وروى محمد بن هارون الروياني في مسنده عن عبيد الله بن علي بن أبي رافع قال كان ابن عباس يأتي أبا رافع فيقول ما صنع النبي صلى الله عليه وسلم يوم كذا ومع ابن عباس من يكتب ما يقول، ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ورواه ابن سعد في الطبقات عن عبيد الله بن علي عن جدته سلمى قالت رأيت عبد الله بن عباس معه ألواح يكتب عليها عن أبي رافع شيئاً من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروى ابن سعد أيضا عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال كان ابن عباس قد فات الناس بخصال بعلم ما سبقه وفقه فيم احتيج إليه من رأيه وحلم وسيب ونائل وما رأيت أحداً كان أعلم بما سبقه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أعلم بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه.
وإذا علم ما ذكرنا من حرص ابن عباس رضي الله عنهما على رواية الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة الخلفاء الراشدين وغيرهم من أكابر الصحابة وأمهات المؤمنين رضي الله عنهم فماذا ينقم عليه المؤلف وأشباهه من زنادقة العصريين ويستكثرون عليه ما أسنده له أحمد في مسنده، ثم يحملهم التهور القبيح على أن يجعلوه من ضحايا الدس الإِسرائيلي، قاتل الله الزنادقة أنى يؤفكون.
الوجه الثالث أن يقال من أقبح التهور قول الأفاك المفتري أن الصحابة جميعا ضحايا للدس الإِسرائيلي.
والجواب أن يقال (سبحانك هذا بهتان عظيم) (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا) وهل يظن عدو السنة وعدو حملتها أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا مغفلين بحيث تروج عليهم دسائس اليهود وغيرهم من أعداء الله حتى يكونوا ضحايا للدس حاشاهم من هذا الظن الكاذب.
الوجه الرابع أن يقال إذا روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة الصحابة الذين ذكرنا أسماءهم في الوجه الثاني ولم يذكر الواسطة بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك غيره من الصحابة إذا روى بعضهم عن النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة البعض الآخر ولم يذكروا الواسطة بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم فهو مقبول اتفاقا، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
فتح الباري في الباب الرابع من كتاب العلم وقرر صحة الاحتجاج بمراسيل الصحابة رضي الله عنهم، وقرر في أول كتاب بدء الوحي أن مرسل الصحابة محكوم بوصله عند الجمهور.
الوجه الخامس أن يقال ظاهر كلام المؤلف أنه يرى أن الصحابي إذا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة صحابي آخر ولم يذكر الواسطة بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك يكون من الدس الإِسرائيلي ولهذا ذكر حديثي ابن عباس وحديث أبي هريرة رضي الله عنهم وجعل هذه الأحاديث مثالاً للدس الإِسرائيلي، وهذا غاية الوقاحة والجراءة على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورميهم بالغباوة والتغفيل، وهِذا يدل على شدة بغضه لهم ولما حفظوه من السنة. وقد روى الترمذي عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه».
الوجه السادس أن يقال إن ضحايا الدس الإِسرائيلي في الحقيقة هم أبو رية والمؤلف وأشباههما من العصريين الذين تأثروا بخزعبلات جولد زيهر وإخوانه من المستشرقين الذين قد ملئوا كتبهم من الطعن في الإِسلام والقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقد نقل أبو رية في ظلماته نقولا كثيرة عن جولد زيهر في طعنه على الصحابة واعتمد عليها. وكذلك كان أشباهه من الحاقدين على السنة وأهلها يعتمدون على كلام عدو الله جولد زيهر وإخوانه عن المستشرقين الذين قد شرقوا بالإِسلام وأهله، وأما المؤلف المسكين فهو أعمى البصيرة يسير خلف أبي رية أينما سار ويعتمد على ما نقله عن المستشرقين من اليهود وغيرهم من الحاقدين على الإِسلام وأهله فهو فريسة من فرائس المستشرقين وضحية من ضحايا دسهم وكيدهم للإِسلام والمسلمين.
فصل
ونقل المؤلف في صفحة (24) عن أبي رية أنه قال يحسب الذين لا خبرة لهم بالعلم أن أحاديث الرسول التي يقرأونها في الكتب أو يسمعونها قد جاءت صحيحة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
المبنى محكمة التأليف وأن ألفاظها قد وصلت إلى الرواة مصونة كما نطق النبي - ص - بها بلا تحريف فيها ولا تبديل، ولقد كان لهذا الفهم أثره في أفكار شيوخ الدين فاعتقدوا أن هذه الأحاديث في منزلة آيات الله في كتابه العزيز من وجوب التسليم بها وفرض الإِذعان لأحكامها بحيث يأثم أو يرتد أو يفسق من يخالفها ويستتاب من أنكرها أو شك فيها.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال أما الأحاديث التي ليست جيدة الأسانيد فهذه لا قائل من العلماء بوجوب التسليم لها وفرض الإِذعان لأحكامها. وأما الأحاديث الثابتة بالأسانيد الصحيحة فالإِيمان بها والتسليم لها والإِذعان لأحكامها واجب على كل مسلم وذلك من تحقيق الشهادة بأن محمداً رسول الله، ومن كذب بشيء مما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو ممن يشك في إسلامه.
وقد قال الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى إذا حدث الثقة عن الثقة إلى أن ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ثابت ولا يترك لرسول الله صلى الله عليه وسلم حديث أبداً إلا حديث وجد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر يخالفه.
وقال الإِمام أحمد رحمه الله تعالى كل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم إسناد جيد أقررنا به وإذا لم نقر بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ودفعناه ورددناه رددنا على الله أمره قال الله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا).
وقال إسحاق بن راهويه من بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر يقر بصحته ثم رده بغير تقية فهو كافر.
وقال الحسن بن علي بن خلف البربهاري في كتابه شرح السنة ولا يخرج أحد من أهل القبلة من الإِسلام حتى يرد آية من كتاب الله عز وجل أو يرد شيئاً من آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يصلي لغير الله أو يذبح لغير الله فقد وجب عليك أن تخرجه من الإِسلام.
وقال البربهاري أيضا من رد آية من كتاب الله فقد رد الكتاب كله ومن رد حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد رد الأثر كله وهو كافر بالله العظيم.
وللبربهاري في هذا الموضوع كلام أكثر من هذا وقد ذكرته في الفصل الأول
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
في هذا الكتاب فليراجع فإِنه مهم جداً.
الوجه الثاني أن يقال ما اعتقده شيوخ الدين من وجوب التسليم للأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفرض الإِذعان لإِحكامها هو الحق الواجب على كل مسلم قال الله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما) فأقسم تبارك وتعالى بنفسه على نفي الإِيمان عمن لم يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم ويرض بحكمه ويذعن له ويسلم له تسليماً، وقال تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب) وقال تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو تصيبهم عذاب أليم) قال الإِمام أحمد رحمه الله تعالى أتدري ما الفتنة، الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.
الوجه الثالث أن يقال من خالف الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنكر وجوب التسليم لها وفرض الإِذعان لأحكامها فلا شك في كفره فضلا عن القول بأنه يأثم ويفسق. ومن عرضت له شبهة أو شك في شيء منها وجب عليه أن يسأل أهل العلم عما عرض له فإن أصر بعد العلم وقيام الحجة عليه فلا شك في كفره.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإِذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. فدل هذا الحديث الصحيح على أن من خالف الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنكر وجوب التسليم لها وفرض الإِذعان لأحكامها فهو كافر حلال الدم والمال.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (25) ما نصه
اختلاف في حديث واحد وموضوع واحد هو الزواج والمهور جاءت امرأة إلى النبي - ص - وأرادت أن تهب نفسها له فتقدم رجل فقال يا رسول الله أنكحنيها ولم يكن معه من المهر غير بعض القرآن فقال له النبي - ص - أنكحتكها بما معك من القرآن. وفي رواية ثانية قد زوجتكها بما معك من القرآن. وفي ثالثة زوجتكها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
على ما معك. وفي رواية رابعة قد ملكتكها بما معك من القرآن. وفي رواية خامسة أنكحتكها على أن تقرئها وتعلمها. وفي رواية سادسة أنكحناكها. وفي رواية سابعة خذها بما معك، فهذه اختلافات سبعة في موضوع ولفظ واحد، فهل يعقل أن يكون النبي - ص - كررها على هذا النحو أم أن ذلك دليل على نشاط وفاعلية الدس عليه بسبب فتنة المسلمين ببعضهم، مع أن اليقين بأن القرآن لا يصلح صداقاً ولا يصلح تأهيلاً للزواج، وذلك أصدق الأدلة على براءة النبي - ص - من هذا الحديث برواياته السبعة، إذ أن الزوج علاقة تقوم على كفاءة مادية يملكها الزوج حتى يعول بها زوجته وأبناءه. وحفظ القرآن بغير قدرة مالية لا يصلح نفقة إلا إذا باعه الزوج بلقيمات من العيش الرخيص وذلك حرام.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال إن جميع الروايات في حديث الواهبة نفسها معناها واحد وإن اختلفت الألفاظ في أداة التزويج، وحاصلها هو تزويج الرجل على أن يعلم المرأة مما معه من القرآن ويكون ذلك صداقها، وليس في اختلاف الألفاظ على أداة التزويج ما يغير معنى الحديث ولا ما يترتب عليه مفسدة.
الوجه الثاني أن يقال إن الطعن في حديث الواهبة نفسها من أجل اختلاف الألفاظ في أداة التزويج لا شك أنه من التنطع والتشدق الذي لا يصدر إلا من رجل في قلبه زيغ ومحبة للفتنة وتشكيك المسلمين في الأحاديث الصحيحة التي لا شك في ثبوتها عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الوجه الثالث أن يقال إن الرواية بالمعنى جائزة وقد روي ذلك عن بعض الصحابة والتابعين ومن بعدهم، قال الدارمي في سننه «باب من رخص في الحديث إذا أصاب المعنى» ثم روى عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال «إذا حدثناكم بالحديث على معناه فحسبكم» وروى أيضا عن الحسن أنه كان إذا حدث قدم وأخر. وروى أيضا عن جرير بن حازم قال كان الحسن يحدث بالحديث الأصل واحد والكلام مختلف، وروى أيضا عن ابن عون قال كان الشعبي والنخعي والحسن يحدثون بالحديث مرة هكذا ومرة هكذا فذكرت ذلك لمحمد بن سيرين فقال أما إنهم لو حدثوا به كما سمعوا كان خيراً لهم.
وقال الخطيب البغدادي في كتابه «الكفاية في علم الرواية» «باب ذكر من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف» ثم روى ذلك عن واثلة بن الأسقع وأبي سعيد وعائشة وابن مسعود وأبي الدرداء وأنس بن مالك وعمرو بن دينار والحسن والشعبي وإبراهيم النخعي وابن أبي نجيح وعمرو بن مرة وجعفر بن محمد وسفيان الثوري ومالك وابن عيينة وحماد بن زيد ويحيى بن سعيد ومحمد بن مصعب القرقساني.
وروى أيضا عن أبي سعيد رضي الله عنه قال كنا نجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم عسى أن نكون عشرة نفر نسمع الحديث فما منا اثنان يؤديانه غير أن المعنى واحد.
وروى أيضاً عن أيوب عن محمد بن سيرين قال كنت أسمع الحديث عن عشرة المعنى واحد واللفظ مختلف.
وروى أيضاً عن أزهر بن جميل قال كنا عند يحيى بن سعيد ومعنا رجل يتشكك فقال له يحيى يا هذا إلى كم هذا، ليس في يد الناس أشرف ولا أجل من كتاب الله تعالى وقد رخص فيه على سبعة أحرف.
وروى أيضاً عن هشام بن عروة عن أبيه قال قالت لي عائشة رضي الله عنها يا بني إنه يبلغني أنك تكتب عني الحديث ثم تعود فتكتبه فقلت لها أسمعه منك على شيء ثم أعود فأسمعه على غيره فقالت هل تسمع في المعنى خلافاً قلت لا قالت لا بأس بذلك.
ونقل السخاوي في فتح المغيث عن ابن الصلاح أنه قال في الرواية بالمعنى أنه الذي شهدت به أحوال الصحابة والسلف الأولين فكثيراً ما كانوا ينقلون معنى واحداً في أمرٍ واحد بألفاظ مختلفة وما ذاك إلا لأن معولهم كان على المعنى دون اللفظ انتهى.
وقال الشافعي وإذا كان الله عز وجل برأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف معرفة منه بأن الحفظ قد يزل لتحل لهم قرائته وإن اختلف لفظهم فيه ما لم يكن في اختلافهم إحالة معنى كان ما سوى كتاب الله أولى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ ما لم يحل معناه، وسبقه لنحوه يحيى بن سعيد القطان فإِنه قال القرآن أعظم من الحديث ورخص أن تقرأه على سبعة أحرف وكذا قال أبو أويس سألنا الزهري عن التقديم والتأخير في الحديث فقال إن هذا يجوز في القرآن فكيف به في الحديث
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
إذا أصبت معنى الحديث فلم تحل به حراماً ولم تحرم به حلالاً فلا بأس به.
واحتج حماد بن سلمة بأن الله تعالى أخبر عن موسى عليه السلام وعدوه بألفاظ مختلفة في شيء واحد كقوله (بشهاب قبس) و (بقبس أو جذوة من النار) وكذلك قصص سائر الأنبياء عليهم السلام في القرآن وقولهم لقومهم بألسنتهم المختلفة وإنما نقل إلينا ذلك بالمعنى. وقد قال أبي بن كعب كما أخرجه أبو داود كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بسبح اسم ربك وقل للذين كفروا والله الواحد الصمد، فسمى السورتين الأخيرتين بالمعنى انتهى.
الوجه الرابع أن المؤلف استدل على وقوع الدس في حديث الواهبة نفسها باختلاف الألفاظ في أداة التزويج. واستدلاله بذلك يدل على عداوته للسنة وتشكيكه في الأحاديث الصحيحة ورغبته في نبذها واطراحها مهما أمكنه، وهذا عنوان على ما في قلبه من الزيغ والزندقة.
الوجه الخامس أنه يجوز أن يجعل الصداق تعليم سورة أو سور من القرآن أو آيات منه كما يجوز أخذ الأجرة على تعليمه وعلى الرقية به لقول النبي صلى الله عليه وسلم «إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله» رواه البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وقد رقى بعض الصحابة لديغاً بفاتحة الكتاب على قطيع من الغنم فأجاز ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وقال لهم «اضربوا لي بسهم معكم» متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
وروى الإِمام أحمد وأبو داود بأسانيد حسنة عن خارجة بن الصلت التميمي عن عمه رضي الله عنه أنه أتى على حي من العرب عندهم رجل مجنون فرقاه بفاتحة الكتاب قال فأعطوني جعلاً، وفي رواية مائة شاة فقلت لا حتى أسأل النبي صلى الله عليه وسلم فسألته فقال «خذها فلعمري لمن أكل برقية باطل لقد أكلت برقية حق».
قال النووي في الكلام على حديث الواهبة نفسها، في هذا الحديث دليل لجواز كون الصداق تعليم القرآن وجواز الاستئجار لتعليم القرآن وكلاهما جائز عند الشافعي وبه قال عطاء والحسن بن صالح ومالك وإسحاق وغيرهم، ومنعه جماعة منهم الزهري وأبو حنيفة، وهذا الحديث مع الحديث الصحيح «إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله» يردان قول من منع ذلك. ونقل القاضي عياض جواز
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
الاستئجار لتعليم القرآن عن العلماء كافة سوى أبي حنيفة.
وقال النووي أيضا في الكلام على حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قوله صلى الله عليه وسلم «خذوا واضربوا لي بسهم معكم» هذا تصريح بجواز أخذ الأجرة على الرقية بالفاتحة والذكر وأنها حلال لا كراهة فيها، وكذا الأجرة على تعليم القرآن وهذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق وأبي ثور وآخرين من السلف ومن بعدهم ومنعها أبو حنيفة في تعليم القرآن وأجازها في الرقية انتهى.
قلت وحديث سهل بن سعد رضي الله عنه في قصة الواهبة مع حديث ابن عباس رضي الله عنهما الذي تقدم ذكره قريباً يردان قول أبي حنيفة.
الوجه السادس أن يقال إن يقين المؤلف بأن القرآن لا يصلح صداقا ليس بيقين وإنما هو ظن كاذب وتخرص باطل مردود بقول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل «انطلق فقد زوجتكها فعلمها من القرآن» رواه مسلم من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه. ورواه البيهقي في سننه بإِسناد مسلم وقال فيه «انطلق فقد زوجتكها بما تعلمها من القرآن». وروى ابن أبي شيبة بإِسناد صحيح عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم زوج رجلاً امرأة على أن يعلمها سورة من القرآن. وروى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه نحو حديث سهل بن سعد رضي الله عنه وقال فيه إن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل «قم فعلمها عشرين آية وهي امرأتك».
الوجه السابع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل «التمس ولو خاتما من حديد» ومن المعلوم أن خاتم الحديد لا يقوم بالتأهيل للزواج ولا بشيء من التأهيل للزواج لأن قيمته تافهة جداً ومع هذا يصلح جعله صداقاً. وإذا كان خاتم الحديد مع حقارته وتفاهة قيمته يصلح جعله صداقاً فكيف بتعليم القرآن الذي يفوق العلم بأقل القليل منه على خواتم الذهب فضلاً عن خاتم الحديد.
الوجه الثامن أن يقال إن حديث الواهبة ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم بريء مما هو ثابت عنه فلا شك أنه معاند مكابر يحاول رد الأحاديث الصحيحة واطراحها وإبطال السنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا عين المحادة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وقد قال الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
تعالى (إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم) وقال تعالى (إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين) وقال تعالى (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين).
الوجه التاسع أن المؤلف اعتمد على عقليته الفاسدة محتجا بها على معارضة الحديث الصحيح ورده وذلك في قوله إن الزواج علاقة تقوم على كفاءة مادية يعول بها زوجته وأبناءه، إلى آخر كلامه، وهذه حجة داحضة مردودة على قائلها فإِن النكاح يصح عقده على خاتم من حديد وليس كفاءة مادية يعول بها الزوج زوجته وأبناءه. ويصح عقده على تعليم شيء من الأدب أو صنعة أو كتابة وعلى تعليم أبواب من الفقه أو الحديث أو قصيدة من الشعر المباح لأنه يصح أخذ الأجرة على تعليم هذه الأشياء فصح كونها صداقاً، وليس في تعليم هذه الأشياء كفاءة مادية يعول بها الرجل زوجته وأولاده.
وقد روى الإِمام أحمد والترمذي وابن ماجه والبيهقي عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أرضيت من نفسك ومالك بنعلين» قالت نعم قال فأجازه قال الترمذي حديث حسن صحيح.
وروى الإِمام أحمد أيضا عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لو أن رجلاً أعطى امرأة صداقاً ملء يده طعاماً كانت له حلالاً» ورواه أبو داود ولفظه قال «من أعطى في صداق امرأة ملء كفيه سويقاً أو تمراً فقد استحل» ورواه البيهقي في سننه ولفظه قال «من أعطى في صداق ملء كفيه براً أو تمراً أو سويقاً أو دقيقاً فقد استحل» وفي رواية لأبي داود قال «كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نستمتع بالقبضة من الطعام على معنى المتعة» وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث ابن حريج عن أبي الزبير قال سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول «كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم».
قال البيهقي والنسخ إنما ورد بإِبطال الأجل لا قدر ما كانوا عليه ينكحون من الصداق انتهى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
ورواه البيهقي من حديث يعقوب بن عطاء عن أبيه عن جابر رضي الله عنه قال كنا ننكح على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقبضة من الطعام».
وروى ابن ابي شيبة والبيهقي عن ابن أبي لبيبة عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من استحل بدرهم فقد استحل» يعني في النكاح.
ولا يخفى أنه ليس في النعلين، ولا في القبضة من الطعام ولا في ملء الكفين من البر أو التمر أو السويق أو الدقيق كفاءة مادية يعول بها الزوج زوجته وأولاده ومع هذا يصلح جعلها صداقاً، ولا شك أن تعليم سورة أو سور من القرآن يفوق على النعلين والقبضة من الطعام وملء الكفين من البر أو التمر أو السويق أو الدقيق فيكون جعله صداقاً أولى من جميع هذه الأشياء والله أعلم.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (25) و (26) ما نصه
مثال آخر يثبت اختلاف البخاري ومسلم في الموضوع وليس في الرواية وحقيقة هامة. روى البخاري عن ابن عمران النبي - ص - قال يوم الأحزاب لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة الخ الحديث. قال ابن حجر في شرح هذا الحديث وقع النص في جميع النسخ عند البخاري على صلاة العصر ووقع في جميع النسخ عند مسلم على صلاة الظهر مع اتفاق البخاري ومسلم على روايته عن شيخ واحد بإِسناد واحد وقد وافق مسلماً أبو يعلى وآخرون. وكذا أخرجه ابن سعد، وأما أصحاب المغازي فقد اتفقوا على أنها العصر، قال ابن حجر بعد ذلك إن البخاري كتبه من حفظه ولم يراع اللفظ كما عرف من مذهبه في تجويز ذلك بخلاف مسلم فإِنه يحافظ على اللفظ كثيراً ولم يجوز مثله لموافقة من وافق مسلماً على لفظه بخلاف البخاري، وقد بلغ من أمرهم أنهم كانوا يروون الحديث بألفاظهم وأسانيدهم ثم يعزونه إلى كتب السنة والذي قاله ابن حجر عن البخاري يؤيده ما رواه الخطيب البغدادي عن البخاري قال رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر فقيل له يا أبا عبد الله بكماله، فسكت، وقال حيدر بن أبي جعفر والي بخارى قال لي محمد بن إسماعيل البخاري يوما رب حديث سمعته
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
بالبصرة كتبته بالشام ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر فقلت يا أبا عبد الله بتمامه، فسكت.
والجواب أن يقال الذي يظهر من إيراد المؤلف لحديث ابن عمر رضي الله عنهما في حث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على سرعة السير إلى بني قريظة أنه يريد التشكيك فيه باختلاف رواية البخاري ومسلم في تعيين الصلاة التي أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يصلوها إلا في بني قريظة فعند البخاري أنها العصر وعند مسلم أنها الظهر، وقد رواه كل منهما عن عبد الله بن محمد بن أسماء عن عمه جويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري أن مسلماً وافقه أبو يعلى وآخرون. قال وكذلك أخرجه ابن سعد عن أبي غسان مالك بن إسماعيل عن جويرية بلفظ الظهر. وابن حبان من طريق أبي غسان كذلك، غير أن أبا نعيم في المستخرج أخرجه من طريق أبي حفص السلمي عن جويرية فقال العصر. قال وأما أصحاب المغازي فاتفقوا على أنها العصر، ثم ذكر قول ابن إسحاق وفيه أنها العصر، قال وكذلك أخرجه الطبراني والبيهقي في الدلائل بإِسناد صحيح إلى الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن عمه عبيد الله بن كعب وفيه أنها العصر، قال وأخرجه الطبراني من هذا الوجه موصولا بذكر كعب بن مالك فيه. قال وللبيهقي من طريق القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها نحوه مطولاً، قال وهذا كله يؤيد رواية البخاري في أنها العصر انتهى. وقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية ما رواه البيهقي عن عائشة رضي الله عنها وفيه أنها العصر ثم قال ابن كثير ولهذا الحديث طرق جيدة عن عائشة وغيرها انتهى. وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد حديث كعب بن مالك رضي الله عنه وفيه أنها العصر ثم قال الهيثمي رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير ابن أبي الهذيل وهو ثقة انتهى.
قلت ويؤيد رواية البخاري ما جاء في حديثي كعب بن مالك وعائشة رضي الله عنهما أن طائفة من الذين ساروا إلى بني قريظة لم يصلوا حتى نزلوا بني قريظة بعد ما غربت الشمس، ولم يأت في شيء من الأخبار أنهم صلوا سوى صلاة واحدة فدل على أنها العصر، ولو كان الأمر واقعاً على صلاة الظهر لكان يلزمهم أن يصلوا صلاتين الظهر والعصر ولما لم ينقل هذا دل على أن رواية البخاري هي المطابقة للواقع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
والذي يظهر من حديث جويرية بن أسماء أنه قال مرة العصر ورواه عنه بهذا اللفظ أبو حفص السلمي، وقال مرة الظهر ورواه عنه بهذا اللفظ أبو غسان مالك بن إسماعيل، وأما عبد الله بن محمد بن أسماء فرواه عن عمه جويرية باللفظين فسمعه البخاري من عبد الله على أحدهما وسمعه مسلم وغيره على اللفظ الآخر والله أعلم.
وأما قول المؤلف تبعاً لأبي رية قال ابن حجر بعد ذلك إن البخاري كتبه من حفظه ولم يراع اللفظ كما عرف من مذهبه في تجويز ذلك بخلاف مسلم فإنه يحافظ على اللفظ كثيراً ولم يجوز مثله لموافقة من وافق مسلماً على لفظه بخلاف البخاري.
فجوابه أن يقال إن المؤلف وإمامه في الضلال قد تصرفا في بعض كلام الحافظ ابن حجر بما غير لفظه ومعناه، وبيان ذلك من وجهين أحدهما أن الحافظ ابن حجر لم يجزم بأن البخاري رحمه الله تعالى كتب حديث ابن عمر رضي الله عنهما من حفظه ولم يراع فيه اللفظ وإنما أبدى ذلك احتمالا كما هو واضح من كلامه في فتح الباري. وقد ساق أبو رية والمؤلف كلام الحافظ ابن حجر مساق الجازم بأن البخاري كتب حديث ابن عمر رضي الله عنهما من حفظه ولم يراع اللفظ وهذا خطأ وغلط على الحافظ ابن حجر.
الوجه الثاني أن الحافظ ابن حجر قال بعد أن أبدى احتمالا أن البخاري كتب حديث ابن عمر رضي الله عنهما من حفظه ولم يراع اللفظ كما عرف من مذهبه في تجويز ذلك بخلاف مسلم فإِنه يحافظ على اللفظ كثيراً. قال وإنما لم أجوز عكسه لموافقة من وافق مسلماً على لفظه بخلاف البخاري.
ومراد الحافظ أنه لا يجوز أن يكون مسلم كتب حديث ابن عمر رضي الله عنهما من حفظه كما جوز ذلك على البخاري. وقد أبدل المؤلف وأبو رية قول الحافظ ابن حجر (وإنما لم أجوز عكسه) بقولهما (ولم يجوز مثله) وهذا من قلة أمانتهما في النقل، وكلمتهما تقتضي أن يكون الحافظ ابن حجر لا يجوز مثل ما يجوزه البخاري من الكتابة من الحفظ من غير مراعاة اللفظ. وهذا خطأ وغلط على الحافظ ابن حجر فإِنه إنما أراد ما ذكرته آنفا ولم يرد ما توهمه المؤلف وأبو رية.
وأما قول المؤلف تبعاً لأبي رية وقد بلغ من أمرهم أنهم كانوا يروون الحديث
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
بألفاظهم وأسانيدهم ثم يعزونه إلى كتب السنة.
فجوابه أن يقال مراد المؤلف وأبي رية بذلك ما فعله البيهقي في سننه والبغوي في شرح السنة فإِنهما إذا أخرجا الحديث من الطريق التي أخرجها منه البخاري ومسلم أو أحدهما قالا بعده رواه البخاري عن فلان ومسلم عن فلان، وقد يكون في لفظ البيهقي أو البغوي بعض المخالفة للفظ البخاري ومسلم مع اتفاق المعنى ومع ذلك لا يبين اختلاف اللفظ، وهذا جائز عند المحدثين، ولا يقدح في الحديث ما يقع فيه من الاختلاف في بعض الألفاظ مع اتفاق المعنى، وعلى هذا جرى عمل العلماء من أهل الحديث قديماً وحديثاً، ولا عبرة بمن خالفهم من تلامذة الإِفرنج ومقلديهم من جهال العصريين وزنادقتهم.
ويظهر من كلام المؤلف وأبي رية أنهما أرادا به الاعتراض على البيهقي والبغوي ومن صنع مثل صنيعهما في إيراد الحديث وذكر من خرجه من أهل الكتب الستة مع ما يقع بينهم من الاختلاف في بعض الألفاظ. وأرادا أيضا التشكيك في الأحاديث الصحيحة التي يرويها البيهقي في سننه والبغوي في شرح السنة وقد قال الله تعالى (ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم).
وأما ما ذكره عن الخطيب البغدادي أنه روى عن البخاري أنه قال رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر فقيل له يا أبا عبد الله بكماله، فسكت، وقال حيدر بن أبي جعفر والي بخارى قال لي محمد بن إسماعيل البخاري يوماً رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر فقلت يا أبا عبد الله بتمامه، فسكت.
فجوابه من وجهين أحدهما أن يقال إن البخاري رحمه الله تعالى كان آية في الحفظ والإِتقان ومشهوراً بذلك عند المحدثين. وقد كان كثير من شيوخه يقرون له بالفضل والتقدم وكذلك أقرانه ومن بعدهم من أئمة الحديث.
وقد تقدم (1) ما رواه الخطيب البغدادي في تاريخه عن أبي أحمد ابن عدي أن البخاري لما قدم بغداد اجتمع أصحاب الحديث وأرادوا امتحانه فعمدوا إلى مائة--------------------------------------------
(1) ص: 40 - 41.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
حديث فقلبوا أسانيدها ثم ألقوها عليه فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه فأقر له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل.
وتقدم (1) أيضا ما ذكره الحافظ ابن حجر عن أبي الأزهر قال كان بسمرقند أربعمائة محدث فتجمعوا وأحبوا أن يغالطوا محمد بن إسماعيل فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق وإسناد العراق في إسناد الشام وإسناد الحرم في إسناد اليمن فما استطاعوا مع ذلك أن يتعلقوا عليه بسقطة.
وروى القاضي أبو الحسين في طبقات الحنابلة بإِسناده عن محمد بن أبي حاتم قال سمعت حاشد بن إسماعيل وآخر يقولان كان أبو عبد الله محمد بن إسماعيل يختلف معنا إلى مشايخ الحديث في البصرة وهو غلام فلا يكتب حتى أتى على ذلك أيام فكنا نقول له إنك تختلف معنا ولا تكتب فما معناك فيما تصنع فقال لنا بعد ستة عشر يوماً إنكما قد أكثرتما علي وألححتما فأعرضا علي ما كتبتما فأخرجنا ما كان عندنا فزاد على خمسة عشر ألف حديث فقرأها عن ظهر قلب حتى جعلنا نحكم كتبنا على حفظه، ثم قال أترون أني اختلف هدراً وأضيع أيامي فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد.
وروى القاضي أبو الحسين أيضا عن عبد الله بن الإِمام أحمد بن حنبل قال سمعت أبي يقول ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل.
فهذه شهادة من إمام أهل السنة والجماعة للبخاري بالفضل والتقدم. وبهذه الشهادة وأمثالها من شهادات شيوخه وأقرانه وأئمة العلم والهدى من بعدهم يرد على من حاول التشكيك في حفظ البخاري والحط من قدره.
وأما سكوت البخاري لما سئل عما كان يكتبه من حفظه هل كان يكتبه بتمامه أم لا.
فجوابه أن يقال يحتمل أن يكون سكوته عن الجواب من باب الاحتياط خشية أن يكون قد وقع منه تقديم أو تأخير أو تغيير في بعض الألفاظ وإن كان ذلك لا يؤثر في الحديث، ويحتمل أن يكون سكوته عن الجواب خوفاً من العجب وتزكية النفس، ولعل هذا الاحتمال هو الأقرب، وأيا ما كان فلا عيب على البخاري في سكوته عن الجواب ولا يؤثر ذلك فيما اتصف به من مزيد الحفظ والإِتقان.--------------------------------------------
(1) ص: 42.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
الوجه الثاني أن يقال الذي يظهر من إيراد المؤلف وأبي رية لما ذكره الخطيب البغدادي وحيدر بن أبي جعفر عن البخاري أنهما أرادا بذلك التشكيك فيما يكتبه البخاري من حفظه واتهامه بأنه كان يتساهل في كتابة الحديث ولا يعتني بضبط الألفاظ. وفيما ذكرته آنفا عن ابن عدي وأبي الأزهر وحاشد بن إسماعيل كفاية في الرد على من توهم النقص في حفظ البخاري أو ظن به التساهل في كتابة الحديث وقلة الاعتناء بضبط الألفاظ.
وقد جعل الله تعالى للبخاري لسان صدق عند جميع أهل السنة والجماعة فلا يضره تشدق العصريين وتنطعهم بما يرون أنه يحط من قدره، وقد جعل الله لصحيحه القبول التام عند جميع أهل السنة والجماعة فلا يلحق أحداً منهم شك في شيء من أحاديثه. وقد خالفهم تلامذة الإِفرنج ومقلدوهم من العصريين فأثاروا التشكيكات في حفظ البخاري واتهموه بالتساهل في كتابة الحديث وأثاروا التشكيكات في صحيحه وطعنوا في كثير من أحاديثه وقابلوها بالرد والاطراح. وهذا لا يضر البخاري ولا يؤثر في صحيحه. وإنما يعود وبال ذلك على أولئك المتشدقين المتنطعين فيظهر للناس ما كانوا يخفونه من الزندقة والإِلحاد ومحادة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم واتباع غير سبيل المؤمنين. وإنه لينطبق على البخاري وعلى المشككين في حفظه وإتقانه وفي صحيحه قول الشاعر:
وما ضر نور الشمس أن كان ناظراً … إليه عيون لم تزل دهرها عميا
وقول الأعشى:
كناطح صخرة يوما ليوهيها … فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
وقول الحسين بن حميد
يا ناطح الجبل العالي ليكلمه … أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل
فصل
وقال المؤلف في صفحة (26) و (27) ما نصه
مثل آخر على اختلاف الرواية في تأبير النخل في أربع روايات. الرواية الأولى، روى مسلم في كتابه عن موسى بن طلحة عن أبيه قال «مررت مع رسول
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
الله - ص - على قوم على رؤوس النخل فقال ما يصنع هؤلاء فقلت يلقحونه يجعلون الذكر في الأنثى فتلقح فقال رسول الله - ص - ما أظن يغني ذلك شيئاً، قال فأخبروا بذلك فتركوه فأخبر رسول الله بذلك قال إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإِذا ظننت ظناً فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به فإِني لن أكذب على الله عز وجل».
الرواية الثانية، عن رافع بن خديج قال قدم نبي الله المدينة وهم يؤبرون النخل فقال «ما تصنعون قالوا كنا نصنعه قال لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً قال فتركوه فنقصت أو قال فتنقصت، قال فذكروا ذلك له فقال إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإِنما أنا بشر» رواه مسلم أيضاً ورواه النسائي.
الرواية الثالثة، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن أنس أن النبي - ص - مر بقوم يلقحون فقال «لو لم تفعلوا لصلح قال فخرج شيصاً فمر بهم فقال ما لنخلكم، قالوا قلت كذا وكذا قال أنتم أعلم بأمر دنياكم».
الرواية الرابعة رواها الإِمام أحمد وفيها «ما كان من أمر دينكم فإِلي وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به» وفي رواية رويت عن ابن رشد في كتاب التحصيل والبيان ما أنا بزراع ولا صاحب نخل.
ونقول للعقلاء من المؤمنين بالله وبرسوله، هذه أربع روايات في موضوع واحد ومنها روايتين في كتاب مسلم، وكلهم مختلفين اختلافا واضحاً، فهل معنى ذلك أن النبي - ص - وأصحابه هم السبب أم أن الرواة قد دسوا ذلك أم أنه اندس عليهم فصدقوه.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها عما وقع من المؤلف من التغيير في بعض الكلمات في الأحاديث الأربعة، فمن ذلك قوله في الحديث الأول (على قوم) وصوابه (بقوم) ومن ذلك قوله (فقلت يلحقونه) وصوابه (فقالوا يلحقونه) ومن ذلك قوله (فإذا ظننت ظناً) وصوابه (فإِني إنما ظننت ظنا) ، ومن ذلك قوله في الحديث الثاني (وهم يؤبرون) وصوابه (يأبرون) ومن ذلك قوله (فنقصت أو قال فتنقصت) وصوابه (فنفضت أو فنقصت) قال النووي نفضت بالفاء والضاد المعجمة وهو بفتح الحروف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
كلها ومعناه أسقطت ثمرها. قال أهل اللغة ويقال لذلك المتساقط النفض بفتح النون والفاء بمعنى المنفوض انتهى. ومن ذلك قوله (من رأي) وصوابه (من رأيي) ، ومن ذلك قوله في الحديث الثالث والحديث الرابع (عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن أنس) وصوابه (حدثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وعن ثابت عن أنس) فهذان حديثان رواهما حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، وعن ثابت عن أنس رضي الله عنه وقد جعلهما المؤلف حديثاً واحداً فأخطأ في ذلك وغلط غلطاً فاحشاً أبان به عن غباوته وكثافة جهله.
والرواية التي ذكرها عن ابن رشد فيها نكارة شديدة ولم أرها في شيء من كتب الحديث، والأحرى أنها موضوعة، وفي آخر كلامه لفظتان لحن فيهما وهما (روايتين) و (مختلفتين) والصواب (روايتان) و (مختلفتان).
الوجه الثاني أن يقال إن الاختلاف في ألفاظ هذه الأحاديث لا يؤثر فيها لأن المعنى في الجميع واحد وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر الذين يلقحون النخل عن رأيه وظنه ولم يخبرهم عن وحي جاءه من الله تعالى. والعبرة بالمعنى لا بالألفاظ، وعلى هذا فتشكيك المؤلف في هذه الأحاديث الصحيحة من أجل اختلاف ألفاظها لا شك أنه من التشدق والتنطع، وكذلك قوله هل معنى ذلك أن النبي وأصحابه هم السبب إلى آخر كلامه فكل ذلك من التشدق والتنطع وإظهار العداوة للأحاديث الصحيحة ورواتها.
الوجه الثالث أن المؤلف تردد في توجيه الاتهام في سبب الاختلاف الواقع في ألفاظ الأحاديث التي تقدم ذكرها فبدأ بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وما أعظم ذلك وأبشعه وأشنعه ولاسيما في حق النبي صلى الله عليه وسلم. ثم وجه الاتهام إلى الرواة بأحد شيئين إما دس الكذب في الأحاديث التي تقدم ذكرها، وإما التغفيل بحيث يروج عليهم الكذب ويندس عليهم فيصدقونه ويروونه. وهذا قول سوء مردود على قائله ولا شك أن الرواة بريئون من جميع التهم التي وجهها إليهم المؤلف ظلما وزوراً.
الوجه الرابع أن يقال إن رواة الأحاديث الأربعة كلهم ثقات لا مطعن في أحدٍ منهم، فاتهام المؤلف لهم بأنهم قد دسوا في هذه الأحاديث أو اندس عليهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
فصدقوه لا شك أنه إفك وبهتان والمؤلف أولى بصفة الدس لأنه قد بذل جهده في دس الشبه والشكوك على المسلمين واستفرغ وسعه في تشكيكهم في الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أيضاً أولى بصفة الغباوة والتغفيل لأنه قد قلد أبا رية في دسائسه وأباطيله وترهاته وتشكيكه في الأحاديث الصحيحة ووقيعته في الصحابة وتنقصه لهم، ومثل المؤلف مع أبي رية كمثل أعمى قد وضع يده في يد أعمى يقوده إلى مهاوي الهلاك والدمار، وقد قيل «قد ضل من كانت العميان تهديه».
الوجه الخامس قال الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على مسند الإِمام أحمد في الكلام على حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، هذا الحديث مما طنطن به ملحدو مصر وصنائع أوربة فيها من عبيد المستشرقين وتلامذة المبشرين فجعلوه أصلا يحتجون به على أهل السنة وأنصارها وخدام الشريعة وحماتها. إذا أرادوا أن ينفوا شيئا من السنة وأن ينكروا شريعة من شرائع الإِسلام في المعاملات وشؤون الاجتماع وغيرها يزعمون أن هذه من شؤون الدنيا يتمسكون برواية أنس «أنتم أعلم بأمر دنياكم» والله يعلم أنهم لا يؤمنون بأصل الدين ولا بالألوهية ولا بالرسالة ولا يصدقون القرآن في قرارة نفوسهم، ومن آمن إنما يؤمن لسانه ظاهراً. ويؤمن قلبه فيما يخيل إليه لا عن ثقة وطمأنينة ولكن تقليداً وخشية، فإذا ما جَدَّ الجِدّ وتعارضت الشريعة - الكتاب والسنة - مع ما درسوا في مصر أو في أوربة لم يترددوا في المفاضلة ولم يحجموا عن الاختيار، فضلوا ما أخذوه عن سادتهم، واختاروا ما أشربته قلوبهم. ثم ينسبون نفوسهم بعد ذلك أو ينسبهم الناس إلى الإِسلام.
والحديث واضح صريح لا يعارض نصاً ولا يدل على عدم الاحتجاج بالسنة في كل شأن لأن رسول الله لا ينطق عن الهوى. فكل ما جاء عنه فهو شرح وتشريع (وإن تطيعوه تهتدوا) وإنما كان في قصة تلقيح النخل أن قال لهم «ما أظن ذلك يغني شيئاً» فهو لم يأمر ولم ينه ولم يخبر عن الله ولم يسن في ذلك سنة حتى يتوسع في هذا المعنى إلى ما يهدم به أصل التشريع بل ظن ثم اعتذر عن ظنه قال «فلا تؤاخذوني بالظن» فأين هذا مما يرمي إليه أولئك. هدانا الله وإياهم سواء السبيل. انتهى.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (27) ما نصه
اختلاف واضح في موضوع واحد أورده البخاري في ثماني روايات مختلفة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
- ثم ذكر روايات أبي جحيفة وإبراهيم التيمي عن أبيه للصحيفة التي كانت عند علي رضي الله عنه فيها العقل - أي الدية - وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر وفيها أشياء غير ذلك في رواية التيمي - ثم قال في صفحة (29) و (30) ولنا الحق بعد تقديم هذا المثال على أن الحديث النبوي كان يروى بالمعنى وليس بالنص وأن باب النقل بالمعنى هو الذي جاءنا بالزيادات وبالنقص في كلام رسول الله - ص - أقول إن لنا الحق أن نقول كلمتين. الكلمة الأولى نقول فيها مَنْ مِن المسلمين العقلاء يصدق أن تكون هذه الروايات كلها صحيحة وهي ثمانية روايات مختلفة وواردة كلها بهذا الاختلاف في صحيح البخاري. فأي معنى وأي حقيقة تكون وراء ذلك التناقض الصريح في كلام ينسب لرسول الله ويأتينا في أصح موارد الحديث إلا أن يكون أمر الحديث وموضوعه كان يؤخذ بغير عناية ولا التفات إلى ما يترتب على ذلك وأنه جاءنا من طرق الوضع والدس لغرض واحد هو التضليل ولهذا أفرغه الوضاعون في عدة روايات متباينة في الألفاظ حتى يموهوا على المسلمين وحتى يظل باب الدس مفتوحاً أمامهم دون أن تغلقه عقول المؤمنين. وأي شيء أعجب من أن يكون البخاري شيخ واحد وكتابه سجل واحد والحديث أيضاً في موضوع واحد وبعد ذلك تأتي الروايات الثمانية فيه مختلفة اختلافا صريحاً في اللفظ والمعنى.
أما الكلمة الثانية فإِنا نقول فيها قطعاً ويقيناً بأن ما جاء في تلك الرواية المختلفة هو الدليل على وجود الكذب على رسول الله - ص - وعلى صاحبه وابن عمه علي بن أبي طالب وأن علياً لو أراد أو أمره النبي أن يدون حديثاً لضاقت بحصيلة وعيه الكتب والمجلدات. ولقد كان لديه من القضايا ما هو أهم من عقل الإِبل أمام بيت صاحب الدم وما هو أهم من تسنينها وهو التوحيد وما يتشعب عنه، فهل آن لنا أن نعطي لكلام نبينا كل اهتمامنا الذي يصفيه من الكذب الإِسرائيلي.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها في بيان ما جاء في كلام هذا الجاهل المركب من اللحن وفساد التعبير، فمن ذلك قوله (في ثماني روايات) وصوابه (في ثمان روايات) ومن ذلك قوله (وهي ثمانية روايات) وصوابه (وهي ثمان روايات) ومن ذلك قوله (أن يكون البخاري شيخ واحد وكتابه سجل واحد) وصوابه أن يكون البخاري شيخاً واحداً وكتابه سجلاً واحداً) ومن ذلك قوله (وبعد ذلك تأتي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
الروايات الثمانية) وصوابه (وبعد ذلك تأتي الروايات الثمان).
الوجه الثاني أن يقال ليس كل الأحاديث النبوية يروى بالمعنى كما زعم ذلك المؤلف، بل منها ما يروى بالنص ومنها ما يروى بالمعنى. ولا شك أن الرواية بالنص أولى من الرواية بالمعنى، والرواية بالمعنى جائزة كما تقدم تقريره.
الوجه الثالث أن المؤلف ادعى أن له الحق على أن الحديث النبوي كان يروى بالمعنى وليس بالنص، ولم يأت ببينة على ما ادعاه سوى الظن والتخرص، وقد قال الله تعالى (وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً) وقال النبي صلى الله عليه وسلم «إياكم والظن فإِن الظن أكذب الحديث» متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
الوجه الرابع أن يقال إن الزيادة في بعض الروايات والنقص في بعضها لها أسباب كثيرة وأهمها شيئان أحدهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بعض الأحيان يكرر الحديث على أصحابه مراراً في المجلس أو في مجالس متعددة وربما قال في بعض المجالس ما لم يقل في غيره فيسمعه من لم يسمع ما قال في غير ذلك المجلس فيحدث هذا بما سمع ويحدث الآخر بما سمع في المجلس الآخر وتختلف رواياتهم بحسب ما سمعه كل منهم وحفظه.
الثاني قوة الحفظ في بعض الرواة وضعفها في بعضهم فبعضهم يحفظ كل ما سمعه وبعضهم يحفظ البعض وينسى البعض فيحدث هذا بما حفظه ويحدث الآخر بما حفظه. ومن حدث بما حفظه ولو غير تام فقد أدى ما يجب عليه قال الله تعالى (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها).
وأما قول المؤلف في الكلمة الأولى مَنْ مِنَ المسلمين العقلاء يصدق أن تكون هذه الروايات كلها صحيحة وهي ثمان روايات مختلفة وواردة بهذا الاختلاف في صحيح البخاري.
فجوابه أن يقال كل علماء المسلمين يصدقون بصحة ما رواه البخاري في صحيحه ويقبلون كل ما فيه من الأحاديث المتصلة. وقد ذكر النووي في شرح مسلم اتفاق العلماء على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم، قال وتلقتهما الأمة بالقبول.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)