وجوبه من غسل الميت الكافر دون المسلم وهو رواية عن الإِمام أحمد لحديث علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالغسل انتهى.
قلت وأرجح الأقوال أن الأمر للندب والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 292)
فصل
وقال المؤلف في صفحة (60) وصفحة (61) ما نصه:
رأي أبو حنيفة وهو أقرب الأئمة من عصر الصحابة وفتواه في قضية الحديث وفي أبي هريرة، روى أبو يوسف قال قلت لأبي حنيفة الخبر يجيئني عن رسول الله يخالف قياسنا ما نصنع به فقال إذا جاءت به الرواة الثقات عملنا به وتركنا الرأي فقلت ما تقول في رواية أبي بكر وعمر، قال ناهيك بهما فقلت وعلي وعثمان قال كذلك فلما رآني أعد الصحابة قال والصحابة كلهم عدول ما عدا رجالا وعد منهم أبا هريرة وأنس بن مالك.
هذا هو رأي أبو حنيفة المولود سنة 80 هـ والمتوفى 150 هـ وهو أقرب الأئمة إلى زمن الصحابة ولجلال قدره سمي بالإِمام الأعظم، وعلته في أنس أنه اختلط في آخر عمره بفاعلية السن والله أعلم بنيته وقصده، والتحقيق المفصل في ص 205 من أضواء على السنة.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال هكذا قال المؤلف «رأي أبو حنيفة» في موضعين وصوابه «رأي أبي حنيفة» ولو أن المؤلف أقبل على تعلم النحو حتى يعرف الفرق بين المرفوع والمخفوض ويتجنب اللحن في كتاباته لكان خيراً له من الاشتغال بسب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والطعن فيهم بأكاذيب الروافض وأشباه الروافض ممن ليس لهم دين يحجزهم عن البهتان وقول الزور.
الوجه الثاني أن يقال لا خلاف بين أهل السنة والجماعة أن الصحابة كلهم عدول، قال النووي كلهم مقطوع بعدالتهم عند من يعتد بهم من علماء المسلمين انتهى، وقد ذكرت قريباً ما ذكره الحاكم في المستدرك عن الإِمام محمد بن إسحاق بن خزيمة أنه قال إنما يتكلم في أبي هريرة لدفع أخباره من قد أعمى الله قلوبهم فلا يفهمون معاني الأخبار وهم إما معطل جهمي وإما خارجي أو قدري أو جاهل مقلد بلا حجة ولا برهان.
قلت وكذلك لا يتكلم في أنس بن مالك وغيره من الصحابة رضي الله عنهم إلا أناس قد أعمى الله قلوبهم من أهل الزيغ والضلال ومن يقلدهم من جهلة العصريين، وقد قال الحافظ ابن حجر في «تهذيب التهذيب» وقال الأنصاري حدثنا ابن عون عن موسى بن أنس أن أبا بكر رضي الله عنه لما استخلف بعث إلى أنس بن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)
مالك رضي الله عنه ليوجهه إلى البحرين على السعاية قال فدخل عليه عمر رضي الله عنه فقال إني أردت أن أبعث هذا إلى البحرين على السعاية وهو فتى شاب فقال ابعثه فإِنه لبيب كاتب قال فبعثه انتهى. وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» وقد استعمله أبو بكر ثم عمر على عمالة البحرين وشكراه في ذلك انتهى.
وفي هذا أبلغ رد على من طعن في عدالة أنس بن مالك رضي الله عنه لأن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما بعثاه على السعاية وائتمناه عليها وشكراه في ذلك وكفى بذلك تعديلا له ورداً على من طعن في عدالته.
الوجه الثالث قال العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في كتابه «الأنوار الكاشفة» في الرد على أبي رية فيما ذكره عن أبي يوسف أنه روى عن أبي حنيفة ما تقدم ذكره.
«أقول لم يذكر مصدره وهذه عادته (الحميدة) في تدليس بلاياه».
هكذا قال المعلمي «عادته الحميدة» وهذا من باب التهكم بأبي رية، والأولى أن يقال «عادته الخبيثة» لأن هذه الصفة مطابقة لأبي رية وعاداته غاية المطابقة، قال المعلمي «ثم وجدت مصدره وهو شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1/ 360 عن أبي جعفر الإِسكافي، ولا ريب أن هذا لا يصح عن أبي يوسف ولا أبي حنيفة، ،المعروف عنهما وعن أصحابهما في كتب العقائد والأصول وغيرها ما عليه سائر أهل السنة أن الصحابة كلهم عدول، وإنما يقول بعضهم إن فيهم من ليس بفقيه أو مجتهد، قال ابن الهمام في التحرير «يقسم الراوي الصحابي إلى مجتهد كالأربعة والعبادلة فيقدم على القياس مطلقا، وعدل ضابط كأبي هريرة وأنس وسلمان وبلال فيقدم، إلا إن خالف كل الأقيسة على قول عيسى والقاضي أبو زيد» ثم قال بعد ذلك «وأبو هريرة مجتهد» كما تقدم، وغير عيسى وأبي زيد ومن تبعه يرون تقديم الخبر مطلقا».
وقال المعلمي أيضاً «وابن أبي الحديد من دعاة الاعتزال والرفض والكيد للإِسلام، وحاله مع ابن العلقمي الخبيث معروفة، والإِسكافي من دعاة المعتزلة والرفض أيضاً في القرن الثالث، ومثل هذه الحكايات الطائشة توجد بكثرة عند الرافضة والناصبة وغيرهم بما فيه انتقاص لأبي بكر وعمر وعلي وعائشة غيرهم وإنما يتشبث بها من لا يعقل، وقد ذكر ابن أبي الحديد 1/ 360 أشياء عن الإِسكافي من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 294)
الطعن في أبي هريرة وغيره من الصحابة وذكر من ذلك شيئا من مزاح أبي هريرة فقال ابن أبي الحديد «قلت قد ذكر ابن قتيبة هذا كله في كتاب المعارف في ترجمة أبي هريرة وقوله فيه حجة لأنه غير متهم عليه» وفي هذا إشارة إلى أن الإِسكافي متهم، ونحن كما لا نتهم ابن قتيبة قد لا نتهم الإِسكافي باختلاق الكذب ولكن نتهمه بتلقف الأكاذيب من أفاكي أصحابه الرافضة والمعتزلة، وأهل العلم لا يقبلون الأخبار المنقطعة ولو ذكرها كبار أئمة السنة، فما بالك بما يحكيه ابن أبي الحديد عن الإِسكافي عمن تقدمه بزمان» انتهى.
وأما قوله وعلته أنه اختلط في آخر عمره بفاعلية السن
فجوابه أن أقول إني لم أر أحداً ممن ترجم لأنس رضي الله عنه ذكر أنه اختلط في آخر عمره، فما زعمه المؤلف تبعاً لأبي رية لا شك أنه كذب مفترى إما من أبي رية وإما من بعض أهل الزيغ والضلال من الرافضة وأشباههم ممن ينقل عنهم أبو رية ويعتمد على أكاذيبهم وترهاتهم.
وقد روى البخاري في التاريخ الكبير عن قتادة قال لما مات أنس بن مالك رضي الله عنه قال مورق ذهب اليوم نصف العلم، قيل كيف ذاك يا أبا المعتمر قال كان الرجل من أهل الأهواء إذا خالفنا في الحديث قلنا تعال إلى من سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم.
قلت وهذا يدل على أن أنساً رضي الله عنه لم يزل ممتعا بالعقل إلى أن مات.
وأما قوله والتحقيق المفصل في ص 205 من أضواء على السنة.
فجوابه أن يقال إن المؤلف قد أحال القراء على غير مليء. فليس في كتاب أبي رية شيء من التحقيق البتة وليس فيه شيء من الأضواء على السنة وإنما فيه المعارضة للسنة والاستخفاف بالأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ونبذها واطراحها فهو في الحقيقة جهالات وضلالات وظلمات بعضها فوق بعض، فلا يغتر به ويصغي إليه إلا من هو من أجهل خلق الله وأشدهم غباوة.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (61) ما نصه
دهاء كعب أوقع أبا هريرة، وإليك المثال. روى الذهبي في طبقات
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 295)
الحفاظ في ترجمة أبي هريرة أن كعباً قال فيه ما رأيت أحداً لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة، فكيف يعرفها ويعرف ما فيها وهي عبرية مع أنه كان لا يقرأ عبريا حتى ولا عربيا. ص 207 من أضواء على السنة.
والجواب أن يقال إن كثيراً من شرار العصريين قد تحاملوا على كعب الأحبار تحاملا قبيحا حتى إن أبا رية قال فيه إنه أظهر الإِسلام خداعا وطوى قلبه على يهوديته، هكذا قال أبو رية في ظلماته، ولو كان عنده أدنى شيء من التقوى والورع لما رمى رجلا مسلماً باليهودية. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «من دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه» متفق عليه من حديث أبي ذر رضي الله عنه، وفي الصحيحين أيضاً عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، وفي صحيح البخاري أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه نحو ذلك أيضاً، وفي صحيح ابن حبان عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه أيضا.
قوله حار عليه أي رجع ذلك على القائل.
وقد زعم أبو رية أن كعباً كان ذا مكر وخداع وأن أبا هريرة رضي الله عنه كان أكثر الصحابة انخداعاً به، وهذا من بهتان أبي رية وترهاته وقد قال الشاعر وأحسن فيما قال:
إذا رزق الفتى وجها وقاحاً … تقلب في الوجوه كما يشاء
وهذا البيت مطابق لحال المؤلف وأبي رية غاية المطابقة
وأما ما نقله المؤلف من كتاب أبي رية ونقله أبو رية من طبقات الحفاظ للذهبي ففي إسناده عمران القطان وقد ضعفه النسائي وأبو داود في رواية عنه وقال ابن معين ليس بشيء وقال الدارقطني كان كثير المخالفة والوهم. قال العلامة المحقق عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في رده على أبي رية، عمران القطان ضعيف ولا يتحقق سماعه من بكر - يعني ابن عبد الله المزني - وفي القرآن والسنة قصص كثيرة مذكورة في التوراة الموجودة بأيدي أهل الكتاب الآن فإِذا تتبعها أبو هريرة وصار يذكرها لكعب كان ذلك كافيا لأن يقول كعب تلك الكلمة. ففيم التهويل الفارغ انتهى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 296)
وأما قوله فكيف يعرفها ويعرف ما فيها وهي عبرية مع أنه كان لا يقرأ عبريا حتى ولا عربيا.
فجوابه أن يقال إنما كان أبو هريرة رضي الله عنه يحدث كعباً بما جاء في القرآن وما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان أبو هريرة رضي الله عنه أحفظ أهل عصره لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كثير يوافق ما جاء في التوراة، فماذا ينكر أعداء السنة على أبي هريرة إذا حديث كعبا بالأحاديث التي توافق ما جاء في التوراة وقال له كعب ما قال، وقد تقدم أن أبا هريرة رضي الله عنه لما حدث كعبا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في ساعة الإِجابة يوم الجمعة قال كعب هي في السنة مرة فرد عليه أبو هريرة رضي الله عنه وقال بل هي في كل جمعة فقرأ كعب التوراة ثم قال صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم هو في كل جمعة، رواه مالك وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وصححه الترمذي والحاكم وقال على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه.
فهذا نموذج من الأحاديث التي توافق ما جاء في التوراة وبه يرد على من يطعن على أبي هريرة رضي الله عنه.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (61) ما نصه
أبو هريرة يعترف بخديعة اليهود، روى البخاري عن أبي هريرة قال كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها لأهل الإِسلام بالعربية، ومعروف أنه لو كان يعرف العبرانية لقال وكنت من الذين يفسرون التوراة.
والجواب أن يقال لم يأت من طريق صحيح ولا ضعيف أن أبا هريرة رضي الله عنه انخدع بشيء من أكاذيب اليهود ولا أنه كان يعتمد على أخبارهم وإنما كان يعتمد على ما جاء في القرآن وما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم بدون واسطة أو بواسطة بعض الصحابة رضي الله عنهم، هذا هو المعروف عن أبي هريرة رضي الله عنه وعن غيره من الصحابة رضي الله عنهم.
وليس في قوله كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإِسلام ما يدل على أن أبا هريرة رضي الله عنه انخدع باليهود كما قد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 297)
يوهمه ظاهر كلام المؤلف. وإنما الأمر في ذلك بالعكس وهو أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يرى التوقف في أخبار أهل الكتاب لأنها تحتمل الصدق والكذب ولهذا عقب ذلك بما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا (آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم)».
وأما قوله ومعروف أنه لو كان يعرف العبرانية لقال وكنت من الذين يفسرون التوراة.
فجوابه أن يقال لم يكن أبو هريرة رضي الله عنه يحدث عن التوراة وإنما كان يحدث بما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أشياء توافق ما في التوراة فإِذا حدث بها أبو هريرة رضي الله عنه أو غيره من الصحابة رضي الله عنهم لم يكن محدثا عن التوراة كما لا يخفى على عاقل.
ولا يخفى أيضاً ما في كلام المؤلف من التجني على أبي هريرة رضي الله عنه وإلصاق العيوب به مع أنه كان بريئا منها فالله يجازيه على ذلك بعدله.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (61) ما نصه
اتفاق أبو هريرة وكعب في خرافة الشمس والقمر، روى البزار عن أبي هريرة أن النبي - ص - قال إن الشمس والقمر ثوران في النار يوم القيامة فقال الحسن وما ذنبهما فقال أحدثك عن رسول الله وتقول ما ذنبهما، وهذا الكلام نفسه قاله كعب الأحبار بنصه فقد روى أبو يعلى الموصلي قال كعب الأحبار يجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنهما ثوران عقيران فيقذفان في جهنم يراهما من عبدهما (ص 222 حياة الحيوان).
والجواب أن يقال أما قوله «اتفاق أبو هريرة» فصوابه «اتفاق أبي هريرة» وأما قوله في خرافة الشمس والقمر.
فجوابه أن يقال إن المخرف في الحقيقة من يرد الأحاديث الصحيحة بغير حجة قاطعة، ولا شك أن المؤلف وأبا رية أولى بوصف التخريف لما في كلامهما من الجراءة على نبذ الأحاديث الصحيحة واطراحها بأساليب من الهوس، فكلامهما في رد الأحاديث الصحيحة يشبه كلام المخرفين الذين يتكلمون من غير شعور.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 298)