وجميعُ الأحكامِ المُستخلِصةِ منها مُحكمَةٌ، وما وقعَ بعدَ الحجَّةِ أيضًا ممَّا عارضَ ما قبلَهَا قرينَةٌ على إبطالِ الحُكمِ السَّابقِ، وذلكَ نسخٌ.
ويُمكنُ أن يُكرَ لكُلِّ من هاتينِ الصُّورتينِ مثالٌ:
[1] صحَّ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم النَّهيُ عن الشُّربِ قائمًا من وُجوهٍِ، منهَا: حديثُ أبي سعيدٍ الخُدريِّ وأنسِ بن مالكٍ رضي الله عنهما: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم زَجرَ عن الشُّربِ قائمًا [أخرجه مسلمٌ] ، فهذا جاء الفعلُ النَّبويُّ علىخلافِه في حجَّةِ الوداعِ، فعنِ ابن عباسٍ رضي الله عنهما قالَ: سقيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم من زمْزَمَ، فشربَ وهوَ قائمٌ [متفقٌ عليه] .
[2] وعن أنسِ بن مالكٍ رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سقطَ عن فرسِه فجُحِشَتْ ساقُهُ أو كتِفهُ، وآلى من نسائِه شهرًا، فجلسَ في مشرُبةٍ لهُ درجتُها من جُذُوعٍِ، فأتاهُ أصحابُه يعودُونهُ، فصلَّى بهِمْ جالسًا وهُم قيامٌ، فلمَّا سلَّ قال: ((إنَّما جُعلَ الإمامُ ليُؤتَمَّ بهِ، فإذا كبَّرَ فكبِّرُوا، وإذا ركعَ فاركعُوا، وإذا سَجَدَ فاسْجُدُوا، وإن صلَّى قائمًا فصلُّوا قيامًا)) الحديث [متفقٌ عليه] ، قالَ الحُميدِيُّ فيما نقلهُ عنهُ تلميذُهُ البُخاريُّ في ((صحيحهِ)) في هذا الحديثِ: ((هُوَ في مرضِهِ القديمِ، ثمَّ صلَّى بعدَ ذلكَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم جالسًا والنَّاسُ خلفَهُ قيامًا لم يأمُرُهُم بالقُعودِ، وإنَّما يُؤخَذُ بالآخرِ فالآخرِ من فعلِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم)) .
عنَى صلاتَهُ صلى الله عليه وسلم بالنَّاسِ في مرضِه الَّذي مات فيهِ، والقصَّةُ في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 367)
((الصَّحيحينِ)) حيثُ صلَّى قاعدًا، وأبوبكرٍ رضي الله عنه يأتّمُّ بهِ قائمًا، والنّاسُ يأتمُّونَ بأبي بكرٍ.
أمَّا النَّسخُ بتأخُّرِ إسلامِ الرَّاوي لحديثِ من تقدَّمهُ في الإسلامِ فغيرُ صحيحٍ.
* مسائل في النسخ:
1ـ النَّسخُ غيرُ (التَّخصيصِ) في الاصطِلاحِ، وقدْ جرَى الخلفْطُ بينهمَا في طريقةِ المُتقدِّمينَ، ووقعَ ذلكَ في كلامِ بعضِ الصَّحابَةِ في التَّفسيرِ يُطلقُونَ (النَّسخَ) وقدْ يريدُونَ بهِ التَّصيصَ، فليُلاحَظْ هذا من طريقَتِهِم، ولا يُستعملُ إطلاقُهُم النَّسخَ إلَاّ بعدَ تفسيرِهِم للمُرادِ بهِ.
مثالهُ: قولُ عبدلله بن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} الآية [النور: 31] ، فنسخَ واسْتثنَى من ذلكَ: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا} [النور: 60] [أخرجه أبوداودَ بسندٍ جيِّدٍ] .
فسمَّى التَّخصيصَ نسخًا، ولا حرَجَ في الألفاظِ في هذا إذا تبيَّنتْ معانيهَا، لكنْ عليكَ أن تعلمَ ذلكَ، وإذا كانَ الاصطِلاحُ جرَى على معنَى مُعيَّنٍ فلا يصحُّ أن يُقحَمَ فيه ما ليسَ منهُ، خاصَّةً في أحكامِ الشَّريعَةِ، وهذا من أعظمِهَا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 368)
وقد تقدَّم معنَى التَّخصيصِ والنَّسخِ جميعًا على ماجرَى عليهِ الاصطلاحُ، وفي الجُملَةِ فإنَّ التَّخصيصَ من بابِ البيانِ للمُرادِ باللَّفظِ، أمَّا النَّسخُ فهوَ إظهارٌ لِما يُنافي استِمرارَ الحُكمِ الأوَّلِ كليَّةً.
2ـ لا مانعَ من وُقوعِ نسخِ الحُكمِ مرَّتينِ، كتحريمٍ فإباحَةٍ فتحريمٍ، كما ذهبتْ طائفَةٌ من أهلِ العِلمِ إلى وقُوعِهِ في نكاحِ المِتعَةِ، فقدْ حُرِّمَتْ في غزْوَةِ خيبرَ، ثُمَّ أُبيحتْ بعدَهَا، ثمَّ حُرِّمَتْ إلى الأبدِ في عامِ الفتحِ، وفي ذلك نصُوصٌ في ((الصَّحيحينِ)) وغيرِهمَا تُستفادُ من مظانِّها.
3ـ مع ضرُورَةِ معرفَةِ النَّاسخِ والمنسوخِ للفقيهِ، إلَاّ أنَّهُ لا يُظنُّ كثرةُ وجودِ ذلكَ في أدلَّةِ التَّشريِ، وقد أُلِّفتْ فيه مُصنَّفاتٌ خاصَّةٌ مُفيدَةٌ، وفي كثيرٍ ممَّا ادُّعيَ فيه النَّسخُ ممَّا يُذكرُ في تلكَ المُصنَّفاتِ أو غيرهَا تحقيقٍ، ولاحِظِ انطِباقَ شُروطِ النَّسخِ قبلَ القولِ بهِ، كمَا عليكَ مُلاحَظةَ صحَّةِ النَّقلِ لمَا يعتمِدُ على الرِّوايةِ ممَّا قيلَ فيه ناسخٌ أو منسُوخٌ، فإنَّ القولَ بالنَّسخِ شديدٌ لما فيهِ من إبطالِ العملِ بنصٍّ من نُصوصِ الشَّرعِ.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 369)
3ـ الترجيح
* تعريفه:
هوإثباتُ مرتبَةٍ في أحدِ الدَّليلينِ على الآخرِ.
وهوَ إنَّما يصحُّ بين الدَّليلينِ الثَّابتينِ من جهَةِ النَّقلِ في نظرِ الفقيهِ، يكونَانِ مُتضادَّينِ لا سبيلَ لإعمالِهما جميعًا، ولا سبيلَ للقولِ بالنَّسخِ، فالفقيهُ مُضطرٌّ لاختيارِ القولِ بأحدِهِمَا وتركِ الآخرِ.
* بين النظرية والواقع:
التَّرجيحُ طريقٌ اجتهادِيٌّ، والمُرجَّحاتُ قرائنُ يستعملُهَا الفقيهِ، لوزْنِ الدَّليلَينِ، فأيُّهما رَجَحَتْ كِفَّتهُ بالقرينَةِ فالحُكمُ لهُ ويسقُطُ الآخرُ.
لكنْ أينَ موضِعُ هذه الصُّورَةِ من الواقعِ؟
إنَّ حقيقَةَ الاضطِرارِ إلى التَّرجيحِ بينَ دليلينِ تعذَّر الجمعُ بينهُمَا؛ وتعذَّر العلمُ بالنَّسخِ فيهمَا؛ أمرٌ نادرٌ الوُرودِ والوُجودِ، وإذا وقع فلَا يعدَمُ المُجتهدُ سبيلاً للتَّرجيحِ، وذلكَ بما حقيقتُهُ التَّضعيفُ لأحدِ الدَّليلينِ:
1ـ إمَّا من جهَةِ نقلِ الرِّوايتينِ، فتكونُ إحداهُمَا أقوَى من الأخرَى في حفظِ رُواتِهَا وإتقانِهمْ، أو بكثرتِهِم مع الإتقانِ، فيُحكمُ للدَّليلِ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 370)
المُخالفِ بالشُّذُوذِ.
2ـ وإمَّا من جهَةِ ظُهورِ الدَّلالةِ فتكونُ في أحدِهِمَا أظهرَ منهَا في الآخرِ، فيُحكمُ للمُخالفِ بضعفِ وجهِهِ في الاستنباطِ.
والتَّرجيحُ بالقوَةِ تضعيفٌ وردٌّ لدَّليل المخالفِ، وحينئذٍ لا تصلُحُ تسمِيَتُهُ دليلاً.
أمَّا أن يوجدَ ذلكَ في متْنينِ تكافآ قوَّةً من كلِّ وجهٍ نقلاً ودلالةً ووقَ التَّضادُّ بينهُمَا على وجهٍ يستحيلُ الخُروجُ منهُ إلَاّ بإسقاطِ أحدِهِمَا فهذا مُجرَّدُ دَعوى لا يوجدُ لهَا مثالٌ صحيحٌ، والتَّأصيلُ مع استِحالَةِ التَّفريعِ عبثٌ، وهوَ يمنزلَةِ من يزْرعُ بذْرَةً ميتَةً، ونصُوصُ الدِّينِ المُعظَّمةُ مُنزَّهَةٌ عن ذلكَ.
وليسَ من بابِ (التَّرجيحِ) الرِّيبَةُ تقعُ في الأمرِ المُشتبَهِ في حلِّهِ وحُرمتِه، فإنَّ هذا ليسَ من بابِ الأحكامِ، كما تقدَّمتِ الإشارَةُ إليهِ.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 371)
الاجتهاد والتقليد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 373)
1ـ الاجتهاد
"تعريفه:
لغةً: استفراغُ الوُسعِ في أيِّ فعلٍ كانَ.
واصطلاحًا: استِفراغُ الفقيهِ وُسعهُ في طلبِ العِلمِ بالأحكامِ الشَّرعيَّةِ بطريقِ الاستِنباطِ من أدلَّةِ الشَّرعِ.
ومن التَّعريفِ تتبيَّنُ صفةُ الاجتهادِ، وفيه القيُودُ التَّاليَّةُ:
1ـ وُجوبُ بذْلِ الجُهدِ إلى مُنتهَى الطَّاقةِ.
2ـ وجوبُ أن يكونَ الباذِلُ جُهدَهُ فقيهًا تحقَّقتْ قُدرتُهُ على استفادَةِ الحُكمِ.
3ـ أن يكونَ المطلوبُ التَّوصُّل إلى الأحكامِ الشَّرعيَّةِ العمليَّةِ.
4ـ أن يكونَ التَّوصُّل بطريقِ البَحثِ والنَّظرِ، ممَّا يصلُ بهِ المُجتهِدُ إلى نتيجَةِ مُستقلَّةٍ بهِ.
5ـ أن يكونَ ذلك النَّظرُ في أدلَّةِ الشَّرعِ.
وهذا فيه: إخراجُ من يحفظُ المسائلَ بحفظِ المُتُونِ الفقهيَّةِ، أو منْ يأخُذُ تلكَ المسائلِ من المُفتي أو ينقُلُها من الكُتبِ، فهذا ليسَ بمُجتهِدٍ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 375)
* حكمه:
تقدَّمتِ الإشارَةُ غيرَ مرَّةٍ إلى أنَّ حاجاتِ النَّاسِ لا تتناهَى، والمُستجِدَّاتِ لا تنقطِعُ، من أجلِ ذلكَ جاءَتْ أحكامُ شريعَةِ الإسلامِ فيما يتعلَّقُ بالحوادِثِ مُقنَّنَةً على صفَةِ تُناسبُ أن تُستفادَ منها الحُلولُ لأيِّ أمرٍ طاريءٍ يتَّصلُ بمصالحِ المُكلَّفينَ، وتلكَ القوانِينُ مُتمَثِّلَةٌ بأدلَّة الشَّريعَةِ المُستوعِبَةِ الشَّاملةِ، وهي بينَ نُصوصٍ عامَّةٍ لا تختصُّ بواقِعَةٍ، أو قواعدَ عامَّةٍ، يُمكنُ أن يستَعملهَا الفقيهُ لجميعِ العوارِضِ، فيجِدَ لها الأحكامَ المُناسبَةَ.
فلِعلَّةِ بقاءِ الحوادِثِ وحاجَةِ المُكلَّفينَ إلى معرفَةِ أحكامِ دينهِم فيها فإنَّه يجبُ أن يكونَ فيهمْ من يُحقِّقُ الكِفايَةَ لهُم في ذلكَ، وهذا هوَ قولُه عزَّوجلَّ: [التوبة: 122] .
والأمَّةُ ونبيُّها صلى الله عليه وسلم بينَ أظهُرِهَا كانَ إليه مرجِعُهَا، فكانَ الحُكمُ ينزلُ من السَّماءِ، أو يقعُ باجتهَادِ رَسول الله صلى الله عليه وسلم فيُسدِّدَهُ الله تعالى فيهِ، فلمَّا ماتَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم صارَ مرجِع النَّاسِ بعدهُ إلى عُلمائِهمْ والفُقهاءِ فيهم يُبيِّنُونَ لهُم ما أشكلَ، ويُجيبُونَهُم عمَّا أعْضلَ، ولم يزلْ تاريخُ الأمَّةِ شاهدًا على استِمرارِ وُجودِ أهلِ الاجتهادِ فيهَا، وإن كانَ يقصُرُ ذلكَ في أحيانٍ لكنَّهُ لم يُعدَم، فالاجتهادُ باقٍ ما بقيتِ الحاجَةُ إليهِ، وإيجادُ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 376)
المُجتهدينَ فرضٌ على الأمَّةِ المُسلمَةِ حتَّى تتحقَّقَ كِفايتُها، لا يملِكُ أحدٌ من الخلقِ أن يُلغي ذلكَ.
ولقد كانَ من أبطلِ النَّاسِ قولاً من زَعَم أنَّ الاجتهادَ قدْ أُغلِقَ بابَهُ، بلْ هذا القولُ من الضَّلالِ البيِّنِ مهمَا أُلصِق بهِ من المُبرِّراتِ.
* الخطأ في الاجتهاد:
لمَّا كانَ الاجتهادُ تنزيلاً للقواعِدِ والعُمومَاتِ الشَّرعيَّةِ على المسائلِ المُعيَّنةِ بنظرِ المُجتهِدِ، فإنَّهُ مهمَا قويَتْ ملكَتُه وقُدرتُه فقولهُ غيرُ معصومٍ، فيجوزُ عليه الخطأُ، ومن أجلِ هذا وقعَ الاختلافُ بينَ الفُقهاءِ، إلَاّ أنَّهُ لما كانَ قصدُ المجتهدِ إصابَةَ الحقِّ من الدِّينِ، كانَ خطؤهُ مغفورًا، بلْ لجلالةِ قدْرِ الاجتهادِ فإنَّهُ لم يُجازَ بمُجرَّدِ العُذرِ في الخطإ، إنَّما أثيبَ على ما بذلَ من الجُهدِ في الاجتهادِ، كما قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((إذا حكَمَ الحاكِمُ فاجتَهَدَ ثمَّ أصابَ فلهُ أجرانِ، وإذا حَكَم فاجتهَدَ ثمَّ أخطأَ فلهُ أجرٌ)) [متفقٌ عليه عن عمرِو بن العاصِ وأبي هريرَةَ] .
ومن لازِمٍ هذا: ضرُورَةُ استِمرارِ طلبِ الحقِّ في المسائِل المُختلفِ فيها حرصًا على إصابَةِ وجهِهِ، فإنَّ الحقَّ واحدٌ لا يتعدَّدُ، ولا يُمكنُ أن يُرادَ في حكمِ الله ورسولهِ صلى الله عليه وسلم القولَانِ المُختلفَانِ.
ومن لازِمِه أيضًا: بُطلانَ العصبيَّةِ للمذاهبِ الفقهيَّةِ، وامتناعُ ظنِّ العِصمَةِ لأحدٍ من الفُقهاءِ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 377)
* ما يمتنع فيه الاجتهاد
ممَّا تقدَّم ذكرُه في توضيحِ معنى الاجتهادِ والمُجتهد دالٌّ على حصرِ الاجتهادِ فيما لم تبتَّ به نصوصُ الكتابِ والسُّنَّة، فيبقى فيه مجالٌ للنَّظرِ، أمَّا القضايا والأحكامُ الَّتي قطعتْ فيها النُّصوصُ فالأصلُ فيها التَّوقُّفُ عند النَّصِّ من غيرِ زيادةٍ ولا استدراكٍ ولا وجهٍ من التَّغيير، وعليه فيخرُج من الاجتهادِ أمورٌ، هيَ:
1ـ العقائدُ: فهي كلُّها توقيفيَّة، ولهذا امتنعَ اشتِقاقُ الأسماءِ الحسنى من صفاتِ الأفعالِ، فإنَّ الله تعالى هو الَّذي سمَّى نفسهُ في كتابهِ وعلى لسانِ رسولهِ صلى الله عليه وسلم بما شاءَ من الأسماءِ، ولسنَا نُدركَ الحُسنَ فيها ليصحَّ لنا القياسُ، فلا يسمَّى الله تعالى: راضيًا ولا ساخطًا ولا غاضبًا، ولا ماكرًا ولا مُهلكًا، ولا غير ذلكَ من الأسماءِ اشتقاقًا من صفاتِ فعلِه: الرِّضى، والسَّخطِ، والغضبِ، والمكرِ، والإهلاكِ.
كما يمتنعُ القياسُ لصفاتِه بصفاتِ خلقِهِ بأيِّ وجهٍ من الوُجوهِ، كقول من قالَ: (لله عينان) على التثنيَّة، استِلالاً بأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ في المسيحِ الدَّجالِ: ((إنَّه أعورُ، وإنَّ ربَّكُم ليسَ بِأعورَ)) [متفقٌ عليه من حديث أنسٍ] ، والعورُ في اللُّغة: زوالُ حاسَّةِ البصرِ في إحدَى العينينِ، فيحثُ نفاهُ عن الله تعالى فقدْ دلَّ على أنَّه لهُ عينينِ صحِحتَينِ، فهذا القولُ زيادَةٌ على الأدلَّةِ بتفسيرٍ استُفيدَ من العُرفِ في المخلوقِ، وإنَّما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 378)
نفى الحديثُ عن الله تعالى العورَ، وإثباتُ لازمهِ يجبُ أن يكونَ بالنَّصِّ، والنَّصُّ إنَّما جاء بإثباتِ كمالِ البصرِ لله ربِّ العالمينَ، فيوقفُ عندهُ من غيرِ زيادَةٍ، وتُثْبَتُ لله العينُ كما أخبرَ عن نفسهِ تعالى، ولا يُقالُ (لهُ عينانِ) لعدمِ وُرودِ ذلكَ صريحًا في النُّصوصِ، إلَاّ في حديثٍ موضوعٍ.
2ـ المقطوعُ بحُكمهِ ضرورةً، وهو ما انعقدَ إجماعُ الأمَّةِ عليهِ، كفرضِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ والحجِّ، وحرمَةِ الزِّنَا والسَّرقةِ وشربِ الخمرِ وقتلِ النَّفسِ بغير الحقِّ، فإنَّ هذهِ وشِبهُهَا شرائعُ أُحكمتْ على ما عُلمَ للكافَّةِ من أحكامِهَا، لا تُقبلُ الاستِنباطَ في هذا الجانبِ المعلومِ منهَا.
3ـ المقطوعُ بصحَّةِ نقلهِ ودلالتِهِ، كألفاظِ الخاصِّ الَّتي هي نصوصٌ قطعيَّةٌ على ما وردتْ بهِ، مثلُ تحديدِ عددِ الجلدَاتِ في الزِّنَا والقذفِ، وفرائضِ الورثَةِ، ونحوِ ذلكَ.
وهذه الأنواعُ هي الَّتي يقالُ فيها: (لا اجتهادَ في موضعِ النَّصِّ) ، المُرادُ به النَّصُّ القطعيُّ في ثُبوتِه ودلالتِهِ، لا مُطلقَ النَّصِّ.
* ما يجوزُ فيه الاجتهاد:
جميعُ ما لا يندَرجُ تحتَ صُورةٍ من الثَّلاثِ المُتقدِّمةِ فإنَّهُ يسوغُ فيهِ الاجتهادُ، وهوَ يعودُ في جُملتِه إلى صُورتينِ:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 379)
1ـ ما وردَ فيه النَّصُّ الظَّنيُّ.
وحيثُ أنَّ الظَّنيَّة واردَةٌ على النَّقلِ والثُّبوتِ في نصُوصِ السُّنَّةِ خاصَّةً، وعلى الدَّلالةِ على الحُكمِ في نصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ جميعًا، فمجالُ الاجتهادِ في الأمرِ الأوَّلِ أن يبذُلَ المجتهدُ وُسعهُ للوُصولِ إلى ثبوتِ نقلِ الخبرِ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يُزيلُ الشُّبهَةَ في بناءِ الأحكامِ على الأحاديثِ الضَّعيفةِ، فلا يبنِي ويفرِّعُ على الحديثِ قبل العِلمِ بصحَّتِهِ.
ومجالُ الاجتهادِ في الأمر الثَّاني وهوَ دلالَةُ النّصِّ على الحُكمِ، فذلكَ بالنَّظرِ إلى ما يدلُّ عليه ذلكَ النَّصُّ من الأحكامِ، وههُنَا يأتي دورُ (قواعدِ الاستِنباطِ) فيتبيَّنُ المجتهدُ ما أُريدَ بالعامِّ في هذا الموضعِ هل هُو باقٍ على شُمولِه جميعَ أفرادِهِ أم خُصِّصَ، والمُطلقُ؛ هل هُو باقٍ على إطلاقهِ أم قيِّدَ، والمُشتركُ؛ ما السَّبيلُ إلى ترجيحِ المعنى المُرادِ، والأمرُ والنَّهيُ؛ هل هُما في هذا النَّصِّ على الأصلِ في دلالتِهمَا أم مصرُوفانِ عنهَا، وهكذَا في سائرِ القواعِدِ.
2ـ ما لا نصَّ فيه.
وهذا يستعملُ فيه المُجتهِدُ قواعِدَ النَّظرِ، كالقِياسِ، والمصالحِ المُرسلَةِ، والاستِصحابِ، ومقاصِدِ التَّشريعِ، كُلاًّ بأُصولِه، ليصِلَ إلى استفادِةِب الحُكمِ في الواقعَةِ النَّازلَةِ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 380)
* المجتهدُ وشروطه:
ممَّا تقدَّم يظهرُ أنَّ المجتهدَ هو الفقيهُ، وهوَ: من كانتْ لهُ القُدْرَةُ على استِفادَةِ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ العمليَّةِ من أدلَّتها التَّفصيليَّة.
وهذا وصفٌ يُمكنُ أن يتَّصفَ به كُلُّ من حصلَ آلتَهُ، فلا يختصُّ به أحدٌ دونَ أحدٍ، إنَّما العبرَةُ بأن يكونَ أهلاً لهُ، ولا تتحقَّقُ تلكَ الأهليَّةُ إلَاّ بقُدرَةٍ ذاتيَّةٍ على الاستنباطِ والنَّظرِ متمثِّلًةً بفِطْنَةٍ وذكاءٍ، معَ توفُّر شُروطٍ ضروريَّةٍ، تلكَ الشُّروطُ ضوابطُ استُفيدَتْ من أدلَّةِ الشَّرعِ وقواعِدِه، لحفظِ الدِّينِ من أن يقولَ فيه من شاءَ ما شاءَ، وهيَ:
1ـ معرفَة اللُّغَةِ العربيَّةِ.
وذلكَ على الوجهِ الَّذي يتمكَّنُ به من فهمِ الكلامِ وتركيبِهِ ودلالاتِهِ على المعاني، ويتطلَّبُ على التَّحديدِ معرفَةَ أصولِ العُلومِ اللُّغويَّة الَّتي لها اتِّصالٌ بكلامِ الله ورسولِهِ صلى الله عليه وسلم، وهيَ:
[1] علمُ النَّحوِ، بما يُحسِنُ به الإعرابَ على الأصولِ المسلَّماتِ والرَّاجحاتِ، من غيرِ احتياجٍ للتَّعمُّقِ في خلافِ النُّحاةِ.
[2] عِلمُ الصَّرفِ، بما يُحسنُ به ما تعودُ إليه أصولُ الكلماتِ معَ ما يتغيَّر به ضبطُها بسببِ الاشتِقاقِ، لِما يقعُ لهُ من التَّأثيرِ كثيرًا على اختلافِ الدَّلالاتِ والمعاني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 381)
[3] علمُ البلاغَةِ، بالمقدارِ الَّذي يتمكَّنُ فيه من معرفَةِ وجوهِ المعاني، وما تتخرَّجُ عليه الأساليبُ العربيَّةُ من الاستعمالاتِ، كدلالاتِ الخبرِ والإنشاءِ، وتأثيرِ التَّقديمِ والتَّأخيرِ والحذْفِ والتَّعريفِ والتَّنكيرِ والإطلاقِ والتَّقييدِ والوصلِ والفصلِ والإيجازِ والإطنابِ والحقيقةِ والمجازِ والتَّشبيه والاستِعارَة، وغير ذلكَ.
وهو علمٌ عظيمٌ لمعرفةِ أسرارِ القُرآنِ والسُّننِ.
ولا يحتاجُ المجتهدُ إلى المعرفَةِ بعلمِ البديعِ منها، إنَّما حاجتُهُ إلى عِلمي (المعاني والبيانِ) .
[4] علمُ الحُروفِ.
والمقصودُ به الحُروفُ الَّتي هي من أقسامِ الكلامِ كحروفِ الجرِّ والعطفِ، لا الحُروفُ الَّتي تتركَّبُ منها المُفرداتُ.
وهذا علمٌ يجبُ على الفقيهِ أن يُدركَ منه ما تدلُّ عليه الحُروفُ من المعانِي ليُدركَ وجوهَهَا في نصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ، كمعرفَة معاني حروفِ العطفِ وماتقتضيهِ من المُغايرَةِ بين المعطُوفِ والمعطُوفِ عليهِ، أو الاشتراكِ أو التَّرتيبِ أو التَّراخي، أو غيرِ ذلكَ.
وقدْ عُني بهذا الفنِّ طائفَةٌ من أئمَّةِ العربيَّةِ والأصولِ فضمَّنُوا الكلامَ في معانيِها كُتُبُهم، ومنهُم من أفردَهَا بالتَّصنيفِ، فالوُقوفُ عليها متيسِّرٌ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 382)
هذه العُلومُ من عُلومِ العربيَّةِ الَّتي يجبُ على المُجتهِدِ أن يُلمَّ بالقَدْرِ الّضذي يتَّصلُ بنصوصِ الشَّرعِ منها، أمَّا معرفَةُ الشِّعرِ والعروضِ فلا تلزمُ المُجتهِدَ.
وكذلكَ معرفَةُ معاني المُفردَاتِ فإنَّه يكفيهِ أن يكونَ عندَهُ مرجعٌ في شرحِهَا مثلُ (لِسانِ العربِ) لابنِ منظُورٍ أو غيرِه، يعودُ إليهِ عندَ الحاجَةِ.
2ـ معرفَةُ القرآنِ.
والمقصودُ أن يَعرفَ كيفَ يستفيدُ الأحكامَ من نُصوصِهِ، وهوَ يتطلَّبُ معرفَةَ خمسَةِ علُومٍ من عُلومِهِ على التَّحديدِ:
[1] أحكامُ القُرآن.
وذلكَ بمعرفَةِ الآياتِ الَّتي دلَّت على الأحكامِ منهُ، وقيلَ: هيَ نحوُ خمسِ مِئَةِ آيةٍ، وليسَ هذا بحصرٍ فالمُجتهدُ قد يجدُ الحُكمَ في قصَّةٍ أومثلٍ من القرآنِ، لكن عليهِ أن يعرفَ ما لهُ علاقَةٌ ظاهرَةٌ بالأحكامِ منهُ، وممَّا يُساعِدُه في ذلكَ أنَّ طائفَةً من العُلماءِ اعتَنَوْا بآياتِ الأحكامِ خاصَّةً فأفرَدُوهَا بالتَّصنيفِ، ككِتابِ (أحكامِ القُرآنِ) للجصَّاصِ الحنفيِّ، ومثلهُ لأبي بكرِ ابنِ العربيِّ المالكيِّ، ومن الجوامِعِ فيهِ (الجامعُ لأحكامِ القرآنِ) لأبي عبد الله القُرطُبيِّ، وهذا الأخيرُ عظيمُ المنفعَةِ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 383)
غزيرُ العلمِ.
[2] علمُ نُزولِ القرآنِ.
وأجلُّه معرفَةُ أسبابِ النُّزولِ، وفيه الوُقوفُ على حِكَمِ التَّشريعِ ومقاصِدِ الشَّريعَةِ، وإدراكِ الوجهِ الَّذي يكونُ عليهِ معنى الآيةِ، والجهلُ به مُورِدٌ لزللٍ في الفهمِ ووضعٍ للنَّصِّ في غيرِ محلِّهِ، وخُذْلَهُ مثالاً:
فعنْ حُميدِ بن عبد الرَّحمنِ بنِ عوفٍ: أنَّ مرْوَانَ (وهوَ ابنُ الحَكَمِ) قالَ: اذهبْ يا رافعُ إلى ابنِ عبَّاسٍ فقلْ: لئنْ كَانَ كُلُّ امريءٍ منَّا فرحَ بما أتَى وأحبَّ أن يُحمدَ بما لم يَفْعلْ مُعذَّبًا لنُعَذَّبنَّ أجمعُونَ، فقالَ ابنُ عبَّاسٍ: ما لكُم ولهذِهِ الآيةِ؟ إنَّما أُنزِلتْ هذهِ الآيةُ في أهلِ الكتابِ، ثمَّ تلا ابنُ عبَّاسٍ: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} هذه الآية [آل عمران: 187] ، وتلَا ابنُ عبَّاسٍ: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا} [آل عمران: 188] ، وقال ابنُ عبَّاسٍ: سألهُم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عن شيءٍ فكتمُوهُ إيَّاهُ وأخبروهُ بغيرِهِ، فخرَجُوا قدْ أروْهُ أن قدْ أخبَرُوهُ بما سألَهُمْ عنهُ واستَحْمَدُوا بذلكَ إليهِ، وفرِحُوا بما أتَوْا من كِتْمانِهِم إيَّاهُ ما سألَهُمْ عنهُ [متفقٌ عليه] .
ومنهُ معرفَةُ المكِّيِّ والمدنيِّ، ومن فوائدِهِ: معرفَةُ أحكامِ اختِلافِ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 384)
الدَّارينِ، ومُراعَاةُ الظُّروفِ والمُناسباتِ وأحوالِ المُكلَّفينَ.
[3] علمُ النَّاسخِ والمنسوخِ.
وهو قليلٌ في القرآنِ، إلَاّ أنَّ معرفتَهُ لا بدَّ منها للمُجتهِدِ، لمَا يَنْبنِي عليه من إبطالِ العملِ بنصٍّ وبناءِ الحُكمِ على خلافِهِ.
[4] علمُ اختلافِ القراءاتِ.
والَّذي يحتاجُه منهُ هوَ الوُقوفُ على وُجوهِ القراءاتِ الثَّابتَةِ لآياتِ الأحكامِ، فلهَا تأثيرٌ على استِفادَةِ الحُكمِ، تارَةً بالإبانَةِ عنهُ وإيضاحِهِ، وتارةً بإفاَدةِ حُكمٍ جديدٍ، وبِغيرِ ذلكَ.
[5] علمُ التَّفسيرِ.
يعرفُ منهُ ما يتَّصلُ بقواعِدِهِ ويرجعُ كثيرٌ منها في الحقيقةِ إلى (عُلوم العربيَّة) و (أُصولِ الفقهِ) ، لكنْ منهُ جوانبُ خاصَّةٌ به كمعرفَةِ وُجوهِ التَّبايُّنِ في أقوالِ المُفسِّرينَ وما ترجعُ إليهِ، ومعرفَةِ أهلِهِ والعارفينَ بهِ، وتمييزِ الإسرائيليَّاتِ حَذر التَّأثُّرِ بهَا في استِنباطِ الأحكامِ.
وممَّا تنبغي مُلاحظَتُهُ: أنَّ حفظَ القرآنِ حسنٌ للمُجتهِدِ لكنَّهُ ليسَ بشرْطٍ في الاجتهادِ، لأنَّ المطلوبَ هو أن يقفَ على الآيةِ الدَّالَّةِ على الحُكمِ، فإذَا أمكنهُ ذلكَ بأيِّ طريقٍ فقدْ تحصَّلَ المقصودُ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 385)
3ـ معرفة السُّنَّة.
والواجبُ أن يعرفَ منها:
[1] ما يُميِّزُ بهِ الصَّحيحَ من السَّقيمِ، وهذا يتطلَّبُ معرفَةً بعلومِ مُصطلحِ الحديثِ، والجرْحِ والتَّعديلِ، وعللِ الحديثِ.
لكنْ لهُ أن يعتمِدَ على العارفينَ المُتخصِّصينَ فيهِ، ويكفيهِ ذلكَ عنِ النَّظرِ بنفسِهِ واجتِهادِهِ في تفاصيلِ هذا العلمِ، فيأخُذُ مثلاً تصحيحَ الشَّيخينِ البُخاريِّ ومسلمٍ للحديثِ المُعيَّنِ أو غيرِهمَا من أهلِ هذا الفنِّ إذا تبيَّن لهُ أنَّهمْ م المُثبتينَ فيهِ.
غيرَ أنَّ اعتِمَادَهُ على أصحابِ التَّخصُّصِ لا يُعفيهِ من أن يكونَ لهُ من الفهمِ في قواعِدِ هذا العلمِ ما يُرجِّحُ بهِ عندَ الاختِلافِ.
ومن ذلكَ أن يُميِّزَ المُتواترَ من الآحادِ.
[2] الأحاديثَ الَّتي تدُورُ عليها الأحكامُ، ويحسُنُ بهِ حفظُهَا أو ما تيسَّرَ منها ولا يجبُ.
ولطائفَةٍ من العلماءِ اعتِناءٌ بأحاديثِ الأحكامِ، ومن الكُتبِ النَّافعَةِ فيها كتابُ (مُنتقى الأخبارِ) لمجْدِ الدِّينِ ابنِ تيميَّةَ، و (بُلوغِ المرَامِ) للحافظِ ابنِ حجرْ العسقلانِيِّ.
ويجدُرُ به أن يعرفَ موارِدَ الأحاديثِ، فإنَّ لها من المنفعَةِ للمُجتهِدِ ما لأسبابِ نُزولِ القرآن، كما عليهِ أن يُلاحظَ زيادَاتِ الثِّقاتِ في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 386)
المُتونِ فيعْتنِي بتتبُّعِهَا وجمعِهَا وتحقيقِ ثُبوتِهَا، فلهَا من التَّأثير ِفي الفقهِ والاستِنباطِ ما يُسبِّبُ اختلافَ العُلماءِ كثيرًا.
4ـ معرفةُ علمِ أُصولِ الفقه.
هذا العِلمُ القَاعِدَةُ العُظمَى للمُجتهِدِ للتَّوصُّلِ إلى الأحكامِ.
وتقدَّم في ثنايَا هذا الكِتابِ ما يُدرِكُ بهِ ذلكَ، فهو بجميعِ تفاصيلِ أنواعِهِ واجبُ التَّحصيلِ للمُجتهِدِ.
5ـ معرفَةُ مواضعِ الإجمَاعِ.
والمقصودُ به الإجماعُ الصَّحيحُ الَّذي تقدَّمَ شَرحُهُ في (أدلَّةِ الأحكامِ) ، وذلكَ لئلَاّ يقضِي بخلَافِهِ.
وما يبقَى بعدَ هذهِ الشُّروطِ فضلَةٌ وليسَ بلَازِمٍ للمُجتهِدِ، فلهُ أن يضرِبَ بنصِيِهِ منهَا كما يشاءُ، خاصَّةً آراءَ المُجتهدِينَ من السَّلفِ في القُرونِ الفاضلَةِ لينظُرَ أساليبَهُم في النَّظرِ والاستِنباطِ، ويعرفَ الخلافُ وأدبَهُ، كما يحسُنُ به أن يعرفَ رأيَ من سبقهُ من العُلماءِ المُجتهدينَ في المسائلِ الَّتي يتعرَّضُ لها، ويتحرَّى أقوالَهُم قبلَ المصيرِ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 387)
إلى وفاقِهَا أو خلافِهَا، كما يحسُنُ به أن يكونَ لهُ نظرٌ في الشِّعرِ والأدبِ لترويضِ اللِّسانٍِ بلُغَةِ العربِ.
كما يحسُنُ به أن يعرفَ مبادِيءَ في الحِسابِ تُساعِدُهُ في حسابِ المواريثِ، ويُمكنُ أن يعودَ فيها إلى من يُحسِنُهَا فيما يتعلَّقُ بالحسابِ المحضِ.
أمَّا فُنونُ العلمِ الخارِجَةُ عنِ العُلومِ الشَّرعيَّةِ وما يلتَصِقُ بهَا، كالطِّبِّ والهندَسَةِ والزِّراعَةِ والصِّناعَةِ، فلا صلَةَ لها بالاجتهادِ، وإنْ عرضَ للمُجتهِدِ من الحوادثِ ما يحتاجُ إليهَا فيه فإنَّهُ يكفيهِ أن يرجِعَ إلى أهلِهَا يسألُهُم، ويعتمِدُ قولَهُمْ.
* مسألتان:
1ـ هلْ الاجتهادُ يقبلُ التَّجَزُّر؟
المقصُودُ بذلكَ: القُدرةُ على الاجتهادِ في بعضِ المسائلِ دُونَ بعضٍ، أو بعضِ الأبوابِ دون بعضٍ، اختلفَ العلماءُ في جوازِ ذلكَ على قولينِ:
[1] يقبلُ التَّجزُّؤ، فيُمكنُ أن يجتهدَ الإنسانُ بأحكامِ المناسِكِ لإحاطتِهِ وعنايَتِه بها، دون سائرِ الأحكامِ، ومنذُ عهدِ الصَّحابةِ كانَ هذا شائعًا في المجتهدينَ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 388)