ولو أحدث محدث رسما آخر، وأراد قطع المطالبة عن نفسه، بمجرد التعليل- لم يصغ هؤلاء إليه؛ وإنما يتلقاه بالقبول طوائف من المشايخ: هجروا وهجر كلامهم، وشهروا بالانفكاك عن التحقيق، بمصيرهم إلى القبول بنوع من التعليل: لا يناسب، ولا يؤثر. فإذا كانت المسئلة رسمية، فعلينا أن ننبه على المراسم، وطريق مكالمتهم. وقد فعلنا ذلك.
فإن قال قائل: هذه حكاية مراسم [الجدال] مع التنبيه [57 - أ] على المراشد في مجادلة هؤلاء الفرق؛ [فما الذي ترونه أليق] بمصلحة المجادلة: الاشتغال بالاعتراض على كل طرد يذكر، أو المطالبة بإظهار الوجه الذي منه استقى غلبة الظن؟
قلنا: المعهود من عادة المشايخ- في الأعصار السابقة [على هذا العصر]- الاشتغال بالاعتراض، دون الجمود على المطالبة، فكانوا يسمعون كل قياس ذكر، اشتمل على جمع بين فرع وأصل برابطة؛ [و] كانوا ينقضونه: أن كان منقوضا؛ ويقابلونه بما هو أولى [منه]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 382)
من أوصاف الأصل: إن كان مقابلا. وهذا هو الواجب في مصلحة الجدال.
وبيانه: أن الجدال لا يخلو أما أن وضع لمقصود الأفحام والإلزام، ومؤاخذة الخصم في مضائق الخصام؛ أو [وضع] لإبداء [مستند فتوى المجتهد] الذي يحل الاعتماد عليه في الفتوى.
فإن وضع لإبداء مستند المذهب: فينبغي أن لا تقطع المطالبة عمن أبدى مناسبا أيضا؛ بل يكلف أن يسبر أوصاف الأصل وما يقدر فيها: من مخيلات؛ ثم يسبر الأصول التي تقدر ناقضا؛ ثم يسبر المعارضات بطرقها، ويبين سلامة ظنه عنها، فهو الذي يجوز الاعتماد عليه في الفتوى. وهذا ما أوجبه القاضي [أبو بكر]رضي الله عنه في كل مسئلة على كل معلل؛ وقال: ما لم يسبر سائر المعاني والمفسدات، ولم يدفعها- لا يستقر قدمه.
وهذا قد اتفق أهل الأعصار على خلافه في مصلحة الجدال؛ لأن الجدال معاونة على النظر، ومصاولة بأسلحة الخواطر والفكر؛ ولو وظف على المعلل ذلك في الابتداء: لم يبق للخصم كلام؛ وانبث الأمر من غير جدوى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 383)
وإذا بطل هذا المأخذ، فنقول: الجدل موضوع لتنقيح الخواطر وامتحانها بالتداور على درجات الفكر؛ ولإفحام الخصم، وقطعه بالإلزامات، ولذلك أجمعوا على قبول التعلق بمناقضات الخصم. وتعلق فريق بالتركيبات- وهم الأكثرون- ولم يجوزوا للمعترض أن يمنع النقض ويدل عليه. إلى غير ذلك: من أمور لا تخفى. فوجب- على الضرورة- رعاية مصلحة الجدال. فنقول الآن: كل طرد ذكره المعلل فهو مسموع؛ ثم هو مردود بطريقة: إن كان مردودا. ولابد وأن يذكر وجه رده بالنقض: إن كان منقوضا؛ أو بالمقابلة بفاسد يقاومه: إن كان فاسدا؛ أو بالمعارضة بتحكم يساويه: إن كان تحكما. حتى يجتزئ المعلل الطارد المفحش في طرده على قرب، ولا يطول الخصام بالمطالبة بإبداء وجه غلبة الظن، وتنازعهما في أن هذا مغلب أم لا، وتحاكمهما إلى أهل المجمع مع افتراق القرائح فيه. وهذا ما عهد من الأولين.
فيقول: اتفقنا على جواز التعليل بما لا يناسب. ونفرض مثلا في الجص، فنقول [مكيل فكان ربويا. فقيل: ولم قلت: إن البر ربوي لكونه مكيلا؟ فنقول:]، لابد من طلب علامة [لحكم] الربا،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 384)
ولا علامة إلا الكيل. فهما مقدمتان، ففي أيهما النزاع؟ فإن [قال: لا أسلم] أنه لابد من طلب علامة، بل الحكم معلوم باسمه. فهذا سؤال صدره عن إنكار القياس [بل هو عين معتقدهم]؛ فإن قال: أوجب طلب العلامات، ولكن من الأحكام ما يعرف باسمه، فبم تنكر على من يقول: هذا من ذاك؟ فهذا السؤال مقبول، وهو مقاومة في علامة [الأصل] بما يقابله. إذ حاصله رجع إلى أن الحكم في البر معلوم بكونه برا؛ وهو [يقول: وهو معلوم بعلامة الكيل. فقد عارضه بطرد مثله؛ فعليه إبطال] ما ذكره، أو الترجيح. فنبين له- بطريقه- بطلان التخصيص بالاسم، وهو: الإجماع القاطع على أن الحكم غير مقصور على اسم البر والتمر، كما تقدم. أو بطريق آخر يساعده في كل مسئلة، على حسب النظر فيها. فرجع حاصل الأمر [فيه] إلى منعنا إياه عن قوله: لم قلت: إن العلامة هي الكيل، مع الاقتصار عليه؟ بل ننبه على علامة أخرى تقاوم كلامه في كونه طردا؛ وهو: كونه برا؛ إلى أن يفرق ويرجح.
فإن قال: سلمت أنه لابد من طلب علامة زائدة على الاسم، ولكن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 385)
لم قلت [لا] علامة إلا الكيل؟ - فهذا السؤال مردود مع الاقتصار على هذا القدر؛ فإنه سؤال لا منتهى له. وفي تمهيده حسم طريق الجدال. إذ غايته أن نقول: لا صفة إلا الطعم والقوت [والكيل] والمالية؛ وقد بطل الكل، فللسائل أن يقول: وراء هذا صفة لم تطلع عليها، ولا يلزمني إظهارها. وإنما ينقطع عنه هذا النزاع، بحصر قاطع دائر بين النفي والإثبات- وذلك لا يلفى في الشرعيات- أو بحكاية إجماع على حصر العلل، وذلك لا يساعد إلا في مسئلة الربا: لأن العلماء قصدوا بالنظر الأصل، دون الفروع. وهو على خلاف سائر المسائل.
ولو أحوجناه إلى أن يتكلم على القوت والطعم والمالية، ويذكر فيها مسالك الترجيح والابطال- للزمه أن يتكلم على نفس الكيل، وما وجه إليه: من الالزامات؛ وأن يعد شرائط العلل؛ وأنه لا يناقض نصا ولا أصلا. إلى [57 - ب] غير ذلك، ولا يستوعب في أول النوبة جميع المسئلة؛ وانخرم نظام التناوب في الجدال.
فطريق المعترض أن يتكلم على الكيل بالنقض وطرق الاعتراضات، أو يقابله بالطعم أو غيره من الصفات؛ ويكفيه ذكرها. وتكليفه الذكر- من غير دليل- أهون وأقطع للخصام من تكليف المعلل حصر سائر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 386)
الصفات وسبرها وإبطالها؛ لأن الفوارق والعلامات لا استقلال بحصرها. فإن لم يعرف المعترض غيره، فالمعلل صادق في قوله: لا علامة سواه، وإن عرف غيره: فذكره هين حتى يتكلم عليه. ولو جوزنا [له] أن يضمر ولا يبدي، لانتهى الأمر إلى أن لا يضمر: وهو يدعى الإضمار والامتناع عن الذكر جدالا، وهو غير صادق فيه. وكان ذلك سؤالا لا منتهى له.
وعن هذا، قلنا: [لو ذكر اخالة الكيل مثلا]، فليس يلزمه أن يبين [نفي] اخالة الطعم والقوت أو يبطلهما؛ لأن ذلك يقطع نظام التناوب، ولأن ذلك [إتمام للنظر]، والتعليل لابتداء النظر لا لإتمامه، فدل أنه إذا لم يمكن إبطاله لعدم المناسبة، لوجوب القول بما لا يناسب- كما تقدم-: فلو سلم قوله: لا علامة إلا هذا، استقر قدمه، وإن كان كاذبا: فنبين كذبه بذكر الطعم وغيره حتى يجتزئ فهو أولى وأقرب إلى الاقحام والاجتزاء، من أن تكلفه السبر الذي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 387)
لا [يتوصل إلى الوفاء] به. وحاصله يرجع إلى أنه لم يظهر لي. فإذا قبل منه بالآخرة [قوله]: لم يظهر لي إلا هذا، فليقبل [هذا] ابتداء، ولينبه على بلادته، وقصور نظره- بذكر الوصف الظاهر للخصم، حتى ينقطع.
فإن قال: لا علامة أولى من هذا؛ فلا يقال [له]: [لم قلت؟ أو] بم عرفت أنه لا علامة أولى من هذا؟ بل يقال: بم عرفت أن هذه العلامة أولى من علامة الطعم؟ حتى يلزمه الكلام عليه.
فإن قال: إنه لا يناسب. قيل له: والكيل لا ينسب. فكذلك يقاومه رتبة بعد رتبة، لينتظم ترتيب الجدال. ويبين أن هذا الوصف: هل سلم عن المعارضة بما هو أولى منه: فيعتمد، أو لم يسلم: فيطرح؟
فإن قيل: رجع حاصل استدلال المعلل إلى أن دليل صحة علامتي عجزك عن إظهار علامة [أخرى] أظهر منها؛ وهو راجع إلى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 388)
أن دليل [صحة ما ذكره عجزه] عن [علامة] الإفساد. ولو فتح هذا الباب؛ فلقائل أن يقول: وراء هذا الجبل غزالة، [ودليل صحته عجزك عن الإفساد]. وجبريل [الآن] في السماء [الرابعة]، ودليل صحته عجزك عن الإفساد. والإنسان قد يعجز عن إفساد [ذلك]، ولا يكون دليلا.
قلنا: [نعم] إلى هذا يرجع؛ ونحن نقول: هذا فاسد، ولكن نذكر فساده؛ [فيقال: لا، بل ليس وراء هذا الجبل غزالة، ودليل صحة قولي عجزك عن إفساده]، وإذا صح قولي: فسد قولك. وجبريل ليس في السماء الرابعة بل في السابعة؛ ودليل ذلك عجزك عن إفساده. فهذا الطريق أقرب إلى إفحام الخصم، من الإصرار على بارد المطالبة، وصرفه إن كان الرجل مجازفا في قوله: لا علامة أولى مما ذكرته، ودليله عجزك عن إظهاره، وربما يكون صادقا ومعتمدا عليه؛ عرف ذلك بالبحث والعجز عن العثور على وجود وصف آخر أصلا، أو في وجود وصف آخر أولى منه. فيستقر قدمه، ويكون- في الابتداء- دليله على خطر الفساد:: بالمقابلة بما هو مثله، كما في المناسب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 389)
وذلك لا يدل على خروجه عن كونه على مرتبة من الكلام يلزمه إفساده بطريقه.
وعلى الجملة: لو سلم أن لا علامة أولى مما ذكره، لاستقام كلامه، ولا يعرف نفي العلامات إلا بالسبر؛ والوفاء بالسبر في الجدل غير ممكن على وجه يقطع السؤال؛ ويلزم عليه إلزام السبر في المناسب أيضا، كما ذكره القاضي.
فإن قيل: المناسب إذا ظهر فهو بظهوره يستثير ظنا، ثم يزول ذلك الظن بالنقض والمعارضة، والوصف الذي لا يناسب [لا استثارة المظن إلا بظهوره وسبر] ما وراءه من العلامات والفوارق [فأول حصول الظن فيه] بالسبر؛ فيلزم ذلك بخلاف المناسب.
قلنا: لا، بل رب وصف غير مناسب يصح التشبيه به؛ وهو بظهوره يستثير ظن الجمع قبل البحث عما وراءه. كقولنا: طهارة حكمية؛ فإنه ينبه في مبتدأ الأمر، على التقارب وعسر الفرق، قبل سبر الفروق الكثيرة المشهورة لأبي حنيفة بين التيمم [والوضوء]. ولو لم نكتف بما أظهره: للزمه أن يتكلم على كل [فرق مهم ويبين بطلانه]؛
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 390)
ويتوجه عليه بالآخرة أن فرقا آخر غادرته ولم تطلع عليه. ولا منتهى له. فتكليف المعترض ذكره أولى من [تكليف المعلل] السبر؛ لأن المعترض لا يعدل عن الإظهار- مصرا على المطالبة [58 - أ]- إلا لعلمه بضعف الفرق، وأنه لا يقاوم الجمع.
فإن قيل: فليقبض من المعلل الوصف الذي يستثير الظن، دون الوصف الذي لا يستثير.
قلنا: شرط ذلك في الجدال مستحيل؛ لأن إثارة الظن تختلف بالأشخاص، ويطول فيه النزاع: فيدعى المجيب أنه مثيره، وينكره المعترض، ولا يمكن إثباته بيمين ولا بشاهد؛ فربما لا تجرى المناظرة في مع، فإن جرت: فالجمع يختلفون- أيضا- في اعتقاد كون الوصف مثيرا. فاستحال- في مصلحة الجدال- فتح هذا الباب؛ بل وجب القول بأن ما لا يثير الظن- عند المنصف- فذلك: لأنه يجاوره على القرب ما هو أولى منه. فليذكره حتى يفتضح؛ فهو أولى من رد الأمر إلى معيار مضطرب: تختلف فيه القرائح والفطن [ويبقى النزاع ناشبا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 391)
لا ينقطع]، وهذا قطعي عندنا في مصلحة النظر، يعرفه من كثر تدواره على الأشباه في المناظرات.
فإن قيل: [إن كان في فتح هذا الباب نوع عسر لا وفاء به، وضرب خصام لا مقطع له؛ ففي المصير إلى ما صرتم إليه، فتح باب في الهذيان: لا منتهى لقبحه، وتعترفون ببطلانه] من غير احتياج إلى الاعتراض عليه، كقول القائل: الخل مائع لا تنبى النقاطر على جنسه، فلا تزال النجاسة به كالدهن واللبن. وكقولهم: [الخل مائع، فتجوز إزالة النجاسة بعينه كالماء] وكقول بعض المستهزئين: الذكر طويل مستدار فلا تنتقض بمسه الطهارة كالمنارة. ولا ينقطع هذا الجنس عما ذكرتموه: بأنها حسيات؛ فإن الأوصاف الحسية قد تصلح للتشبيه والتعليل عندكم. ورب وصف حكمي لا يصلح، بل هو باطل بلبديهة، كقول القائل: تجب قراءة الفاتحة في الصلاة، لأنها عبادة ذات تحليل وتحريم، فيشترط فيها ذو عدد سبع: كالحج، أو أحد عددي صوم التمتع، فلا تصح الصلاة دونه كالثلاث. والمراد به: آيات الفاتحة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 392)
أو: الثلاث إحدى مدتي المسح، فلا يجوز الاقتصار عليها في الصلاة كالواحد، إلى غير ذلك: من الهذيانات، فإن [من] مساق كلامكم أن كل ذلك مسموع: يجب الاعتراض عليه.
قلنا: الذين ذهبوا إلى وجوب الاعتراض على الطرد بطريقه- كما تقدم- حاولوا الانفصال عن هذا الجنس، فقالوا: إنما يجوز التعليل بوصف موجود مع الحكم- وإن كان لا يناسب- بشرط أن يصلح لإضافة الحكم إليه. ومنهم من قال: يشترط أن لا تستحيل إضافة الحكم إليه. ومنهم من قال: يشترط أن يكون له في القلب خيال الصحة. وقطعوا- بهذه الشرائط- أمثال هذه الأمثلة، عما قبلوه.
ونحن نقول: هذه الشرائط في الجدال فاسدة؛ إذ يكثر النزاع فيها، فأكثر الأوصاف يتنازع الخصمان في أنها تصلح، أو [أن] لا تستحيل إليه الإضافة، أو له في القلب خيال الصحة. فإن هذا يختلف بالطباع؛ ورب طرف ظاهر تتفق الطباع عليه، ولكن يعاند المعاند بذكره. فلابد من طريق في قطع لسانه، سوى تحكيم العقلاء، [أو تحكيم]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 393)
الحاضرين؛ [فإن الأمثلة الواضحة على الطرفين- في النفي، أو في الإثبات- مما يقل؛ والأكثر هو الأوساط الدائرة بين الطرفين ويطول فيه النزاع].
فأقول: هذه الأمثلة لا يتصور أن يذكرها جاد في الكلام؛ وإنما تذكر على سبيل الاستهزاء؛ [أو على طريق] اللعب بالمبتدئين، أو على طريق التحدي بتمشية الفاسد، وإفحام الخصم بالسلاح الضعيف، كمن [يزعم: أنه] يقاوم الأسنة بأحداقه، [ويصادم النبال بأشداقه؛ شجعا على ضعيف: لا يحتمل السيف والسنان.
فإن فرض معاند يذكر شيئا من ذلك، أمكن إفضاحه- على قرب- بما يقطع لسانه، دون أن يذكر له أنا نعلم- بالضرورة- بطلانه؛ فإنه يقابل ذلك] بالجحد؛ وإنما علم بطلان هذه الأمثلة بالضرورة: بالطريق الذي ذكرناه أولا، وهو: وجود ما هو أولى منه [وأقرب]، ودرك قرب غيره بالبديهة من غير احتياج إلى تأمل.
[فإن ذكر معاند ذلك، فطريق الجدال عندنا]: إفحامه بطريقه، وهو: أن يقال مثلا: استويا في الطول والاستدارة، ولكن افترقا في أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 394)
هذا ذكر، وذلك ليس بذكر؛ وأن هذا يخرج منه المني، وذاك لا يخرج. [وهلم جرا إلى هذيانات تقابله]. فينقطع به ويجتزئ؛ ويقال [له]: لم يكن امتناع الإزالة بالدهن، لامتناع بناء القنطرة عليه؛ بل لما فيه: من الدسومة؛ بخلاف الخل. فيجتزئ. [ويقابل قوله: الخل مائع، فتجوز إزالة النجاسة بعينه، كالماء: بأن الخل ليس ماء، فيتعين إزالة] النجاسة بغيره، كالدهن.
ولسنا نذكر هذا: لأنا نقدر عاقلا يتعلق بمثله، ويهدف نفسه للافتضاح، وعرضه للتعرض، [وإنما ذكرنا هذا: لنبين] أن طريق الجدال الاعتراض، كما ذكرناه. إذ التمييز بما تقدم لا ينقطع عنه الخصام، [ولا ينبغي أن تنفر الطباع عن هذا الكلام؛ وليعلم] أن امتحان القرائح بالمجادلة [بهذا الجنس] كامتحانه بالمجادلة بالحقائق. فهو- من حيث الإلزام والإفحام، ورعاية الانتظام في الكلام، ومؤاخذة الخصم في مضائق الخصام- غير مختلف. نعم: الامتحان بنوع من التحقيق تكثير فيه الجدوى، [أولى. فلذلك نرى هذا الجنس مهجورا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 395)
من ذوي الجد]. [وإنما يذكر هذا الجنس للعب] والاستهزاء. [58 - ب] فبطلان هذا الجنس- عندنا- ليس لتمييزه عما تقدم بذاته، بل هو الوجه الذي يبطل به ما تقدم: من ظهور ما هو أولى منه؛ إلا أن ظهور غير ما ذكرناه في هذا المقام قد يدرك بديهة. وفيما تقدم قد يدرك بنوع تأمل.
فهذا هو البيان الشافي في [إظهار] مصلحة المجادلة، وهي لازمة على كل قائل بالشبه لزوما ضروريا؛ وإن لم يقل به: انتهى في كل تشبيه نذكره، إلى الانقطاع الصريح الذي لا مخرج له منه بطريق الجدال، [إلا] بطريق الاستبصار والاستشهاد، ومجرد الاستبعاد من غير كلام ينصب في قال الجدال على السداد، فهذا منتهى المراد [في هذا الكلام].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 396)
القول في بيان ما يعده العامة من الشبه الذي قدمناه، وليس منه
وهو أنواع ثلاثة ترجع جملتها إلى إتباع العلامات الجامعة، بعد قيام الدليل على وجوب طلب العلامة.
فقد ذكرنا أن لقياس الشبه عمادين، يترجمها قولنا في حكم الربا: [انه] لابد من طلب علامة، ولا علامة إلا الطعم. وأن منشأ غموض هذا الجنس من القياس، قولنا: لابد من طلب علامة؛ والخصم ينكر هذا الوجوب، ويقول: العلامة المعرفة: الاسم المذكور في النص، أو الحد المعلوم بالإجماع؛ وإنما وجوب التعدي عند العثور على علامة مناسبة.
فأما إذا سلمت المقدمة الأولى- وهو: أنه لابد من طلب علامة. فلا يسع لأحد من القائسين أن ينكر طريق السبر والترجيح، في تجاذب العلامات بعد حصرها بطريق الاجتهاد، إذا دل الدليل على وجوب إضافة الحكم إلى علامة زائدة على الاسم الخاص.
النوع الأول من ذلك: إتباع الشبه في جزاء الصيد من التمثيل بالنعم، كمصيرنا إلى أن في النعامة بدنة، وفي اليربوع جفرة، وفي الغزال عنزا، وفي الظبية شاة، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الضبع كبشا،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 397)
وفي الأرنب عناقا، وفي الضب جديا [جمع الماء والشجر]؛ إلى غير ذلك.
فهذا وأجناسه عده عادون من جملة قياس الشبه؛ واستدلوا عليه [بصحة التشبيهات] بالصفات الخلقية؛ وهو خيال باطل، [وتمثيل مائل. إذ] قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم، فمن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل سن النعم}. فأوجب المثل وحصر في النعم، فكان طلب الوصف- الذي به تقع المماثلة- واجبًا بحكم النص. فسلمت المقدمة الأولى، وهي الغامضة من قياس الشبه، وإذا سلم ذلك فلا يمكن طلب المماثلة إلا بالخلقة، ولا تعويل إلا على المماثلة في الصغر والكبر؛ فإن الصيد والنعم لا يتماثلان في الألوان والصفات والعادات؛ فصار النظر في تعيين الصفات التي إليها النظر في المماثلة- واقعا من جملة النظر في المقدمة الثانية؛ وذلك ضرورة كل [قابل للشرع] [وقائل به. ومثاله:] إيجاب الشرع مهر المثل. وتعرفنا ذلك بالنظر إلى مثل الموطؤة من نساء العشيرة؛
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 398)
وإنما يعرف كون غيرها مثلا لها: بالجمال والورع، والصلاح والنسب، وجميع الصفات؛ [بنوع نظر].
وكذلك أوجب الشرع الكفاية في نفقة الولد، وقيس به الوالد؛ إذ قال عليه السلام لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف»؛ وإنما تعرف كفاية الولد، بالنظر إلى مثله: في السن والصحة، والقوة والسلامة، وغير ذلك: من صفات تؤثر في الحاجة إلى الطعام.
ويلتحق بهذه الجملة معرفة القيم [المختلفات]؛ فإنها تعرف بالقياس إلى الأشباه والأمثال والنظائر. وتقدير كفاية الولد [بما ظهر] بالاجتهاد في النظر إلى المثل، أظهر من قياس الوالد على الولد، مع أن اعتباره [به] برابطة البعضية، يلتحق بالأقيسة المناسبة.
فإذا كان هذا القياس أجلى من المؤثر، فكيف يدرج في غمار الشبه الضعيف [الذي قدمناه؟] أو كيف يستدل به على صحة الشبه الضعيف؟ فكل صفة تبعدنا بطلبها، فطلبها بالسبر والحصر والترجيح والاجتهاد حتم لا يسع [لأحد] خلافه. ولهذا نقل عن أبي هاشم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 399)
- هو من منكري القياس- القول بإتباع الشبه في مسئلة جزاء الصيد، متعللا؛ بأن ذلك منصوص عليه. فبان بذلك أن هذه رتبة علية في الاجتهاد؛ وسببه: ثبوت المقدمة الأولى بالنقل؛ وهو منشأ الغموض في قيس الشبه.
فإن قيل: احتمل أن يكون المعنى بالآية المثل من النعم في القيمة؛ وهو أن يشتري بقيمته مثله من النعم.
قلنا: إن كان هذا هو المراد، فرعاية المماثلة وإيجاب [59 - أ] المثل من النعم أصلا بالشبه الخلقي- باطل قطعا؛ فإن كان المراد منه ما ذكرناه: فإيجاب القيمة باطل قطعا، أما النظر في أن المراد منه ماذا؟ [ف] طريقه طريق التأويل والتصرف في الألفاظ. وقد صح لنا- بعمل الصحابة وأفضيتهم في بلاد مختلفة، وأوقات متفاوتة، بمثل ما حكمنا به- أنهم فهموا من الآية ما ذكرناه.
وغرضنا أنه إن بان [أن المراد] تلك المقدمة، لم يكن هذا من القياس؛ وإن لم يتبين: فليس طلبه من الآية على مذاق مأخذ وجوب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 400)
طلب العلامة في قاعدة الربا.
النوع الثاني من ذلك: ما عرف مناط الحكم فيه بالإجماع، ثم سنحت واقعة تركبت من مناطين ازحما عليه، فتتجاذب أطراف الكلام في الترجيح. وهذا ينقسم: إلى ما يزدحم عليه المناطان المتناقضان، فيوجد كل مناط على كماله بتمام صورته. وإلى ما يتركب منهما، فيكون ممزوجا في ذاته، متركب المزاج من القسمين؛ فيتكلم فيه بالتغليب بالشوائب.
أما مثال القسم الأول: فكنظرنا في أن قيمة العبد هل تضرب على العاقلة؟ وهي تتقدر في نفسها؟ وذلك: لأن الإجماع منعقد على أن بدل الدم مقدر، وأن بدل المال غير مقدر، وقد ازدحم على العبد كلاهما؛ فهو إنسان كامل حامل لأمانة الله تعالى ومكلف كالأحرار؛ وهو مال متحول كالفرس والثوب. فمن قدر: لم يخرج عن تقدير بدل الدم، وهو مناط التقدير بالاتفاق. ومن لم يقدر: لم يخرج عن ترك التقدير في بدل المال، وهو علامة لعدم التقدير. ولكن ازدحمت علامتان: تناقض حكمها، وعلم كونهما علامة بالإجماع. فكانت العلامة في أصلها معلومة كونها مناطا، ومعلوم الوجود في المسئلة، فيتعين طريق الترجيح على كل قائل بالقياس.
وكذلك القول في ضرب بدله على العاقلة. وكذلك القول في أنه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 401)