القدر، ركيك الحال والأمر؛ فبقاؤه في الأحياء ليس بعيداً، وربما يعود يوما من الدهر: وقد سلمنا حليلته إلى فحل يتغشاها ويستولدها، ويلطخ فراشه؛ فيعظم فيه بالخطب، ويتفاقم فيه الأمر، ويستفحل الضرر والمعرة على الزوج. ونحن بين أن تأمرها بالتربص [على النكاح] فنضر بها إن كان زوجها -في علم الله تعالى- ميتاً، أو نسلطها على النكاح: فنضر بالزوج إن كان في علم الله تعالى حياً. والضرر في تربص أيم وتعزبها أهون- وذلك معتاد شرعاً وعرفاً- من الضرر في تسليم زوجة منكوحة إلى واطئ.
فأستعظم الشافعي -في الجديد- الخطر في هذا الأمر؛ وانضم إليه ندور [هذه] الواقعة، واختصاص [42 - أ] المضرة بالشخص الواحد. فهذا وجه نظره.
وللقول القديم- الموافق برأى عمر رضى الله عنه وجه لا يخفى تقريره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)
مثال آخر: إذا كان للمرأة وليان، فأذنت لهما في تزويجها؛ فزوجها كل واحد منهما من إنسان واستبهم السابق [واللاحق]، مع العلم بجريان العقدين على التعاقب؛ وانحسم طريق الكشف والتذكير، وقع الاعتراف بالاشكال- بقيت هذه المرأة محبوسة بين الزوجين مترددة ولا طريق لأحدهما إليها: فلا سبيل لها إلى النكاح، وقد جرى على القطع عقد صحيح. فالمصلحة داعية إلى فسخ العقد الذي جرى في علم الله تعالى، وتسليطها على النكاح، وتخليصها عن هذه الحالة المزمنة طول العمر.
وقد اختلف فيها قول الشافعي، وهو دليل ميله إلى المصالح ورعايتها؛ إذ هذه المسألة لا نظير لها: فالعسر الحاصل بالنسيان لم ير قط في الشرع معتبرا في فسخ العقد؛ ولكنه- على الجملة- ملائم لجنس تصرفات الشرع؛ فإن الشرع يرى فسخ العقود: إذا تعذر امضاؤها، وامتنع استيفاؤها؛ فإذا وقع اليأس عن الكشف، فلا شك في اقتضاء المصلحة الفسخ؛ وقد جاز الفسخ بالجب والعنة، دفعا للضرار عنها؛ إذ فيه فوات التحصين؛ وذلك جار فيما نحن فيه؛ إلا أن شهادة هذه المسائل ضعيفة: لأن الضرر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)
فيها ينشأ من عيوب وأسباب جبلية، لا تقصير فيها من العاقدين، وأما العسر على هذا الوجه بالنسيان [فـ] نادر؛ وسببه: تقصير وترك تحفظ، ومساهلة في احتياط [لا محالة]. فالحاقة بهذه الأسباب ليس سديدا؛ وإنما المعول عليه، المصلحة؛ وهو في محل الاجتهاد والتردد، كما ردد الشافعي قوله هذا فيه: إذا لم يتعين السابق.
فلو تعين أولا، ثم نسى- فطريقان: منهم من قطع بأنه لا سبيل إلى الفسخ، ومنهم من طرد القولين: لاستواء المصلحة. وظاهر المذهب- من حيث النقل-: الفرق. وسببه: ظهور التقصير عند النسيان بعد العلم، وبعده عن ملاءمة الأسباب الموجبة للفسخ.
مثال آخر: إذا طلقت المرأة الشابة بعد المسيس، ولزمتها العدة، وتربصت الأقراء: فتباعدت حيضتها سنين- فقد قال العلماء: يلزمها التربص إلى سن اليأس، ولا يغنيها الاعتداد بالأشهر. وهذا ضرر عظيم ظاهر، وفيه تعطيل عمرها وشبابها، ومنعها من النكاح. ولكن نرى هذه المسألة مجمعا عليها، وتكاد تهدم اتباع المصالح في المثالين السابقين: فإنها قريبة منهما، ولكن: وجه الرأي فيه- والعلم عند الله- أن الله تعالى قال:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)
{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء}؛ والتربص واجب على كل من تحيض؛ ولسنا نعني [بقولنا]: تحيض، وجود الحيض عند الطلاق؛ فالطاهرة تطلق ويقال: أنها ممن تحيض، فتتربص الحيض. فالمعنى: إمكان الحيض، أما من لا يمكن في حقها الحيض جبلة: كالصغيرة والعجوز الهرمة؛ فلها العدول إلى الأشهر. وما دامت المرأة جارية- في وسط العمر- بين طرفي الوجود: فإمكان الحيض جار في حقها، وقد أمر الشرع بتربص الطاهرة للحيض؛ فعليها أن تنتظر الحيض، وما من لحظة تنقضي إلا وهي على رجاء من هجوم الحيض. نعم: لو علمنا أنها ليست تحيض إلى منتهى الهرم، لكنا نعدل بها إلى الأشهر. ولكن ذلك إن كان: فهو في علم الله تعالى، وهي- في كل ساعة تبغى الشروع في العدة بالأشهر- يتوقع الحيض لها حالا على حال. فإن مضت سنة أو سنتان: لم ينقطع هذا الرجاء؛ فرب امرأة لا تحيض سنين ثم يعاود الحيض؛ ومن لها إلى الانتظار سبيل: فليس لها في الشرع إلا التربص. وإنما الضرر ينتظم تقديره بتمادي الطهر سنين كثيرة. ونحن- في الحال- لا نعلم تراخيها سنين؛ وإنما ندرك ذلك بعد مضيها، ولا سبيل إلى تلافيها. وطريق الرجاء والأمل متسع في المستقبل. فهذا هو السبب والعلم عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)
الله تعالى، بخلاف المثال السابق: فإن الشيء إذا نسى على قرب عهد به، استحال في العرف- تجدد علم به، بعد طول العهد بالأمارات.
فإن قيل: عقل قطعا أن مقصود العدة براءة الرحم؛ وقد حصل بمضي أربع سنين: فإن مدة الحمل لا تزيد عليها. فهلا اكتفيتم بها؟
قلنا: علم أن البراءة مقصودة من العدة، ولم يعلم أنها المقصود فقط، بل علم أن للشرع وراءها تعبدا في العدة؛ فإنه لو قال لزوجته: إذا استيقنت براءة رحمك فأنت طالق؛ فإذا استيقنت: طلقت ولزمتها العدة. فلم يمكن تجريد النظر إلى معنى البراءة.
هذا ما أردنا أن نذكره: من أمثلة المصالح؛ وفيه الكفاية لصاحب الهداية؛ إن شاء الله تعالى [ولله الحمد، وبه التوفيق].
القول في الطرد والعكس
المسلك الخامس: في إثبات كون الوصف علة بالاطراد والانعكاس؛ وهو: أن يوجد الحكم بوجوده، ويعدم بعدمه، فيعلم به
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 266)
أنه مؤثر فيه، وموجب له؛ وأن وجوده بالإضافة إلى الحكم، ليس كعدمه.
وهذا قد اختلف فيه الأصوليون اختلافا ظاهرا؛ [فالذي اختاره القاضي أبو بكر: أن ذلك] لا حجة فيه؛ من حيث أن الطرد [المجرد ليس بحجة]، والعكس ليس بشرط في العلل الفقهية: فلا تأثير لوجوده؛ ولأن انتفاء الحكم بانتفاء الوصف مسئلة، والثبوت عند الثبوت مسئلة أخرى منفصلة عنه؛ فكيف يعتضد أحدهما بالآخر. إلى كلمات مشهورة قررناها في كتاب (المنخول من الأصول).
وليس يحصل- في هذه القاعدة- شفاء الغليل، إلا بالتمثيل والتفصيل.
فأقول- وبالله التوفيق:
الطرد والعكس يذكر من وجهين: أحدهما سديد، والآخر فاسد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)
فأما الفاسد، فهو: إظهار وجود الحكم عند وجود وصف في محل، وإظهار عدمه عند عدم ذلك الوصف في محل آخر، كما يقول الحنفي مثلا: الجص مكيل، فيجرى فيه الربا كالبر، فيقال له: ولم قلت: إن العلة في البر هي الكيل؟ فيقول: لأن البر مع الأشياء الثلاثة، لما كان مكيلا مقدرا: جرى فيه الربا، والثياب والعبيد [لما لم تكن] مكيلا مقدرا: لم يجر فيها الربا. فوجد هذا الوصف مع وجود الحكم، وعدم مع عدمه.
فهذا وأمثاله فاسد: لأن الحكم يوجد مع أوصاف وفاقية يقارنها، وينعدم عند انعدام أوصاف وفاقية، فلم يستمكن هذا المستدل من أن يقول: وجد الحكم بوجوده وعدم بعدمه؛ بل قال: وجد مع وجوده في موضع، وعدم مع عدمه. وهذا وإن سلم سلامته عن النقض في الطرد والعكس، فلا خير فيه من طريق الأطراد والانعكاس. وقد يمكن التعلق به بطريق الشبه، كما سنذكر وجهه وكيفيته [إن شاء الله تعالى]. هذا وجه في الطرد والعكس.
والوجه الثاني: أن يستمكن المستدل من ادعاء وجوده بوجوده، وعدمه بعدمه.
وذلك: إذا استقام [فهو] دليل على كون الوصف علة عندنا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)
بل نزيد فنقول: إذا سلم قوله: أنه وجد بوجوده؛ كفاه ذلك، ولم يشترط أن يبين انعدامه بعدمه، بعد الوجود؛ إذ في الوجود بوجوده، بيان الانعدام بعدمه؛ إذ كان قبول الوجود منعدما، وكان انعدامه بانعدام ما وجد بوجوده. فهذا القدر كاف.
ونحن نضرب لذلك ثلاثة أمثلة، ونرتب الدليل على تقرير وجه الأمثلة:
[المثال] الأول، هو أن نقول: العلة في تحريم الخمر: الشدة والإسكار؛ لأنه يوجد بوجودها، إذ كان منعدما: حيث كان عصيرا، فلم يتجدد إلا الشدة فتجدد التحريم ثم صار خلا، فصار حلالا: فانعدم بعدمه.
وهذه زيادة لا حاجة إليها؛ إذ في تجدد التحريم، بتجدد الشدة- ما يدل على أن الشدة هي العلة فنقيس بهذه الرابطة سائر الأنبذة، وعلى الخمر.
المثال الثاني: [هو] أن يقول الحنفي في الصبي العاقل: أن تنعقد بعبارته العقود، لأنه عاقل: فتنعقد العقود بعبارته، كالبالغ.
فقيل [له]: وما الدليل على أن العقل- في حق البالغ- هو المناط لصحة العبارة؟
فيقول: أنه عدم بعدمه، فإنه إذا جن: لم يعدم إلا العقل؛ فإذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
أفاق: لم يتجدد إلا العقل. فقد وجد بوجوده، وعدم بعدمه.
المثال الثالث [هو] أن نقول في العبد: أنه رقيق، فينشطر حد الزنا في حقه كالأمة، ونقيس على الأمة: لأن النص وارد في حق الأمة؛ إذ قال تعالى: {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب}.
فيقال: وما الدليل على أن الرق علة؟.
قلنا: [هو أن] التشطير يعدم بعدمه؛ فإنها لو عتقت: لم ينشطر حدها.
ففي هذه الصور: إذا ظهر الوجود بوجود الوصف، كما في الطرف الأول: من شدة الخمر وخلولها؛ [أو] أظهرنا العدم بعدم الوصف، كما في انعدام التشطير بعدم الرق، وانعدام العبارة بعدم العقل عند طريان الجنون- فقد استقل الدليل على كونه علة إلى أن يبين الخصم في المناظرة، أو يتبين للناظر بنظر آخر: أن الحكم لم يحدث بحدوثه، بل حدث بحدوث معنى [آخر] يتضمنه الحادث، أو معنى يجاور الحادث؛ أو حدث به مع وصف آخر سابق عليه في الوجود، أو حدث عنده بعلة أخرى متقدمة في الوجود عليه. وكل هذه الاحتمالات
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)
متطرقة إليه؛ ولكن لا تدرأ دعوى التعليل في مبادئ النظر. وعلى من يدعي شيئا من هذه الاحتمالات، إقامة الدليل، وإظهار المناسبة.
فإن قيل: كيف تنفعكم هذه الأمثلة، وإنما نسلم فيها دعوى التأثير بالمناسبة لا بالاطراد والانعكاس؟. فإن وجود العقل وعدمه يناسب إطلاق التصرف وحبسه، ووجود الإسكار يناسب تحريم الشرب، وضعف حال الرقيق يناسب تخفيف العقوبة. فكان الاعتماد على المناسبة. وإذا سلمت المناسبة: سلم بالاتفاق دعوى التعليل؛ فأين تأثير الطرد والعكس؟
قلنا: المناسبة جارية في هذه الأمثلة، ولكن: قبل أن يطلع الناظر [على وجه المناسبة يفهم أن الحكم إنما حدث بحدوث وصف مرتبا عليه؛ فذلك] الوصف هو المؤثر فيه، وهو الموجب لحصوله. هذا ظاهر الظن في أول النظر؛ فإن اعتضد هذا النظر بالمناسبة: ازداد وضوحا، وهو حاصل قبل المناسبة، والدليل عليه ما قدمناه في مسالك الإيماء: أن كل حكم رتب على سبب بفاء التعقيب، أو بصيغة الشرط والجزاء- أشعر بكونه سببا. كقوله: (من جامع في نهار رمضان فليكفر) لو ورد هذا اللفظ. وكقوله الوارد: (من بدل دينه فاقتلوه). وليس يفهم سببه من المناسبة؛ بل يفهم من الإضافة اللفظية، بدليل أنه لو قال: (من مس ذكره فليتوضأ)، [يفهم كونه سببا وإن لم يناسب. ولو قال مثلا:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
من مس الجدار فليتوضأ]، لفهم أنه جعل مس الجدار سببا؛ ثم زدنا عليه، وقلنا: إذا حكم رسول الله- صلى الله عليه وسلم بحكم، عقب واقعة ذكرت له: فالواقعة سبب للحكم، كما قال الأعرابي: [إني] جامعت أهلي نهار رمضان، فقال: (أعتق رقبة)، ففهم [منه] أن الجماع علة الإعتاق؛ ولم يفهم من [طريق] المناسبة: فإنه لا مناسبة. ولو [قدرنا حكاية] أمر لا يناسب، كقول القائل مثلا: رأيت في المنام البارحة أني كنت أشرب ماء في كوز، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم: أعتق رقبة؛ لفهم أن رؤياه سبب، ولقضت العقول من سماعه العجب، [وبأية حكمة جعل] سببا ولا مناسبة؟ وإنما التعجب لفهم جعله سببا.
وهذا كله ما قدمناه؛ ومستند الفهم فيه: حدوث الحكم عند حدوث الواقعة مرتبا عليه؛ وهو عين الطرد والعكس الذي ندعيه، وإنما المتغير العبارة. فإنا نقول: كان الأعرابي بريء الذمة من الكفارة؛ علم ذلك شرعا، ولم يتجدد منه إلا الجماع، فتجدد لزوم الكفارة، فقد وجد بوجوده؛ وفي ضمنه أنه كان منعدما قبل ذلك بعدمه، فهذا طريق يعرفنا كون الجماع سببا وعلة، حتى نتبع السبب ونقول: ورد ذلك في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)
الأعرابي، [فيلحق به كافة الخلق، أو: ورد في حق حر، فيلحق به العبد، أو: ورد في حق رجل]: فتلحق به المرأة، على الرأي الأظهر، أو ورد في جماع الأهل، فيلحق به جماع الأمة والأجنبية. ومستند ذلك كله، فهمنا أن الحكم حدث بحدوث الجماع. وليس يستند ذلك إلى المناسبة: إذ هذا الفهم، وهذه التصرفات بعينها والإلحاقات تجري في مثل الرؤيا التي أبعدنا [النجعة في تصويرها]، [لنبعد عن تقدير] المناسبة.
وكما عرف هذا في الواقعة المرفوعة إلى النبي عليه السلام، فهو بعينه مفهوم في حدوث الوصف على المحل الخالي عن الحكم. فالعصير لا تحريم في شربه، ولم تتجد إلا الشدة، فتجدد التحريم. فعلم أنه حدث بحدوثه.
وكذلك: البالغ: إذا جن امتنعت عبارته، ولم يعدم إلا عقله: فإن البلوغ لم ينعدم به. فعلم- لما انعدم بعدمه- أنه كان قائما بوجوده، وأنه السبب فيه؛ فأي فرق بين أن [يقال للرسول عليه السلام: اشتد العصير، فيقول: حرم] شربه؟ فيفهم كون الشدة سببا، وبين أن نعرف من الشرع والإجماع أنه مهما اشتد [العصير] حرم؟. فإذا كانت الحرمة مقرونة بالشدة وحادثة معها، علم أنها موجبة لها،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)
وعلامة عليها.
وكذلك: لو سئل النبي- عليه السلام[مثلا] عن شاة ماتت: أتباع؟ فقال: لا؛ لاعتقد أن الموت سبب تحريم البيع: إذ كان عرف جواز البيع قبل الموت ولم يتجدد إلا الموت، فتجدد حرمة البيع، فعرف أنه تجدد بسببه؛ ولو عرف شرعا أن الشاة إذا ماتت حرم بيعها، لحكم بأن الموت هو السبب- كما في صورة السؤال وترتيب الجواب عليه- وهذا دون أن تعرف مناسبة الموت؛ بل لا تعرف له مناسبة. وآية فهم كونه علة: تعديته إلى الإبل والبقر وسائر الحيوانات، قبل البحث عن مناسبته، وقبل الوقوف عليه.
نعم، لو قال باحث: ليس معللا بالموت، وإنما هو معلل بخروجه عن المالية؛ فإن المال: ما ينتفع به، وهذا لا منفعة له- فهذا كلام مناسب معقول؛ وبه نتبين أن الموت ليس سببا لعينه، وإنما هو سبب لمعنى يتضمنه، وهو: تفويت المنافع، وإبطال المالية، فيكون مضاهيا لقولنا أن قوله عليه السلام: (لا يقض القاضي وهو غضبان)، مشير إلى التعليل بالغضب في أول النظر؛ ويعرف بالنظر الثاني: أن الغضب ليس سببا لعينه، بل هو سبب لما يتضمنه: من ضعف العقل ودهشته. وضربنا أمثلة ذلك في الأوصاف التي أضيفت [الأحكام إليها]؛ فهذا يجري
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)
هذا المجرى.
ثم للمعلل بالموت، أن يبطل هذا المعنى ويقول: لم تبطل منفعته؛ فإن جلده ينتفع به بعد الدباغ، ولحمه يجعل طعمة للجوارح والكلاب. وهو غرض مقصود؛ وقضم الدواب مال لغرض أعلاف الدواب؛ فكذلك طعمة الجوارح؛ فيبطل هذا المعنى، ويرجع [هذا] التعليل إلى عين الموت.
ولناظر آخر، أن يقول: سببه ما يتضمنه الموت: من النجاسة؛ فيتعدى إلى كل نجس، ولا يتعدى إلى حيوان مات ولم ينجس: لو تصور ذلك.
وهذا [يسلم أن لو كانت] النجاسة مناسبة تحريم البيع؛ فإن لم تكن: عدنا إلى التعلق بعين الموت.
فإن قيل: رجع الاستدلال إلى أنه حدث بحدوثه؛ ومن يسلم ذلك؟ وإنما المسلم: حدوثه مع حدوثه أو عند حدوثه، فيلحق هذا بالوجه الآخر الذي رفضتموه، وجعلتم فيه وجود الوصف وفاقيا.
قلنا: هذا حكم حادث بحدوث أمر، فوجب إضافته إلى أمر حادث. ولا حادث إلا ما ذكرناه؛ فتعينت الإضافة إليه؛ فنشأ الدليل من أمرين؛ أحدهما: وجوب التعليل بأمر حادث، والآخر: أنه لا حادث إلا ما ذكرناه.
فإن قيل: ومن سلم أنه لا حادث إلا ما ذكرتموه؟ فلعله حدث- مع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)
هذا- معنى آخر خفى عليكم؛ [وذلك] هو السبب؛ وهذا الظاهر جرى وفاقا.
قلنا: نحن نجوز ذلك، وعلى مدعيه أن يبديه؛ وتجويزنا ذلك لا يقطع دعوى الإضافة إليه؛ كما أنه لو كان مناسبا: لم ينقطع هذا الإمكان، بل احتمل حدوث وصف خفى أظهر مناسبة مما ظهر؛ فيكون هذا هو العلة والآخر ساقطا، ولكن الظاهر هو الأسبق إلى الظن، فهو متعلق به إلى أن يظهر الأخفى بدقيق النظر؛ وكذلك الحادث الظاهر: يضاف [إليه في] أول النظر؛ وهذا النظر بعرضة الفساد بما يظهر-: من معنى آخر خفى- بالنظر الدقيق. ولكن قبل ظهوره هو متعلق به؛ فهو مرتبة في النظر يستقل به قدم المعلل؛ وشرط اتمامه: أن لا يظهر غيره، أو يفسد ما يظهر سواه. كما في المناسب، وكما في الإضافة اللفظية: إلى الغضب في تحريم القضاء، وإلى القتل في حرمان الميراث، والأمثلة السابقة.
فإن قيل: المستند- في تلك الأمثلة-: الإضافة اللفظية؛ وفي الأوصاف المخيلة: المناسبة، فهو الذي يقرر أول قدم المعلل، إلى أن يستنزل عنه بنظر وراء [فما الذي يستقر به قدم المعلل في هذا المقام،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)
حتى يفتقر المعترض إلى استنزاله عنه بنظر وراءه] يبديه في معارضته؟.
قلنا: المستند في هذا المقام: حدوثه مرتبا عليه وعقيب حدوثه؛ كما في حكم النبي- عليه السلام عند وقوع واقعة: ناسبت الواقعة أو لم تناسب؛ فالظاهر أن الواقعة بصورتها هي السبب، إلى أن يتبين أنها سبب: لما تتضمن من المعنى، لا بعينها ونفسها. فهذا الظن لا ينقطع إلا بتقدير معنى آخر وراء ما ظهر؛ وإمكان ذلك لا يقطع الظن؛ [فإن إمكان مناسب آخر أظهر، ممكن في الأوصاف المناسبة؛ فلم ينقطع الظن] بإمكانها وتجويزها، وإن كان ينقطع بظهورها: إذا ظهرت.
ألا ترى أن ظن أبي حنيفة ظاهر في قوله: أن [علة] أهلية العبارة العقل دون البلوغ؛ لأنه لم ينعدم البلوغ بالجنون، وإنما انعدم به العقل؛ إلى أن يقال [له]: لا، بل انعدم شيء سوى العقل، وهو: التكليف. فالصبي غير مكلف؛ فبهذا ينقطع الظن الأول، ويجب رد النظر إلى أن التكليف أصلح لأن يكون مناطا، أو العقل، فإن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)
التكليف انعدم مع انعدام العقل.
وكذلك: لو أظهر المعترض أنه حدث شيء [آخر] سوى الموت، في المثال الذي ضربناه- وجب علينا النظر فيه، وترجيح الموت عليه أو ترك التعليل بالموت.
فإن قيل: فهل تجوزون التعليل لتحريم الخمر بالرائحة الفائحة المخصوصة بالخمر، فإنها حدثت مع الشدة؟ فلو قال قائل: التحريم معلل بالرائحة الفائحة [المخصوصة] فإنها حدثت: فحدث الحكم معها.
قلنا: لو تصور أن يخفى على ناظر حدوث شيء آخر سوى الرائحة، لكان هذا أول نظره، إلى أن يتبين أنه حدث ما هو مناسب- وهو: الإسكار- فكان أولى منه؛ ولكن هذا ضعيف: لأنه ساوقه معنى [آخر]: أصلح للتعليل، وأظهر للنظر، وأسبق إلى العلم والإحاطة. ونحن نسلم بطلان هذه الإضافة مهما ظهر ما هو أولى منه؛ وذلك لا يدل على أن أول الإضافة ليس على مرتبة في النظر يستقر به القدم؛ كما أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)
المناسب الأظهر: إذا ظهر، بطل المناسب الأخفى؛ ونعني [بالمناسب الأظهر]: الأقوى الذي يظهر ثانيا؛ وبالأخفى: الأضعف الذي يظهر أولا.
فإن قيل: لو ظهر المعترض [حدوث] معنى آخر لا يناسب فهل يبطل به النظر الأول؟
قلنا: إن كان الأول لا يناسب: اعتدلا؛ ولم يكن أحدهما أولى من الآخر، فعلى المعلل الترجيج والانفصال؛ وإن كان الثاني مناسب: صار- بمجرد مناسبته- مقدما على الأول الظاهر الذي لم يناسب؛ وإن كان الأول مناسبا: اعتدلا، فعلى المعلل الترجيح؛ وإن كان أقوى من الأول: ترجح عليه بقوته، فغير المناسب يعادل- في هذا المقام- غير المناسب- كما أن المناسب يعادل المناسب.
وفي هذا المقام يفارق ما نحن فيه-: من الوجود بحدوث الوصف- الإضافة اللفظية؛ فإنه لو قال القائل: ليس الغضب علة لعينه وإنما هو لمعنى يتضمنه أو يجاوره؛ وذلك المعنى أيضا لا يناسب: كالغضب مثلا- فهو ساقط، ونتعلق بالوصف المنطوق به: لأن النطق به حجة.
أما ها هنا: فلا نطق؛ وإنما المستند: حدوث الحكم بحدوثه؛ وقد حدث وصفان: فالإضافة إلى أحدهما تحكم. نعم، كأن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)
يضاف إلى واحد: فإنه الظاهر فقط؛ فإذا نبه الخصم على الوصف الثاني: بطل الظن الأول، واحتيج إلى الترجيح، ولا ترجيح بالحدوث، ولا ترجيح بأن الأولى هو الذي ظهر أولا: فإن التقدم والتأخر في الظهور، يختلف بالأشخاص ووجوه البحث. وذلك لا يرجع إلى قوة المعنى. فالظاهر ثانيا- بعد ظهوره- يساوي الظاهر أولا.
فصورة [سؤال الشارع- في هذه القضية- تلتحق] بالإضافة اللفظية، لا بالإضافة الوجودية التي نحن فيها؛ لأن ترتيب الحكم على منطوق السائل، كترتيبه على كلام نفسه، فلا فرق- بين أن يقول السائل: اشتد العصير، فيقول الشارع: حرم وبين قوله: إذا اشتد العصير حرم- في أن الظاهر: كون الشدة سببا وإن لم تناسبه. ولا يقاومه معنى آخر: [لا] يجاوره ولا يناسب؛ لأنه لم يقع منطوقا به.
فإن قيل: يحتمل أن يكون السبب في الوصف الحادث مع وصف آخر هو مستمر في هذه العين؛ والحكم المنوط بوصفين: يوجد بطريان أحدهما بعد سبق الأول وينعدم بعدمه؛ ثم لا يتبع ذلك الوصف الفرد، دون انضمام الوصف الآخر [إليه]. ومثاله: أنه لو صرح الشارع بأن العلة شدة عصير العنب لكان الحكم يوجد بوجود
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)
الشدة وينعدم لعدمها؛ ثم لا تتبع الشدة في غير عصير العنب، لأن كونه عصير العنب وصف ذاتي له مستمر، [والآخر عارض يطرأ ويزول]؛ والحكم موقوف على الوصف العارض. وأحد الوصفين إذا كان مستمرا، والآخر عارضا: يطرأ ويزول، فالحكم يدور مع العارض ويزول بزواله؛ فإنه منوط بمجموع الوصفين، وفي حدوثه الاجتماع، وفي زواله زوال الاجتماع.
قلنا: هذا مسلم لا ننكره؛ ولكن ليس في تجويزه ما يقطع الظن عن اتباع الوصف الحادث؛ فإن المعنى المناسب- أيضا- لا يمنع أن يكون معه وصف آخر يزيد في المناسبة، ويكون الحكم مرتبا على مجموع الوصفين. ولكن: إذا [ظهر واحد مناسب] انقطعت المطالبة عنه، وعلى الخصم تنبيهه على الزائد المضموم إليه، حتى ينفصل عنه.
نعم، إن كان مجتهدا: فينبغي أن يبحث؛ فإن [تعذر ابداء وصف ثان]: اقتصر على الأول؛ وإن كان معللا: ذكر ما ظهر، واستقر قدمه في النظر الأول. وعلى الخصم أن ينبهه على الوصف الثاني، حتى يتكلم عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)