Arabic source text

📘 তাইসীরু ইলমি উসূলিল ফিকহ (আবদুল্লাহ আল-জুদাই)

📘 تيسير علم أصول الفقه (عبد الله الجديع)

📘 তাইসীরু ইলমি উসূলিল ফিকহ (আবদুল্লাহ আল-জুদাই)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
أن ينفعَ الاستِغفارُ لو زادَهُ على السَّبعينَ رغبةً منهُ في رحمةِ أُمَّتِه صلى الله عليه وسلم، كمَا يدلُّ عليهِ صرَاحَةً روايةُ عبدِالله بنِ عُمرَ رضي الله عنهما لهذه القصَّةِ، حيثُ قال فيها صلى الله عليه وسلم: ((وسأزيدُه على السَّبعينَ)) [متفقٌ عليه] ، فلمَّا نزلتِ الآيتَانِ بعدَ ذلكَ تأكَّد الظَّنُّ بأنَّ العدَدَ كانَ للمُبالغَةِ.
6ـ أن لا يُقصدَ بالسِّياقِ التَّنبيهُ على معنَى يصلُحُ القياسِ عليهِ بطريقِ المُسَاواةِ أو الأولويَّة.
مثلُ قوله صلى الله عليه وسلم: ((خمسٌ من الدَّوابِّ كلُّهنَّ فاسقٌ يُقتلْنَ في الحرمِ: الغُرابُ، والحِدَأة، والعقربُ، والفأرَةُ، والكلبُ العقُورُ)) [متفقٌ عليه من حديثِ عائشةَ] ، فالعددُ هُنا لا مفهومَ لهُ وإنَّما جاء ذِكرُ هؤلاءِ الخمسِ لأذيَّتِهنَّ، وقد يوجدُ هذا المعنَى في غيرهنَّ من دوابِّ الأرضِ أو الطَّيرِ بما يُساويهنَّ في الأذيَّةِ أو يزيدُ عليهنَّ ممَّا لا يكونُ صيدًا، فيكونُ لهُ حُكمهنَّ.
فمتَى تحقَّقتْ هذه الشُّروطُ كان الاحتِجَاجُ بالمفهومِ صحيحًا معتبرًا جاريًا على أسلوبِ أهلِ اللِّسانِ، وإنَّما تُذكرُ هذه الشُّروطُ لاحتِرازَاتِ شرعيَّةٍ لا من جهَةِ اللُّغة.
* * *

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)

‌‌2ـ معرفة مقاصد التشريع
* ما هي مقاصد التشريع؟
مقاصدُ الشَّريعةِ هي الأغراضُ الَّتي لأجلِهَا شرعَ اللهُ الشَّرائعَ، وليسَ يخلُو شيءٌ شرعَهُ الله من غرضٍ أُريدَ بهِ، وما منْ شيءٍ من تلكَ الأغراضِ إلَاّ وهو عائدٌ على المُكلَّفِ بالنَّفعِ والمصلحَةِ، وذلكَ مُتحققٌّ لهُ في الدُّنيَا أوفي الآخرَةِ، أو في الدَّارينِ جميعًا، وكلُّهُ من رحمةِ الله تعالى بهِ وإرادتِهِ الخيرَ لهُ، فالَّذي خلقهُ وصوَّرهُ وشقَّ سمعَهُ وبصرَهُ أعلمُ بما يُصلحُهُ وينفعهُ، بلْ هوَ أعلمُ به حتَّى من نفسِهِ: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14] .
ولا يخفَى أنَّ التكليفَ لا يخلُوا من مشقَّةٍ ورادةٍ على المكلَّف بامتثالهِ، لكنَّ تلك المشقَّة محتملةٌ مقدورٌ عليها كما قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] ، ولِذا فإنَّه حينَ يصلُ به الحالُ في بلُوغِ تلك المشقَّةِ ما لا يُحتملُ فإنَّ التَّكليفَ يسقُطُ، ثمَّ إنَّ المشقَّة المقدور عليها يحتملهَا المكلَّف رجاءَ المصلحةِ الَّتي تربُو في نفعِها لهُ على تلكَ المشقَّةِ، وهذا في الحقيقةِ احتمالٌ للضَّررِ المرجوحِ لتحصيلِ المنفعةِ الرَّاجحة.
وتأمَّل مثالَهُ في قوله عزَّوجلَّ في فرضِ الجهادِ: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)

الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216] ، وقوله في ذلكَ أيضًا: {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 104] .
والمقصودُ أنَّ جميعَ شرائعِ الدِّينِ إنَّما أريدَ بها منفعَةُ المكلَّفينَ، وهذا ظاهرٌ مُدركٌ في حِكَمِ التَّشريعِ وعِلل الشَّرائعِ وموافقةِ جميعهَا للعُقولِ المستقيمَة الجاريَةِ على نسقِ العدْلِ.
ومن حاصلِ ذلكَ إدراكُ حقيقتينِ عظيمتينِ:
الأولى: أنَّ شرائعَ الله عزَّوجلَّ كلَّهَا حكمَةٌ وعدلٌ، ليسَ منها شيءٌ خارجٌ عن ذلكَ، خلافًا لمن يظنُّ من الخارجيْن عن الملَّةِ أنَّ في شريعَةِ الإسلامِ ما هوَ خارجٌ عنِ العدلِ والحكمَةِ، فإنَّ ذلك منهم لِضيقِ عُقولهِم عن فهمِ مُرادِالله تعالى مع ظُهورِهِ والكُفرُ أو النِّفاقُ حجابٌ عظيمٌ دونَ إدراكِ الحقِّ.
والثَّانيَةُ: أنَّ شرائعَ الدِّينِ كاملَةٌ لا تقبلُ الاستِدراكُ ولا الزِّيادَةَ، ولقدْ كانَ من آخرِ ما أنزل الله تعالى على نبيِّه صلى الله عليه وسلم من الوحيِ قولُه: {اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)

وهذا شاملٌ لما يتَّصلُ بالعبادَاتِ أو المُعاملاتِ وسائرِ التَّصرٌّفاتِ، فإنَّ الدِّين لفظٌ يعُمُّ جميع شرائع الإسلامِ.
وقد علمنَا ممَّا تقدَّم في (أدلَّة الأحكامِ) أنَّ جيمعَ الأدلَّة (ومنها الاجتهاديَّة) راجعةٌ إلى الوحيِ، إذْ طريقُ الاجتهادِ ليسَ هو بمحضِ العُقولِ الَّتي قد تصيرُ بأصحابهَا إلى اتِّباعِ الهوَى، وإنَّما هو بأُصولِ الشَّريعَةِ نفسِهَا، فليسَ من شيءٍ يصحُّ أن يُنسبَ إلى شريعَةِ الإسلامِ إلَاّ وعليهِ دلالةٌ من نفسِ أدلَّةِ الشَّريعةِ.
فإذا كانتِ الغَايَةُ في التَّشريعِ تحقيقَ مصالحِ العبادِ فيجبُ الاعتَقادُ بأنَّه مُستوعبٌ لأحكامِ جميعِ تلكَ المصالحِ: ما يوجِدُها ويُحصِّلُها، وما يحمِيهَا ويُديمُها.
*‌‌ أنواع المصالح المقصودة بالتشريع:
من أعظمِ ما يجبُ على الفقيهِ معرفتُهُ إدراكُ ما ترجعُ إليهِ المصالحُ الَّتي جاءتْ جميعُ شرائعِ الإسلامِ لتحقيقهَا، وذلكَ لأمرينِ:
الأوَّل: معرفَةُ الوجوهِ الَّتي وردَ عليها التَّشريعُ من الحِكمِ والمعانِي، للإبانَةِ عنها وتبصيرِ الخلقِ بها، وذلك بإظهارِ محاسنِ هذه الشَِّريعَةِ العظيمَةِ ومزاياهَا وصلاحيَّةِ أحكامِها لجميعِ الأزمنَةِ والأمكنَةِ، وإقامةِ الحجَّة على أنَّها القانُونُ الَّذي يجبُ أن يسودَ، والميزانُ الَّذي يجبُ أن يُنصبَ، والعدلُ الَّذي يجبُ أن يُقامَ، {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)

حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:50] .
الثَّاني: مراعاتُها عندَ الاستِنباطِ والنَّظرِ في المُستجِدَّاتِ والحوادِثِ فيما طريقُه الاجتِهاد، لأنَّ القصدَ إلى مُوافقَةِ الحقِّ لا يُمكنُ من غيرِ اعتبار نوعِ مُطابَقَةِ في ذلكَ الاجتِهادِ لحُكمِ الله عزَّوجلَّ، وتلكَ المُطابقَةُ ليسَتْ بمجرَّدِ الألفاظِ، بلْ بالمعاني الَّتي لم تُستعملِ الألفاظُ في الحقيقَةِ إلَاّ للإبانَةِ عنهَا، وتلكَ المعانِي هيَ حِكَمُ التَّشريعِ، وهيَ عِللُ الأحكامِ، وهيَ مصالحُ العِبادِ.
وجملَةُ ما ترجعُ إليهِ المصالحُ ثلاثةُ أنواعٍ لا رابعَ لهاَ تقدَّم ذكرُها موجزَةً في (دليلِ المصلحة المُرسلة) وهذا مقامُ بيانِهَا فهيَ:
‌‌1ـ الضَّروريَّات:
وهيَ كلُّ أمرٍ لا بدَّ منهُ القِيامِ مصالحَ الدِّينِ والدُّنيَا، بحيثُ إذا فُقِدَ لم تجرِ مصالحُ الدُّنيَا على استِقامَةٍ، بلْ على فسادٍ وهلاكٍ وفي الآخرَةِ على خِزيٍ ونَدامَةٍ وخُسرانٍ مُبينٍ.
وتلكَ الضَّروراتُ خمسٌ: الدِّينُ، والنَّفسُ، والعقلُ، والمالُ، والعِرضُ.
وجاءتِ الشَّريعَةُ لحِفظِهَا بأمريْنِ:
الأوَّلُ: ما يُقيمُ أركَانَهَا ويُثبِّتُ قواعِدَهَا.
والثَّاني: ما يدْرأُ عنها الاختلالَ الواقعَ أو المُتوقَّعَ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 331)

وعليهِ فشرَعَتْ:
[1] لحفظِ الدِّينِ: فرضَ الإيمانِ والتَّوحيدِ، والصَّلاةِ، والزَّكاةِ، والصِّيامِ، والحجِّ، وما أشبه ذلكَ، وفرضتِ الأمرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عن المُنكرِ والجِهادَ ليكونَ الدِّينُ للهِ، ويُقابلُ ذلك تحريمُ الكُفرِ، وتركِ الشَّرائعٍ المذكورَةِ، والزِّيادَة في الدِّينِ بالابتِداعِ فيه بما لا يرجعُ إلى أصلٍ في الشَّرعِ، وإيجابِ قتلِ المُرتدِّ والمُحاربِ.
بلْ أكَّدتِ الشَّريعَةُ حفظَ الدِّينِ بما يزيدُ في الثَّباتِ عليهِ من مُكمِّلاتِ الضَّرورَةِ، فضرُورَةُ الإيمانِ شرعَ لهَا ما يزيدُها تثبيتًا بكثرَةِ الذِكرِ كتسبِيحِ وتهليلٍ وتحميدٍ واستِغفارٍ، وضرُروةُ الصَّلاة شرعَ لهَا من مكمِّلاتِ حفظِها شعيرَةَ الأذانِ لإظْهارِهَا، وصلاةَ الجَمَاعةِ، وهكذَا.
ولا يخفَبى أنَّ حفظَ الدِّين هو حفظُ سببِ العزَّةِ في الدُّنيَا، والفلَاحِ في الآخرَةِ.
[2] لحفظِ النَّفسِ: شرعَتِ الزَّواجَ لحفظِ هذا النَّوعِ وتكثيرِهِ بالتَّناسُلِ، وأباحَتِ الأطعِمَةَ والأشرِبَةَ والألبِسَةَ والمسَاكِنَ، وما بهِ قيامُ الحياةِ من الأسبابِ ودوامُها، وحرَّمتْ ما يفْتِكُ بالنَّفسِ، كتعاطي السُّموم القاتِلَةِ، ومن ذلكَ تحريمُ قتلِ النَّفسِ بالانتِحارِ، كما قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29] ، وما يُضْعِفُها كتعاطِي أو

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 332)

تركِ ما يقعُ بتعاطيهِ أو تركِهِ الأمراضُ والأسقامُ، كما شرَعَتِ القِصاصَ من القاتلِ، وقد قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179] ، وحرِّمتِ الاعتِداءَ على الغَيرِ في نفسِه أو بعضِ أعضائِهِ بغيرِ حقٍّ، كما شرَعتْ أحكامَ الدِّياتِ عُقوبَاتٍ للمخالفينَ في ذلكَ.
وشرعتْ تكميلاً لحفظِ هذه الضَِّروروةِ منع ما يحولُ دونَ تحقيقِ حفظهَا على أتمِّ وجهٍ، فلذَا أوجبتِ التَّماثُلَ في القتلَى، منعًا للتَّذرُّع في حالةِ عدمِ التَّماثُلِ بين القاتِلِ والمقتُولِ إلى تكرُّرِ الاعتِداءِ الَّذي من أجلِ إبطالِه وجبَ القِصاصُ.
والنَّفسُ سببُ الدَّوامِ والبقاءِ إلى أن يرثَ الله الأرضَ ومن عليهَا.
[3] لحفظِ العقلِ: إباحَةَ الأسبابِ الَّتي يدومُ بها ويبقى ببقاءِ الإنسانِ مستعملاً له فيما يعودُ عليهِ بالنَّفعِ في الدُّنيَا والآخرَةِ، وتحريمَ ما كانَ سببًا في إزالتِهِ أو إضعَافِه ممَّا للمكلَّفِ فيهِ اختيارٌ، كإزالتِه بتعاطي المُسكرَاتِ، وأوجبَتِ العُقوبةَ فيهَا.
وكذلكَ منعَتْ شُربَ القليلِ من الخمرِ وإنْ لم يُسكِر تتْميمًا في حفظِ هذهِ الضَّرورَةِ، وذلكَ سَدًّا للذَّريعَةِ.
والعقلُ سببُ التَّكليفِ وأساسُه، كما أنَّه سببُ للعدْلِ في جميعِ التَّصرُّفاتِ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 333)

[4] لحفظِ المالِ: أباح أسبابَ إنمائِه على وُجوهٍ تُحقِّقُ فيه وحرَّم الاعتِداءَ عليهِ بالإتلافِ، أو أكلَهُ بالباطلِ، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29] ، ومن ذلكَ أكلُه بالرِّبا، كما حرَّم سرِقتَهُ أو غضبَهُ، وأوجبَ قطعَ يدِ السَّارِقِ، وحرَّم تبذيرَهُ في غيرِ وُجوهِهِ.
والمالُ سببُ قيامِ الحياةِ، كما قال تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء: 5] .
[5] لحفظِ العِرضِ: دلَّت على أسبابِ وِقايتِه من معاطِب الزِّنا والفُجورِ مُبيِّنَةً خطورةَ تلكَ المعاطِب في تدميرِه وإفسادِه، ومن هذا جاء تحريمُ الزِّنا، وإيجابُ الحدِّ فيه وِقايةً للنَّسلِ، وإيجابُه بالقذفِ على القاذِفِ المُتطاولِ على الأعراضِ البريئَةِ.
والعرضُ سببٌ في تماسُكِ المُجتمعِ المُسلمِ وأُلفتِه وطهارَتِهِ.
‌‌2ـ الحاجيَّات:
وهيَ كُلُّ أمرٍ يحتاجُ إليهِ النَّاسُ لرفعِ الحرَجِ عنهُم، وليسَ بفواتِه فواتُ ضرُوريٍّ لهُم، لكنْ يقعُ بفواتِهِ العُسرُ والضِّيقُ بما يشُقُّ على المُكلَّف احتمَالُه.
ومن مباديءِ هذه الشَّريعةِ أنَّها جاءتْ بالتَّيسيرِ ورفعِ الحرجِ، كما قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)

وقال: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6] ، وقال: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] ، وقال: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28] .
ومن أمثلَةِ ماشرعتْهُ لتحقيقِ هذا النَّوعِ من المصالحِ:
[1] في العباداتِ: شرعتِ الرُّخصَ المُخفَّفةَ، كالمسحِ على الخُفَّينِ، وتركِ القيامِ في الصَّلاةِ للمسافرِ، والجمعِ بين الصَّلاتينِ للحاجَةِ، وإسقاطِ الصَّلاةِ عن الحائضِ والنُّفساءِ، والفِطرِ للمسافرِ والمريضِ، ورميِ الجِمارِ عن النِّساءِ والضَّعفَةِ، وغير ذلك ممَّا شُرع للتَّخفيفِ في العبادَاتِ.
[2] في العادَاتِ: شرعَتِ إباحَةَ التَّمتُّع بالطَّيِّباتِ من غيرِ إسرافٍ أو خُيلاءَ؛ في المطاعِم والمشارِبِ والملابِس والمراكِبِ والمساكِن وسائرِ المنافعِ، وأباحتِ الصَّيدَ والتَّنزُّه واللَّهوَ ترويحًا للنَّفسِ ودفعًا لمللِها وسآمتِها، بشرطِ أن لا يُعارضَ ضروريًّا.
[3] في المُعاملاتِ: رخَّصت في أنواعِ من العُقودِ استِثناءً من القواعدِ العامَّةِ، كإباحةِ بيع السَّلمِ والاستِصناعِ، وهُما من قبيلِ بيعِ الإنسانِ ما ليسَ عندَهُ، وإنَّما رُخِّصَ فيهما بشرُوطٍ معيَّنَةٍ للحاجَةِ، كما أباحتِ الطَّلاقَ والخُلعَ لإنهاءِ عقدِ الزَّوجيّضةِ دفعًا للحرَجِ والضَّررِ في عِشرَةٍ غير مرغُوبةٍ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 335)

[4] في العقوباتِ: شرَعَتْ (درءَ الحُدودِ بالشُّبُهاتِ) ، وجعلَ الدِّيَّةِ على عاقِلِه القاتِل في قتلِ الخطإِ.
‌‌3ـ التَّحسينيَّات:
وهيَ الأخذُ بمحاسنِ العادَاتِ والأخلاقِ، وتجنُّبُ مساوئِها.
وهذا بابٌ جاءتِ الشَّريعةُ فيه بأكملِ المعاني وأتمِّهَا، ولمَّا كانت العقُولُ الرَّاجِحةُ تُجبلُ على كثيرٍ من تلكَ الخِصالِ بطَبْعِها جاء قَانُونُ شريعةِ الإسلامِ فيها بإقرارِ ما كانَ عليها النَّاسُ منها قبلَ الإسلامِ، غيرَ أنَّه أجرَى عليها التَّعديلَ والتَّحسينَ والتَّهذيبَ بما جعلَتْها تندرجُ تحتَ موادِّ هذا القانونِ العظيمِ على أتمِّ ما يجبُ أن تكونَ عليهِ.
وفي هذا يقولُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((إنَّما بُعثتُ لأُتمِّمَ صالحَ الأخلاقِ)) [حديثٌ صحيحٌ رواهُ أحمدُ وغيرُه] ، كما قال الله عزَّوجلَّ: {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 6] .
ومن أمثلةِ ماجاءتْ بهِ الشَّريعَةُ لتَّحقيقِ هذا النَّوعِ من المصالحِ:
[1] في العبادَاتِ: شرَعَتْ إزَالَةَ النَّجاسَةِ عن الثَّوبِ والبَدنِ، وسترَ العورَةِ، وأخذ الزِّينةِ، والتَّطوُّعاتِ في الصَّلاة والصِّيامِ والصَّدقةِ، وسُننَ الطَّهاراتِ والصَّلواتِ وآدابِها، ونحوَ ذلكَ ممَّا يحسُنُ ويجمُلُ.
[2] في العادَاتِ: شرَعتْ أدَبَ الأكلِ والشُّربِ والملبسِ، وتركَ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 336)

أكلِ النَّجاساتِ وشُربها، وتوقيرَ الكبيرِ، ومُلاطفَةَ الأطفالِ، وتركَ اختِلاطِ الرِّجالِ والنِّساءِ لغيرِ حاجةٍ، وتركَ الخَلوَةِ بالأجنبيَّاتِ، والتَّحيَّة وآدابها، وطلاقَةَ الوجهِ عندَ اللِّقاءِ، وإماطًَةِ الأذى عنِ الطَّريقِ.
[3] في المُعاملاتِ: شَرعَتْ منعَ بيعِ الميتَةِ والخِنزيرِ، ونهَتِ المرأةَ أنْ تُزوِّج نفسَهَا، ومنعَتْ بيع َ الرَّجلِ على بيعِ أخيهِ، وخُطبتَهُ على خِطبَةِ أخيهِ، ومنعتِ الغِشَّ والخديعَةَ في البيعِ وسائرِ المُعاملَاتِ.
[4] في العُقوباتِ: شرَعتْ منعَ قتلِ النِّساءِ والصِّبيانِ في الجهادِ، كما حرَّمتِ المُثْلَةَ والغَْدْرَ.
*‌‌ ترتيب المصالح:
أنواعُ المصالحِ الثَّلاثِ لا يخفَى تفاوُتُ درجاتِهَا بحسبِ أهميَّتِهَا وهي على ما سبقَ ترتيبُها عليهِ:
الضَّروريَّاتُ، فالحاجيَّاتُ، فالتَّحسيناتُ.
ومُراعَاةُ هذا التَّرتيبِ في غايةِ الأهميَّةِ للفقيهِ، فإنَّ النَّظرَ في المسائلِ يجبُ أن يُقاسَ بما تتَّصلُ به من هذه المصالحِ، فما كانَ لهُ صِلَةٌ بالضَّروراتِ الخمسِ ينبني عليهِ تحصيلُهَا وحِمايتُهَا فلهُ المقامُ الأوَّلُ في الاعتبارِ، وإنْ تعلَّقتْ بأمرٍ حاجِّيٍّ كعُسرِ امتِثالِ على المُكلَّفِ صحَّ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 337)

اعتِبارُه إذا لم يبْطُل بهِ ضرورِيٌّ من الخمسِ، وإن تعلَّق بأدبٍ كانَ الشَّرطُ لاعتِبارِهِ أن لا يبطُلَ ضرُوريًّا ولا يورِدَ حرجًا وعُسرًا، ويُلاحظُ أنَّ الحاجيَّاتِ والتَّحسيناتِ كالمُتمِّماتِ للضَّروريَّاتِ.
والضَّروراتُ الخمسُ متَفاوِتَةٌ فيما بينهَا في قوَّةِ الضَّرورَةِ، فحفظُ الدِّين يُسترخصُ لأجلِهِ النَّفسُ والمالُ، وحفظُ النَّفسِ مُقدَّمٌ على حفظِ المالِ، فإنَّها تُفتَدَى بالمالِ، والمالُ يُمكنُ استِدراكُ ما يفوتُ منهُ بخلافِ النَّفسِ، وحفظُ العِرضِ بالعِفَّةِ من الزِّنا يُفتَدى بالمالِ، بلْ بالنَّفسِ، وحفظُ العقلِ يُغتفرُ فيهِ ما لا يُغْتفرُ في غيرِهِ من الضَّروريَّاتِ بالعُذرِ.
ودرجاتُ ذلكَ مُتفاوتَةٌ باعتباراتٍ تُدركُ من أحكامِ الإكراهِ، وحالِ الضَّرورَةِ.
والتَّحقيقُ أنَّ ترتيبَ الضَّروريَّاتِ ليسَ لهُ قانونٌ واضحٌ يُعوَّلُ عليهِ، وهيَ كما أشرْتُ تتفاوتُ باعتبارَاتِ، فلذَا لا يندرجُ ترتيبُها ضمنَ أُصولِ المقاصِدِ، وإنَّما التَّرتيبُ صحيحٌ في ترتيبِ المصالحِ من حيثُ الجُملَةُ.
*‌‌ القواعد المبنيَّة على مراعاة مقاصد التشريع:
بمُراعاةِ مقاصدِ التَّشريعِ المتقدِّمَةِ اسْتفيدَتْ جُملَةٌ من القواعِدِ والضَّوابطِ العامَّةِ ممَّا يتحقَّقُ به نفُ المُكلَّفِ، وهي في الحقيقةِ قواعدُ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 338)

فقهيَّةٌ عامَّةٌ تُساعدُ الفقيهَ على الاستِدلالِ والتَّرجيحِ بينَ المَصالحِ، من أهمِّهَا:
1ـ (الضَّرَرُ يُزالُ) .
وهذهِ قاعِدَةٌ عامَّةٌ يندرجُ تحتَهَا فروعٌ كثيرةٌ، منهَا: استِحقاقُ التَّعويضِ للغيرِ عندَ إتلافِ مالهِ، وثبُوتُ حقِّ الشُّفعةِ للشَّريكِ أو الجارِ، ووُجوبُ الوِقايَةِ من الأمراضِ، ومُعاقبَةُ المُجرمينَ بالحُدودِ أو التَّعازيرِ.
2ـ (يُدفعُ الضَّررُ العامُّ بتحمُّل الضَّررِ الخاصِّ) .
ويُمكنُ التَّعبيرُ عن هذه القاعِدَةِ بصيغَةٍ أُخرَى، هيَ: (اعتبارُ المصلحَةِ العامَّةِ مُقدَّمٌ على اعتبارِ المصلحَةِ الخاصَّةِ) .
ومن فُروعهَا: القصاصُ من القاتلِ لحفظِ حياةِ النَّاسِ من التَّهاوُنِ في الاعتِداءِ عليهَا، وقطعُ يدِ السَّارقِ لحفظِ أموالِ النَّاسِ من مدِّ الأيدِي إليهَا، وجلدُ القاذِفِ لقطعِ الألسِنَةِ دُونَ قذْفِ المُحصناتِ، وتدخلُ الدَّولةِ في تسعيرِ السِّلعِ عندَ الغلاءِ بفعلِ التُّجَّارِ ممَّا يضرُّ بالنَّاسِ، وإجبارُ التَّاجرِ المُحتكرِ على البيعِ لحاجَةِ النَّاسِ.
3ـ (يُرتكبُ أخفُّ الضَّررَينِ لاتِّقاءِ أشدِّهِمَا) .
ومن فُروعِهَا: صلَاةُ فاقدِ الطَّهورينِ الماءِ والتُّرابِ أوا لعاجزِ عن استِعمالِهَا بغيرِ طهارَةٍ، والنِّكاحُ وإنجابُ الأطفالِ في بيئةٍ قدْ كثُر فيهَا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 339)

الحرامُ والشُّبُهاتُ في المكاسِب وقلَّ الحلالُ وندرَ فلا تُتركُ ضرُورَةُ حفظِ النَّفسِ بالنِّكاحِ والنَّسلِ لأجلِ وُرودِ تلكَ المفسَدَةِ، وكونُ الإنسانِ بينَ اختيَاريْنِ: طلبِ العِلمِ في موضعٍ يرَى فيها المُنكرَ ويسكُتُ، أو تركِ ذلكَ والبقاءِ على الجهلِ والأميَّةِ، فالأوَّل مقدَّمٌ في الاختيارِ، فإنَّ طلبَ العلمِ من ضرورَةِ حفظِ الدِّينِ، والسُّكوتَ عن إنكارِ المُنكرِ فيه رُخصَةٌ في أحوالٍِ، ومنها الوُقوعُ في الكذبِ لحمَايَةِ مسلمٍ من الأذَى، وكِتمانُ الإسلامِ أو تركُ إظهارِ التَّديُّن لوِقايَةِ النَّفسِ أوِ الأهلِ أو المالِ من الأذَى.
4ـ (الضَّروراتُ تُبيحُ المحظُوراتِ) .
وفُروعُها لا تنتهي، وهيَ قاعدَةٌ عظيمَةٌ يُستباحُ بها الحرامُ لعُسرِ احتمالِ المُكلَّفِ عُسرًا يوردُ عليهِ من الضَّررِ ما لا يقدِرُ عليهِ، ومنْ فروعِ هذا: إباحَةُ الميتَةِ والخِنزيرِ والخمر وغيرِهَا لمن لا يجدُ بُدًّا من أخذِهَا.
وفهمُ هذه القاعِدَةِ يحتاجُ إلى تصوُّرِ قدْرِ الضَّررَينِ: الضَّررِ الوارِدِ، معَ ضررِ مُواقعَةِ الحرامِ، وهذهِ تحتاجُ إلى تأمُّلٍ شديدٍ من قِبلِ الفقيهِ، فأيُّ الجانبينِ كانَ أرجحَ فالحُكمُ لهُ.
ولنضْربْ له مثالاً: إنسانٌ وقعَتْ عليهِ غرامَةٌ ماليَّةٌ، وهوَ مُخيَّرٌ بين السَّدادِ وبينَ السَّجنِ، فنظرَ فلم يجِدْ سبيلاً للسَّدادِ إلَاّ قرضًا بالرِّبا،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 340)

فتقديرُ ضرورتِه أو حاجتِهِ يعودُ إلى ترجيحِ أخفِّ المفسدَتينِ، فنظرَ فوجَد في السِّجنِ بلاءً يخافُ منهُ على دينِه من خِلطَةِ السُّفهاء، أو على زوجةٍ أو ذُرِّيَةٍ يخافُ ضياعَهُم من بعدِهِ، أو نحوِ ذلكَ من الأسبابِ، ونظرَ فيما يُقابلُ ذلكَ، فوجَدَ المفسَدَةَ في قرضِ الرِّبا غايتَهَا أن يُعينَ آكل الرِّبا على معصيَةِ الله، وبِتركِهِ الافتِراضِ منهُ فإنَّه لا يزجُرُه عن تلكَ المعصيَّةِ، فجانبُ الفسادِ في أكلِ الرِّبا باقٍ في حالِ اقتراضِه أو عدَمِهِ، فيظهرُ لهُ من ذلكَ ترجيحُ ارتِكابِ أخفِّ المفسدَتينِ، أمَّا جانبُ المظلمَةِ الَّلاحقِ لهُ في أخذِ الرِّبا منهُ فالمكلَّفُ صاحبُ الحقِّ في التَّنازُلِ عن مظلمتِه، وإنَّما الاعتبارُ لحقِّ الشَّرعِ، وهوَ في نظرِهِ قد قابلَ ضررًا أبلغ.
فإنْ قيلَ: خوفُ المفسَدَةِ كيفَ يُساوي المفسَدَة؟ فالجوابُ: أنَّ خوفَ المفسَدَةِ يكونُ لهُ حُكمُها في هذا البابِ وبابِ الإكراهِ إذا كانَ خوفًا راجِحًا قد عُلمَ رُجحانُهُ بالقرائنِ.
5ـ (الضَّروراتُ تُقدَّرُ بقَدرِهَا) .
هذه القاعِدَةُ كالقيدِ للَّتي قبلَهَا، والمقصودُ بهَا: أن يُكتفى في استباحَةِ المُحرَّمِ للضَّرورةِ بالقدرِ الَّذي دفعَتْ إليهِ الضَّرورةُ من غيرِ مُجاوزَةٍ، لقولهِ تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173] .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 341)

ففي المثال المتقدِّم لا يحلُّ لهُ أن يقترضَ إلَاّ بمقدارِ غرامَتِه الَّتي عجزَ عن جميعِهَا، فإذا قدرَ على بعضِهَا وعجزَ عن بعضٍ، فيقتصرُ من القرضِ على القَدْرِ الَّذي ينقصُ عمَّا عِندَهُ.
وكذلكَ تُفيدُ القاعِدَةُ أنَّ الإذنَ باقٍ ما بقيَ العُذرُ، زائلٌ بزوالِهِ.
6ـ (المشقَّةُ تجلبُ التَّسيرَ) .
وهذه تعودُ إلى أصلِ رفعِ الحرجِ، وإليهِ ترجعُ مصالحُ (الحاجيَّات) ، ويندرجُ تحتهُ الرُّخصُ الَّتي شُرعتْ تخفيفًا على العبادِ.
وقد سبقَ في (أقسامِ الحُكمِ الوضعِيِّ) بيانُ أسبابِ الرُّخصِ وبعضِ أمثلتِهَا.
7ـ (إذا ضاقَ الأمرُ اتَّسعَ) .
والمعنَى: إذا ظهرَتْ فيه المشقَّةُ الَّتي لاتُحتملُ إلَاّ بالضَّررِ الرَّاجحِ فإنَّه يُرخَّصُ فيه ويُوسَّعُ.
وهذه القاعدَةُ من بابِ الَّتي قبلَهَا.
8ـ (إذا اختلفَ عليكَ أمرانِ فإنَّ أيسرَهُمَا أقربُ إلى الحقِّ) .
المقصودُ بذلك ما وقعَ فيه خفاءُ الحُكمِ شرعًا في الأمرينِ، والقاعدَةُ جاءتْ على اعتبارِ أنَّ الأصلَ في الشَّرائعِ السُّهولَةُ واليُسرُ ورفعُ الضِّيقِ والعنَتِ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 342)

ولقدْ صحَّ عن عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمريْنِ إلَاّ أخَذَ أيسرَهُمَا ما لم يكُن إثمًا، فإنْ كانَ إثمًا كانَ أبعدَ النَّاسِ منهُ [متفقٌ عليه] .
فإذا كانَ الأمرانِ ليسَ فيهمَا حكمٌ في الشَّرعِ وتردَّدَ فيهمَا نظرُ الفقيهِ ألحقَهُمَا بالأصلِ، وهوَ عدمُ الإثمِ، ثمَّ يُرجِّحُ الأخذَ بأيسرِهمَا بناءً على الأصلِ في قواعدِ الشَّرعِ، وهديِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
وليسَ هذا فيماَ يقوَى فيه جانبُ الشُّبهَةِ، فإنَّ ما كانَ كذلكَ فطريقُ الفقيهِ فيه الإمساكُ عن إبداءِ الرَّأي، إذْ لا يصحُّ أن يُفتى بمُقتضَى الشُّبهةِ لأنَّها ليستْ حكمًا، وأمَّا في نفسهِ فيترُكُ الشُّبهاتِ ورعًا ما وجَدَ إلى ذلكَ سبيلاً.
*‌‌ منافاة البدعة لمقاصد التشريع:
استيعابُ الشَّريعةِ للأحكامِ، ومجيءُ جميعِ تلكَ الأحكامِ على العدلِ والحقِّ، معَ قصدِ التَّيسيرِ ورفعِ الحرَجِ، يُنافي الزِّيادَةَ عليهَا والاستِدراكَ.
وما يُستفادُ من الأحكامِ للمستجدَّاتِ بطريقِ القياسِ الصَّحيحِ أو المصالحِ المُرسلَةِ أوِ الاستِصحابِ راجعٌ إلى تلكَ الأحكامِ، وهوَ منها ليسَ بخارجٍ عنهَا، ومُتناسبٌ مع مقاصدِ هذه الشَّريعةِ لتحقيقِ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 343)

مصلحَةِ المُكلَّفِ ورفعِ الحرجِ عنهُ.
وهذا بخلافِ البِدعةِ، فإنَّها: إحداثُ اعتقادٍ أو حكمٍ ليسَ لهُ مثالٌ سابقٌ.
وإن قارنتَ هذا بأدلَّةِ الأحكامِ الاجتهاديَّة، وجدْتهَا تُفارقُه:
فالقياسُ: إنَّما هو قياسٌ على النَّصِّ، فهوَ على مثالٍ سابقٍ، ثمَّ إنَّه يمتنعُ تصوُّرهُ في العقائدِ والعبادَاتِ المحضَة، لعدَمِ إدراكِ عللهَا، وعُمدَةُ القياسِ على عللِ الأحكامِ.
والمصلحةُ المُرسلةُ: إنَّما هي اعتبارٌ لمقاصدِ الشَّرعِ في حفظِ الضَّروراتِ ورفعِ الحرجِ، فهي صورةٌ من القياسِ على مثالٍ سابقٍ، وهي غيرُ واردةٍ إلَاّ في أمرٍ فيه مجالٌ للنَّظرِ، ولايُمكنُ ذلكَ إلَاّ بإدراكِ المعاني والعِللِ والمُناسباتِ، وهذا ممتنعٌ في عقيدةٍ أو عبادَةٍ محضةٍ، فالعقيدَةُ خبرٌ الله تعالى أو رسولهِ صلى الله عليه وسلم عنهُ فيما لا يحيطُ به العبادُ علمًا إلَاّ عن طريقِ الخبرِ، وأمَّا العبادَاتُ المحضةُ فشيءٌ قُصدَ به الابتلاءُ، والله عزَّوجلَّ راعى برحمتِه قُدُراتِ المُكلَّفينَ، وما جعلَ الصَّلاةَ من خمسينَ في العدَدِ في اليومِ واللَّيلَة إلى خمسٍ إلَاّ تيسيرًا على العبادِ وتخفيفًا لذلكَ الابتِلاءِ، وما جاءتْ الرُّخصُ في العبادَاتِ إلَاّ لهذا المعنى، والمصالحُ يقصدُ بها نفعُ المكلّفينَ بالتَّخفيفِ والتَّيسير ورفعِ الحرجِ، فكيفَ يصحُّ تصوُّرُ إثباتِ عبادَةٍ زائدَةٍ لم يأتِ بها التَّشريعُ أنَّها

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 344)

تُحقِّقُ مقصدَ الشَّرعِ في نفعِ المُكلَّفينَ، مع أنَّ ألأصلَ في زيادَةِ التَّكليفِ الحرجُ؟
والاستصحابُ: استمرارُ العملِ بالدَّليلِ الثَّابتِ من الشَّرعِ لعدمِ وُرودِ ما يُغيِّرُه، فالحُكمُ فيه في الحقيقةِ حكمُ النَّصِّ.
وسائرُ أدلَّةِ إثباتِ الأحكامِ إنَّما هي النُّصوصُ من الكتابِ والسُّنَّةِ.
فأينَ موقعُ البِدعَةِ منها إذًا لإثباتِ عقيدَةٍ أو حُكمٍ؟
ولهذا حكمَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بإبطالِ جميعِ البِدعِ، وينبغي أن لا يُفرَّق بعدَ ذلكَ بين بدْعةٍ وبدْعةٍ، فإنَّ صاحبَ الشَّريعةِ لم يستثنِ منها شيئًا.
وفي ذلكَ قوله صلى الله عليه وسلم: ((من أحدثَ في أمرنَا هذا ما ليسَ منهُ فهوَ رّدٌّ)) [متفقٌ عليه من حديث عائشةَ] وفي روايةٍ: ((من عملَ عملاً ليس عليهِ أمرُنا فهو ردٌّ)) [أخرجه مسلمٌ] .
وقوله صلى الله عليه وسلم في خُطبتِهِ: ((أمَّا بعدُ، فإنَّ خيرالحديثِ كتابُ الله، وخيرَالهديِ هديُ محمَّدٍ، وشرَّالأمورِ مُحدثاتها، وكلَّ بدعةٍ ضلالَةٍ)) [أخرجه مسلمٌ عن جابرِ بن عبد الله] .
وإنَّما يقعُ الغلطُ في تصوُّرِ البِدعِ ومعناهَا، وما يدخلُ فيها وما يخرجُ منها بِسببِ تعريفاتٍ ضعيفةٍ ليستْ مُوافقةً في الحقيقةِ لمُرادِ الشَّارعِ بها، فهذا يقولُ: البِدعُ أقسامٌ منها المقبولُ ومنها المردُودُ، ومنهَا الحسنُ ومنهَا القبيحُ، ومنهُم من قسَّمهَا خمسةَ أقسامٍ على الأحكامِ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 345)

التَّكليفيَّة الخمسة، فقالَ: البِدعُ: واجبٌ، ومندوبٌ، ومُحرَّمٌ، ومكروهٌ، ومباحٌ، ومنهم من قال: هي حقيقةٌ وإضافيَّةٌ، إلى غير ذلكَ.
وربَّما شوَّس في إدراكِ معنى البِدعةِ: التَّوسُّع في إلحاقِ صورٍ كثيرةٍ بالبِدعِ، وكثيرٌ منها من قبيلِ المصالحِ المُرسلَةِ كصلاةِ التَّراويحِ على إمامٍ واحدٍ بعد العشاءِ، والأذانِ العُثمانيِّ، وجمعِ المُصحفِ، وتقنينِ العُلومِ، أو ممَّا يلحقُ بدليلِ الاستصحابِ كقاعِدَة (الأصلِ في الأشياءِ الإباحَة) كصُورٍ كثيرةٍ من العُرفِ، مثلِ الزِّيادَةِ في التَّحيَّةِ على لفظِ السَّلامِ، والتَّهنيئةِ بالعيدِ، ومنهَا ما يوجدُ علىخلافٍ صُورَةٍ لم تكُن عليها العادَةُ النَّبويَّةُ، كالأذانِ بين يدَي الإمامِ، والزِّيادَةِ في المنبرِ على ثلاثِ درجاتٍ، ونحو ذلكَ.
وهذه الصُّورُ في الحقيقةِ إلحاقُها بالبِدعِ خطأٌ، لأنَّها جميعًا تعودُ إلى أصولٍ صحيحةٍ في الشَّرعِ، وليسَ منها ما هو من قبيلِ الاعتقادِ أو العبادَةِ المحضَةِ.
ولا يصحُّ التَّشويشُ بقولِ عُمرَ رضي الله عنه في شأنِ صلاةِ التَّراويحِ: ((نِعمَ البِدعَةُ هذه)) ، فإنَّه لا يُستقبحُ لفظُ (البِدعةِ) لِذاتِه، وإنَّما العبرَةُ بمعناهُ، والَّذي وقعَ من عُمر رضي الله عنه جميعُه لهُ أصلٌ في الشَّرعِ، فإنَّ من تأمَّل القصَّةَ الَّتي قال فيها عُمرُ ذلكَ وجدَهَا بيِّنَةً في أنه أرادَ تقديمَ صلاةِ التَّروايحِ بعد صلَاةِ العشاءِ، فهذا لم يفعلْهُ رسولُ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 346)