ولا مستند له، وإن زعموا أنا فهمنا ذلك من الإجماع، قلنا: وهلا فهمتم من الإجماع اختصاص النقدين بعلتهما، كما فهمناه حتى لا تخرجوا إلى الضبط بالثمنية والثمنية؟
الوجه الثاني للإبطال، هو: أن التعليل بالكيل يوجب إخراج الحفنة [والحفنتين] عن حكم الربا؛ وإخراج الحلي عن ذلك، والربا جار فيهما بحكم النقص.
قال الشافعي: وما ناقض الشبه فهو المنتقض دون الشبه؛ إذا موجب الشبه جريان الربا في كل ما باسم البر والذهب، وذلك جار في القليل والحلي؛ والعجب أنهم أخرجوا القليل وأدرجوا الحلي وخاتم [54 - ب] الفضة، ولم يطردوا ذلك في خواتم الحديد، فبه عرف تناقض هذا الأصل.
فإن قيل: أبو حنيفة أساء [في] التفريغ؛ فيمكن التعليل بالكيل وطرده في الجنس، وإجراء الربا في الحفنة، وذلك لا يدل على أن الكيل غير صالح.
قلنا: لا، بل استد في التفريع؛ فإنه أراد بالكيل والوزن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 362)
اعتبارهما لا إمكانهما، حتى قال أبو يوسف: كل مصر لا يوزن فيه اللحم، فلا بأس بطابق طابقين، والحفنة والخواتم لا يعتاد فيه التقدير، فلو قيل: أنه من جنس المقدر، لتعددت العلة، ولكانت العلة في الكثير أنه مقدر، وفي القليل: أنه من جنس المقدر، ولكان كقولنا: [أن كثير] الخمر محرم بعلة الإسكار، والقليل بعلة كونه داعيًا إلى السكر؛ وهما علتان: إحداهما خفية ضعيفة، والأخرى قوية، وتقسيم البر بتعدد علته، محال لا وجه له، فهذان وجهان لإبطال مذهبه، وقد أشار الشافعي إلى وجهين آخرين، يصلحان للترجيح، لا [للا] بطال:
أحدهما: أن الطعم مقصود هذه الأشياء، ولأجه فطرت وخلقت؛
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 363)
ولما ظهر مقصودها شح الناس عليها: فباعوها مقدرًا لا جزافًا، فتقدير المقصود الخاص علامة، أولى من تقدير ما يجري مجري العاصم للمقصود، والدراهم والدنانير متميزة بمقصودها الخاص: الذي لا يعدلهما [فيه] غيرهما؛ فكون الخاصة علامة للحكم - أغلب على الظن من العدول إلى الوزن المعرف للمقدار، لأجل المشاحة في المعاملات.
الثاني: أن الكيل علامة الإباحة، فيبعد أن يكون علامة التحريم وان اختلف محله، ونحن قد عددنا علامة الإباحة وعلامة التحريم؛ وإحالة تضاد الأحكام على اختلاف العلامات أغلب على الظن من إحالتها على اختلاف المحال، مع اتحاد العلامة.
وقد ترجح أيضًا بتأييده بقوله عليه السلام: ((لا تبيعوا الطعام بالطعام)).
والعبارة المحررة لأصحابنا في الترجيح معروفة؛ وهي: أن علتنا سلمت عن المعارضة والمناقضة، واستندت إلى عموم أسمها، ولم تخرج عن حكم أصلها، ولم تتناقض في نفسها، وقد استقصي ذلك في التعاليق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 364)
[فلسنا للأطناب فيه، وإنما الغرض التنبيه على طريقه؛ فإن الترجيح من المسالك الجارية في هذه المسئلة المتعينة فيها: في بعض أطرافها].
فإن قيل: [تأيدت] علتهم بقوله عليه السلام: ((إلا كيلا بكيل)).
قلنا: ذلك مذكور للخلاص [من الربا]؛ وهو معتبر علامة للخلاص والإباحة.
فإن قيل: إيجاب المماثلة -في القابل للمماثلة -أولى؛ فليعلم الشرط بإمكان حصوله، فللكيل والجنسية تأثير في إظهار محل الحكم؛ فهو أولى بأن يجعل علامة عليه. ولأن الربا شرع مقرونًا بالخلاص، وفي التعليل بالطعم إجراؤه في السفرجل والبطيخ وما لا خلاص فيه.
قلنا: لهذا، ضم الشافعي في قول الكيل إلى الطعم، واعتبر اجتماعهما، وقال: قول ابن المسيب في هذا من أصح الأقاويل كما سبق نقله.
وهذا قول قوي جامع لجميع أطراف الكلام، فتكون العلامة -على هذا القول -اجتماع الأمرين. ولعله رجع في الجديد عن هذا؛ لأنه وردت أخبار في الربا في حلي الذهب، والخرز الذي يباع عددًا. فقد علم النبي عليه السلام -طريق بيعه: في عقد اشتمل على خرز الذهب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 365)
واللآلئ وذكرت الفضة في مسائلة مد عجوة، فعرف به أن المقصود هو المتبع، دون التقدير، وقد قررنا وجه ذلك في مسائلة الحفنة.
فإن قيل: فتدواركم على المقصود الخاص، تنبيه على متانة طريق مالك رضي الله عنه -في التعليل بالقوت: فإنه الأخص.
قلنا: [لولا ورود] الملح: لكان التعليل به أخص، ولكن عدل الشافعي عنه لأجل الملح.
فأما قوله: ما يستصلح به القوت [قوت]، ففاسد: لأنه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 366)
لا يخلو أما أن يكون علة على حيالها كالنقدية، فيلزم [على مسافة] جواز أسلام البر في الملح، وهو خلاف الإجماع، أو يقال: هو يرجع إلى القوت لاتصاله به بطريق الاستصلاح، وذلك يلزم أن يعدي إلى الحطب والتنور وما يتصل بإصلاح القوت؛ ومهما تعدي إلى ذلك على تبعية القوت، فتعديته إلى الفواكه التي تسد مسد القوت، وإلى الآدام التي تقع تبعًا للقوت: كاللحم وغيره -أولى. وعند ذلك يتداعي إلى القول بالطعم.
وإذا قال: للملح خاصية ليست لغيره، قلنا: أن لم يكون هو القوت فهو علة أخرى، فليجز إسلام الأشياء الثلاثة فيه، كما جاز إسلام النقدين في الأشياء الأربعة [55 - أ] وهو خلاف الإجماع، فلولا الملح لكان ما ذكره مالك أولى وأخص.
وعلى الجملة: تعليل الأشياء الأربعة بعلة واحدة، أولى: فإنه إذا [كثرت الأصول، كان ككثرة الشواهد، فإذا] اشتركت في الطعم، كان الطعم مشهوداً له من جهة الملح أيضاً، فهذا يتبين بطريق الترجيح.
فإن قيل: فليكن تعليل أبي حنيفة بالتقدير للأشياء الستة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 367)
أولى؛ أو ليكن تعليل ابن الماجشون بالمالية أولى.
قلنا: الوزن غير الكيل عند أبي حنيفة، كما ذكرناه، وإنما التقدير عبارة شاملة؛ ولذلك لم يتعد إلى الذرع والعد، وهو نوع تقدير، وأما [مالية ابن الماجشون] فهي أوسع الصفات وأعمها، وأبعدها عن الخاصية المقصودة، وهو مضطر إلى تجويز إسلام النقدين في غيرهما؛ وفيه التفريق في العلة، وعلى لجملة: لا تلغي أخص الصفات -مع صلاحها -بالأعم؛ فهو ليس آخذاً مذهبه من الشبه والعلامة؛ ولعله يأخذ من المنع من اجتاح المال وتفويته من غير منة ومجمدة ومثوبة، وإليه ترجع مقابلة الشيء بمثله؛ ثم يعتذر عن الجيد بالردئ، بما اعتذر أبو حنيفة به: من إسقاطه قيمة الجودة.
فإن قيل: فهلا جمعتم بين هذه العلل؟ قلنا: اعتذر ابن سريج عن هذا: بأن ذلك يخرجنا عن قول العلماء، وسنذكر مستند قول العلماء، فإن التعليل - في مثل هذا المقام - بعلتين، غير جائز إلا أن يجعل الجميع علة؛ كما قال الشافعي في قول: أن العلة هي الطعم مع التقدير؛ وقال مالك: القوت، وفيه الجمع بين الكل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 368)
القول في بيان الفارق بين الشبه والطرد
فإن قال قائل: رجع حاصل نظركم -في القاعدة السابقة -إلى أن الوصف الذي لا يناسب، يجوز أن يكون علامة على الحكم؛ وزعمتم: أنها علامة متضمنة لوجه المصلحة وملتزمة لها، وإن كان لا يطلع على وجه المصلحة، فما الفرق بين ذلك وبين الوصف الطردي الذي اتفق المحققون على رده، مع الاعتراف بأن كل واحد منهما ينفك عن المناسبة بنفسه وإنما يتوهم اشتماله على مناسبة خفية، وقضية مصلحية: غابت عنا، وما من وصف طردي إلا ويمكن أن تدعي فيه هذه القضية، فكيف يتميز عن الطرد المردود، مع الاستواء في هذه الخاصية؟
قلنا: هذه غمرة عظيمة خاض فيها فريق: فدرات رؤوسهم، وخارت عقولهم، ولم يحصلوا على طائل، فمن طلب ما لم يخلق، تعب ولم يرزق؛ فإنهم التمسوا فرقًا بين الطرد والشبه [بأمر] يرجع إلى تمييز أحدهما عن الآخر، بوصف [في] ذاته، وأنشئ، لا يتميز عن جنسه ومثله، بوصف يرجع إلى ذاته، وها نحن نكشف الغطاء عن هذا السر، ونقول:
الأحكام أنما تظهر -في حقنا -بعلامات منصوبة عليها؛ والعلامات للأحكام تنقسم: إلى الأسامي اللغوية، وإلى الأوصاف الزائدة على الأسامي.
فأما المسميات المعلومة بعلامة الأسامي فهي التي يقتصر فيها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 369)
على مورد النص، ولا حاجة في بيانها إلى أطناب.
وأما المعلومات بعلامات زائدة على الأسامي، فهي التي يقال فيها: أنها قياسية، وتلك العلامات تنقسم: إلى ما يناسب الحكم في ذاتها، على ما أوضحنا معني المناسبة، وإلى ما لا يناسب، ويعرف كونه علامة بالطرق أنتي ذكرناها في علة الربا.
فما يناسب كله جنس واحد، يندرج تحته الشعب المنتشرة التي قدمناها.
وما لا يناسب -أيضًا- كله جنس واحد: من حيث الذات والنفس؛ وهو متناول لما سماه المسمون: شبهاً، ولما سموه: طرداً، أيضاً، فلا فرق بين الشبه والطرد، عند النظر إلى ذات الأوصاف التي لا تناسب الأحكام.
[فالكيل والقوت والطعم] كله طرد في لغة هؤلاء واصطلاحهم؛ وإن سموه شبهاً: فلا حرج في الإطلاق، وإنما الغرض بيان أن الوصف الذي لا يناسب جنس واحد بالنظر إلى ذاته، فطلب الفرق بتمييز البعض عن البعض بالجنسية، طلب لما لا ينال أبد الدهر.
فإن قال قائل: كيف تنكرون هذا الفرق: وأنتم مضطرون إلى الاعتراف بأن كل وصف من الأوصاف وجد مع الحكم، لا يجوز أن يعلل الحكم به، وأن يجعل علامة عليه، ويتبع في إثبات الحكم ونفه؛ بل هو منقسم: إلى ما يصلح الاعتماد، وإلى ما لا يصلح؟ فما الفيصل الفارق؟ وقد سامحناكم بحذف لفظ الطرد والشبه.
قلنا: نعم؛ الأوصاف التي لا تناسب -أيضًا -تنقسم [55 - ب] إلى [ما تصلح للاعتماد عليها، وإلى ما لا تصلح]؛ كما أن المناسب أيضًا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 370)
ينقسم: إلى ما يصلح للاعتماد وإلى ما لا يصلح، ولكن ليس انقسامه لافتراق راجع إلى الذات؛ وإنما هو بالإضافة إلى السلامة عن المعارضة بما [نقول: أنه] أولى منه؛ وإلى عدم السلامة عنه، وهذا يستوي فيه المناسب وغير المناسب.
وإيضاحه [هو]: بأن نقسم الكلام ونجربه في طرفين؛ أحدهما: فيما يعتمده المجتهد، ويجوز له أن يفتي به والآخر: فيما يسمع من المعلل، ويسوغ له الاقتصار عليه في مبتدأ التعليل، إلى أن يستنزل عنه بالاعتراض والمعارضة بما هو أولى منه.
أما المجتهد، فلا يحل له الاعتماد على مجرد ظهور الوصف الذي لا يناسب، ما لم يسبر سائل الأوصاف سبراً حاصراً: من حيث الإمكان والاستطاعة في حق المجتهد، وما لم يقابل الوصف الذي ظهر هل أولاً بسائر الأوصاف، فإذا قابله بها، وأبطل جميعها أو رجح ما ظهر أولاً على غيرها - على ما ذكرناه في مسئلة علة [الربا]-حل له الاعتماد عليه: في العمل والفتوى، وهذا السبر -أيضاً -واجب [عليه] في المناسب؛ فإنا سنبين أنه لا يجوز تعليل الحكم بعلتين مناسبتين: عرفنا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 371)
بشهادة الحكم، فلا بد أن تبطل سائر الأقسام، إذا لو ظهر مناسب أقوى مما ظهر أولًا: لصار الأول بالإضافة إلى الثاني كالطرد المهجور، ولذلك لم يلتفت إلى سلامته عن النقض والمعارضة وغيره.
وكذلك لا بد من استقصاء السبر في الأوصاف التي لا تناسب، فإن ظهر وصف لا يناسب فبحث وسبر، فعثر على مناسب -انمحق الوصف الأول واضمحل؛ وإن لم يعثر على مناسب، ولكن عثر على وصف آخر لا يناسب - وهو أمس للمقصود، وأخص منه بالغرض -انمحق الأول وبطل، كما ذكرناه في الطعم بالإضافة إلى الكيل.
فإذًا: كل وصف ظهر وسلم -بعد السبر -عن البطلان بظهور ما هو أولى منه، جاز الاعتماد عليه، وهو الذي عبر عنه: بالشبه.
وكان وصف ظهر أولًا، ولكن ظهر في مقابلته وصف آخر -أما على البديهة أو بالتأمل -هو أولى وأخص من الأول: فالأول لا يجوز الاعتماد عليه، وهو الذي يعبر عنه: بالطرد، فرجع الافتراق بين القسمين، إلى الإضافة، لا إلى الذات، وهذا الافتراض جار في المناسبات.
فلأجل هذا، رأينا أن نهجر عبارة الطرد والشبه: كيلا نخيل افتراقا من حيث الذات؛ فإن فهم ما إليه رجع الافتراق، فلا حرج بعده في الإطلاقات، والاصطلاحات بالتعريفات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 372)
وعبارة الشبه [أيضًا] مستكرهة من وجه آخر، وهو: أنا قد بينا أن ذلك لا يقوم إلا بفرع وأصل؛ وأنا نعلل النقدين بالنقدية القاصرة، ونظن أنها هي الصفة الملتزمة المتضمنة للمصلحة الخفية الغائبة عنا، ولا فرع لهذا الأصل، وسنذكر ما نريده بالعلة القاصرة، وندرأ عنه [اعتراض الخصوم، واستبعادهم] وقد تبين أن الوصف الذي لا يناسب جنس واحد، وأن ظهور الفرق: بالإضافة؛ فالكيل يظهر أولًا: فيظن أنه علامة؛ فيظهر الطعم -بالطريق الذي ذكرناه -ويصير أولى منه؛ فينقلب الكيل ساقطًا مطرحًا؛ وقد يعبر عنه: بالطرد، وعن الطعم - الذي صار أولى-: بالشبه، وقد يظهر بالتأمل للناظر في الطعم ويطرحه، ويعبر عنه: بالطرد، وعن القوت: بالشبه، ثم قد يتبين له بطلان القوت بالملح كما سبق، فينعطف إلى الطعم ويقول: هو الوصف المعتبر الذي يغلب على الظن كونه علامة؛ ويجعل القوت طردًا مهجورًا.
ولا فرق بين هذه الأوصاف الثلاثة: من حيث الذات؛ وإنما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 373)
افترقت: بالإضافات، فلهذا استكرهنا عبارة الطرد والشبه: فإنه يوهم جنسين مختلفين، ولا اختلاف: إذ الطارد يزعم أنه شبه بين الفرع والأصل، بما ذكره من الوصف؛ وتسميته شبهًا -بهذا التأويل -صحيح، والمشبه يسمي: طاردًا، من حيث أنه أتي بوصف لا يناسب، وتسميته طاردًا -بهذا التأويل -صحيح.
فلم يكن [لفظ] الطرد والشبه إلا مشوشًا ومعميًا لمقصود الكلام؛ فوجب اطراحه والقول بأن الأوصاف تنقسم إلى [ما يناسب] وإلى [ما لا يناسب]؛ وغير المناسب ينقسم إلى ما يسلم عن المعارضة [56 - أ] بعلامة هي أولى منه؛ فيصلح لاعتماد المجتهد [عليه] بعد البر؛ وإلى ما لا يسلم عن وصف هو أولى منه، وهذا ينقسم فمنه: ما يكون قرب وصف آخر معلوماً بالبديهة، [ومنه: ما يعلم بالنظر.
فما يعلم بعده، وقرب غيره، وكونه أولى منه بالديهة]-فهو: الطرد القبيح الذي لا يتصور أن يكون معول مجتهد.
وما يعلم كون غيره أولى منه بالتأمل، يتصور أن يختلف في العثور عليه المجتهدون بحسب اختلاف قرائحهم؛ فيسميه من لم يعثر على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 374)
الأولى: شبهاً، ومن عثر على الأولى يسمي الآخر: طردًا.
فإن قيل: فهلا حددتم الوصف المعتمد -الذي عبر عنه فريق بالشبه -[بالوصف] الخاص، أو بالمقصود - كما قاله المعبرون - لتمييز الشبه عن الطرد؟
قلنا: لأن الخاص إضافة؛ فالشيء يكون خاصاً: بالإضافة إلى شيء، عاماً: بالإضافة إلى غيره، فالطعم خاص بالإضافة إلى المالية، عام بالإضافة إلى القوت، والقوت خاص بالإضافة إلى الطعم، عام بالإضافة إلى الذات المسمي باسم البر والتمر، والأخص غير مشروط بالاتفاق عند القائلين بالشبه؛ فإن الأخص في النقدين: النقدية؛ ولم يبطل الوزن بالإضافة إليه لأنه أعم: إذا لو بطل لذلك، لبطل الطعم بالإضافة إلى القوت: لأنه أعم.
وأما المقصود فليس يشترط في صحة التشبيه -عند المطلقين لهذه اللفظة -أن يقع التشبيه بالمقصود؛ وإنما يساعد ذلك في الربا، وقد يكون الشبه خلقيًا، وقد يكون حكميًا؛ فكيف يصح [حد الشبه] بهذا؟
فإن قيل: وهلا حددتموه بما حده به القاضي رضي الله عنه: من أنه الذي يغلب على الظن كونه في معنى الأصل؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 375)
قلنا: لا حجر في هذه العبارات؛ وهي حاوية للمقصود إجمالًا، ولكن لا بيان فيه، فلم يشكل إلا تمييز الوصف: الذي يغلب على الظن الاشتراك [فيه الاشتراك] في الحكم؛ عن الوصف: الذي لا يغلب -بحد فاصل، ومعيار صادق: نرتفع به المنازعات، وهذه عبارة متسعة تشمل جميع أنواع القياس.
ونحن الآن في طلب الوصف الذي يغلب، وتمييزه عما لا يغلب؛ أهو متميز [بذاته]؟ أم بالإضافة؟ فأقول: إذا كان الكل لا يناسب، فالتمييز: بالإضافة التي ذكرناها.
فإن قيل: فهلا حددتموه: بأنه الوصف الذي يوهم الاجتماع في مخيل مبهم هو مأخذ الحكم، كما قاله القاضي؟
قلنا: ولا حجر -أيضًا -في إطلاق هذه العبارة، لمن يبغي عبارة حاصرة؛ لا لمن يبغي كشفًا ووضوحًا، فإنا رأينا جملة من الأوصاف تذكر [في محافل ومجامع، تجمع أفاضل وأكابر]؛ فتختلف آراؤهم [وتتفرق أهواءهم] في أنها من الأوصاف التي توهم الاجتماع في المخيل: فتسمي شبهًا؛ أو لا توهم: فتسمي طردًا، فلم يتجنس هذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 376)
الوصف عندهم، ولم يتميز بعلامة يترفع معها النزاع، وإذا رد الأمر إلى ما يغلب [على الظن] أو ما يوهم؛ اختلف ذلك بالطباع والقرائح: على ما نشاهد ذلك من الفقهاء في المناظرات، وهي الخصومة الناشبة التي لا سبيل إلى قطعها.
فيقول القائل: طهارة حكمية، فتفتقر إلى النية كالتيمم؛ أو: عبادة يبطلها الحدث، فتفتقر إلى الموالاة كالصلاة؛ أو: عبادة مختلفة الأركان يستحب الترتيب في متماثلاتها، فيستحق في مختلفاتها قياسًا للوضوء على الصلاة.
ويقول في افتراض الفاتحة في الصلاة: عبادة ذات تحليل وتحريم، فيشترط في أركانها ما يتعدد سبعاً كالحجج.
فهذا وأمثاله يعرض على الجمع من الفقهاء، فلا يتفق رأي اثنين منهم في أن هذه [هل] تغلب على الظن، أو هل توهم الاجتماع؟ بل يقول فريق: الكل طرد، ويقول آخرون: الكل شبه، وتقول طائفة: ما ذكره في نية الطهارة تشبيه، لكثرة تكررها على اللسان، فهو مغلب؛ وما ذكره -من القياس على الحجج -فطرد، وما ذكره -من الترتيب والموالاة في الطهارة -فمعتدل؛ وهو محتمل لأن يقال: أنه طرد ولأن يقال: أن شبه، وكل ذلك لعدولهم عن المنهاج السديد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 377)
[والصراط المستقيم]، وظنهم أن الفرق راجع إلى ذات هذه الأوصاف، هيهات هيهات، إنما افتراقها: لخفاء الأوصاف المقابلة لها مرة، ولجلائها [أخرى]، فقولنا: حكمية، يقابلها: أنها طهارة بالتراب والوضوء بالماء، وقولنا: يبطلها الحدث كالصلاة، يعارضها: أن الكلام لا يبطلها، بخلاف الصلاة، إلى أمثال لذلك لا نستقصيها، بل [نجتزي بالتنبيه لمن يفهمها ويعيها]، فهذه الأوصاف المتقابلة، كلها طرد غير مناسب كما ذكرناه في الربا، فطريق نصبها علامة وترجيح البعض منها على البعض -ما سبق، فإذا استنهج المجتهد الطريق [56 - ب]، واستتم السبر والتحقيق، [وشاء الله التوفيق] يحصل بالآخرة على ظن [غالب مستقر: يتكل عليه، و] يطمئن إليه.
الطرف الثاني: الكلام في المعلل، فإن قيل: ما ذكر تموه سياق نظر المجتهد، فما الموظف على المجادل في ابتداء التعليل؟ وبماذا تنقطع عنه المطالبة؟ أيلزم أن يستوفي السبر ويبطل الصفات الفارقة بعد أن يحصرها؟ أم يكتفي منه بالاقتصار على ما أبداه، ويقال: على من ادعي بطلانه، إظهار ما يراه أولى أو مماثلاً له، حتى يتكلم عليه،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 378)
ويجعل الوصف الذي ذكره أول رتبة من مراتب النظر، ومرقاة من مراقية؛ إلى أن يستنزل عنه بالمعارضة بمثله، أو بما هو أولى منه.
قلنا: ليس هذا السؤال عن مسئلة شرعية، حتى يفتي فيها بتحليل أو تحريم، أو إثبات أو نفين لا كالطرف السابق: فإن النظر فيه يتعلق بقطب ديني عظيم، وإنما هذه مسئلة جدلية؛ والجدليات رسميات واصطلاحات، وكل فريق اصطلحوا على أمر، فالوجه أن يساعدهم الواحد الفرد، ويندس في غمارهم، ويكلمهم بمعتادهم، هذا هو الأصل بعد استمرار العادات، وترسخ الاصطلاحات.
نعم: لو سئلنا عن أولى ما يصطلح عليه، وأليقه بمقصود الجدال ومصلحته؛ فقد نبدي فيه ما نبديه، فنقول: أما الذين ذهبوا إلى [أنه لا يقبل] إلا المؤثر -وهو المراوزة وأهل سمرقند في عصرنا هذا -فلا يقطعون المطالبة إلا بإبداء التأثير؛ وقد يطلق الإنسان فيما بينهم الإخالة، فتنفر طباعهم، [وتشمئز نفوسهم] لرؤيتهم في كتاب أبي زيد -أن الإخالة باطلة في الجدال.
فطريق المناظر معهم، أولًا: أن يهجر لقب الإخالة، ويسمي مخيلة: مؤثرًا؛ ووجه الإخالة: تأثيرًا، ويظهر الإخالة بلقب التأثير، فيروح عليهم -بعد التلقيب بهذا اللقب -كل ما سميناه مخلًا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 379)
مناسباً، كما [تقدم التفصيل فيه]. فمن استمسك- مع هؤلاء- بعلامة لا تناسب، ولم تقطع المطالبة عنه- فطريقه: أن يقيم البرهان الأصولي على جواز التعليل بالوصف الذي لا يناسب، كما قدمناه، فيبتدئ بالإيماء، والإضافة اللفظية، ثم ينحدر إلى الحكم عقيب الوقائع، ثم إلى الطرد والعكس، ثم إلى الشبه، وهو: إعلام الحكم بعلامة لا تناسب. أو يضرب لهم الأمثال نقلا عن الأئمة، ويقرر طريق الظن وثورانه من الوصف الذي لا يناسب، كما تقدم في مسئلة علة الربا-: إن صادف من نفسه منة التقرير، وساعدته حشمة: يستميل [بها] أساعهم للإصغاء إلى كلامه، إلى أن ينهيه إلى تمامه. فإن لم يجد هذه المنة، ولم تساعده هذه القوة [والحشمة] فليكلمهم بلسانهم، وليلقب كل ما سنح له-: من الخيالات البعيدة الإقناعية- بلقب التأثير؛ فيروج عليهم الغث والسمين، والنازل والثمين؛ وتنقطع عنه المطالبة وينغمس في غمرة المسئلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 380)
وإن جرت المناظرة مع فريق: يجوزون التعليل بغير المؤثر؛ فهؤلاء- أيضا- ينقسمون:
فأهل بغداد وسائر العراقيين، يلقبون هذا الجنس: بقياس الدلالة؛ فإذا ذكر وصفا غير مؤثر: فليلقبه بهذا اللقب، ليقطع المطالبة عنه.
وإن جرت المناظرة بنيسابور-[ومجامعها- في غالب الأمر، غاصة بالمتلقفين] من أستاذنا إمام الحرمين- قدس الله روحه- فليذكر من الأوصاف غير المناسبة، ما يراه سديدًا: غالبًا على الظن، سليما عن المعارضة؛ وليلقبه بلقب الشبه، وإياه والاعتراف بأنه طرد؛ فيعظم ثوران المستمعين وإنكارهم عليه، وتنفر عنه الطباع، وتنبو عن كلامه الأسماع؛ بحيث لا يصغى بعده إلى كلامه، ولا يزاد على الاستهزاء والتهجين، وليروج عليهم كل وصف طردي لا يناسب، بلقب الشبه [فهو رائج]؛ ولا تتوجه عليه إلا مطالبات بيان وجه التشبيه. فإذا أخذ في كلامه، وقرر وجه الجمع، وذكر: أنه لا فارق إلا كيت وكيت وهي باطلة، وأن لا مسلك للقول بالتشبيه إلا هذا- تلقى ذلك منه بالقبول، وانقلب الاستبعاد من جملتهم إلى المطالب، فهذا هو الطريق في [مجاملة هؤلاء الفرق ومجادلتهم].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 381)