الزَّكاةَ، فإذا فعلُوا عصمُوا منِّي دِماءَهُمْ وأموالَهُم إلَاّ بحقِّهَا وحسابُهُم على الله)) [متفقٌ عليه عن ابنِ عُمرَ] ، فهذا لفظٌ مجهولُ القَدرِ أو مجهُولُ الجِنسِ، فيحتاجُ إلى البيانِ.
2ـ اللَّفظُ المُشتركُ الَّذي لم يقُم دليلٌ على تعيينِ المُرادِ منهُ، كلفظِ (القُرءِ) المتقدِّمِ في قسمِ (المُشترَك) .
3ـ اللَّفظُ الغريبُ المُبهمُ، كلفظِ (القارعَة) في قوله تعالى: {الْقَارِعَةُ} بيَّن الله تعالى مُرادَهُ منها بعدَ ذلك فقالَ: {الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ} الآيات [القارعة: 2ـ 5] ، ولولَا بيانُهُ عزَّوجلَّ لم نفهَمْ منهَا هذا المعنى.
* حكمه:
(المُجملُ) لتعذُّرِ العلمِ بالمُرادِ منه إلَاّ عن طريقِ الشَّرعِ، ولا مجالَ فيه للاجتهادِ، فالأصلُ فيه التَّوقُّفُ حتَّى يوجَدَ تفسيرُهُ من جهةِ الكتابِ والسُّنَّةِ، فإنْ وُجدَ مُستوفًى لا شُبهَةَ فيه انتقلَ من وصفِ (المُجمل) إلى وصفِ (المُفسَّرِ) من أقسمِ (الواضِحِ الدَّلالةِ) ، وإن بيَّنَهُ الشَّرعُ بعضَ البيانِ مع بقيَّةِ خفاءٍ كانَ من قسمِ (المُشكِلِ) للاجتهادِ فيهِ مجالٌ.
واعلمْ أنَّ كلَّ ما يثبُتُ به التَّكليفُ العمليُّ ويتَّصلُ به الفقْهُ فإنَّهُ يستحيلُ استِمرارُ الإجمالِ فيهِ، فلا بدَّ أن تكونَ الشَّريعَةُ بيَّنتهُ، وإنْ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 307)
كانَ قدْ تخفى معرفتُهُ على بعضِ أفرادِ العُلماءِ، فإنَّ العلمَ بحقيقةِ المُرادِ منهُ لاتخفى على جميعِ الأمَّةِ.
* مسألة:
قدْ يكونُ النَّصُّ مجملاً في بعضِ معناهُ بيِّنًا في بعضهِ، فيُعملٌُ بما كانَ بيِّنًا منهُ، ويُطلبُ بيانُ الإجمالِ في سائرِهِ، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [البقرة: 267] ، فهذا النَّصُّ واضحٌ في وجوبِ الإنفاقِ من المكاسبِ وممَّا تُخرجُه الأرضُ، مُجملٌ في بيانِ مقدارِ الواجبِ، فيُطلبُ بيانُهُ من غيرهِ.
(4) المتشابه
* تعريفه:
هوَ اللَّفظُ الَّذي لا تدلُّ صيغَتُهُ على المُرادِ منهُ، وليسَ ثمَّةَ قرائِنُ تُبيِّنُه، واستأثرَ الله عزَّوجلَّ بعلمِ حقيقتِهِ.
هذا أفضلُ ما عرَّفُوا به (المُتشابهَ) ، وقَدِ اضْطرَبَتْ تعريفاتُ الأصوليِّينَ لهُ، مع أنَّهُم جعلوهُ مُقابلاً لـ (المُحكمِ) ، وهذهِ مُقابلَةٌ صحيحةٌ في كتابِ الله تعالى، والقُرآنُ يشهدُ لصحَّةِ التَّعريفِ المذكُورِ، وذلكَ أنَّ الله تعالى قال: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 308)
مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] ، فجعلَ (المُحكمَ) أُمَّ الكتابِ، و (أُمُّ الشَّيءِ) مُعظمهُ وأكثرُهُ، أمَّا (المُتشابه) فجاء فيه بلفظٍ يدلُّ على التَّقليلِ، وهذا هو المُتناسبُ مع ما أنزل الله تعالى القرآنَ لأجلِهِ، أن يكونَ أكثرُهُ واضحًا لا لبسَ فيه ولا إشكالَ، ما خفِي منهُ على فردٍ علِمهُ الآخرُ، وهذا معنى وصفِ القرآنِ بالهدايَةِ والتِّبيانِ والنُّورِ والضِّياء وماءِ الحياةِ والاستِقامَةِ، ثمَّ إنَّ الآية دلَّت على أنَّ الله تعالى استأْثرَ بِعلمِ (المُتشابه) ، لا يُدركُ حقيقتهُ حتَّى العُلماءُ، بلْ يقولُونَ: {آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} ، وما كانَ كذلكَ امتنعَ جزمًا أنْ يرادَ به التَّشريعُ للأمَّةِ، لأنَّ الله تعالى لا يُمكنُ أن يُكلِّفَ العِبادَ ما لا يُدركُ معناهُ خاصَّتُهُم من أهلِ الذِّكرِ والعلمِ الَّذين هُمُ المفزَعُ لمعرفةِ الدِّينِ.
فإذا ظهرَ هذا علِمنَا امتنَاعَ دخولِ شيءٍ من الأحكامِ تحتَ معنَى (المُتشابه) .
إذًا تسألُ: ما مِثالُ (المُتشابِه) ؟
* مثاله:
نُصُوصُ صفاتِ الله عزَّوجلَّ، لا مِن جهةِ معانيها، فإنَّهَا بألفاظٍ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 309)
عربيَّةٍ مُدركَةِ المعاني، كصفاتِ الذَّاتِ، مثلُ: (اليَدِ، والوجهِ، والعينِ) ، أو صفاتِ الفِعلِ (كنفخِ الرُّوحِ، وإبدَاعِ الخلقِ، وإنزالِ الرِّزقِ) ، فهذهِ بألفاظٍ عربيَّةٍ لا يخفى العِلمُ بها، وإنَّما الاشتِباهُ في إدراكِ كيفيَّاتهَا وكُنههَا، فالله عزَّوجلَّ مع تعرُّفِهِ إلى خلقِهِ بأسمائِهِ وصِفاتِهِ، إلَاّ أنَّه احتجبَ عنهُم بذاتِهِ، وحذَّرهُمْ من أن يُقيمُوا له صورَةً في الأذهانِ، فقالَ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] ، فهوَ مع سمعِه وبصرِهِ وسائرِ صفاتِهِ الَّتي نُدركُ معاني ألفاظِهَا ونعلمُ فوارقَ ما بينهَا في دلالاتِها، إلَاّ أنَّه ليسَ كمِثلهِ شيءٌ فيها، فليسَ سمعٌ كسَمعِنَا ولا بصرٌ كبصرِنَا.
والأمرُ في ذلكَ كلِّه على القاعدَةِ المالكيَّةِ، فقدْ سُئلَ الإمامُ مالكُ بنُ أنسٍ رحمه الله عن استِواءِ الله تعالى على عرشِهِ؟ فقالَ: الكيفُ غيرُ معلومٍ، والاستِواءُ غيرُ مجهولٍ، والإيمانُ به واجبٌ، والسُّؤالُ عنهُ بدْعَةٌ.
ومن الدَّليلِ على صحَّةِ هذا المِثالِ لـ (المُتشابِهِ) حديثُ عائشَةَ رضي الله عنها قالتْ: تلَا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} الآية إلى آخرِهَا [آل عمران: 7] ، قالتْ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا رأيتُمُ الَّذينَ يتَّبعُونَ ما تشابَه منهُ فأولئِكَ الَّذينً سمَّى الله فَاحْذرُوهم)) [متفقٌ عليه] .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 310)
ومن النَّاسِ من زعَمَ أنَّ (المُتشابهَِ) هو الحُروفُ المقَطَّعةُ في أوائلِ بعضِ سُورِ القرآنِ، ولييسَ هُناكَ ما يمنعُ ذلكَ، خاصَّةً وأنَّها لم يُدركْ معناهَا، وخاضَ بعضُ العُلماءِ فيها من غيرِ فائدَةٍ، ولكنَّا نعلمُ يقينًا أنَّ الأمَّةَ لم تتفرَّقْ في الحُروفِ المُقطَّعةِ فرَقًا، ولمْ تتَّبع ذلكَ ليضلَّ فيه طوائفُ من الخلقِ، ولم يقعْ بها ضربٌ لنُصوصِ الكتابِ بِبعضِهَا، فأينَ الحُروفُ المقَطَّعةُ من قولهِ: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} وأينَ هيَ من تحذيرِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؟
هذا المِقدارُ كافٍ لإدراكِ حقيقةِ (المُتشابهِ) ، ولولَا أنَّه من مقتضياتِ تتمَّةِ القولِ في دلالاتِ النُّصوصِ، لكانَ جديرًا بأن لا يُذكرَ في (علمِ أصُولِ الفِقهِ) فإنَّه ليسَ من موضُوعِهَا، لأنَّه كما تقدَّم لا يتَّصلُ به شيءٌ من التَّكاليفِ.
* حكمه:
الإيمانُ به كما ورَدَ من غيرِ تشبيهٍ ولا تكييفٍ، ولا تعطيلٍ ولَا تحريفٍ، كما قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 7ـ 8] .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 311)
القسم الرابع
كيفية دلالة اللفظ على المعنى
1ـ عبارة النص
* المقصودُ بها:
دلالةُ اللَّفظِ على المعنى المُتبادِرِ فهمُه من نفسِ صيغَتِهِ.
ويسمَّى (المعنى الحرفيَّ للنَّصِّ) .
* مثال:
أكثرُ أحكامِ الشَّريعةِ مُستفادَةٌ من عباراتِ نصُوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ، والعلَّةُ في ذلكَ أنَّ الله تعالى أرادَ أن يكونَ قانونًا متَّبعًا، ولا يتهيَّأُ ذلكَ إلَاّ إذا كانَ مفهومًا مُدركًا للمُكلَّفِ دالاًّ على المُرادِ منهُ بنفسِ صيغةِ الخِطابِ.
فلوْ أخذتْ لهُ مثالاً بقولهِ تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3] ، فعبارةُ النَّصِّ دلَّتْ بلفظِهَا على أحكامٍ ثلاثةٍ هي:
1ـ إباحَةُ النِّكاحِ.
2ـ تحديدُ تعدُّدِ الزَّوجاتِ بأربعٍ كحدٍ أقصَى.
3ـ وُجوبُ الاكتِفاءِ بواحدَةٍ عندَ خوفِ الجورِ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 312)
2ـ إشارة النص
* المقصود بها:
دلالةُ اللَّفظِ على معنى غيرِ مقصودٍ من سياقِه، لكنَّهُ لازمٌ لِما يُفهمُ من (عبارَةِ النَّصِّ) .
وقد يكونُ التَّلازُمُ بينَ (العبارَةِ) و (الإشارَةِ) ظاهرًا، وقد لا يُدركُ إلَاّ بِبحثٍ وتأمُّلٍ.
* أمثلة:
1ـ قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نسائكم} حتَّى قالَ: {فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187] عبارَةُ النَّصِّ: إباحةُ إتيانِ الزَّوجَةِ في ليلَةِ الصِّيامِ في أيِّ وقتٍ من اللَّيلِ، إلى ظُهورِ الفجرِ، وإشارَةُ النَّصِّ: أنَّ الجنابَةَ لا أثرَ لها في الصَّومِ، وذلكَ أنَّ من له أن يُجامعَ ولوْ في آخرِ لحظَةٍ من اللَّيلِ فإنَّهُ قد يُصبحُ جُنبًا، فلازِمُ الإباحَةِ أنَّ الجنَابَةَ لا أثرَ لهَا.
2ـ قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] عبارَةُ النَّصِّ: وُجوبُ سُؤالِ أهلِ الذِّكرِ عندَ عدَمِ العِلمِ، والإشارَةُ: وُجوبُ إيجادِ أهلِ ذِكرِ لِيُسألُوا، إذْ لا يُمكنُ سُؤالُ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 313)
أهلِ ذِكرٍ لا وُجودَ لهُم.
3ـ قوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاق: 15] مع قولِهِ عزَّوجلَّ: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان: 14] أشارَ إلى أنَّ أقلَّ مُدَّةِ الحملِ ستَّةُ أشهُرٍ.
4ـ قوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 232] دلالَةُ العبارَةِ: وُجوبُ النَّفقةِ للوَالِداتِ على الأبِ، ودلالةُ الإشارَةِ: وُجوبُ نفقةِ الابنِ عليهِ كذلكَ لنِسبَتِهِ إليهِ بقولهِ: {لَهُ} فهُو كما لا يُشاركُه أحدٌ في النِّسبةِ فلا يُشاركُه أحدٌ في وجوبِ هذهِ النَّفقَةِ.
3ـ دلالة النص
* المقصود بها:
دلالَةُ اللَّفظِ على ثُبوتِ حكمِ المنطوقِ (أي: عبارة النَّصِّ) لمسكوتٍ عنهُ لاشتِراكِهِمَا في علَّةِ الحُكمِ.
وهذهِ العلَّةُ تُدركُ بمجرَّدِ فهمِ اللُّغةِ، لا تتوقَّفُ على بحثٍ واجتهادٍ، وتدلُّ على كونِ المسكوتِ عنه أولَى بالحُكمِ من المنطُوقِ، أو مُساويًا لهُ.
* أمثلته:
1ـ قوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] ، دلالَةُ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 314)
العبارَةِ: تحريمُ قولِ (أفٍّ) للوالدينِ، وهذا هوالمنطُوقِ، ودلالَةُ الدَّلالةِ: تحريمُ سبِّهمَا وشتمِهمَا ولعنِهمَا، وهذا هو المسكوتُ عنهُ، فنبَّه بمنعِ الأدنَى على منعِ ما هوَ أولى منهُ، وهوَ معنَى يُدركُ من غيرِ بحثٍ ولا نظرِ.
2ـ قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] ، دلالة العبارةِ: أخْذُ الجزيَة من أهلِ الكتابِ صغارًا، ودلالَةُ الإشارَةِ: أخذُهَا من الوثَنِيِّ، لأنَّهُ أولى بالصَّغارِ من الكِتابيِّ، هذا الاستِدلالُ للمالكيَّةِ.
وتقدَّمً في (القياسِ) تسميةُ هاتينِ الصُّورتينِ بـ (قياسِ الأولَى) .
3ـ قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10] ، دلالَةُ العبارَةِ: حُرمَةُ أكلِ أموالِ اليَتَامَى، وهذا هو المنطُوق، ودلالةُ الدَّلالَةِ: تحريمُ إحراقِها وإغراقِهَا، وهذا هو المسكوتُ عنهُ، فنبَّه بالمنعِ من الأكلِ على كُلِّ ما يُساويهِ في الإتلافِ.
وتقدَّم في (القِياسِ) تسميةُ هذهِ الصُّورَةِ بـ (قياسِ المُساوَاةِ) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 315)
* تنبيهان:
1ـ تُسمَّى (دلالة النَّصِّ) بـ (القِياس) تجوُّزًا لوجودِ معناهُ فيهَا، وإن كانَ فهمُهَا لا يتوقَّفُ على اجتهادٍ.
2ـ تُعرفُ (دلالَةُ النَّصِّ) عند العُلماءِ بألقابٍ، هيَ:
[1] مفهومُ المُوافقَة، والوجهُ فيهِ ظاهرٌ ممَّا تقدَّم.
[2] فحْوى الخِطابِ، و (الفَحوَى) المعنَى، ويُسمَّى بهذا إذا كانَ طريقُ الدَّلالةِ بالأولويَّة.
[3] لحنُ الخِطابِ، إذا كانَ طريقُ الدَّلالَةِ المُساواة.
[4] القياسُ الجليِّ، ووجهُهُ عدمُ الحاجَةِ في فهمِهِ إلى اجتهادٍ مع وجودِ صورةِ القِياسِ فيه.
4ـ اقتضاء النص
* المقصود به:
المعنَى الَّذي لا تستقيمُ دلالَةُ الكلامُ إلَاّ بتقديرهِ.
* من أمثلته:
1ـ قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23] عِبارَةُ النَّصِّ: تحريمُ أشخاصِ الأمَّهاتِ، وهذا لا معنَى له وليسَ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 316)
مُرادًا بالنَّصِّ قطعًا، فاقتضَى تقديرَ شيءٍ في الكلامِ لتَظهرَ دلالتُهُ، وذلكَ التَّقديرُ مُستفادٌ بمجرَّدِ امتناعِ دلالةِ العِبارَةِ، فكانَ المقدَّرُ ههُنَا: (نِكاحُهُنَّ) .
2ـ قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الله وضعَ عن أمَّتي الخَطأ والنِّسيانَ وما استُكرهُوا عليهِ)) [حديثٌ صحيحٌ رواهُ ابن ماجة وغيرُهُ] ، فالعبَارَةُ: وضعُ نفسِ الخَطإ والنِّسيانِ وما يُكرهُ عليهِ، والواقعُ أنَّ الخطأ والنِّسيانَ وما يُكرهُ عليهِ أمورٌ موجودةٌ غيرُ موضوعةٍ، ولا ريبَ أنَّ الشَّارعَ ما أرادَ هذا المعنى، إنَّما هُنالكَ شيءٌ يجبُ تقديرهُ في الكلامِ يقتضيهِ النَّصُّ، وهوَ: (إثمُ) الخطإِ والنِّسيانِ وما أُكرهَ عليهِ.
3ـ قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] التَّقديرُ: فمنْ كان منكُم مريضًا أو على سفرٍ (فأفطرَ) فعدَّةُ من أيامٍ أُخرَ.
ومثلهُ قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ} [البقرة: 196] ، التقديرُ: فمن كانَ منكُم مريضًا أو بهِ أذًى من رأسِهِ (فحلقَ شعرَهُ) ففِدْيةٌ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 317)
5ـ مفهوم المخالفة
* المقصود به:
إثباتُ نقيضِ حكمِ المنطوقِ به للمسكوتِ عنهُ.
ويسمُّونهُ (دليلَ الخطابِ) ، لأنَّ الخطابَ دلَّ عليهِ.
* أنواعه:
1ـ مفهوم الصِّفة:
هو أن يدلَّ اللَّفظُ المقيَّدُ بوصفٍ على نقيضِ حُكمهِ عندَ انتِفاءِ ذلكَ الوصفِ.
ويدخلُ في (الصِّفةِ) كلُّ قيدٍ ليسَ بشرطٍ أو غايةٍ أو حصرٍ أو عددٍ أو لقبٍ، فهذه الخمسةُ سيأتي بيانُ دلالاتها مستقلَّةً.
مثالهُ: قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] المنطوقُ: وجوبُ تحريرِ رقبةٍ مؤمنَةٍ، والمفهومُ: منعُ تحريرٍ رقبةٍ كافرةٍ.
ومنهُ حديثُ: ((وفي صدقةِ الغنمِ في سائمتِهَا إذا كانتْ أربعينَ إلى عشرينَ ومئَةٍ شاةٌ)) [أخرجه البخاريُّ في حديث أبي بكرٍ في الصَّدقاتِ] ، فعُلِّقتْ زكاةُ الغنمِ بوصفِ (سائمة) ، والسَّائمَةُ هي الَّتي ترعى بنفسِهَا لا تُعلفُ، هذا هو المنطُوقُ، والمفهومُ: لا زكاةَ في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 318)
المعلوفَة.
2ـ مفهوم الشَّرطِ:
هو أن يدلَّ اللَّفظُ المقيَّدُ بشرطٍ على ثبوتِ نقيضهِ عندَ انتِفاءِ الشَّرطِ.
مثالهُ: قوله تعالى: {وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ} [النساء: 4] ، المنطُوقُ: إباحَةُ ما طابتْ بهِ نفسُ الزَّوجَةِ من مهرِهَا، والمسكوتُ: حرمَةُ ذلكَ بغيرِ طيبِ نفسٍ منها.
3ـ مفهوم الغاية:
هو أن يدلَّ اللَّفظُ المقيَّدُ بغايةٍ على نقيضِ حكمِهِ عندَ انتفاءِ تلكَ الغايةِ.
مثالهُ: قوله تعالى: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات: 9] ، المنطوقُ: وجوبُ قتالِ الفِئةِ الباغيَةِ لغايةِ أن تفيءَ، والمفهومُ: تركُ قتالِهَا بعدَ أن تفيءَ.
4ـ مفهوم الحصر بـ (إنَّما) :
هو إثباتُ الحكمِ لشيءٍ بصيغةٍ ونفيُهُ عمَّا عداهُ بمفهومِ تلكَ الصِّيغةِ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)
وهو قد يقعُ بغيرِ (إنَّما) ، لكنْ هذا الَّذي يصحُّ اندراجُه منها تحتَ (أنواع المفهوم) .
مثالهُ: قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ)) [متفقٌ عليه] ، المنطوقُ: اعتبارُ الأعمالِ بالنِّيَّاتِ، والمفهومُ: عدمُ اعتبارهَا بغيرِ النِّيَّاتِ.
5ـ مفهوم العددِ:
هو أن يدلَّ اللَّفظُ المقيَّدُ بعددٍ على نقيضِ حُكمهِ عند انتفاءِ ذلكَ العَدد.
مثالهُ: قوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} [المائدة: 89] ، المنطوقُ: وجوبُ صيامِ ثلاثةِ أيَّامٍ، والمفهومُ: ما نقصَ عن ذلكَ أو زادَ عليهِ.
6ـ مفهوم اللَّقب:
هو دلالةُ اللَّفظِ الَّذي عُلِّقَ الحُكمُ فيهِ بالاسمِ العَلمِ على انتفاءِ ذلك الحُكمِ عن غيرِهِ.
مثالهُ: قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} [الفتح: 29] ، مفهومهُ: غيرُ محمَّدٍ ليسَ رسولَ الله.
وقولهُ صلى الله عليه وسلم: ((في الحَجْمِ شفاءٌ)) [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أبو نُعيمٍ الأصبهاني في ((الحلية)) 3/121 بإسنادٍ صحيحٍ عن عبد الله بنِ سرْجِس] ، مفهومهُ: ليسَ في غيرِ الحَجْمِ شفاءٌ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 320)
* حجية المفهوم
هلْ مفهومُ المخالفَةِ حُجَّةٌ؟ في ذلك تفصيلٌ، وهو ورادٌ على ثلاثةِ أقسامٍ:
1ـ ليسَ بحُجَّةٍ عندَ جمهورِ العلماءِ إلَاّ في قولٍ شاذٍّ قال بهِ بعضُ الشَّافعيَّة والحنابلَةِ، وهو (مفهومُ اللَّقبِ) ، وفسادُه ظاهرٌ.
2ـ حجَّةٌ اتِّفاقًا، وهو أنواعُ المفهومِ الأخرى (الوصفُ، والشَّرطُ، والغايةُ، والحصرُ، والعددُ) في غيرِ نصوصِ الكتابِ والسُّنَّة، أيْ: في ألفاظِ النَّاسِ في العُقودِ والمُعاملَاتِ وعباراتِ المؤلِّفينَ والفقَهاءِ.
فقولُ القائلِ: (وقفُ هذه الدَّارَ على طلََةِ العُلومِ الشَّرعيَّة) نصٌّ في اختصاصِهم بها، مفومُهُ: ليستْ وقفًا على غيرهِم، وإذا قالَ: (إنَّما هذا لكَ) أيْ: ليسَ لغيرِكَ.
3ـ مختلفٌ فيه على مذهبينِ مشهورينِ:
[1] أكثرُ العلماءِ: المفاهيمُ الخمسَةُحجَّةٌ في جميعِ النُّصوصِ، لافرقَ في الاعتِدادِ بها بينَ نُصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ، أو اعتبارَاتِ النَّاسِ، ومنهُم من يتردَّدُ في بعضهَا كفهومِ (العَدَد) .
ومن الدَّليلِ على الاحتجاج بها: أنَّه المتبادرُ إلى الفهمِ من أساليبِ العربيَّة، فقولُك لإنسانٍ: (إنْ تفعلِ الخيرَ تُفلحْ) دالٌّ بمفهومِه على: (إن لا تفعلِ الخيرَ لا تُفلِحُ) ، وإلَاّ فلا فائِدَةَ من تعليقِ الجزاءِ على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)
الشَّرطِ.
ورَوَى مُسلمٌ عن يعلى بنِ أُميَّةَ قالَ: قلتُ لِعُمرَ بنِ الخطَّابِ: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101] فقدْ أمنَ النَّاسُ؟ فقالَ: ((صدَقَةٌ تصدَّقَ الله بها عليكُم فاقبَلُوا صدَقتَهُ)) .
فهذا دليلٌ على صحَّةِ الاستِدلالِ بالمفهومِ عندَهُم، فإنَّ سليقَةَ عُمرَ العربيَّة جعلتْهُ يعجبُ من بقاءِ الحُكمِ عندَ انتِفاءِ الشَّرطِ لأنَّه مُدركٌ أنَّ الأصلَ عدَمُهُ، حتَّى بيَّن لهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ بقاءَ الحُكمِ صدَقَةٌ من الله تعالى على المُسلمينَ.
[2] الحنفيَّةُ ووافقَهُم بعضُ العلماءِ من غيرِهِم: ليسَ بِحُجَّةٍ في نُصوصِ الشَّريعَةِ.
والسَّببُ أنَّهُم رأوْا كثيرًا من صُورِ المفهومِ غيرَ مُرادَةٍ.
* الراجح:
صحَّةُ أن يكونَ المفهومُ مُدركًا من لسانِ العربِ وأساليبِهَا، تدلُّ على أنَّهُ لا يصلُحُ اعتبارُ الاستِدلالِ به في سائرِ الكلامِ العربيِّ دُونَ نصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ، لكن يجبُ أن يُضبطَ بِبعضِ الشُّروطِ لإخراجِ ما لا يصحُّ أن يُستدلَّ به لهُ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)
* شُروط صحته:
1ـ أن يسلمَ الحُكمُ من المُعارضِ.
فمفهومُ قوله صلى الله عليه وسلم: ((وفي صَدَقةِ الغنمِ في سائمتِهَا إذا كانتْ أربعينَ إلى عِشرينَ ومئَةٍ شاةٌ)) [أخرجه البُخاريُّ] ، أن لا زكاةَ في المعلوفَةٍ، بشرطِ أن لا يكونَ الدَّليلُ ثبتَ بوجوبِ الزَّكاةِ فيهاَ.
فاستِدلالُ بعضِ المالكيَّةِ بمفهومِ قوله صلى الله عليه وسلم: ((الثَّيِّبُ أحقُّ بنفسِهَا من وليِّهَا)) أنَّ البِكرَ تُجبرُ، استِدلالٌ بالمفهومِ مع قيامِ المُعارضِ، كما أشعرَ به سِياقُ الحديثِ بتمامِهِ، فإنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: ((الثَّيِّبُ أحقُّ بنفسِها من وليِّها، والبِكرُ تُستأمَرُ وإذْنُها سُكوتهَا)) [أخرجه مسلمٌ من حديث ابن عبَّاسٍ] ، بل هو كذلكَ عندَ مالكٍ في ((موطَّئهِ)) بلفظ: ((الأيِّمُ أحقُّ بنفسهَا من وليِّهَا، والبِكرُ تُستأذَنُ في نفسِهَا، وإذنُهَا صُماتُها)) ، فلو صحَّ إجبارُهَا لم يكُن لاستِئذانِها معنَى، وثبتَ من حديثِ ابنِ عبَّاسٍ وغيرهِ أنَّ جاريَةً بِكرًا أتَتِ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فذكرتْ أنَّ أباهَا زوَّجَها وهي كارِهةٌ، فخيَّرها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم[أخرجه أبوداود وغيرهُ، وهو صحيحٌ] .
وممَّا سقطَ فيه اعتبارُ المفهومِ المُعارضِ فصَّةُ عُمرَ بنِ الخَطَّابِ المتقدِّمَةُ في قصرِ الصَّلاةِ.
ومن ذلكَ قولُه صلى الله عليه وسلم: ((إنَّما الرِّبا في النَّسيئة)) [متفقٌ عليه من حديثِ أُسامَةَ بن زيدٍ، واللَّفظُ لمُسلمٍ] ، فكانَ ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما يحتجُّ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)
بمفهومِ هذا الحديثِ بنفيِ الرِّبا في غيرِ النَّسيئةِ وحصْرِه في النَّسيئةِ، وإنَّما خالفهُ غيرُهُ من الصَّحابةِ كأبي سعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه وغيرِه لا في صحَّةِ إفادَةِ الحصرِ بهذهِ الصِّيغةِ، وإنَّما لثُبوتِ المُعارضِ عندَهُم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ثبوتُ تحريمٍ ربا الفضلِ.
2ـ أن لا يكونَ خرَجَ مخرجَ الغالبِ.
فمثالُ ما سقطتْ فيه دلالةُ المفهومِ لمجيئِهِ على هذا المعنَى: قولهُ تعالى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [النور: 33] ، فهذا شرطٌ لا مفهومَ لهُ؛ لأنَّ الإكراهَ لا يقعُ عادةً مع الرَّعبةِ في البِغاءِ؛ إنَّما يقعُ وهُنَّ يُردْنَ العِفَّةَ، فالمَعنَى: لا يحلُّ إكراهُهُنَّ على البِغاءِ أرَدْنَ تحصُّنًا أو لم يُرِدْنَ.
وتقدَّم في (المُطلقُ والمقيَّدِ) قوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نسائكم اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} [النساء: 23] ، فقولهُ: وصفٌ لكنَّهُ لا أثرَ لهُ وإنَّما خرجَ مخرَجَ الغالبِ، لأنَّ بنتَ الزَّوجةِ تكُونُ غالبًا مع أُمِّهَا.
ومن ذلكَ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130] ، فلا مفهومَ لهُ في جوازِ أكلِ القليلِ من الرِّبا، وإنَّما خرجَ هذا مخرجَ الغالبِ، فإنَّ أحدَهُم كانَ يقولُ لمن لهُ عليهِ الدَّينُ: إمَّا أن تقضي وإمَّا أن تُربيَ، فإن قضَى وإلَاّ زادَهُ، حتَّى يصيرَ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)
ذلكَ أضعافًا مُضاعفَةً.
3ـ أن لا يقصَدَ به تهويلُ الحُكمِ وتفخيمُهُ.
أن لا يقصد به تهويلُ الحكمِ وتفخيمهُ.
كقوله تعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 236] ، وقوله: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 241] ، فلا يُقالُ: لا تجبُ مُتعة الطَّلاقِ على غيرِ مُحسنٍ ولا متَّقٍ، لأنَّ الحكم في الأصلِ يتناولُ كُلَّ مكلَّفٍ، إلَاّ أنَّ مخاطبةَ المكلَّفِ بوصفِ الإحسانِ والتَّقوى تذكيرٌ له بما يجبُ عليه بمقتضَى هذينِ الوصفينِ، وفي ذلكَ تعظيمُ جانبِ الأمرِ والنَّهي وتقويةٌ للباعثِ على الامتِثالِ، ولو قيلَ لمسلمٍ: (إن كنتَ تتَّقي الله فافْعلْ كذا) ، فإنَّه لا يخفى أثرُ هذا الخطابِ في الإشارَةِ إلى عظمةِ ذلك الشَّيء المأمورِ به ورفعَةِ قدْرِه ومنزلتِه، مع ما يقترنُ به من زجرِ القُلوبِ الغافلةِ، ولا يقولُ المخاطبُ حينئذٍ: (لا يشملُني الخِطابُ، لأنِّي لستُ من المتَّقينَ بمفهُومِ اللَّفظِ؛ وإنَّما هذا خِطابٌ للمتَّقينَ خاصَّةً) .
4ـ أن لا يكونَ مخرَجَ الجوابٍِِ على سُؤالٍ معيَّنٍ.
مثلُ قوله صلى الله عليه وسلم: ((صلَاةُ اللَّيلِ مثنَى مثنَى)) [متفقٌ عليه] ، فهذا النَّصُّ لا مفهومَ لهُ، فلا يُقالُ: (صلَاةُ غيرِ اللَّيلِ ليسَتْ مثنَى مثْنَى) بسببِ أنَّ الحديثَ جاءَ جوابًا عن صلَاةِ اللَّيلِ خاصَّةً فلا يتعدَّاهَا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)
لإفادَةِ حكمِ غيرهَا، فعنْ عبدِالله بنِ عُمرَ رضي الله عنهما: أنَّ رجلا ً سأل النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وأنا بينهُ وبينَ السَّائلِ، فقالَ: يا رسول الله، كيفَ صلاةُ اللَّيلِ؟ قالَ: ((مثنَى مثنَى، فإذا خشيتَ الصُّبحَ فصلِّ ركعَةً، واجْعلْ أخرِ صلاتِكَ وِترًا)) [متفقٌ عليه] .
5ـ أن لا يكونَ أُريدَ بهِ المُبالغَةُ.
كقوله تعالى لنبيِّه صلى الله عليه وسلم في شأنِ المُنافقينَ: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة: 80] ، فالعدَدُ هُنَا لا مفهومَ لهُ، إنَّمَا خرَجَ على سبيلِ المُبالغَةِ، والمعنَى: مهمَا استَغْفرتَ لهُم، وهذا مُؤيِّدٌ بحديثِ عُمرَ رضي الله عنه قالَ: لمَّا ماتَ عبدُالله بنُ أُبيٍّ ابنُ سلُولَ دُعيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليُصلِّي عليهِ، فلمَّا قامَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وثَبْتُ إليهِ، فقلتُ: يا رسول الله، أتُصلِّي على ابنِ أُبيٍّ وقد قالَ يومَ كذَا: كذا وكَذا؟ قالَ: أُعَدِّدُ عليهِ قولهُ، فتبسَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالَ: ((أخِّرْ عنِّي يا عُمرُ)) فلمَّا أكثرتُ عليه قالَ: ((إنِّي خُيِّرتُ فاختَرْتُ، لو أعلمُ أنِّي إنْ زِدْتُ على السَّبعينَ يُغفرُ لهُ لزِدتُ عليهَا)) ، قالَ: فصلَّى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ انصرَفَ، فلم يمكُثْ إلَاّ يسيرًا حتَّى نزلتِ الآيتانِ من برَاءَةِ: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} إلى قولهِ: {وَهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 84] ، قالَ: فعجِبتُ بعدُ من جُرأتِي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ورسُولهُ أعلمُ [أخرجهُ البخاريُّ] ، ففيهِ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ظنَّ أنَّ العَدَدَ للمُبالغَة، كما رجا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)