وهذا خطأ ظاهر لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخبر أن فاطمة رضي الله عنها سيدة نساء أهل الجنة خاصة دون الرجال.
الوجه الثاني أن يقال قد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «يا فاطمة أما ترضين أنت تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة» وفي رواية «أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة».
وفي الصحيحين وغيرهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام».
وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» ورجال هذه الأحاديث كلهم ثقات أثبات من لدن الصحابة إلى الأئمة المخرجين لهذه الأحاديث فأي طريق للإِسرائيليين إلى الدس في هذه الأحاديث الصحيحة لو كان المؤلف الجاهل يعقل، ولا ينكر ما جاء في هذه الأحاديث الصحيحة إلا من هو مكابر معاند.
الوجه الثالث أن يقال إن المؤلف المفتون هو الذي أراد الدس في هذه الأحاديث الصحيحة وتشكيك المسلمين فيما ثبت عن نبيهم صلى الله عليه وسلم فهو في الحقيقة شر من اليهود وأعظم منهم ضرراً على الإِسلام والمسلمين.
الوجه الرابع أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان مبلغا عن الله كما قال تعالى (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى). وإخباره صلى الله علي وسلم بما أكرم الله به بنته فاطمة من السيادة لنساء أهل الجنة وما أكرم الله به زوجته عائشة من التفضيل على النساء ليس من التعصب نحو بنته وزوجته كما زعم ذلك عدو الله وليس في ذلك ما يدعو إلى اتهامه صلى الله عليه وسلم كما زعم ذلك أيضا.
وقد روى الترمذي وحسنه عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «هذا ملك نزل من السماء لم ينزل إلى الأرض قط قبل هذه الليلة استأذن أن يسلم علي ويبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة» فهذا يدل على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان مبلغا لما أخبره به الملك عن الله تعالى من سيادة فاطمة لنساء أهل الجنة. وكذلك ما أخبر به عن زوجته عائشة هو من باب التبليغ عن الله تعالى. وقد قال الله تعالى (قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم).
قال ابن كثير في البداية والنهاية في ترجمة عائشة رضي الله عنها. ومن خصائصها أنها أعلم نساء النبي صلى الله عليه وسلم بل أعلم النساء على الإطلاق. قال الزهري لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أزواجه وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل. وقال عطاء بن أبي رباح كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأيا في العامة. وقال عروة ما رأيت أحداً أعلم بفقه ولا طب ولا شعر من عائشة ولم ترو امرأة ولا رجل غير أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحاديث بقدر روايتها. وقال أبو موسى الأشعري «ما أشكل علينا أصحاب محمد حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علما» رواه الترمذي. وقال أبو الضحى عن مسروق رأيت مشيخة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الأكابر يسألونها عن الفرائض. وقال الشعبي كان مسروق إذا حدث عن عائشة رضي الله عنها قال حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم المبرأة من فوق سبع سموات، وثبت في صحيح البخاري من حديث أبي عثمان النهدي عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله أي الناس أحب إليك قال «عائشة قلت ومن الرجال قال أبوها» انتهى.
وإذا علم ما ذكرنا فلا ينكر فضل عائشة رضي الله عنها على النساء إلا من هو مكابر معاند وكذلك لا ينكر سيادة فاطمة رضي الله عنها لنساء أهل الجنة إلا من هو مكابر معاند لأن فاطمة رضي الله عنها كانت بضعة من النبي صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم سيد بني آدم في الدنيا والآخرة فلا ينكر أن تكون بنته التي أصيبت بفقده سيدة نساء أهل الجنة، كما أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وكما أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين. وكل هذا ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينكره إلا من هو مكابر معاند.
الوجه الخامس أن المؤلف قد زعم أن الإِسرائيليين نسبوا إلى النبي صلى الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
عليه وسلم أنه يتعصب نحو شخصه وأنهم اتهموه بأنه قال إنه يشفع في عمه وأنه فضل بنته على أهل الجنة ورفع زوجته عائشة على نساء العالمين. وفي الحقيقة أن الإِسرائيليين بريئون مما نسبه المؤلف إليهم وأن المؤلف هو الذي نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه يتعصب نحو شخصه. وهو الذي اتهم النبي صلى الله عليه وسلم بما زعم أنه تهمة في حقه، وهذه ردة صريحة لأن هذا القول صريح في سب النبي صلى الله عليه وسلم وعيبه وإلحاق النقص به. وقد تقدم في أول الكتاب ذكر الإِجماع على تكفير من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو عابه أو ألحق به نقصا وذكر الإِجماع على قتله فليراجع (1).
وأما قوله وفي كتابنا هذا من تلك المفتريات الإِسرائيلية على رسول الله والتي جمعانها من صحيح البخاري ما يملأ المؤمنين غيرة على نبيهم ودينهم فيعلنون محاربتهم لها وما يحمّل الساكتين عن محاربتها وزر الكاتمين لما أنزل الله.
فجوابه من وجوه أحدها أن يقال إن ما جمعه المؤلف من صحيح البخاري كله ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس فيه شيء مفترى على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي جراءة المؤلف على تلك الأحاديث الصحيحة دليل على أن الله تعالى قد أعمى بصيرته فكان يرى الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق.
الوجه الثاني أن يقال إن الإِسرائيليين بريئون مما نسبه المؤلف إليهم من افتراء الأحاديث الصحيحة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي الحقيقة أن الكاذب المفتري على رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المؤلف وأشباهه من الزنادقة الذين يلحدون في آيات الله ويردون الأحاديث الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يبالون برفضها واطراحها.
الوجه الثالث أن يقال إن إعلان المحاربة لما في صحيح البخاري وغيره من الأحاديث الصحيحة ليس فيه غيرة على النبي صلى الله عليه وسلم ولا على الدين وإنما هو في الحقيقة محادة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ومحاربة لدين الإِسلام، والذي يحارب الأحاديث الصحيحة ولا يبالي برفضها واطراحها هو الذي يحمل الوزر العظيم على أفعاله السيئة ويحمل أوزار الذين يتبعونه على أباطيله ويضلون بسببه.--------------------------------------------
(1) ص: 27 - 29.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
فصل
وقال المؤلف في صفحة (10) ما نصه
الدافع السابع هو الوازع التعبدي الذي حملنا على إبراز البيان الحقيقي لمولد ونشأة الحديث الباطل وعصر تغلغله في كتب الحديث الصحيحة حتى أصبح شيئاً منازعاً لكتاب الله.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال ليس ما فعله المؤلف في رد الأحاديث الصحيحة من الوازع التعبدي كما قد توهم ذلك وإنما هو من الدافع الشيطاني بلا شك فإن الشيطان قد لعب بالمؤلف وزين له أعماله السيئة في رد الأحاديث وعدم المبالاة برفضها واطراحها. وهذه الأفعال السيئة من أحب الأشياء إلى الشيطان لما فيها من المحادة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
الوجه الثاني أن يقال ليس في الصحيحين شيء من الأحاديث الباطلة وما زعمه المؤلف من تغلغل الحديث الباطل في كتب الحديث الصحيحة فهو زعم كاذب ومكابرة ومحادة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم واتباع لغير سبيل المؤمنين لأنهم قد أجمعوا على قبول الصحيحين وصحة أحاديثهما وقد قال الله تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً).
الوجه الثالث أن يقال ليس في الأحاديث الصحيحة ما ينازع كتاب الله بوجه من الوجوه ولكن المؤلف وأشباهه من أدعياء العلم يتأولون كتاب الله على غير تأويله ويحملونه على ما يوافق آراءهم وعقولهم الفاسدة حتى يجعلوا بين بعض الآيات والأحاديث الصحيحة نزاعا لا حقيقة له في نفس الأمر ثم يحكّمون أفهامهم الخاطئة في الأحاديث الصحيحة فيقبلون منها ما أحبوا ويردون ما لا يوافق آراءهم وعقولهم الفاسدة.
الوجه الرابع أن يقال كل حديث صحيح لا يخلو من أن يكون موافقا للقرآن أو زائداً على ما جاء فيه. وكل من النوعين يجب قبوله ويحرم رده لقول الله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وقوله تعالى (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) وقوله تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) قال الإِمام أحمد أتدري ما الفتنة. الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ثم جعل يتلو هذه الآيات (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما).
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه» وفي رواية «إني أوتيت الكتاب وما يعدله» وقد تقدم هذا الحديث في الفصل الثالث في أول هذا الكتاب فليراجع (1).
وإذا علم هذا فمن رد حديثا صحيحا لم يعارضه ما هو أقوى منه من الأحاديث الصحيحة فلا شك أن ذلك لزيغ في قلبه.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (11) ما نصه
الدافع الثامن هو تقديم ما استطعنا حصره من الأحاديث المخالفة للقرآن في مضمونه أو في معناه. وقد اخترنا لهذا الحصر كتاب البخاري باعتباره عمدة الأصول والمراجع في هذا المجال حتى يكون البحث في غيره عن مثل هذه الأحاديث أولى وأهم باعتبار أن ما سواه من تلك الأصول وهذه المراجع أدنى منه صحة وسنداً وتقييما - إلى أن قال - ولسنا مغالين إذا قطعنا بسرعة التأييد لمقاصدنا من كل مؤمن يقرأ هذا الكتاب وهو يفرق بين قيمته العلمية المستمدة من كتاب الله والسنة العملية لرسوله وبين ما لا حجة لصوابه سوى أننا توارثناه في كتب الحديث - إلى أن قال - ومن هنا استطعنا رفض الحديث الدخيل وتفنيد الرد بإبطاله أخذاً من معاني القرآن الكريم.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال ليس في الأحاديث التي حصرها المؤلف وجمعها من صحيح البخاري ما يخالف القرآن بوجه من الوجوه كما سأبين ذلك عند كل حديث مما جمعه المؤلف إن شاء الله تعالى.
الوجه الثاني أن يقال ما قطع به المؤلف من سرعة التأييد لمقاصده الخبيثة من كل مؤمن يقرأ كتابه قد انعكس عليه وخاب ظنه الكاذب فكل مؤمن له أدنى علم وفهم قد سخط غاية السخط من سوء فعل المؤلف في رد الأحاديث الصحيحة وعدم المبالاة برفضها واطراحها، وكذلك قد سخط المؤمنون العالمون غاية السخط من تهجم--------------------------------------------
(1) ص: 6.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
المؤلف على النبي صلى الله عليه وسلم وإلحاق العيوب والنقص به وإنكار كراماته ومعجزاته وتسميتها قصصاً خيالية وخوارق خرافية كما تقدم بيان ذلك في الجواب عن الدافع السادس من دوافع المؤلف لتأليف كتابه المشئوم عليه وعلى من اغتر به من الجهلة الأغبياء، وكذلك قد سخط المؤمنون العالمون غاية السخط من تهجم المؤلف على بعض الصحابة والتابعين ورميهم بما هم براء منه من العيوب كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى، وكذلك قد سخط المؤمنون العالمون غاية السخط من تهجم المؤلف على صحيح البخاري واستهانته بشأنه ومحاولته الحط من قدره وقدر مؤلفه كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
وما أكثر الذين يحثون على الرد على المؤلف ويتمنون أن تجرى عليه أحكام المرتدين.
الوجه الثالث أن يقال كل ما توارثه أهل العلم في كتب الصحاح والسنن والمسانيد مما روي بالأسانيد الصحيحة فهو ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم والحجة لصوابه صحة الإِسناد. قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى إذا حدث الثقة عن الثقة إلى أن ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ثابت ولا يترك لرسول الله صلى الله عليه وسلم حديث أبداً إلا حديث وجد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر يخالفه انتهى.
وقال الإِمام أحمد رحمه الله تعالى كل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم إسناد جيد أقررنا به وإذا لم نقر بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ودفعناه ورددناه رددنا على الله أمره قال الله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا).
الوجه الرابع أن يقال إن المؤلف لم يرفض شيئاً من الأحاديث الدخيلة وإنما رفض الأحاديث الصحيحة التي خرجها البخاري في صحيحه الذي هو أصح الكتب بعد القرآن وهو بهذا الفعل السيء قد شاق الله ورسوله واتبع غير سبيل المؤمنين الذين أجمعوا على صحة ما في صحيح البخاري وقبوله. وقد قال الله تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
فصل
وقال المؤلف في صفحة (12) ما نصه
الدافع التاسع هو ضرورة التأكيد على أن السنة العملية هي البيان التطبيقي لأحكام الله في العبادات. وقد بينها النبي (ص) بيانا عمليا مشهوداً من الأمة كلها. ولعلمه عليه الصلاة والسلام أن الناس أدركوا هذا التطبيق بمشاهدتهم وأنه أمرهم بنقله بياناً وعملاً لمن بعدهم كما تعلموه منه ولعلمه وتأكده تماماً أن ما عرفوه من تطبيقه العملي لما جاء به القرآن أصبح علماً معروفاً بالمشاهدة وسنة منقولة نقلا جماعياً متواتراً. فإِنه لم يأمرهم بتدوين شيء اسمه الحديث خشية أن يصبح كتاب الحديث في مكانه المنازع لكتاب الله بعد مضي السنين وتعاقب الزمن كما هو حادث الآن من الأحاديث التي رصدناها كأمثلة على ذلك في الجزء الثاني من هذا الكتاب، وبنفس الدافع اضطررنا إلى التأكيد على أن الشيطان هو الذي جند الإِسرائيليين لعملية التخريب العقائدي في صدور المسلمين عن طريق الحديث الدخيل حينما عجز عن الوصول إلى عقائدهم عن طريق القرآن الكريم الذي وجدوه محفوظا من التبديل بمقتضى قول الله تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) - إلى أن قال - ولقد برع اليهود في حبك تركيبة الحديث الباطل بحيث لا يخلو أبداً من جملة براقة في تمجيد النبي وتكريمه حتى تكون هذه الجملة دثاراً وغشاء لما فيه من زور وباطل يبرأ الله ورسوله منه، وتأكيداً على تلك الحقيقة فإِنا قد حشدنا في الجزء الثاني من هذا الكتاب من أحاديث العيب والعوار ما يقنع العقلاء بأن وضاعي الحديث قد دسوا لنا السم في العسل.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال إن السنة ليست مقصورة على أفعال النبي صلى الله عليه وسلم فقط كما زعم ذلك المؤلف وإنما هي شاملة لأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته، هذا هو المعروف عند علماء المسلمين قديما وحديثا. ولا عبرة بما يهذو به تلامذة الإِفرنج من العصريين الذين فرقوا بين أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وبين أقواله وتقريراته فقبلوا الأفعال وردوا ما سواها، وهؤلاء مشابهون للذين قال الله تعالى فيهم (ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا).
الوجه الثاني أن الله تعالى قال (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
فانتهوا) وهذه الآية الكريمة تشمل أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وقال تعالى في صفة رسوله صلى الله عليه وسلم (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) وهذا يدل على أنه يجب تصديقه فيما أخبر به من أمور الغيب وأنه يجب الأخذ بأقواله كما يجب الأخذ بأفعاله، وقد جاء الأمر بالإِيمان بالرسول في آيات كثيرة، ومن الإِيمان به الإِيمان بما أعطاه الله من المعجزات وأنواع الكرامات وخوارق العادات.
الوجه الثالث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يكتبوا خطبته التي خطب بها يوم الفتح لأبي شاه كما هو مخرج في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وأذن صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن يكتب كل ما سمعه منه، رواه الإِمام أحمد وأبو داود والدارمي والحاكم من طرق وصححه ووافقه الذهبي على تصحيحه. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري وله طرق عن عبد الله بن عمرو يقوي بعضها بعضاً.
وروى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال قلت يا رسول الله إني أحب أن أعي حديثك ولا يعيه قلبي أفأستعين بيميني قال «إن شئت» قال البوصيري سنده حسن.
وروى الإِمام أحمد والبخاري والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال «ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإِنه كان يكتب ولا أكتب».
وروى ابن عبد البر في كتابه «جامع بيان العلم وفضله» عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال «ما يرغبني في الحياة إلا خصلتان. الصادقة والوهط. فأما الصادقة فصحيفة كتبتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما الوهط فأرض تصدق بها عمرو بن العاص كان يقوم عليها».
وقد كان عند علي رضي الله عنه صحيفة فيها أسنان الإِبل وأشياء من الجراحات وأشياء غير ذلك من الأحكام روى ذلك أحمد والبخاري ومسلم وأهل السنن. وفي رواية لأحمد عن علي رضي الله عنه أنه قال هذه الصحيفة أخذتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فرائض الصدقة قال الحافظ ابن حجر سنده حسن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم كتاباً فيه الفرائض والسنن والديات.
وفي الصحيحين وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه قال «ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده» فاختلفوا وكثر اللغط فقال «قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع».
وروى الترمذي والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً من الأنصار شكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني أسمع منك الحديث ولا أحفظه فقال «استعن بيمينك» وأومأ بيده للخط، قال الترمذي ليس إسناده بذاك القائم.
وروى ابن عبد البر عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال وجد في قائم سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيفة مكتوب فيها «ملعون من أضل أعمى عن السبيل».
وروى الرامهرمزي عن رافع بن خديج رضي الله عنه أنه قال قلت يا رسول الله إنا نسمع منك أشياء أفنكتبها قال «اكتبوا ذلك ولا حرج» نقله السيوطي في تدريب الراوي.
وفيما ذكرته من الأحاديث دليل على الإِذن في كتابة الحديث وفي الإِذن في الكتابة دليل على جواز التدوين.
وقد أمر عمر بن عبد العزيز بتدوين الحديث وهو من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين ولم يخالفه أحد من التابعين ولا من بعدهم من العلماء فكان ذلك كالإِجماع على جواز التدوين.
فإِن قيل فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه».
قيل قد أجاب العلماء عن هذا الحديث بأجوبة سأذكرها فيما يلي إن شاء الله تعالى، وجمع بعضهم بين النهي عن الكتابة وبين الإِذن فيها بجمع حسن، قال ابن الأثير في جامع الأصول الجمع بين قوله «لا تكتبوا عني غير القرآن» وبين إذنه في الكتابة أن الإِذن ناسخ للمنع منه بإِجماع الأمة على جوازه ولا يجمعون إلا على أمر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
صحيح، وقيل إنما نهى عن الكتابة أن يكتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة فيختلط به فيشتبه على القارئ انتهى. ونقل النووي في شرح مسلم عن القاضي عياض أنه قال كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم فكرهها كثيرون منهم وأجازها أكثرهم ثم أجمع على جوازها وزال ذلك الخلاف. واختلفوا في المراد بهذا الحديث الوارد في النهي فقيل هو في حق من يوثق بحفظه ويخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب وتحمل الأحاديث الواردة بالإِباحة على من لا يوثق بحفظه كحديث «اكتبوا لأبي شاه» وحديث صحيفة علي رضي الله عنه. وحديث كتاب عمرو بن حزم الذي فيه الفرائض والسنن والديات، وحديث كتاب الصدقة ونصب الزكاة الذي بعث به أبو بكر رضي الله عنه أنسا رضي الله عنه حين وجهه إلى البحرين، وحديث أبي هريرة أن ابن عمرو ابن العاص كان يكتب ولا أكتب وغير ذلك من الأحاديث، وقيل إن حديث النهي منسوخ بهذه الأحاديث وكان النهي حين خيف اختلاطه بالقرآن فلما أمن ذلك أذن في الكتابة. وقيل إنما نهي عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط فيشتبه على القارئ والله أعلم انتهى.
قال علي القاري فأما أن يكون نفس الكتاب محظورا فلا وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته بالتبليغ وقال «ليبلغ الشاهد الغائب» فإِذا لم يقيدوا ما يسمعونه منه تعذر التبليغ ولم يؤمن ذهاب العلم وأن يسقط أكثر الحديث فلا يبلغ آخر القرون من الأمة، ولم ينكرها أحد من علماء السلف والخلف فدل على جواز كتابة الحديث والعلم انتهى.
وذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري أن منهم من أعل حديث أبي سعيد وقال الصواب وقفه على أبي سعيد قاله البخاري وغيره. قال العلماء كره جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث واستحبوا أن يؤخذ عنهم حفظا كما أخذوا حفظاً، لكن لما قصرت الهمم وخشي الأئمة ضياع العلم دونوه، وأول من دون الحديث ابن شهاب الزهري على رأس المائة بأمر عمر بن عبد العزيز ثم كثر التدوين ثم التصنيف وحصل بذلك خير كثير فلله الحمد انتهى.
وذكر الحافظ ابن حجر أيضا أن السلف اختلفوا في كتابة العلم عملاً وتركاً وان كان الأمر استقر والإِجماع انعقد على جواز كتابة العلم بل على استحبابه بل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
لا يبعد وجوبه على من خشي النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم انتهى.
الوجه الرابع قد ذكرت مراراً أن الأحاديث الصحيحة لا تنازع كتاب الله - وأما ما زعمه المؤلف من الأحاديث التي رصدها وجمعها من صحيح البخاري أنها قد نازعت كتاب الله فهو زعم كاذب وقول باطل فليس في صحيح البخاري ما ينازع القرآن البتة، وإنما أتي المؤلف من سوء فهمه وزيغ قلبه.
الوجه الخامس أن يقال إن الشيطان قد جند المؤلف وأشباهه من زنادقة العصريين لعملية التخريب في صدور المسلمين عن طريق الطعن في الأحاديث الصحيحة ورفضها واطراحها ولم يجند الإِسرائيليين لذلك وإن كانوا من شر جنوده، فالبلاء كل البلاء من المؤلف وأشباهه من أعداء السنة. فهم في الحقيقة شر من اليهود وأعظم منهم ضرراً على الإسلام والمسلمين.
الوجه السادس أن يقال إن الله تعالى قد حفظ سنة نبيه صلى الله عليه وسلم كما حفظ القرآن. قال الله تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وهذه الآية الكريمة تشمل القرآن والسنة لأن كلاً منهما وحي منزل من الله تعالى. قال الله تعالى (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة) والحكمة هي السنة على أصح الأقوال. وقال تعالى في صفة رسوله صلى الله عليه وسلم (وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى).
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه» وفي رواية «إني أوتيت الكتاب وما يعدله» وقد تقدم هذا الحديث في الفصل الثالث في أول هذا الكتاب فليراجع (1). وتقدم فيه أيضا قول حسان بن عطية إن جبريل كان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل بالقرآن.
قال ابن حزم في كتاب الأحكام والقرآن والخبر الصحيح بعضها مضاف إلى بعض وهما شيء واحد في أنهما عند الله تعالى وحكمهما حكم واحد في باب وجوب الطاعة لهما. ثم ذكر قول الله تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وقوله تعالى (قل إنما أنذركم بالوحي) ثم قال فأخبر تعالى أن كلام نبيه صلى الله عليه وسلم وحي والوحي بلا خلاف ذكر، والذكر محفوظ بنص القرآن فصح بذلك أن كلامه صلى الله عليه وسلم كله محفوظ بحفظ الله عز وجل مضمون لنا أنه لا يضيع منه شيء إذ--------------------------------------------
(1) ص: 6.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
ما حفظ الله تعالى فهو باليقين لا سبيل إلى أن يضيع منه شيء فهو منقول إلينا كله فلله الحجة علينا أبدا انتهى.
الوجه السابع أن يقال ليس في الأحاديث التي جمعها المؤلف من صحيح البخاري ولا في غيرها من الأحاديث الصحيحة عيب ولا عوار ولا زور ولا باطل البتة. وإنما العيب كل العيب والعوار كل العوار والزور كل الزور والباطل كل الباطل في ثرثرة المؤلف وتشدقه وتنطعه وجراءته على الطعن في الأحاديث الصحيحة ورفضها واطراحها، فهو الذي قد دس السم للمسلمين وأراد تشكيكهم في أحاديث نبيهم وما آتاه الله من المعجزات والكرامات وخوارق العادات، فالله يعامله بعدله ويجازيه بما يستحقه من النكال.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (13) ما نصه
المبرر العاشر لتأليفنا هذا الكتاب يتلخص في حرصنا الشديد على براءة الذمة من عهدة تطوق أعناقنا ناراً إن لم نوفها حقها من القول والبيان الإِعلاني وليس علينا من دور في هذا المجال أكثر من تدوين تلك السطور بهذا المداد فقط، وعند هذا الحد تنتهي مهمتنا.
والجواب عن هذا من وجهين أحدهما أن يقال إن الشيطان قد تلاعب بالمؤلف غاية التلاعب وأغراه على جمع كتابه المملوء من العيب والعوار والزور والباطل والثرثرة والتشدق والتنطع والجراءة على الطعن في الأحاديث الصحيحة ورفضها واطراحها. فهذا حاصل كتابه الذي هو في الحقيقة عين المشاقة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم واتباع غير سبيل المؤمنين وقد قال الله تعالى (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً فإِن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون) وقال تعالى (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين، وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون).
الوجه الثاني أن يقال إن المؤلف المسكين قد أصيب بتقليب القلب وعمى البصيرة فكان يرى الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق ويرى براءة ذمته في معارضة النبي صلى الله عليه وسلم والطعن فيما ثبت عنه من الأحاديث الصحيحة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
وفي معجزاته وكراماته وتسميتها قصصا خيالية وخوارق خرافية. وهذه جراءة قبيحة غايتها الاستخفاف بالنبي صلى الله عليه وسلم وإلحاق النقص به. وهذا من أعظم ما يبعده عن الله ويشغل ذمته بأوزاره التي جمعها في كتابه وأوزار من يضل بسببه ويطوق عنقه ناراً إن لم يبادر إلى التوبة الصادقة من أقواله الباطلة وبيانه الإِعلاني الخبيث وينقض ما حبكته يده الأثيمة في كتابه المملوء من الأباطيل والأضاليل والذي هو مشئوم عليه وعلى من اغتر به وضل بسببه.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (16) و (17) ما نصه
دليل يؤخذ على وجود الدس في الحديث النبي (ص) كان يأمر أصحابه باللجوء إلى الطبيب وفي إثبات ذلك تكذيب لحديث الحبة السوداء، عن سعد بن أبي وقاص قال مرضت فعادني رسول الله (ص) فقال لي إئت الحارث بن كلدة فإِنه رجل يتطبب، وبديهي أن التطبيق العلاجي يكذب أن الحبة السوداء شفاء من كل داء.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال ما زعمه المؤلف من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر أصحابه باللجوء إلى الطبيب فهو كذب على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر أصحابه بذلك، وما جاء في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فهو في قضية خاصة بسعد فلا عموم لها.
الوجه الثاني أن يقال إن الالتجاء نوع من أنواع العبادة ولا يصلح ذلك إلا لله عز وجل، والالتجاء إلى غير الله شرك. والنبي صلى الله عليه وسلم لا يأمر بالشرك، فأما إتيان المريض إلى الطبيب ليشخص له المرض ويصف له الدواء من غير التجاء إليه فهذا جائز. والنبي صلى الله عليه وسلم إنما أمر سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن يأتي الطبيب ليعمل له الدواء ولم يأمره بالالتجاء إليه.
الوجه الثالث أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر سعداً بمرضه ووصف له العلاج وأمره أن يأتي الحارث بن كلدة الثقفي ليعالجه بما وصفه له رسول الله صلى الله عليه وسلم. والحديث رواه أبو داود في سننه من حديث مجاهد عن سعد رضي الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
عنه قال «مرضت مرضا فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني فوضع يده بين ثديي حتى وجدت بردها على فؤادي وقال لي إنك رجل مفؤد فأت الحارث بن كلدة من ثقيف فإِنه رجل يتطبب فليأخذ سبع تمرات من عجوة المدينة فليجأهن بنواهن ثم ليلدك بهن».
قال ابن الأثير في جامع الأصول رجل مفؤد يشكو وجع فؤاده. وقال في النهاية فليجأهن أي فليدقهن. قال واللدود بالفتح من الأدوية ما يسقاه المريض في أحد شقي الفم. ولديدا الفم جانباه انتهى.
الوجه الرابع أن يقال ليس في حديث سعد رضي الله عنه ما يدل على الدس في حديث الحبة السوداء، فأي متعلق للمؤلف فيه.
الوجه الخامس أن التطبيق العلاجي يصدق ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحبة السوداء، قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «زاد المعاد» هي كثيرة المنافع جدا. وقوله شفاء من كل داء مثل قوله تعالى (تدمر كل شيء بأمر ربها) أي كل شيء يقبل التدمير ونظائره. وهي نافعة من جميع الأمراض الباردة وتدخل في الأمراض الحارة اليابسة بالعرض - ثم ذكر منافعها وهي كثيرة جدا فلتراجع في «زاد المعاد» ففيها رد لما زعمه المؤلف.
وقال داود الأنطاكي في كتابه «التذكرة» في ذكر الحبة السوداء قد أخبر صاحب الشرع عليه الصلاة والسلام في حديث صحيح بأنه دواء من كل داء إلا السام يعني الموت. والمراد من كل داء بارد فالعموم نوعي - ثم ذكر منافعها وهي كثيرة جدا فلتراجع في «التذكرة» ففيها رد لما زعمه المؤلف.
وقد ذكر كثير من أهل العلم بالطب ما في الحبة السوداء من المنافع الكثيرة ولو ذكرت أقوالهم لطال الكلام. وفيما أشرت إليه ههنا عن ابن القيم وداود الأنطاكي كفاية إن شاء الله تعالى.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (17) و (18) ما نصه
نهي صريح لرسول الله عن كتابة شيء غير القرآن. الإِمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري قال رسول الله (ص) لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن فمن كتب عني غير القرآن فليمحه، وفي مراسيل ابن مليكة أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
أبا بكر الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشد اختلافا فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه (ص 3 تذكرة الحفاظ للذهبي جـ 1 وابن مليكة هو قاضي مكة في زمن ابن الزبير وتوفي سنة 117 هـ). ومن كلام رشيد رضا في ص 766 مجلد 10، ص 511 مجلد 19 من المنار (نهى النبي (ص) عن كتابة أي شيء غير القرآن. وأسند ذلك إلى الإِمام أحمد ومسلم وابن عبد البر في كتاب العلم عن أبي سعيد الخضري مرفوعاً لا تكتبوا عني غير القرآن فمن كتب غير القرآن فليمحه. ونقول لو كتبوه في عهده ما اختلف الأئمة فيه. ويقول رشيد رضا إن العلة في نهي الصحابة عن كتابة شيء غير القرآن هو الخوف من الخطأ (حسبما جاء في تقييد العلم للخطيب البغدادي ص 37) عن أبي نضرة قال قلت لأبي سعيد الخدري. ألا نكتب ما نسمع منك قال أتريدون أن تجعلوها مصاحف بينكم إن نبيكم كان يحدثنا فنحفظ، وروى الحاكم ونقله الحافظ الذهبي في جـ 1 في تذكرة الحفاظ عن عائشة قالت جمع أبي الحديث عن رسول الله فكانت خمسمائة حديث فبات يتقلب ولما أصبح قال أي بنية هلمي بالأحاديث التي عندك فجئته بها فأحرقها وقال خشيت أن أموت وهي عندك فيكون منها أحاديث عن رجل ائتمنته ووثقت به ولم يكن كما حدثني فأكون قد تقلدت ذلك.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها عن غلط المؤلف في بعض الأحاديث والرواة، فمن ذلك قوله في حديث أبي سعيد رضي الله عنه أنه رواه الترمذي والنسائي وهذا غلط فإِنهما لم يروياه. ومن ذلك قوله «ابن مليكة» في موضعين. وصوابه ابن أبي مليكة. ومن ذلك قوله «عن أبي سعيد الخضري» وصوابه الخدري.
الوجه الثاني أن يقال قد تقدم قريباً ذكر الأحاديث الدالة على الإِذن في كتابة الحديث فلتراجع (1) ، وتقدم أيضا الجواب عما جاء في حديث أبي سعيد رضي الله عنه من النهي عن كتابة غير القرآن فليراجع (2).
الوجه الثالث أن يقال ليس المرسل بحجة فأي متعلق للمؤلف في مرسل ابن أبي مليكة.--------------------------------------------
(1) ص: 86 - 87.
(2) ص: 87 - 89.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
الوجه الرابع أن يقال على تقدير ثبوت ما رواه ابن أبي مليكة عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فهو معارض بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ عنه كما في الحديث الذي رواه الإِمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «نضر الله امرءاً سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه فرب مبلغ أحفظ له من سامع» هذا لفظ أحمد وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، ورواه ابن حبان في صحيحه ولفظه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «رحم الله من سمع منا حديثاً فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع».
وروى الإِمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي وابن حبان في صحيحه عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «نضر الله امرءاً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه» قال الترمذي هذا حديث حسن قال وفي الباب عن عبد الله ابن مسعود ومعاذ بن جبل وجبير بن مطعم وأبي الدرداء وأنس رضي الله عنهم.
قلت قد روى ابن ماجه حديثي جبير بن مطعم وأنس رضي الله عنهما. وفي الباب أيضا عن أبي سعيد الخدري وعبيد بن عمير والنعمان بن بشير وأبيه وأبي قرصافة وجابر وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم.
وقد أجاب الحافظ الذهبي عما رواه ابن أبي مليكة عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه بجواب حسن فقال في تذكرة الحفاظ هذا المرسل يدلك أن مراد الصديق التثبت في الأخبار والتحري لا سد باب الرواية. ألا تراه لما نزل به أمر الجدة ولم يجده في الكتاب كيف سأل عنه في السنة فلما أخبره الثقة ما اكتفى حتى استظهر بثقة آخر ولم يقل حسبنا كتاب الله كما تقوله الخوارج انتهى.
وأمر الجدة الذي أشار إليه الذهبي هو ما رواه مالك وأهل السنن عن قبيصة بن ذؤيب قال جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه تسأله ميراثها فقال لها أبو بكر رضي الله عنه مالك في كتاب الله شيء وما علمت لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً فارجعي حتى أسأل الناس فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة رضي الله عنه حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس فقال أبو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
بكر رضي الله عنه هل معك غيرك فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة فأنفذه لها أبو بكر رضي الله عنه.
وأما ما رواه الحاكم ونقله الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ عن عائشة رضي الله عنها قالت جمع أبي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخره فقد قال الذهبي بعد إيراده. هذا لا يصح. وقد ترك المؤلف قول الذهبي فلم يذكره لأنه يفسد عليه ما رامه من الطعن في الأحاديث الصحيحة ورفضها واطراحها، وقد ذكر هذا الأثر صاحب كنز العمال في باب آداب العلم والعلماء نقلا عن مسند الصديق للحافظ ابن كثير ثم قال بعده قال ابن كثير هذا حديث غريب من هذا الوجه جداً، وعلي بن صالح «يعني أحد رواته» لا يعرف، والأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من هذا المقدار بألوف. ثم وجهه ابن كثير على فرض صحته.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (18) ما نصه
الأئمة الثلاثة يخالفون كثيراً من نصوص الحديث ولا أحد يعتبرهم غير أئمة ولا من الخارجين على الدين. وهاهم الحنفية والمالكية والشافعية لم يجتمعوا على تجريد الصحيح أو الاتفاق على العمل به. فهذه كتب الفقه في مذاهبهم فيها مئات المسائل المخالفة للأحاديث المتفق على صحتها ولا يعد أحد منهم مخالفاً لأصول الدين (50 أضواء على السنة).
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال ظاهر كلام المؤلف وأبي رية أن الأئمة الثلاثة كانوا يخالفون كثيراً من نصوص الحديث عمداً، وهذا كذب عليهم فإِنهم ما كانوا يتعمدون مخالفة الأحاديث الصحيحة إذا بلغتهم، فأما ما لم يبلغهم أو لم تثبت عندهم صحته فهذا لا لوم عليهم إذا قالوا بخلافه.
الوجه الثاني أن يقال إن الأئمة الثلاثة كانوا يعظمون الأحاديث الصحيحة غاية التعظيم، وقد روى الخطيب البغدادي في تاريخه وابن عبد البر في الانتقاء أن أبا حنيفة قال آخذ بكتاب الله فإِن لم أجد فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإِن لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت بقول أصحابه آخذ بقول من شئت منهم وأدع من شئت منهم ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم، فأما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
إذا انتهى الأمر - أو جاء - إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وسعيد بن المسيب - وعدد رجالا - فقوم اجتهدوا فأجتهد كما اجتهدوا.
وقال شارح العقيدة الطحاوية - حكى الطحاوي حكاية أبي حنيفة مع حماد بن زيد وأن حماد بن زيد لما روى له حديث «أي الإِسلام أفضل» إلى آخره قال، ألا تراه يقول «أي الإِسلام أفضل قال الإِيمان» ثم جعل الهجرة والجهاد من الإِيمان، فسكت أبو حنيفة فقال بعض أصحابه ألا تجيبه يا أبا حنيفة قال بما أجيبه وهو يحدثني بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى.
وقال شداد بن حكيم عن زفر بن الهذيل إنما نأخذ بالرأي ما لم نجد الأثر فإذا وجدنا الأثر تركنا الرأي وأخذنا بالأثر، ذكره ابن القيم في أعلام الموقعين. وقال معن بن عيسى القزاز سمعت مالكاً يقول إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في قولي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه، ذكره ابن القيم في أعلام الموقعين.
وروى أبو نعيم عن مالك أنه سأله رجل عن مسألة فقال له قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا فقال له الرجل أرأيت. قال مالك (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم).
وقال عبد الله بن الإِمام أحمد قال أبي قال لنا الشافعي إذا صح لكم الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فقولوا لي حتى أذهب إليه. ذكره ابن القيم في أعلام الموقعين بهذا اللفظ، وقد رواه أبو نعيم في الحلية عن سليمان بن أحمد الطبراني قال سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول سمعت أبي يقول قال محمد بن إدريس الشافعي يا أبا عبد الله إذا صح عندكم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرونا به حتى نرجع إليه. قال وقال الإِمام أحمد كان أحسن أمر الشافعي عندي أنه كان إذا سمع الخبر لم يكن عنده قال به وترك قوله.
وروى القاضي أبو الحسين في طبقات الحنابلة بإِسناده إلى عبد الله بن الإِمام أحمد قال قال لي أبي قال لنا الشافعي أنتم أعلم بالحديث والرجال مني فإِذا كان الحديث صحيحا فأعلموني إن شاء أن يكون كوفياً أو بصرياً أو شامياً إذا كان صحيحاً، وقد رواه أبو نعيم في الحلية عن سليمان بن أحمد الطبراني قال سمعت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
عبد الله بن أحمد يقول سمعت أبي يقول فذكره بنحوه، قال القاضي أبو الحسين وهذا من دين الشافعي حيث سلم هذا العلم لأهله انتهى.
وقال الشافعي إذا حدث الثقة عن الثقة إلى أن ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ثابت ولا يترك لرسول الله صلى الله عليه وسلم حديث أبداً إلا حديث وجد عن رسول الله آخر يخالفه.
وقال الربيع بن سليمان سمعت الشافعي يقول إذا وجدتم سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف قولي فخذوا بالسنة ودعوا قولي فإِني أقول بها.
وقال الربيع أيضا سمعت الشافعي يقول كل مسألة تكلمت فيها صح الخبر فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي.
وقال الشافعي أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس وكلام الشافعي بنحو ما ذكرنا كثير جداً.
ومما ذكرته عن الأئمة الثلاثة يعلم أنهم لم يكونوا يخالفون الأحاديث الصحيحة إذا بلغتهم، وفي هذا رد على المؤلف وأبي رية فيما افترياه عليهم.
الوجه الثالث أن يقال إن كثيراً من الذين صنفوا كتب الفقه في مذاهب الحنفية والمالكية والشافعية وغيرها من المذاهب ليسوا من أهل الاجتهاد وإنما هم مقلدون لمن سبقهم من علماء مذاهبهم في إيراد المسائل والاستدلال عليها بما استدل به من كان قبلهم من الأحاديث سواء كانت صحيحة أو ضعيفة إذا كان فيها تأييد لرأي من قلدوه، وهؤلاء لا يخلون من الذم على التقليد واللوم على التقصير فيما يجب عليهم من البحث عن الأحاديث الصحيحة والاعتماد عليها دون الأحاديث الضعيفة، وقد تصدى للرد على هؤلاء غير واحد من أكابر العلماء، ومن أحسن ما صنف في ذلك كتاب «أعلام الموقعين» للإِمام ابن القيم رحمه الله تعالى فليراجع فإنه مهم جداً ولا يستغني عنه طالب العلم.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (18) ما نصه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
السبب في وجود الروايات المخالفة للقرآن.
حديث يقول ألا إني أوتيت القرآن ومثله، ومعنى ذلك أن يكون النبي - ص - قد كلف بتدوين هذا المثل مثل ما كلف بتدوين هذا القرآن، فلماذا لم يدونه كما دون القرآن. وهنا يعجز الناس كل الناس عن اتهام النبي - ص - بالتفريط في تدوين نصف الرسالة التي كلف بها لأن ذلك شيء مستحيل على رسول الله -ص - وإنما جاءت البلية في التقول عليه ونسبة هذا الحديث إليه في حين أن يقول الله تبارك وتعالى «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي» ومعنى ذلك أن القرآن هو البداية وهو النهاية ولا شيء سواه (ص 52 أضواء).
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل ينثني شبعاناً على أريكته يقول عليكم بالقرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه» رواه الإِمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب وصححه الحاكم وأقره الذهبي.
ولفظه عند ابن ماجه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يوشك الرجل متكئاً على أريكته يحدث بحديث من حديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله عز وجل فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله» ورواه الترمذي والدارمي بنحو هذا اللفظ.
وفي رواية ابن حبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إني أوتيت الكتاب وما يعدله» وذكر بقية الحديث بنحو ما تقدم. وقد ترجم ابن حبان على هذا الحديث بقوله «ذكر الخبر المصرح بأن سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم كلها عن الله لا من تلقاء نفسه» وبوب عليه الآجري بقوله «باب التحذير من طوائف تعارض سنن النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب الله عز وجل وشدة الإنكار على هذه الطبقة».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)