[2] لا يقبلُ، لأنَّ الاجتهادَ ملكَةٌ تحصُلُ للمُجتهدِ بجمعِهِ لآلاتٍ معيَّنةٍ، وهذه الآلاتُ إذا اجتمعَتْ تمكَّن بها من النَّظرِ في أيِّ مسألةٍ.
وأظهرُ القولينِ هو الثَّاني، فإنَّ من أمكنهُ الاجتهادُ في المناسِك لزِمهُ فيه شُروطُ الاجتهادِ، فإذا وُجدَتْ فيه كانَ لهُ الاجتهادُ في سواهَا، وليسَ المقصودُ بالمجتهدِ أن يكونَ قدِ اجتهدَ في كلِّ قضيَّةٍ، إنَّما المجتهدُ من أمكنَهُ أن يجتهدَ في كلِّ قضيَّةٍ لتملُّكهِ لآلَةِ الاجتهَادِ.
هذا مع أنَّ المجتهِدَ قد يتوقفُ عن الجوابِ لعدَمِ ظُهورِ وجهِ الحُكمِ لهُ، لا لنقصٍ في الآلةِ أو قصُورٍ في الشَّرطِ، وقد حصل من هذا شيءٌ كثيرٌ لكثيرٍ من أئمَّةِ الأمَّةِ المقتدَى بهم في الدِّينِ.
2ـ الاجتهادُ لا يُنقضُ بمثلِهِ:
والمعنَى: أنَّ المجتهدَ إذا أدَّاهُ اجتِهادُه إلى حُكمِ في قضيَّةٍ باجتِهادِهِ، ثمَّ بدا لهُ الرُّجوعُ عن ذلكَ الاجتهادِ، فلَا ينتقِضُ حكمُ الاجتهادِ الأوَّل بالاجتهادِ الثَّاني، إنَّما يمضي على ما وقعَ، ويكونُ الاجتهادُ الثَّاني هو المُعتمدَ فيما سيقعُ، لأنَّ كُلاًّ من الاجتهادَينِ وقعَ بالظَّمِّ الرَّاجحِ في نظرِ المجتهِدِ، وكانَ هُوَ المُتعيَّنَ في وقتِهِ.
ومن هذا ما حدَّثَ به الحكمُ بنُ مسعودٍ الثَّقفيُّ قالَ: شهِدتُ عُمرَ بنَ الخطَّابِ أشركَ بين الإخوَةِ من الأبِ والأمِّ مع الإخوةِ من الأمِّ في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 389)
الثُّلثِ، فقالَ لهُ رجلٌ: قضيتَ في هذا عامَ أوَّل بغيرِ هذا، قالَ: كيفَ قضيتُ؟ قالَ: جعلتَهُ للإخوَةِ من الأمِّ، ولم تجعلْ للإخوَةِ من الأبِ والأمِّ شيئًا، قالَ: تلكَ على ما قضينَا، وهذه على ما قضينَا [أخرجه يعقوبُ بن سُفيانَ في ((التاريخ)) بسندٍ صحيحٍ إلى الحكمِ] .
وكما لا يُنقضُ الحُكمُ النَّافذُ بالاجتهادِ السَّابقِ باجتهادٍ مُتأخِّرٍ لنفسِ المجتهدِ، فكذلكَ لا يُنقضُ ذلك باجتهادٍ مُتأخِّرٍ لمُجتهِدٍ آخرَ، وإنَّما يمضي اجتهادُ المُجتهِدِ الأوَّلِ على ما مضَى عليهِ، ويُلتزَمُ اجتهادُ المُجتهدِ الثَّاني فيما يُرادُ إمضَاؤهُ.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 390)
2ـ التقليد
* تعريفه:
هُو اتِّباعُ الإنسانِ غيرَهُ ممَّنْ يعتقِدُ فيه الدِّينَ، والصَّلاحَ والعلمَ في قولٍ أو فعلٍ معتقِدًا للحقيقةِ فيهِ، من غيرِ علمٍ بدليلِ ذلكَ الغيرِ على قولهِ أو فعلهِ، وكأنَّ هذا المتَّبع جعلَ قولَ الغيرِ أو فعلهُ قلَادَةً في عُنُقِهِ.
هذا التَّعريفُ يخرجُ مُتابعَةَ النَّبي صلى الله عليه وسلم، لأنَّ قولهُ وفعلَهُ دليلٌ لذاتِه، وإنَّما يندرجُ تحتَهُ مُتابعَةَ من سواهُ ممَّن يفتقِرُ قولهُ أو فعلهُ إلى الدَّليلِ، فيُتابعهُ المُقلِّدُ من غيرِ علمِ بالحُجَّةِ الَّتي استَنَدَ إليهَا في ذلكَ القولِ أوِ الفعلِ.
* حكمه:
النَّاسُ في هذه المسألةِ على خُصومَةٍ شديدةٍ وآراءٍ عديدَةٍ، والأمرُ فيها سهلٌ قريبٌ، فإنَّ النِّقمَةَ 'لى (التَّقليدِ) لا تليقُ أن تكونَ بِسببِ اللَّفظِ، لما يُعلمَ بالاتِّفاقِ أنَّ المُصطلحاتِ بحسبِ ما قُصدَ بهَا.
فإذاَ كانتْ حقيقَةُ (التَّقليدِ) مُتابعَةَ المُجتهِدينَ من علماءِ الأمَّةِ ومفتيهَا في اجتهادَاتِهم من غيرِ علمٍ بأدلَّتهمْ على تلكَ الاجتِهادَاتِ من الكتابِ والسُّنَةِ، فلنُحاكمْ هذا المعنَى بأدلَّةِ الشَّريعَةِ نفسِهَا، فإنْ صحَّحَهُ الدَّليلُ قبلنَاهُ وإلَاّ أنكرناهُ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 391)
وللجوابِ عن ذلكَ أُذكِّرُ بمقدِّماتٍ سبقتْ تُساعدُ على معرفَةِ حكمِ هذه القضيَّةِ، منهَا:
تعريفُ الفقهِ بأنَّه فهمُ الدَّليلِ، وأنَّ الله تعالى لم يُكلِّفِ النَّاسَ جميعًا أن يكونُوا فُقهاءَ مُنقطعينَ لذلكَ، وإنَّما أوجبَ تحصيلَ الكِفايَةِ من الفقهَاءِ لحاجَةِ العامَّةِ، وأنَّ طُرقَ النَّظرِ في الأدلَّةِ ليستْ ممْكنَةً لكلِّ أحدٍ؛ إلَاّ ما علمهُ النَّاسُ بالضَّرورَةِ من دينِهم وهو خارجٌ عن موضوعِ الاجتهادِ والتَّقليدِ، وأنَّ للاجتهادِ شُروطًا لا يُتصوَّرُ أن تُكلِّفَ بها الشَّريعَةُ الرَّحيمَةُ كلَّ أحدٍ وهي الَّتي من أعظمِ مبادئهَا رفعُ الحرجِ عن عُمومِ المكلَّفينَ.
إلى غيرذلكَ من المقدِّمات المسلَّماتِ السَّالفة في علمِ الأصولِ، والَّتي تجعلُ المسمينَ صنفينِ بالضَّرورةِ، همَا: قادرٌ على فهمِ الدَّليلِ والتَّفقُّع فيع بجمعِه لأسبابِ الفقهِ وآلتِهِ، أو عاجزٌ عن ذلك، فالأوَّلُ لا عُذْرَ لهُ اتِّفاقًا في تركِ الاجتهادِ فيما أمكنَهُ فهمُهُ بآلتِهِ، فإن عجزَ في شيءٍ انتقلَ ليكونَ في الصِّنفِ الثَّاني، وهو العاجزُ، وهذا الثَّاني مُحالٌّ بأمر الله تعالى لهُ على الفُقهاءِ المجتهدينَ القادرينَ على استِنباطِ الشَّرائع كما قال عزَّوجلَّ: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] ، فهلْ للتَّقليدِ صورةٌ في الحقيقةِ إلَاّ هذه؟
فإذا ظهر هذا فقدْ دلَّ على أنَّ التَّقليدَ للعاجزِ عن الاجتهادِ مأمورٌ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 392)
به في الشَّرعِ.
وأمَّا ما يُذكرُ من نهيِ الأئمَّةِ عن تقليدهم فكانَ منهُم خطابًا لمن يظنُّونه أهلاً للاجتهادِ، وإلَاّ فالأخبارُ لا حصرَ لهَا في مسائلِ العامَّةِ لفقهاءِ الصَّحابةِ والتَّابعينَ وأتباعهم من طبقةِ الفقهاءِ الأربعةِ، وهُم يفتونَهُم في معظمِ المسائلِ الاجتهاديَّةِ لا يذكرونَ لهمْ كيفَ استفادُوهَا.
هذا؛ والواقعُ أنَّ التَّقليدَ ضرورةٌ حاصلةٌ، وكلُّ النَّاسِ يحتاجُونَ إليهِ في بعضِ أحيانهِم، والعلَّةُ في ذلكَ أنَّ الله عزَّوجلَّ جعلَ علمَ الإنساِ محدُودًا، فيخفى عليه من الأمورِ ما لا يجدُ منهُ مخرجًا إلَاّ بتقليدِ من يقدِّمهُ في العلمِ والدِّين، حتَّى من المجتهدِينَ الكبارِ أنفسُهم، فإنَّهم موصوفونَ بالاجتهادِ المُطلقِ بحقٍّ، ومع ذلكَ فربَّمَا اضطرَّ أحدُهُم للتَّقليدِ في المسألةِ والمسائلِ لخفاءِ العلمِ فيها عليهِ فكيفَ يكونُ حالُ العامِّيِّ؟!
* تقليد الفقهاء الأربعة:
الأئمَّةُ الأربعةُ: أبوحنيفةَ، ومالكُ بن أنسٍ، والشَّافعيُّ، وأحمدُ بن حنبلٍ، رحمهم الله، من سادَة الأمَّةِ وأعلامِ الأئمَّةِ، كتبَ الله تعالى لهُم القبولَ في نفوسِ أهل الإسلامِ، وجعلهُم قدْوَةً للأنامِ على مرِّ العصُورِ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 393)
في فروعِ الشَّريعَةِ، كما جعلهُم مع إخوانِهم من أمثالِهم من الأئمَّةِ كالثَّوريِّ والأزواعيِّ وابنِ عُيينَةَ والحُميدِيِّ وإسحاقَ بنِ راهويه وغيرهم أئمَّةَ النَّاس في أصولِ الشَّريعةِ.
ولم يكُنِ الاجتهادُ مقصورًا على هؤلاءِ الأربعةِ، ولكنَّ الله تعالى قيَّضَ لهُم من الأصحابِ من قامُوا بفقهِهم ومسائلهِم، كما أنَّ التَّأليف من بعضِهم في الفقهِ كمالكٍ والشَّافعيِّ كان من أسباِ حفظِ مذاهبِهم.
وما قصد واحدٌ من هؤلاءِ السَّادَةِ أن يكونَ مذهُهُ بمثابَةِ الشَّريعَةِ المعصومَةِ، ولا قصدَ واحدٌ منهم أن يحملَ النَّاسَ على رأيهِ واجتهادِهِ، بل أرادُوا النَّصيحة لأهلِ الإسلامِ بما آتاهمُ الله من آلةِ الفقهِ والنَّظرِ، وبقيتْ مذاهبُهم وآراؤهم في اعتبارِهِم صوابًا يحتملُ الخطأ.
لكن لمَّا وجَدَ من جاءَ بعدَهُم من علماءِ الأمَّةِ تدوينُ المسائلِ وتوضيح الدَّلائل بنَوا على ذلكَ، فوقعَ من العنايةِ بمسائلهِم تفصيلاً وتأصيلاً ما لا ينقضي من سعَتِه العجبُ.
وكانَ الأمرُ حتَّى في حقِّ من بلغَ رُتبةَ الاجتهادِ من أتباعِهم أن تخرَّجُوا من مدارِسِهم ونهلُوا من علومِهم، وصارَ من أرادَ تلقِّي علُومِ الفقهِ لا يستَغني عن سُلوكِ سبيلِهم والانتِفاعِ بهِم، وإنْ فاتَتْهُ علومُهمْ فقد فاتهُ خيرٌ كثيرٌ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 394)
وليسَ في هذا الَّذي علمتَ شيءٌ يذَمُّ لكنَّ لا يرتضيهِ الأئمَّةُ أنفسُهُم أن تُجعلَ آراؤُهم بمنزلَةِ النُّصوصِ، بلْ إنَّ النَّصَّ بضدِّهَا يقبلُ النَّسخَ والتَّأويلَ كما صرَّح بذلكَ بعضُ المتعصِّبينَ، أو أن يوجبَ الالتِزَامُ بها دون غيرهَا وُحرَّم النَّظرُ في أدلَّةِ الكتابِ والسُّنَّةِ، أو أنها تكونُ سببًا في تفريقِ المسلمينَ فيُجعلُ في المسجدِ الحرامِ في فترَةٍ من الزَّمنِ أربعةُ محاريبَ، أو أن يُجعلَ من فُروعِ المذهبِ بُطلانُ الصَّلاةِ للحنفيِّ خلفَ الشَّافعيِّ، وأمُورٌ سِوَى ذلكَ من الزَّيغِ والضَّلالِ للحنفيِّ خلفَ الشَّافعيِّ، وأُمورٌ سوى ذلكَ من الزَّيغِ والضَّلالِ والخُروجِ عن الهُدَى والصِّراطِ المستقيمِ، ممَّا جعلَ كثيرًا من العلماءِ يُشنِّعونَ على التَّقليدِ والمذهبيَّةِ غايَةَ التَّشنيعِ، فجرَّأ هؤلاءِ بدروهِم كثيرًا من الجهَّالِ على الكلامِ في أحكامِ الدِّينِ بغيرِ علمٍ، وهكذَا الشَّأنُ في كلِّ مسلكٍ يُجاوزُ الاعتِدالَ.
فحاصلُ القولِ: أنَّ النَّاسَ كما تقدَّم صنفَانِ، عالمٌ مجتهدٌ، وَعَامِيٌّ مقلِّدٌ، فأمَّا المجتهدُ فقدْ امتنعَ عليهِ التَّقليدُ ما دامَ قادرًا على الاجتهادِ، وأمَّا المقلَّدُ فإنَّه مأمورٌ بسؤالِ من يقدرُ على سُؤالهِ من أهلِ العلمِ، ولا يتقيَّدُ بمذهبٍ من المذاهبِ الأربعَةِ، وإنَّما هو كما يقولُ بعضُ العلماءِ: (مذهبُهُ مَذهبُ من يسْتَفتِيهِ) ، وعلَى هذا أكثرُ أهلِ العلمِ.
لكنَّ التَّتلمُذَ لمن يقصِدُ تحصيلَ آلَةِ الاجتهادِ على مذهبِ من هذهِ المذاهبِ لأجلِ ما وقعَ من العِنايَةِ بها مشروعٌ صحيحٌ؛ نظرًا لما يُحقِّقُ من المصالحِ العظيمَةِ في مراتِبِ العلمِ، ولا ضرُورَةَ لتسميَّتِهِ تقليدًا،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 395)
فإنْ كانَ في مراحِل العلمِ فلهُ بعضُ الحالِ يشبَهُ العامِّيَّ فيأخُذُ حُكمَهُ المذكُورَ آنفًا، ولهُ حالٌ يشبهُ المُجتهِدَ فيأخُذُ حُكمَهُ كذلكَ.
أمَّا الانتِسابُ بسببِ التَّلقِّي إلى واحدٍ من هذهِ المذاهبِ، فشرْطُ جوازِهِ أنْ لا يقترِنَ بعصبيَّةٍ.
والله تعالَى أعلمُ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 396)