Arabic source text

📘 তাইসীরু ইলমি উসূলিল ফিকহ (আবদুল্লাহ আল-জুদাই)

📘 تيسير علم أصول الفقه (عبد الله الجديع)

📘 তাইসীরু ইলমি উসূলিল ফিকহ (আবদুল্লাহ আল-জুদাই)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
الله صلى الله عليه وسلم بالنَّاسِ في عهدِه، إنَّما خرجَ فصلَّى بهِم بعضَ اللَّيالي من آخرِ اللَّيلِ، وهذا الَّذي أحدثهُ عُمرُ رضي الله عنه له أصلٌ في الشَّرعِ وإنْ لم تكُن صُورتُه موجودَةً على عهدِ التَّشريعِ، وهوَ كونُ جميعِ اللَّيلِ وقتًا للصَّلاةِ فيهِ، من بعدِ العشاءِ إلى الفجرِ، فكانتِ المصلحَةُ المقتضيةُ نفعَ النَّاسِ أن يجعلهَا لهُم من أوقاتِ اللَّيلِ أفضلَ، ولهذا قال مُنبِّهًا على هذا المعنى:
((نِعم البِدعةُ هذهِ، والَّتي ينامونَ عنهَا أفضلُ من الَّتي يقومونَ)) يُريدُ آخرَ الَّليلِ، وكانَ النَّاسُ يقومونَ أوَّلهُ [أخرجه البُخاريُّ] .
فتسميَّةُ عُمر لهذا الفعلِ (بِدعة) محصورٌ بتقديمِ الصَّلاةِ أوَّل اللَّيلِ، وحيثُ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يفعلهُ كذلكَ فهو مُحدثٌ من هذا الوجهِ، فهذا التَّقديمُ ليس لهُ مثالٌ سابقٌ على صفتهِ من الفعلِ النَّبويِّ، لكنْ لهُ مثالٌ سابقٌ من جهةِ صحَّتِه في هذا الوقتِ من حيثُ الجُملَةُ، وهذه الصُّورةُ لا يصلحُ أن تُلحقَ بالبِدعِ الشَّرعيَّةِ، كما تقدَّمَ في استثناءِ ما يُستفادُ من أحكامِ الحوادِثِ بالقياسِ أو المصالحِ المُرسلَةِ أوِ الاستِصحابِ؛ لأنَّها راجعةٌ إلى الدَّليلِ من الكتابِ والسُّنَّةِ، ولا تبقى عبرَةٌ مؤثِّرَةٌ في الألفاظِ إذا ظهرتْ دلالتُهَا.
والَّذي ينبغي مُطلقًا أن لا يُستعملُ لفظٌ يقعُ فيهِ الإيهامُ واللَّبسُ من غيرِ تحديدِ المُرادِ بهِ، وليسَ قومُنا كأصحابِ عُمرَ رضي الله عنه في إدراكِ مُرادِهِ، فما حملُوا قولهُ على مُخالفَةِ العُمومِ لقولِه صلى الله عليه وسلم: ((وكلَّ بِدعةٍ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 347)

ضلالَةٌ)) ، بلْ كانُوا يُدركُونَ أن لا مُشاحَةَ في الألفاظِ إذا احتملتِ المعاني الصَّحيحة، فأدركُوا أنَّ مرادَ عُمرَ بـ (البِدعة) غيرُ مرادِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بها، وحيثُ اختلفَ المقصودُ فلا يُعترضُ على عُمومِ الحديثِ بالتَّخصيصِ، فيقالُ: جرَى ذلكَ مجرَى الغالبِ في البِدعِ، أو يُصادَمُ الحديثُ بالقولِ: البِدعةُ منها ما هوَ حسنٌ وما هوَ قبيحٌ، وإنَّما يُفهمُ كلامُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم على الوجهِ الَّلائقِ بهِ، وتعريفُه للأشياءِ هوَ المُقدَّمُ على تعريفِ من سِواهُ.
وحاصلُ القولِ:
أنَّ البِدعَ ما لاوجهَ لهُ في القياسِ، أو لا يندرجُ تحتَ أصلٍ عامٍّ من أصولِ التَّشريعِ، أو يقعُ به من زيادَةِ التَّكليفِ ما ليسَ مُرادًا للشَّرعِ لقصدِهِ التَّخفيفَ على المُكلَّفينَ، وليستْ تحتصُّ بكونِهَا ممَّا وردَ بهِ دليلُ الشَّرعِ.
وأمثلتُهَا في العقائدِ: الكلامُ في صفاتِ الله عزَّوجلَّ بالتَّأويلِ والتَّعطيلِ والتَّشبيهِ، وحملُ نصوصِ الوعدِ والوعيدِ واليومِ الآخرِ والجنَّةِ والنَّارِ على غيرِ الحقيقةِ، والقولُ في التَّوراةِ والإنجيلِ والقُرآنِ أنَّها ليستْ كلامَ الله، والطَّعنُ على أصحابِ النَّبي صلى الله عليه وسلم بسبٍّ أو تفسيقٍ أو تكفيرٍ، واعتقادُ تخليدِ أصحابِ الكبائرِ من الموحدينَ في النَّارِ، ونفيُ علمِ الله السَّابقِ للموجودَاتِ، وغيرُ ذلكَ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 348)

وأمثلتُهَا في العبادَاتِ: تخصيصُ ليلةٍ من اللَّيالي بالقيامِ أو يومٍ بالصِّيامِ على اعتقادِ فضيلةٍ خاصَّةٍ لتلكَ اللَّيلةِ أو ذلكَ اليومِ، والرَّهبَنةُ والانقِطاعُ للتَّعبُّدُ مع الإعراضِ عن الجهادِ والأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عن المُنكرِ وكسبِ الرِّزقِ، والاجتِماعُ لذكرِالله مقرونًا بالرَّقصِ والمعازفِ كضربِ الدُّفوفِ، وعملُ المواسمِ بعدَ موتِ الميتِ، كأُسبُوعيَّةٍ، وأربعينيَّةٍ وسنويَّةٍ، وغيرُ ذلكَ.
* * *

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 349)

‌‌3ـ تعارض الأدلة
* يقته:
يُرادُ بالتَّعارضِ: التَّناقضُ والاختلافُ بين الدَّليلينِ الثَّابتينِ.
وهذا المعنى لا وُجودَ لهُ حقيقةً في الأدلَّةِ الشَّرعيَّةِ، لأنَّ الله تعالى نصبَهَا علاماتٍ يهتدي بها المُكلَّفُونَ في الطَّريقِ إليهِ، والتَّعارضُ مناقضٌ لهذه الحقيقةِ، وقد نفى الله عزَّوجلَّ ذلك عن كلامِهِ، فقالَ: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء:82] ، فسلمَ من الاختلافِ وعُصمَ من الباطلِ كما قال: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 41ـ 42] ، وكلامُ نبيِّه صلى الله عليه وسلم سالمٌ من التَّعارضِ كسلامَةِ القرآنِ، فكلُّه وحيُ الله تعالى وتشريعُه، كما قال سبحانهُ: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3ـ 4] .
وإنَّما يوجدُ التَّعارضُ في نظرِ المُجتهدِ لانتفاءِ العصمةِ، ووُرودِ الخطإ والقُصورِ في الفهمِ، وخفاءِ الأدلَّةِ ووُجوهِهَا عليهِ، ممَّا هوَ طبعُ البشرِ إلَاّ المعصومَ صلى الله عليه وسلم.
فلمَّا كانَ يمتنعُ التَّعارضُ حقيقةً في أدلَّةِ الشَّرعِ فعلى المُجتهدِ إذا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 350)

ظنَّ ذلك بينَ دليلينِ أن يسلكَ باذلاً وُسعهُ ما يوصلُهُ إلى الحقيقةِ المُرادَةٍِ للشَّرعِ، مع استِحضارِ أنَّ التَّعارضَ في ذِهنِهِ وظنِّهِ لا في الأدلَّةِ لقصُورِهِ وكمالِهَا.
* ترتيب مسالك النظر:
المنطقيَّةُ المُتناسقَةُ مع هذه المقدِّمَةِ تتمثَّلُ في التَّرتيبِ التَّالي:
1ـ إعمالُ الدَّليلينِ بأيِّ طريقٍ مُمكنٍ.
2ـ فإنْ تعذَّر فالبحثُ في إمكانِ النَّسخِ.
3ـ فإنْ تعذَّرَ فالتَّرجيحُ بالقرائنِ.
وإليكَ بيانَ تلكَ المسالكِ، معَ التَّفصيلِ لهَا بما يُناسبُهَا.
* * *

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 351)

‌‌1- إعمال الدليلين
* المقصود به:
أن يبذُلَ المجتهدُ وُسعهُ للجمعِ والتَّوفيقِ بين الدَّليلينِ المُتعارضينِ، جريًا مع الأصلِ في نفي التَّعارضِ الطَّاريء وتحقيقِ مقصودِ الشَّارعِ بخِطابهِ.
وفي (قواعدِ الاستنباطِ) ما يُساعدُ المجتهدَ لتحقيقِ ذلكَ، وأهمُّ ذلكَ ثلاثُ قواعد:
الأولى: بناءُ العامِّ على الخاصِّ.
فيُنظرُ إن كانَ أحدُ النَّصَّينِ عامًّا، وكان الآخرُ خاصًّا، فيُخرجُ ذلك الخاصُّ من العمومِ بهذه القاعِدَة.
والثَّانية: حملُ المُطلقُ على المقيَّدِ.
وذلكَ أيضًا بالنَّظرِ إلى ما بينَ الدَّليلينِ من الإطلاقِ والتَّقييدِ، فإنْ وُجِدَ حُملَ المُطلقُ على المقيَّدِ، وسبقَ من أمثلتِهَا والَّتي قبلهَا ما فيهِ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 352)

كفايَةٌ في مبحثي (المُطلقُ والمقيَّدُ، والعامِّ) .
والثَّالثة: تأويلُ أحدِ الدَّليلينِ على معنى مُناسبٍ من غيرِ تكلُّفٍ، كتعليقه بظرْفٍ أو صِفةٍ.
مثالهُ: ما وردَ في كتابِ الله تعالى من آياتِ الأمرِ الإعراضِ عن المشركينَ، وماجاءَ بعد ذلكَ من الأمرِ بقتالِهِم، فظاهرُ الصُّورَتينِ التَّعارضُ، ولذا صارتْ طائفةٌ إلى ادِّعاءِ النَّسخِ لآياتِ الإعراضِ بآيةِ القتالِ الَّتي اصطلحُوا عليها بـ (آية السَّيفِ) وهي قوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} الآية [التوبة:5] ، فدعوى النَّسخِ بهذه الآيةِ دعوى ضعيفةٌ مردودةٌ، وإنَّما هذه مرحلَةٌ غيرُ الأولى، فإذا اقتضى الظَّرفُ حكمَ الإعراضِ فهو باقٍ مُحكمٌ، وإذا اقتضى السَّيفُ فهو باقٍ مُحكمٌ.
وحديثُ أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خيرُ أُمتي القرنُ الَّذينَ بُعثتُ فيهم، ثمَّ الَّذينَ يلونَهُم)) والله أعلمُ أذكَر الثَّالث أم لا، قال: ((ثُمَّ يخلفُ قومٌ يُحبُّون السَّمانَةَ، يشهدُونَ قبل أن يُستشهدُوا)) [أخرجه مسلمٌ] ، مع حديثِ زيدِ بن خالدٍ الجُهنيِّ، أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: ((ألا أُخبركُم بخيرِ الشُّهداءِ؟ الَّذي يأتي بشهَادَتِهِ قبلَ أن يُسألهَا)) [أخرجه مسلمٌ] ، فالأوَّلُ ذمَّ من يشهدُ قبلَ أن يُسألَ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 353)

الشَّهادَة بما ينفي عنهُ الخيريَّةَ، والثَّاني يُثبتُ لمن فعلَ ذلك الخيريَّةَ، وهذا تعارُضٌ ظاهرٌ، لكنَّ الفقيهَ لا يعدَمُ جوابًا يُعملُ به الخبرَينِ الصَّحيحينِ، فتأوَّل أهلُ العلمِ حديثَ زيدٍ على واحدٍ من معنيينِ: أن يكونَ من الشَّهادَةِ لصاحبِ حقٍّ لا يعلمُ أنَّكَ شاهدٌ ليأتيكَ فيسْألَكَ، فتشهدُ لهُ قبلَ أنْ تُسألَ الشَّهادَة لتنصُرَهُ في حقِّه، أو يكُونَ في حقوقِ الله تعالى الَّتي يُرجَى فيها الثَّوابُ عندَهُ، لا للآدميِّينَ.
وما كانَ من هذا النَّمطِ من الأدلَّة فإنَّ العملَ بكلا الدَّليلينِ حاصلٌ فيهِ، ولوْ مِن وجهٍ، وهذا واجبٌ ما وجَدَ إليهِ الفقيهُ سبيلاً.
* * *

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 354)

‌‌2ـ الناسخ والمنسوخ
* تعريف النسخ:
لغة: الرَّفعُ والإزالَةُ، ومنهُ يُقالُ: (نسَخَتِ الشَّمسُ الظِّلَّ) أزالتْهُ، و (نسخَ الكتَاب) رفعَ منهُ إلى غيرهِ.
واصطلاحًا: رفعُ حكمٍ شرعيٍّ عمليٍّ جُزئيٍّ ثبتَ بالنَّصِّ بحكمٍ شرعيٍّ عمليٍّ جزئيٍّ ثبتَ بالنَّصِّ وردَ على خلافِه مُتأخِّر عنهُ في وقتِ تشريعِه، ليسَ متَّصلاً بهِ.
فالرَّفعُ هو (النَّسخُ) ، والحُكمُ الشَّرعيُّ المرفوعُ هوَ (المنسوخُ) ، والحُكمُ الشَّرعيُّ المتأخِّرُ هو (النِّاسخُ) .
*‌‌ ثبوت النسخ في الكتاب والسنة:
النسخُ واقعٌ في نصُوصِ الوحيِ بدلالةِ الكتابِ والسُّنَّةِ، فمن ذلكَ قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة:106] ، وقوله: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 101ـ 102] ، وقولهُ: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39] ، وقوله: {وَإِذَا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 355)

تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى} [يونس: 15] .
والأمثلةُ الآتية قريبًا من الكتابِ والسُّنَةِ على النسخِ قاطعةٌ بصحَّةِ وقوعِ ذلكَ فيهمَا، وتواترَ عن أصحابِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ذِكرُ النَّسخِ، وذهبَ إلى القولِ به عامَّةُ أئمَّةِ الإسلامِ من السَّلفِ والخلفِ، إلَاّ شِرذِمَةٌ عُرفتْ بالبِدعَةِ.
* حكمة النسخ:
النَّسخُ جارٍ على مقاصِدِ الشَّرعِ في تحقيقِ مصلحَةِ المُكلَّفِ، فقدْ ينزلُ الحُكمُ في أمرٍ شديدٍ يشقُّ على المؤمنينَ يُرادُ به اختبارُهم وامتِحانُ صِدقِ إيمانِهِم، كما في نُزُول قولهِ تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 284] ، حتَّى إذا ظهرَ التَّسليمُ والانقِيادُ أنْزلَ الله عزَّوجلَّ تصديقَ ما في قُلوبِهِم: {آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285] ، ونزلتِ الآيةُ بعدَهَا بالتَّخفيفِ، وتارةً يُرادُ به التَّدرُّجُ في التَّشريعِ لحدَاثةِ النَّاسِ بالجاهليَّةِ، فيُراعي الشَّارعُ استِعدَادُهم لذلكَ، كالتَّدرُّجِ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 356)

في الصَّلاةِ في قلَّةِ الرَّكعاتِ والأوقاتِ، إلى خمسٍ في اليومِ واللَّيلَةِ بأوقاتهَا المعلومَةِ، والتَّدرُّجِ في الصِّيامِ بفرضِ صومِ يومٍ واحدٍ أوَّلاً هو يومُ عاشُوراءَ، ثمَّ نُسِخَ بصومِ شهرٍ كاملٍ هُوَ رمضَانَ، وهكذا.
وهذا كما قال عزَّوجلَّ: {لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 102] .
وحقيقةُ النَّسخِ تغييرٌ للأحكامِ بتغيُّرِ الأحوالِ والظُّروفِ، ممَّن يعلمُ مصالحَ خلقِهِ تبارك وتعالى، ولمَّا امتنعَ أن يكونَ للعُلماءِ من الإحاطَةِ بالمصالحِ والمفاسدِ في أحوالِ البشرِ كإحاطَةِ علمِ الله تعالى، امتنعَ القولُ بالنَّسخِ بالاجتهادِ، لما يقعُ به من إبطالِ أحكامِ الشَّرعِ المُتيقَّنَةِ بالظَّنِّ، لكنْ للعلماءِ الاهتِداءُ بمبدإِ النَّسخِ في مُراعَاةِ الظُّروفِ والمناسباتِ فيما مجالُه الاجتهادُ من الأحكامِ، فيُفتي أحدُهُم في المسألةِ في ظرفٍ يكونُ على خلافِهِ في ظرْفٍ آخرَ.
*‌‌ شروط النسخ:
أفادَ تعريفُ النَّسخِ المتقدِّمُ الشُّروطَ الَّتي لا بدَّ من توفُّرهَا للقولِ بهِ، وهيَ:
1ـ أن يكونَ الحُكمانِ شرعيَّينِ.
2ـ أن يكونَا عمليَّينِ.
3ـ أن يكونَا جُزْئيَّينِ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 357)

4ـ أن يكونَا ثابتينِ بالنَّصِّ.
5ـ أن يكونَا مُتناقضينِ في المعنى.
6ـ أن يكونَا منفصلينِ.
7ـ أن يكونَ النَّاسخُ مُتأخِّرًا عن المنسوخِ في تشريعِهِ.
فإذا اجتمَعتْ هذهِ الشُّروطُ في حُكمينِ صحَّ القولُ بالنَّسخِ.
وفي هذه الشُّروطِ منعُ وقوعِ النَّسخِ في أشياءَ، هيَ:
1ـ التَّوحيدُ والصِّفاتُ وسائرُ العقائدِ لامتناعِ التَّناقُضِ فيهَا، وليسَتْ أحكامًا عمليَّةً.
2ـ الأخبارُ الَّتي لم يُقصدُ بها الطَّلبُ، كالإخبارِ عن الأُممِ الماضيَةِ، والإخبارَ عمَّا سيكونُ كأشراطِ السَّاعَةِ، لأنَّ خبرَ الصَّادق يستحيلُ الرُّجوعُ عنهُ لما يقتضيهِ الرُّجوعُ من الإخبارِ على خلافِ الواقعِ في أحدِ الخبرينِ، فإنَّ من قالَ: (جاءَ زيدٌ) ثمَّ قال بعدَهُ: (لمْ يأتِ) فأحدُ خبريةِ على خلافِ الواقعِ جزمًا، بكذبٍ أو وهمٍ، وخبرُ الله ورسولِه مُنزَّهُ عن ذلكَ.
ولا ينقضي العجبُ من قولِ بعضِ منْ يُنسبُ إلى السُّنَّة في مسألة (امتناعِ النَّسخِ في الأخبار) : أنَّ النَّسخ ممتنعٌ في الأخبارِ إلَاّ أخبارَ الوعيدِ، فإنَّه يجوزُ فيها النَّسخُ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 358)

وهذا القولُ فلْتَةٌ ممَّن قالهُ، فإنَّ خبر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في وعدٍ أو وعيدٍ حقٌّ كما أُخبرنا بهِ، وهوَ واقعٌ كما جاءَ به الخبرُ، ولا يُستشكلُ أنَّ الله تعالى قدْ لا ُينفِذُ الوعيدَ، لأنَّه أخبرنَا أنَّ وعيدَه بمشيئتِهِ، فإنْ شاء عذَّب وإن شاءَ رحمَ كما هوَ الشَّأنُ في عُصاةِ الموحِّدينَ، وأخبرنَا أنَّ فريقًا ممَّن وجب عليهمُ الوعيدُ لاانفِكاكَ لهُم عنهُ بحالٍ كالكُفَّارِ في نارِ جهنَّم، فأيُّ نسخٍ سيقعُ في الوعيدِ، وهوَ إمَّا مُنجَّزٌ وإمَّا مُعلَّقٌ بنفسِ دلالةِ الخبرِ؟
3ـ نصوصُ الأخلاقِ والفضائلِ، فإنَّها لا يُتصوَّرُ في مثلهَا التَّبديلُ، فالفضيلةُ لا يُقابلُها إلَاّ الرَّذيلةَ، والصِّلةُ تُقابلُها القطيعَةُ، والإحسانُ تُقابلُه الإساءَة، والكرَمُ يُقابلُه البُخلُ، وهكذَا، ومن شرْطِ النَّاسخِ التَّقابلُ بين النَّاسخِ والمنسُوخِ، فإمَّا هذا أو ذاكَ، لا يجتمعانِ في التَّكليفِ.
4ـ القواعدُ الكُلِّيَّةُ ومقاصدُ التَّشريعِ، لأنَّها كُلِّيات، ولم يقعْ في جميعِ ما يُذكرُ مِمَّا وقع فيه النَّسخُ من نصُوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ نسخٌ لقاعِدَةٍ كلِّيَّةٍ، إنَّما جميُعُها واردٌ في جُزئيَّاتِ الأحكامِ رِعايَةً للمقاصِدِ الكُلِّيَّة كما سبقَ الإشارَةُ إليهِ في (حِكمةِ النَّسخِ) .
5ـ أحكامٌ جُزئيَّةٌ اقترَنَ تشريعُها بما دلَّ على تأبيدِهَا، كقوله تعالى في حديثِ فرْضِ الصَّلواتِ ليلةَ المِعراجِ: ((هيَ خمسٌ وهيَ خمسُونَ، لا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 359)

يُبدَّلُ القولُ لديَّ)) [متفقٌ عليه] ، وقولهِ صلى الله عليه وسلم: ((لا تنْقطِعُ الهِجرَةُ حتَّى تنقطِع التَّوبةُ، ولا تنقطِعُ التَّوبَةُ حتَّى تطلُع الشَّمسُ من مغربِها)) [حديثٌ حسنٌ أخرجه أبوداود وغيرُه عن مُعاوية] .
كما دلَّت الشُّروطُ المذكورةُ على منعِ وقوع النَّسخِ بأشياءٍ، هيَ:
1ـ قولُ الصَّحابيِّ: (هذا النَّصُّ منسوخٌ) حتَّى يُذكرَ النَّاسخَ ويُفسِّرُ ذلك بما ينطبِقُ ومعنى النَّسخِ، وذلكَ لجوازِ أن يعني بالنَّسخِ التَّخصيصِ، أو ظنَّه كذلكَ باجتِهادِه، فيكونُ من قبيلِ مذاهبِ الصَّحابةِ، وهيَ وارِدَةٌ بعدَ النَّصِّ.
والقولُ بعدَمِ قبولِ النَّسخِ بهذا الطَّريقِ عليهِ جمهُورُ العلماءِ.
2ـ الإجماعُ المُدَّعى في كثيرٍ من المسائلِ والَّذي سبقَ بيانُه في (دليل الإجماع) بأنَّه القولُ الَّذي لا يُعرفُ لهُ مخالفٌ، فإنَّ هذا الإجماعَ ليسَ بحُجَّةٍ بنفسِهِ، ثمَّ إنه جاءَ بعد النَّصِّ، ومن لازِمٍ ثُبوتِ النَّاسخِ والمنسوخِ بالنَّصِّ أن يكونَ القولُ بالنَّسخِ قدِ انقطَعَ بموتِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لانقطاعِ النُّصوصِ.
وفي هذا إبطالٌ لمذهبِ من قالَ بنسخِ بعضِ النُّصوصِ بالإجماعِ، كنسخِ قتلِ شاربِ الخمرِ في الرَّابعةِ.
وزعمَ البعضُ: أنَّ الإجماعَ على تركِ العملِ بالنَّصِّ يدلُّ على وُجودِ النَّاسخِ لكنَّه لم يصِلنَا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 360)

وهذا خطأٌ جسيمٌ بُني على ظنٍّ ووهمٍ، ذلكَ أنَّهُ تضمَّن الاعتقادَ بضياعِ شيءٍ من الدِّينِ وحفظِ ما يُعارضُهُ، وهذا ضلالٌ وجهلٌ م قائلِه، فإنَّ الله الَّذي أكملَ لنا الدِّينَ تعهَّدَ بحفظِه، وإن كانَ يخفَى بعضُه على الأفرادِ فلا يجوزُ أن يخفَى جميعُه على جميعِ الأمَّةِ، فإنَّ اتِّفاقها على تضييعِ نصٍّ من نصوصِ الشَّرعِ اتِّفاقٌ منها على الضَّلالِ، فكيفَ يصحُّ هذا وهيَ معصُومَةٌ منهُ، وما هذا القولُ في الحقيقةِ إلَاّ دليلٌ على فسادِ هذهِ الدَّعاوى في الإجماعِ الموهومِ.
3ـ القياسُ، لأنَّ من شرطِ صحَّتِهِ البناءَ على النَّصِّ، فإذا ناقضَ نصًّا آخرَ فاحتِمالُ النَّسخِ وارِدٌ بين النَّصِّ الَّذي استُفيدَ منهُ حكمُ القِياسِ، والنَّصِّ المعارضِ لهُ، لا بينَ نصٍّ وقياسٍ، على أنَّ القياسَ لا يصحُّ وُرودُه بخلافِ النَّصِّ.
كما دلَّ التَّعريفُ المتقدِّمُ علَى:
أنَّ ما ثبتَ بدليلِ (استِصحابِ الإباحَةِ الأصليَّةِ) ، ثمَّ جاءَ نَصٌّ نقلَ عن تلكَ الإباحَة، فليسَ هذا من قبيلِ النَّسخِ، لأنَّ الإباحَةَ لم تُبنَ على دليلِ بخصوصِ تلكَ الجُزئيَّةِ، إنَّما أُلحقَتْ بدليلٍ عامٍّ وقاعِدَةٍ كليَّة ترجعُ إلى عدَمِ النَّصِّ، فليسَتْ (حُكمًا شرعيًّا فرعيًّا ثبتَ بالنَّصِّ) .
*‌‌ أنواع ما يقع به النَّسخ:
لمَّا كانَ أمرُ (النَّسخِ) قدْ فُرغَ منهُ لارتِباطٍه بِنُزولِ الوحيِ، ثبَتَ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 361)

باستِقراءِ صُورِ النَّسخِ أنَّه واقعٌ بأربعَةِ أشياءَ:
الأوَّلُ: نسخُ قُرآنٍ، كنسخِ قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180] بآياتِ المواريثِ من سورةِ النِّساءِ، وصحَّ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قولهُ: ((إنَّ الله قدْ أعطَى كلَّ ذِي حقٍّ حقَّهٌ، فلا وصيَّةَ لوارثٍ)) [أخرجه أصحابُ السُّنن وغيرُهم] ، وصحَّ القولُ بنسخِهَا عن جماهيرِ السَّلفِ، كابنِ عبَّاسٍ وغيرِه، وإنْ كانُوا قدِ اختلفُوا في النَّاسخِ: هلْ هوَ آياتُ المواريثِ أمِ الحديثُ؟
والثَّاني: نسخُ سنَّةٍ بسنَّةٍ، كصفَةِ التَّطبيقِ في الرُّكوعِ، فعنْ علقَمَةَ بنِ قيسٍ والأسودِ بنِ يزيدَ: أنَّهما دخلَا على عبد الله (هُو ابنُ مسعودٍ) ، فقالَ: أصلَّى من خلفَكُم؟ قالَا: نعَمْ، فقامَ بينهُمَا، وجعلَ أحدَهُما عن يمينهِ والآخرَ عن شمالِهِ، ثمَّ ركعنَا، فوضَعنَا أيدينَا على رُكبِنَا، فضرَبَ أيدينَا، ثمَّ طبَّق بين يديهِ، ثمَّ جعلهُما بينَ فخِذيهِ، فلمَّا صلَّى قالَ: هكذا فعلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: [رواه مسلمٌ] ، نسخَهُ ما في حديث سعدِ بن أبي وقَّاصٍ رضي الله عنه، فعنِ ابنِهِ مُصعبٍ قالَ: صلَّيتُ إلى جنبِ أبي، فلمَّا ركعتُ شبَّكتُ أصابِعِي وجعلتُهُما بينَ رُكبتيَّ، فضرَبَ يديَّ، فلمَّا صلَّى قالَ: قدْ كُنَّا نفعلُ هذا، ثمَّ أُمرنَا أن نرفَع إلى الرُّكبِ [متفقٌ عليه] .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 362)

والثالثُ: نسخُ قُرآنٍ بسُنَّةٍ، وهو واقعٌ في مذهبِ طائفَةٍ كبيرةٍ من أهلِ العِلمِ خلافًا للشَّافعيِّ وأحمدَ، وممَّا يُذكرُونَهُ لهُ مثالاً: نسخُ قولِه تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180] بقولهِ صلى الله عليه وسلم المتقدِّم ذِكرهُ قريبًا: ((لا وصيَّةَ لوارثٍ)) .
ووُقوعُ النَّسخِ في المثالِ المذكورِ بهذهِ الصُّورِ أظهرُ، والله أعلمُ.
وكونُ القرآنِ والسُّنَّةِ وحيًا لا يمنعُ وُقوعَ النَّسخِ بينَهُمَا، لأنَّهُمَا جميعًا من عندِاللهِ.
والرَّابعُ: نسخُ سُنَّةٍ بقُرآنٍ، كنسخِ استِقبالِ بيتِ المقدِسِ باستِقبالِ الكعبَةِ، فالأوَّلُ ثابتٌ بالسُّنَّةِ، وهو الحالُ الَّتي كان عليهَا رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنونَ معهُ في مكَّةَ وبعدَ الهِجرَةِ زمانًا، ونسخُه بالكتابِ، فعنْ عبد الله بن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلِّي وهوَ بمكَّةَ نحوَ بيتِ المقدِسِ، والكعبَةُ بين يديهِ، وبعدمَا هاجرَ إلى المدينةِ ستَّةَ عشرَ شهرًا، ثمَّ صُرف إلى الكعبةِ [أخرجه أحمد بسندٍ صحيحٍ] ، وعنِ البرَاءِ بن عازبٍ رضي الله عنهما قالَ: كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلَّى نحو بيتِ المقدِسِ ستَّةَ عشرَ أو سبعَةَ عشرَ شهرًا، وكَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يحبُّ أن يُوجَّه إلى الكعبةِ، فأنزل الله: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} [البقرة: 144] فتوجَّه نحوَ الكعبَةِ، وقالَ السُّفهاءُ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 363)

من النَّاسِ وهمُ اليهُودُ: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142] [متفقٌ عليه] .
*‌‌ الوجوه التي يقع عليها النسخ في القرآن:
النَّسخُ في القرآن واقعٌ على وُجوهٍ، هيَ:
1ـ نسخُ الحُكمِ مع بقاءِ التِّلاوَةِ.
مثالهُ: قولهُ تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نسائكم فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء: 15] ، نُسخَ بقولهِ تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] كما صحَّ ذلكَ عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما [أخرجه أبو داود] ، وعن عُبادَة بنِ الصَّامتِ رضي الله عنهما [أخرجه ابوداود] ، وعن عُبادَةَ بن الصَّامتِ رضي الله عنه قالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خُذوا عنِّي، خُذُوا عنِّي، قد جعلَ الله لهنَّ سبيلاً، البِكرُ بالبكرِ جلدُ مئةٍ ونفيُ سَنَةٍ، والثَّيِّبُ بالثَّيبِ جلدُ مئةٍ والرَّجمُ)) [أخرجه مسلمٌ] .
2ـ نسخُ التَّلاوَةِ مع بقاءِ الحُكمِ.
مثالُهَا: آيةُ الرَّجمِ، فعنْ عُمرَ بن الخطَّابِ رضي الله عنه قالَ: إنَّ الله قد بعثَ محمَّدًا صلى الله عليه وسلم بالحقّ، وأنزلَ عليهِ الكتابَ، فكانَ ممَّا أُنزلَ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 364)

عليهِ آيةُ الرَّجمِ، قرأْنَاهَا ووعينَاهَا وعقلنَاهَا، فرجَمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ورجمنَا بعدَهُ، فأخشَى إن طالَ بالنَّاسِ زمانٌ أن يقولَ قائلٌ: مَا نجدُ الرَّجمَ في كتابِ الله، فيضلُّوا بتركِ فريضةٍ أنزلَهَا الله، وإنَّ الرَّجمَ في كتابِ الله حقٌّ على من زنَى إذا أحصَنَ من الرِّجالِ والنَّساء، إذا قامَتِ البيِّنَةُ، أو كَانَ الحبلُ، أوِ الاعترافُ [متفقٌ عليه] ، وكذلكَ روَى بعضَ معنَى ذلك سعيدُ بن المسيَّب عن عُمرَ، فذَكرَ الآيةَ المنسوخَةَ: ((الشَّيخُ والشَّيخَةُ فارجمُوهُمَا البتَّةَ)) [أخرجه مالكٌ في ((الموطَّأ)) ] .
3ـ نسخُ التَّلاوَةِ والحُكمِ.
مثالهُ: ما أفادَهُ حديثُ عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: كانَ فيما أُنزلَ من القرآنِ: عشرُ رضعاتٍ معلومَاتٍ يُحرِّمنَ، ثمَّ نُسِخنَ بخمسٍ معلوماتٍ [أخرجه مسلمٌ] .
*‌‌ طريقُ معرفة النسخ:
يُعرفُ النَّسخُ بطريقينِ، هُمَا:
1ـ دلالةُ اللَّفظِ عليهِ صراحَةً، بلفظِ رسول الله، كقولهِ: ((نهيتُكمْ عن زيَارَةِ القُبورِ فزُورهَا، ونهيتُكم عن لُحومِ الأضاحي فوقَ ثلاثٍ فأمسَكُوا ما بدا لكُمْ، ونهيتُكمْ عنِ النَّبيذِ إلَاّ في سقَاءٍ، فاشربُوا في الأسقيةِ كُلِّهَا، ولا تشربُوا مُسكِرًا)) [أخرجه مسلمٌ من حديثِ بُريدةَ بن الحصيبِ] ، أو قولِ الصَّحابيِّ راوي الحديثِ،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 365)

كحديثِ عليٍّ رضي الله عنه قالَ: كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرَنَا بالقيامِ في الجنَازَةِ، ثمَّ جلسَ بعدَ ذلكَ وأمرَنَا بالجُلوسِ [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أحمدُ وغيرُهُ، ومعناهُ عندَ مسلمٍ] ، وحديثِ جابرِ بن عبد الله رضي الله عنهما قالَ: كان آخرَ الأمرينِ من رسول الله صلى الله عليه وسلم تركُ الوُضوءِ ممَّا مسَّتِ النَّارُ [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أبوداودَ والنَّسائيُّ] .
2ـ قرينَةٌ في سياقِ النَّصِّ، كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديثِ المتقدِّم قريبًا: ((خُذُوا عنِّي، خُذُوا عنِّي، قد جعلَ الله لهنَّ سبيلاً)) الحديثَ، فهذا يُشيرُ إلىالمنسوخِ، وهو قوله تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نسائكم فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء: 15] ، ومثلهُ قولهُ صلى الله عليه وسلم في نسخِ آيةِ الوصيَّةِ: ((إنَّ الله قد أعطَى كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، فلا وصيَّةَ لوارثٍ)) ففيهِ قرينةٌ واضحَةٌ في إرادَةِ آياتِ المواريثِ المُحكَمَةَ.
3ـ معرفَةُ تاريخ المُتقدِّ والمُتأخِّرِ، فيكونُ المتَأخِّرُ ناسخًا للمتقدِّمِ، كما هُو الشَّأنُ في نسخِ القِبلةِ من بيتِ المقدِسِ إلىالكعبَةَ، وقد سبقَ.
ومِمَّا ينتدرجُ تحتَ هَذا: أنَّ الأحكامَ الواقعَةَ في حجَّةِ الوَداعِ أوْ بعدَهَا ممَّا يُعارضُ أحكامًا غيرَ معلومَةِ التَّاريخِ، فما ورَدَ في تلكَ الحجَّةِ أو بعدَهَا ناسخٌ لتلكَ الأحكام، لأنَّ في تلكَ الحجَّةِ كمالِ الدِّينِ،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 366)