مظهرات. فإن سلم لك أنها العلامة، فهي علامة في الأشياء الستة؛ فلم عديتها إلى غيرها: وأنت لا تطلع على وجه المناسبة فيها؟ فيقول: إذا سلم [لي] أنها مظهرة، فهي علامة بنفسها حيث وجدت، ولا تختص بالمحال.
ومن سلم له كونه علامة لا ينازعه في الطرد، وإنما النزاع في طريق إثبات كونه علامة؛ إذ يقال له: والبر المتهيء لحصول المماثلة فيه قدراً وجنساً، لم شرط [الشرع] المماثلة الممكنة فيه؟ وبم عرفت [إن علامة الحكمٍ] الإمكان؟ والمقصود أنه عدى الكيل والجنس، وهي علامة مظهرة، وليست علامة مناسبة أصلاً.
فقد تبين - بالأمثلة من مذاهب العلماء - أن العلامة التي لا تناسب [متبعة]، لا يجوز تخصيصها بالمحل، كالعلامة بالمناسبة. وإن المناسبة إحدى الطرق التي يعرف بها كون الوصف علامة. وقد يعرف بغيرها: كالنص، والإيماء، واستعقاب الحكم عند الحدوث، وجب عليه إتباع العلامة، وقطع النظر عن المحال، وقد حصل بذلك دفع هذا السؤال [على أوضح وجه، للفطن المتأمل؛ إن شاء الله تعالى].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 302)
القول في قياس الشبه
وفيه تمام بيان الطرد [47 - ب]
فإن قيل: حاصل معتصمكم في التعلق بالطرد والعكس، يرجع إلى التعلق بأن لا متجدد إلا الوصف الحادث، وقد كان الحكم معدوما قبل، ووجد الآن، ولا فارق بين الحالتين المفترقتين في الحكم، إلا الوصف الحادث، فكان الوصف الفارق مناطا للفرق بين الحالتين، وعلامة على الحكم المتجدد، وهذا في وصف يعترى على ذات واحدة، فكان الوصف فارقا بين الحالتين.
ويلزمكم- على مساق القول به- الحكم بأن الفارق بين الذاتين، المفترقتين في الحكم علامة الافتراق: إذا لم يظهر فارق سواه، وإن لم يكن مناسبا. فإن ظهر فارق آخر: قابله، إلى أن يترجح عليه، كما في الوصف الحادث الفارق بين حالتي الذات الواحدة.
وبيانه: أنه لو قدر الخمر المشتد مائعا بنفسه، غير [متصف بالعصير]، والخل، بل كانت الشدة وصفا مساوقا لوجوده، وورد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 303)
الشرع بتحريمه وتحليل الخل والعصير والأدهان، لأمكن أن يقال: [لا فارق] بينه وبين سائر المائعات إلا الشدة، فلتكن الشدة علامة، حتى يتعدى إلى مشتد آخر هو: نبيذ التمر مثلا، فهذا مثال مقدر.
ونذكر مثالا واقعا، وهو: أن التكرار مشروع في غسل الأعضاء وفاقا، وغير مشروع في المسح على الخف وفاقا، فإذا نظر الناظر إليه: لم يتميز المسح عن الغسل إلا بكونه مسحا، وإلا فهو ركن في الطهارة، وجار مجراه في كل قضية إلا في كونه مسحا. فليكن كونه مسحا علامة ترك التكرار، حتى يتعدى إلى مسح الرأس، وهو متنازع فيه. وإذا قيل بذلك، يقابله أن الغسل شرع فيه التكرار، وتميز عن المسح على الخف بكونه أصلا: لا مدخل للبدل فيه، فيتعدى إلى مسح الرأس، فتصح كل واحدة من العلتين، إلى أن يظهر الترجيح.
وكذلك يقول الحنفي، لا ربا في الثياب والعبيد، وجرى في الأشياء الستة، ولا تفارقها إلا في كونها مقدرة. فهو العلامة، وتتعدى إلى المقدرات.
والمالكي يقول: [بل] خالف الأشياء الأربعة غيرها من العبيد والثياب، في كونها قوتا، فهو العلة والعلامة.
والشافعي يقول: لا، بل فارق في كونها مطعوماً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 304)
وتتقاوم هذه الأوصاف، فيقضي بأن كل واحد صالح، فلابد من الترجيح والامتحان الشواهد. ولو فتح هذا الباب: لا تسع النطاق في القياس، ولأمكن التعليل بكل وصف مطرد غير منتقض.
فإن قلتم بذلك: كنتم محدثين أمرا بدعا بين المحققين من العلماء، وانغمستم في غمار الحشوية من الطردية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 305)
وإن أبيتم ذلك: لم تجدوا فرقا وفصلا بين هذه الرتبة، وبين الطرد والعكس الذي قدمتوه. فإن ذلك [يرجع حاصله إلى إضافة الافتراق في الحكم، إلى وصف فارق بين حالتي ذات واحدة، وهذا] رجع حاصله إلى إضافة الافتراق في الحكم، إلى وصف فارق بين ذاتين متعددتين، ولا فرق بين المقامين. وكيف يعتقد بينهما فرق مع تقاربهما؟ وأي فرق بين أن نعلم أن الكلب محرم بيعه مثلا، فيقول قائل: بيع سائر الحيوانات دون الكلب جائز، فكان السبب كونه كلبا: فإنه الفارق. وكان هذا كما لو تصور أن يصير حيوان- ليس كلبا- بالانقلاب كلبا، لكنا نقول: قبل الانقلاب يباع، وبعده لا يباع، ولم يحدث إلا وصف الكلبية، كما لم يحدث- في انقلاب العصير- إلا وصف الخمرية والشدة. فلا مدرك للفرق بين المقامين وفيه فتح باب الطرد والانسلال عن ضبط المعنى المناسب المؤثر، وذلك لا وجه له؟
[قلنا]: هذا إلزام للقول بالشبه، وهو: الوصف الذي لا يناسب، ويظن كونه علامة متضمنة للعلة التي غابت عنا، فيحكم بالاشتراك في الحكم، عند الاشتراك فيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 306)
والقول به تلو القول بالطرد والعكس- كما سبق- إلزامه علة، والقول بالطرد والعكس هو [تلو] القول بإضافة [الأحكام إلى الأسباب] الواقعة الحادثة، [التي يترتب] جواب الشارع عليها، والقول به [هو تلو] القول بإضافة الأحكام إلى الأسباب، باللفظ: بفاء التعقيب، وصيغة الشرط، والصفة الفارقة. كما ضربناه: من الأمثلة في مسلك الإيماء. والقول بجميع ذلك، تلو القول بالتصريح بالتعليل. والمناسبة غير مشروطة في شيء من هذه المراتب.
ومن قال بالأول، لزمه القول بما يليه: بحيث لا نجد بين الرتبتين فرقا، وينحط إلى رتبة [48 - أ] الطرد: فيلزمه القول بالطرد. ونعني بالطرد: الوصف الذي لا يناسب.
ومن أنكر الطرد: يلزمه إنكار الشبه، فإنه عين الطرد كما سنذكره، ومن أنكرهما: لزمه إنكار الطرد والعكس، والحدوث
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 307)
عند حدوث الوصف، وترتيب الحكم على جواب الواقعة، وهلم جرا إلى المراتب التي قبلها، حتى ينكر الدرجة العليا في الظهور، وهو: صريح التعليل.
فإذا قال الشارع مثلا: اقتلوا هذا لأنه أسود، فيقول هذا القائل: لا يتبع السواد في شخص آخر، بل يختص [ذلك] الحكم بذلك الشخص، وقد انجر القول إلى هذا الحد بمنكري القياس، وهو اللازم على مساق إنكار [القول بالطرد]، وانجر القول بالقائمين إلى القول بالطرد، وهو اللازم على مساق القول بالقياس.
والوقوف على مرتبة من المراتب تحكم محض، مستنده: قصور [النظر عن الوقوف على] [وجه] إلزام رتبة على رتبة، وكيفية ترتيب درجة على درجة، وهذه هي المغاصة الكبرى، والمحارة العظمى، لعقول المتصرفين، وإنما الرجل: من يرتقي من هذه المغاصة.
فإن قال قائل: هذا قول منكم بتكافي الأدلة، ورد على جميع أهل الملة، فإنكم أبطلتم الوقوف على مرتبة: لاستحالة الفرق، وأبطلتم إنكار الطرد: فإنه يتداعى إلى إنكار صريح التعليل، وأبطلتم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 308)
القياس: لأنه ينجر إلى القول بالطرد، والقول بالطرد باطل، وما يلزم عليه الباطل فهو باطل، فما سبيل الترقي عن هذه المهواة؟ ولابد من كشف الضمير، وإبداء المعتقد [فيه].
قلنا: القول بالقياس حق، عرف ذلك- قطعا- من الشرع، وتصرف علماء الصحابة وإجماعهم عليه، فكون أصل القياس حقا مقطوع به، وكل ما إلى إنكار القياس الحق فهو باطل، وكل ما يلزم على القول بالقياس فهو حق، لأن القياس حق في الشرع على القطع.
وعند هذا نبدي ما هو السر؟ فنقول: قياس الطرد صحيح، والمعنى به: التعليل بالوصف الذي لا يناسب، على الحد الذي قدمناه في بيان المناسبات.
وعند هذا، ربما تنفر طباع بني الزمان عن سماع [مثل] هذا الكلام، لكثرة ما قرع مسامعهم: من التشنيعات على الطردية وأصحابها. فيعتقد [به] السامع أن هذا مذهب مبتدع خارج عن أقاويل أكابر العلماء، وأنه لا دليل عليه.
ونحن نقيم الدليل عليه، ونبين أنه مقول به عند أكابر العلماء: كالشافعي وأبي حنيفة ومالك رضي الله عنهم، ونبين أن المشنعين على أرباب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 309)
الطرد- من علماء العصر القريب: كأبي زيد رحمه الله، وأستاذي إمام الحرمين رضي الله عنه من القائلين به، إلا أن إمام الحرمين كان يعبر عن الطرد الذي لا يناسب: بالشبه، ويقول: الطرد باطل، والشبه صحيح. وأبو زيد يعبر [عن الطرد: بالمخيل، وعن الشبه: بالمؤثر] ويقول: المخيل باطل، والمؤثر صحيح، وقد بينا بأمثلة: أنه [أراد] بالمؤثر ما أردناه بالمخيل.
وسنين بالأمثلة أن الذين قالوا بالشبه وأنكروا الطرد، فقد أرادوا بالشبه ما أردنا بالطرد. وإنما انقسام الوصف إلى قسمين: مناسب كما ذكرناه وغير مناسب.
فالمناسب حجة وفاقا، ومنهم من لقبه: بالمؤثر، وأنكر المخيل. حتى ظن فريق وقوع الاختلاف بين الجنسين، وإنما المختلف: العبارة لا المعنى.
وغير المناسب- أيضا- حجة: إذا دل عليه الدليل، وقد لقبه فريق: بالشبه، حيث اضطروا إلى القول به. حتى يتخيل متخيل أن الشبه غير الطرد، والطرد غير الشبه، ولو سئلوا عن الفرق: اعترفوا بأنهم لا يحسبون بينهما فرقا محققا، وإنما يرددون ألفاظا لا حاصل وراءها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 310)
ونحن نكشف الغطاء عن هذه العمايات، وملتطم هذه العبارات، بضرب الأمثلة: حتى يطلع الناظر على غور هذا الفصل، فلقد قل في [هذا] العصر من يستقل بفهم هذا الكلام، فضلا عن درايته، والاستبداد بتقريره إلى نهايته. فنقول:
اختلفت المذاهب في الطرد والعكس والشبه، فمنهم: من قال بأحدهما دون الآخر، ومنهم: من أنكرهما، ومنهم: من قال بهما. ونحن نقول:
مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك-ي- القول بهما، فإنهم قالوا: بالشبه، وهو أضعف من القول بالطرد والعكس.
ونحن نذكر الدليل، ثم [ننتقل إلى] الأمثلة، وبتقرير الأمثلة يتبين الدليل، فإن الدليل على هذه الأمثلة: أن نبين أنها محصلة غلبة الظن، وذلك يحصل بضرب المثال.
أما الدليل الجملي، فما ذكرناه في الطرد والعكس، وهو: تلوه، لأنا قد بينا أن الوصف [48 - ب]- الفارق بين الحالتين في ذات واحدة- أوجب إضافة الافتراق في الحكم إليه، لأنه هذا افتراق واقع لم يكن: فافتقر إلى علامة معرفة، وليس ذلك إلا الوصف الظاهر. وعماد هذا الكلام أن لا يظهر وصف [آخر حادث] سوى ما ذكر،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 311)
وظهوره ممكن، وعلى المجتهد البحث عنه، وعلى المعلل الانتهاض لردة: إذا ذكر، ولا شيء عليه قبل أن يذكر. فكذلك الفارق بين الذاتين: كالفارق بين الحالتين في ذات واحدة.
فإذا قال الشارع: القاتل لا يرث، فهمنا أن القتل علامة الحرمان، ناسبت أو لم تناسب، فإنه لو قال: الطويل لا يرث، والأسود لا يرث، لكنا نقول: الطول والسواد علامة، وهما يتضمنان وجها في المصلحة لا نطلع عليه. ولو لم يرد هذا اللفظ، ولكن عرف من الإجماع أنه لا يرث، أو حكم صلى الله عليه وسلم، في شخص أخبر عن قتله، بأنه لا يرث- لكنا نفهم كون القتل علامة للفرق بين الوارث وغير الوارث، بإضافته إلى شخص آخر: يساويه في القرابة، إذ يقال: لا يفارقه إلا في كونه قاتلاً، فهو المناط- كما يقال: لا تفارق حالة الشدة ما قبلها، إلا في الشدة- وإن احتمل أن يكون المناط معنى يتضمن القتل، ولكن ذلك لا يمنع جعل القتل علامة، إلا أن يتبين متضمن له أولى بالاعتبار منه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 312)
والغرض: أن إضافة الحكم إلى شخص، كإضافة الحال إلى حال: في قضاء العقل بإحالة الافتراق على الوصف الظاهر المفرق [أولا، وتتمة] هذا النظر: ببيان أنه لا فارق سواه يجاور الوصف الظاهر، أو يتضمنه الوصف الظاهر.
وكذلك: إذا عرف أن الأسود لا يرث، فيعرف كون السواد علامة- بمقابلته بالأبيض، كما يعرف ذلك بمقابلة بحالة سابقة- على ذلك الشخص بعينه- كان فيها أبيض.
وكذلك القول في الرق: يعرف كونه علامة الحرمان، بتقدير الطريان مرة على شخص واحد، وبتقدير الإضافة إلى ذات حر.
فالفرق مطلوب بين الذاتين، كالفرق بين الحالتين، وإذا لم يكن بد من الفارق- ولا فارق إلا الوصف الذي ادعاه المعلل-: فهو مناط الفرق: إن سلم أنه لا فارق إلا ذلك، كما قررناه في الفارق بين الحالتين المتعاقبتين على ذات واحدة يجرى- في حق المجتهد والمجادل المعلل- على ذلك المذاق بعينه، فإنه [هو هو، ودليله دليله] وإنما يتضح وجه الدلالة، بضرب الأمثلة.
وعلى الجملة: لا يجوز التحكم بجعل الوصف علة بالتشهي، بل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 313)
أحوجنا المعلل إلى دليل، وهو: حدوث الافتراق بحدوثه في الطرد والعكس، ووقوع الافتراق [وكونه] بكونه: في صورة الشبه، فكان الطرد والعكس، [أولى و] أجلى. ونبين هذا بأمثلة:
المثال الأول. قال الشافعي: بيع العذرة أمتنع لنجاستها؟ فعداها إلى السرقين وسائر النجاسات، فإذا طولب بالإثبات: لم يرجع فيه إلى مناسبة، فأنا بينا أنه لا مناسبة فيه، كما تقدم، وإنا الممكن [فيه] تخييل إقناعي تستقل [به] الدلالة، دون العثور عليه. ووجهه أن يقول: كان الطعام قبل أن يتناوله الآدمي جائز البيع، [فالتناول لم يجدد فيه إلا استحالته] إلى النجاسة، فكان هو العلامة، وتتعدى إلى سائر الأرواث. فهذا ظن يظهر أولاً، وتمامه بالسبر. وهو أن الخصم يقول: لا، بل امتنع بيعه: لأنه خرج باستحالته عن كونه منتفعا به، فبطلت ماليته. قلنا: لا، بل هو منتفع به لتسميد الأرض، كما في السرقين بعينه: من غير فرق. فبطل هذا الخيال، وصح الأول. فيقول الخصم: حدث أمر آخر، وهو: الاستحالة، فهو السبب دون النجاسة، فيقال: الاستحالة لا تمنع البيع، كما قاله الخصم في السرقين، وكما قاله العلماء كافة في استحالة الخمر خلا، فإنه لما استحال إلى الطهارة، واستمر الانتفاع- جاز البيع. فيقول الخصم: حدث أمر آخر، وهو: أنه صار جزءا من الآدمي، والآدمي لا يباع، فكذلك أجزاؤه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 314)
وهذا معتمد الخصم، وعليه يخرج لبن الآدمية، فيمنع بيعه: وإن كان طاهرا. وهو [إن استقام] أجلى من التعليل بالنجاسة. فينتهض الشافعي لإبطاله، ويقول: العذرة ليست جزءا من الآدمي بحال، وإنما هو [طعام] استحال في معدته وانفصل، كما يستحيل الخمر في الدن، والمرقة في القدر، فلا يحدث له حكم [في] الجزئية. فيبطل مسلكه بهذا الفرق، وربما يترجح في هذا المقام جانب على جانب. والغرض أن ظن الشافعي- في الإحالة على النجاسة- قائم إلى أن يظهر سبب آخر حادث يحال عليه.
ولو قيل للشافعي: النجاسة حكم شرعي، فبم تنكر على من يقلب التعليل، ويقول: إنما نجس لأنه امتنع بيعه؟ - فيقال: امتناع البيع مظنون، والنجاسة معلومة، والمعلوم لا يستفاد من المظنون [49 - أ]. ولأنه لو كان نجا لامتناع بيعه، لحكم بنجاسة الحر والمستولدة، والموقوف والمرهون، والمكاتب، وكل ما امتنع بيعه، فلم يصلح للتعليل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 315)
على هذا الوجه، وصلح على الوجه [الآخر] الذي ذكرناه.
فهذا طريق إثارة الظن من التعليل بوصف لا يناسب، تلقيا من الحدوث بحدوثه.
ولو قال قائل: فهم ذلك لأن النجاسة تناسب بطلان البيع.
قلنا: أي مناسبة بين امتناع الاستصحاب في الصلاة، وبين امتناع البيع؟. ولو قنع المنكرون بهذا القدر من الخيال الاقناعي الذي قدمناه في النجاسة، فلا طرد- في عالم الله- إلا ويقدر الفطن المتشدق- الآنس بمسالك تخييل الشعراء، وتلفيق الوعاظ- على تنبشة مناسبة من هذا الجنس منه. وقد لاح- على القطع- ظهور أول الظن، بظهور هذا الوصف الحادث، وتمام هذا الظن: بانقطاع الخيالات المعارضة.
وقد يستثار الظن من هذا الأصل بعينه، بطريق المقابلة بذات أخرى، كما نقول: جاز بيع الجمادات: كالتراب والخشب وسائر الأموال، وامتنع بيع العذرة. ولا تفارقها في المنفعة والمالية، وإنما تفارقها في النجاسة، فيدل على أن النجاسة مناط الفرق، فيتعدى إلى الأرواث كلها، فينشأ ظن أولي سابق من سياق هذه المقابلة بينها وبين سائر الأعيان، كما ينشأ من سياق المقابلة بينها وبين الحالة المتقدمة عليها قبل الاستحالة.
[ألا أن هذا الظن] أضعف وأخفى وأدق، وإبطاله أهون، فيقال له: [لا] بل فارق سائر الأعيان: في الاستحالة، أو في كونها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 316)
جزءًا من الآدمي، إلى غير ذلك مما قدمناه. فيتكلم عليه كما يتكلم على تلك الطريقة، فلا فرقان بين المسلكين.
وهذا- من كلام الشافعي- يعرف تعليله بالوصف الذي لا يناسب وقد بنى عليه تحريم بيع سائر النجاسات، وتحريم بيع الكلب وغيره.
المثال الآخر: تعليل الفقهاء كافة- أعنى: الشافعي وأبا حنيفة رحمها الله- سقوط التكرار في مسح الخف، وشرع التكرار في غسل الأعضاء.
فيقول أبو حنيفة في مسح الرأس: إنه مسح، فلا يتكرر كمسح الخف.
فيقول الشافعي: أصل في الطهارة، فيكرر كالغسل.
فإن قيل: تعليل أبي حنيفة [تعليل بمؤثر]، لأنه يقول: المسح خفيف في ذاته، فجاز أن يخف حكمه.
قلنا: إن كانت المناسبة عبارة عن تجانس الألفاظ، فهنا مؤثر مناسب، وإن كان المناسب ما قدمنا حده، فهذا طرد محض، ويقابله قول القائل: إن ما خف في ذاته أولى بأن يغلظ حكمه، ليقارب الغسل، ويعتدل بينهما الأمر، فإن ما غلظ في ذاته، لو غلظ حكمه: لتراكم التغليظ، وكل ذلك تلفيقات لفظية: لا مناسبة لها.
وقول أبي زيد على ما قدمناه-: إني إنما عللت بالمسح لظهور آثر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 317)
المسح في التخفيف، وهو الاقتصار على ما ينطلق عليه الاسم.
قيل له: ومن سلم لك أن ذلك من أثر كونه مسحا؟ فتضطره المطالبة إلى أن يعترف بعدم المناسبة، لا بل هو من أثر كونه مجرى على الشعر: لو وقع عليه. وهو طرد في مقابلة كلامه، فأي مناسبة لكونه مسحا: في تجوير الاقتصار على ما يقع عليه الاسم؟ وإنما منتهاه أن يقول: إذا قوبل مسح الرأس بسائر الأعضاء، فارقه في جواز الاقتصار على أقل ما يسمى باسمه، فلا يفارقه إلا في كونه مسحا، فهو علام الحكم، وهو عين ما ذكرنا: من طلب الفارق بين الذاتين، بعد مقابلة إحداهما بالأخرى.
وكذلك يقول: مسح الخف إذا قوبل بسائر الأعضاء وبغسل الرجل، لم يفارقها إلا في كونه مسحا. فهو العلامة، ويتعدى إلى مسح الرأس: في سقوط التكرار.
فيقول المجادل المعاند: [لا] بل فارقه في وقوعه على الخف.
فيقول: ليس مخصوصا بالخف، فإنا المتيمم- أيضا- يمسح على الوجه بالتراب ولا يكرر، ولا شركة بينهما إلا في وصف كونه مسحا.
وكذلك يرد عناد المعاند: أن الاقتصار على الأقل لإجرائه على الشعر لو أجرى عليه، بخلاف سائر الأعضاء، ويقول: مسح الخف أيضاً
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 318)
يساويه في الاقتصار، ولا شركة بينهما إلا في عموم وصف المسح. فكان التعليل بالوصف الجامع المشترك- الضابط لجميع محال الحكم- أولى.
فيقول الشافعي- في مقابلته-: لا، بل فارق مسح الخف سائر الأعضاء: في كونه وظيفة بدلية ليست أصلية، وإنما الأصل: الغسل على الرجل، وبهذا يفارق المسح [على الرأس]: فإنه أصل كالغسل في سائر الأعضاء، وفي هذا يشارك التيمم، فإنه لما كان يؤدي بدلا، لم يشرع فيه التكرار.
وعند هذا، يتقابل المقامان، ولابد من الترجيح، وقد سلك كل [49 - ب] من الفريقين- من قدماء علماء المذهبين- مسلك الترجيح: فدل أنهم رأوا التعليل بالوصف الذي لا يناسب، بطريق المقابلة، وطلب الفارق بين المتقابلين. كما ذكرناه في طلب الفارق بين حالتي الذات الواحدة.
فإن قيل: ذكروا هذا بطريق التشبيه.
قلنا: لا نضايقهم في هذا التقليب، وكل طارد يلقب طرده أيضا بلقب التشبيه، وإذا قال: أردت به تشبيها يغلب على الظن.، فيقول: وتشبيهي هذا- الذي لقبته بالطرد- يغلب على الظن، فكل مسلك يذكره يعارضه في طرده، حتى يقول: المحكم فيه الذوق السليم، فإن هذا يغلب على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)
الظن، والطرد لا يغلب. فيقول: وقد غلب هذا على ظني، ولم يغلب تشبيهك على ظني، وما الذي زكى ذوقك وعصمه من الغلط؟ ويرجع الأمر إلى حدس في الضمير: لا يصلح للمحاجة، وتتقابل فيه الدعاوى.
فإن قال: تشبيهي يوهم الاجتماع في مخيل هو مأخذ الحكم. فيقول: وجمعي- الذي لقبته بالطرد أيضاً- يوهم، فما الفارق؟ وكل ما ينطق به لسان المشبه، ينطق به لسان القائس الذي سمى طارداً.
فلتحذف هذه الألفاظ جانباً، وليقل: لابد من تغليب ظن في كون الوصف علامة، عن ظن أنه ليس بعلامة [ولابد] لغلبة الظن من طريق، وطريقه: طلب الفارق لوقوع الافتراق بين الذاتين. وهو الذي اعتمده العلماء في مسح الخف وتعليله.
فإن قيل: عول الشافعي على مناسب وهو: أن الخف لا ينبغي تنظيفه، والتكرار لتكملة النظافة، والخف يتخرق بالتكرار، فصين عنه لذلك.
قلنا: هذا خيال، فإن الخف كما لا يتخرق بأصل المسح فلا يتخرق بتكرار إمرار اليد الرطبة عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 320)
وأما قوله: الخف لا يبغي تنظيفه، قلنا: فلم شرع أصل المسح؟ فليكن تكرار المسح للغرض الذي شرع له أصل المسح؟ تكميلا له.
فإن قيل: ليس في المسح نظافة، ولكنه وظيفة تعبدية، حتى لا تتعود إخلال [هذا] العضو: فنركن إلى الدعة في حالة الكشف، ولا نغسله، كما في التيمم: فإنه شرع لمثل هذا المقصود، وإلا فلا نظافة فيه.
قلنا: ليكن تكرار المسح تأكيداً لهذه الوظيفة التعبدية وتكملة لها، أو ليحكم بأن الرأس لما اكتفى فيه بالمسح: فلم يقصد تنظيفه حتى يكمل بالتكرار، فأي نظافة في المسح على شعرة واحدة؟ فليترك بالتكرار.
وهذه وساس وخيالات في غاية الضعف [والوهي]، لقبها بعض فقهاء العصر- وهم المتلقفون عن أبي زيد- بالمعاني المؤثرة المعقولة، وذلك لظنهم أنه لا مدرك للدليل على كون الوصف مناطا للحكم، وعلامة عليه- سوى المناسبة. فصنعوا للطرديات صيغة المناسبات، وأخرجوها في معارضتها، فغلب على كلامهم [الحكم] الضعيفة الوعظية، وهي- في إثارة الظنون- أبعد من المسالك التي ذكرناها.
المثال الآخر، قول علمائنا في مسئلة التبييت والتعيين: إن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)