غيرهُ وآخرُ سمعهُ مع آخرينَ ولكن لم يكُن الحملُ كالأداء، فرُبَّما نسيَ بعضُ أولئكَ الحديثَ، وربَّما لم ينشطُوا لأدائهِ، وربَّما منعهُمْ من التَّحديثِ عارضٌ شغلَهُم عنه، كما حصلَ من كثيرٍ من كبارِ الصَّحابةِ كأبي بكرٍ وعُمرَ ومن ماتَ في عهدِهِما، فمع طولِ الصُّحبةِ لم يؤدُّوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديثِ إلَاّ القليلَ لانشغالِهِم يومئذٍ بأمرِ تثبيتِ الدَّولةِ الإسلاميَّةِ والفُتوحِ، ولذَا ترى في الحديثِ المنقولِ عن صغارِ الصَّحابةِ ومن تأخَّر موتُه ما هو أضعافُ أضعافِ المنقولِ عن أولئكَ الكِبارِ.
نعمْ؛ لا يصحُّ اعتقادُ ضياعِ شيءٍ من السُّننِ، لأنَّ الله تبارك وتعالى تعهَّدَ بحفظِ وحيِهِ لِيبقَى حُجَّةً ما بقيَ الخلقُ، وهذه قضيَّةٌ لبسطِهَا موضعٌ آخرُ، ولكنَّ الَّذي يعنِينا هُنا هوَ أنَّ الأسبابَ المتقدِّمَةَ ونحوَها جعلتْ نقلَ السُّنَّةِ دونَ نقلِ القرآنِ، ممَّا يقعُ بمثلهِ خفاءُ الحُجَّةِ في المسائلِ الشَّرعيَّةِ الواردَةِ في كثيرٍ من السُّننِ، ولذلكَ كان من أعظمِ أسبابِ اختلافِ الفُقهاءِ خفاءُ الحديثِ على الفقيهِ وعلمُ الآخرِ بهِ، وهذا لا يقعُ بالنِّسبةِ إلى القرآنِ، إنَّما اختلافُهُم في القرآنِ إنْ وقعَ فبِسببِ الدَّلالةِ لا الرِّوايةِ.
وعليهِ فإنَّ الفقيه مُضطرٌّ إلى البحثِ عن الأحاديثِ المرويَّةِ، ولمَّا كانتْ رِوايتهَا تقعُ بنقلِ الجماعةِ القليلةِ أو بنقلِ الفرْدِ فهوَ مُضطرٌّ للتثبُّتِ في صحَّةِ ذلكَ النَّقلِ، وهذا أمرٌ لا يحتاجُه بالنِّسبةِ إلى القرآنِ،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
من أجلِ حصولِ القطعِ بأنَّهُ الَّذي أنزلهُ تعالى على محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم من أوَّلهِ إلى منتهاهُ بطريقِ نقلٍ لا يقبلُ التَّردُّدَ كما تقدَّمَ.
أمَّا أمرُ ثبوتِ تلكَ الأحاديثِ فلقواعدِهِ وضوابِطِهِ مفصَّلةً (علومُ الحديثِ) .
لكن يجدُرُ بالفقيهِ أن يعلمَ مراتبَ القُوَّةِ في نقلِ السُّننِ، ويتطرَّقُ الأصوليُّون لهذهِ القضيَّةِ من جهةِ تعدُّدِ الأسانيدِ المستقلَّةِ للسُّنَّةِ المعيَّنةِ، فيُقسمُونَ السُّنَّةَ إلى قسمينِ، هما:
1ـ السنة المتواترة
"تعريفها:
التَّواترُ لُغةً: التَّتابعُ، يقالُ (تواترَتِالخيلُ) إذا جاءتْ يتْبعُ بعضُها بعضًا، و (جاءُواتَتْرَى) أي متتابعينَ وِتْرًا بعدَ وِترٍ، و (الوِتُرُ) الفرْدُ، فمن هذا قيلَ للحديثِ (مُتواترٌ) لأجلِ تتابُعِ الأفرادِ فردًا بعدَ فرْدٍ على روايتِهِ.
واصطلاحًا: ما اجتَمَعتْ فيه شُروطٌ ثلاثَةٌ:
1ـ يرويهِ عدَدٌ كثيرٌ يستحيلُ في العادَةِ أن يتواطأُ على الخطإ، بسببِ تباعُدِ بلْدانِهم، أو فرْطِ كثرتِهِمْ، أو لدينِهِمْ وصلاحِهمْ وشُهرتهم بذلك.
2ـ يرويهِ عنهُم مثلُهُم من مصدرِهِ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منتهَاه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
3ـ أخذُ بعضِهِم عن بعضٍ قدِ استَندَ إلى الحِسِّ، وهو السَّماعُ أو ما في معناهُ ممَّا يثبتُ بهِ الاتِّصالُ.
* درجتها:
فإنِ اجتَمَعَتْ هذهِ الشُّروطُ في سُنَّةٍ منقولةٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهيَ سُنَّةٌ متواترةٌ مفيدةٌ لليقينِ، ومنزلةُ العلمِ الثَّابتِ بطريقِ التَّواتُرِ منزلةُ المعاينةِ لهُ كما لو شَهِدَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يُحدِثُ بهِ.
وهوَ أعلَى السُّنَنِ حُجَّةً عندَ الفقيهِ، ولا يختلفُ أهلُ العلمِ في كونِهِ حُجَّةً شرعيَّةً مستقلَّةً في إفادَةِ الأحكامِ الشَّرعيَّة.
* التواتر نوعان:
1ـ تواتُرٌ ضرُوريٌّ:
وهوَ ما يقعُ العلمُ به ضرُورةً، فلا إمكانَ لدَفعِهِ ولا التَّردُّدِ فيهِ، ولا يتوقفُ على نظرٍ وبحثٍ، وهذا واقعٌ في السُّننِ في أشياءَ كثيرةٍ، استغنَى المسلمونَ بتواتُرها عن النَّظرِ في رواياتهَا ونقلهَا، مثلُ: الصَّلواتِ الخمسِ في اليومِ واللَّيلةِ، وعددِ ركعاتٍ كلِّ صلاةٍ، ومواقيتهَا من حيثُ الإجمالُ، ومشروعِيَّةِ الأذانِ والإقامةِ، وغير ذلكَ ممَّا يعرفُهُ الخاصُّ والعامُّ، والعلمُ به حاصلٌ لجميعِ أهلِ الإسلامِ من غيرِ توقُّفٍ على استدلالٍ.
وهذا التَّواتُرُ لا يحتاجُ إلى الإسنادِ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
2ـ تواتُرٌ نظريٌّ:
وهو ما توقَّف العلمُ به على تتبُّعِ الأسانيدِ وجمعهَا والنَّظرِ فيها.
وكثيرٌ من السُّننِ المتواترَةِ عُرفَ بهذا الطَّريقِ، ولهذا خفي العلمُ بتواتُرِ بعضِ ذلكَ، فكمْ من سنَّةٍ يظنُّ الظَّانُّ أنها سُنَّةُ آحادٍ وهي متواترةٌ، لأنه لم يطَّلعْ في طُرق روايتِهَا على ما جمعَ شُروطَ التَّواتُرِ المتقدِّمة، وهذا جانبٌ يحتاجُ فيه الفقيهُ إلى (علوم الحديثِ) ليعلمَ الوجوه الَّتي وردَ عليها الخبر.
كما يجبُ أن يُلاحظَ أنَّ من المتأخِّرينَ من أغفلَ اجتماعَ الشُّروطِ المتقدِّمةِ في التَّواترِ سِوى مجرَّدِ العدَدِ، وهذا لا يُغني وحدَهُ في إفادَةِ التَّواترِ، فقدْ وُجدَتْ أحاديثُ رواتُها كثيرونَ ربَّما بلغُوا العشرَةَ أو زادُوا، لكنَّ مدارَ أسانيدهم على رواةٍ لم يؤمن تواطؤهُم على الكذبِ أو الخطإ، وهذا يعني وجوبَ النَّظرِ في أحوالِ النَّقلةِ والأمنِ من وقوعِ ذلك منهُم.
وهذا النَّوعُ من التَّواترِ دونَ منزلَةِ الأوَّلِ، والجهلُ بهِ حاصلٌ، والعُذرُ بذلكَ قائمٌ بخلافِ الأوَّلِ، فذلكَ لا يقعُ الجهلُ بهِ، ولا يُعذرُ مُدَّعيه إذا كان يعيشُ في دارِ إسلامٍ.
* تقسيم التواتر من جهة لفظ الخبر:
1ـ لفظيٌّ ومثالهُ: قوله صلى الله عليه وسلم: ((من كذبَ عليَّ متعمِّدًا فليتبوَّأ ْ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
مقعدَهُ من النَّارِ)) .
2ـ معنويٌّ، وهو الأحاديثُ الكثيرةُ الَّتي تبلُغُ التَّواترَ تتَّفقُ على إفادَةِ معنًى مُعيَّنٍ، معَ أنَّ سياقاتهَا قدْ تختلفُ عن بعضهَا في ألفاظِها وفي زيادتِها ونقصِهَا، كالأحاديثِ الواردَة في المسحِ على الخُفَّينِ، فأفرادُ ذلك سُننُ آحادٍ، لكنَّ مجموعَهَا أفادَ مشروعيَّةَ المسح، فصارَ متواترًا لاتِّفاقها عليه.
2ـ سنة الأحاد
* تعريفها:
الآحادُ لُغَةً: جمعُ (أحد) وهو بمعنى (واحد) .
واصطلاحًا: ما لمْ يجمعْ شٌروطَ التَّواتُرِ.
وهذا يعني أنَّ (سُنَّة الآحادِ) ما يرويهِ الواحدُ، أو ما يرويهِ العدَدُ القليلُ الَّذيمَ لم يبْلُغْ خبرُهُم حدَّ اليقينِ بروايتِهِمْ، كروايةِ الإثنينِ، وما زادَ على ذلكَ زيادَةً دلَّتْ على انتِشارِ الحديثِ لكنَّها لم تُحقِّقْ شرْطَ التَّواتُر.
* درجتها:
سُنَّةُ الآحادِ لا ريبَ أنَّها دونَ السُّنَّةِ المتواترةِ، لكنَّ روايةَ اثنينِ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
ينبغي أن تكونَ أعلى من واحدٍ، وثلاثةٍ أعلى من اثنينِ، وإن لم يبلُغُوا حدَّ التَّوتُرِ، وهذا صوابٌ من حيثُ الجملةُ، لكنَّهُ على أيِّ تقديرٍ متوقِّفٌ على معرفةِ درجاتِ أسانيدِ تلك الرِّواياتِ، وإنَّما يكونُ العددُ ميزَةً زائدَةً في قوَّةِ الحديثِ إذا ثبتَ إسنادُ كلِّ روايةٍ.
فالشَّرطُ في قبُولِ سُنَّةِ الآحادِ هوَ: شرطُ الحديثِ الصَّحيحِ في (علومِ الحديثِ) وما قرُب من الصِّحَّةِ كالحديثِ الحسنِ الَّذي أفادَ السَّبرُ والنَّظرُ أنَّهُ حديثٌمحفوظٌ ليسَ بِمُنكرٍ، فإنَّهُ يجمعُهُ مع الحديثِ الصَّحيحِ أنَّهُما جميعًا إلى جانبِ الرُّجحانِ والقَبولِ، وهذا كافٍ عندَ جمهورِ العلماءِ في إثباتِ الشَّرائعِ والدِّيانَة.
وسُنَّةُ الآحادِ الثَّابتَةُ قبولُها من بابِ (قبولِ الظَّنِّ الرَّاجحِ) ، وهوَ حُجَّةٌ مُعتبرَةٌ في الشَّرعِ، ومن الأدلَّةِ عليهِ:
1ـ قوله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائفة لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] ، قال أهلُ العربيَّةِ: ((الطَّائفةُ: الواحدُ فصاعدًا)) ، والكفايةُ تحصلُ بواحدٍ يرحلُ فيتفقَّهُ فيعودُ إلى قومِهِ وعشيرتِهِ مُبلَّغًا معلِّمًا نذيرًا، فتصحُّ نِذارتُهُ شرعًا وتلزَمُهُم حُجَّتُهُ، وهي خبرُ آحادٍ.
2ـ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] ، فأمرَ بالتَّثبُّتِ في قَبُولِ خبرِ الفاسقِ، ممَّا دلَّ بمفهومهِ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
على قبولِ خبرِ العَدْلِ.
3ـ تواترَ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يبعثُ أمرَاءهُ وقضاتَهُ وسُعاتهُ وهم أفرادٌ، فيلزمُ النَّاسَ الَّذين أُرسلوا إليهِم ماجاءُوهُم به من العِلمِ، كما بعثَ مُعاذًا إلى اليمنِ، وبعثَ غيرهُ إلى غيرِهَا.
4ـ قبولُ خبرِ الشُّهودِ وهُم آحادٌ بناءً على رُجحانِ صِدْقِهِم وعدالتِهمْ واجبٌ شرعًا، مع أنَّ أمرَ الصِّدقِ والعدالةِ فيهم مظنونٌ، وذلك لجوازِ اتِّفاقهِم على الكذبِ في الباطِنِ رغبَةً أو رهبةً، فقبوُ الرِّوابةِ أولى، فإنَّ داعيةَ الكذبِ ممَّن عُرفَ بالصِّدقِ ضعيفةٌ.
هذه بعضُ وجوهِ الاستدلالِ على صحَّةِ استفادَةِ التَّشريعِ من خبرِالواحدِ الصَّحيحِ، وللعلماءِ وجوهٌ أخرى يذكرونهَا تُطلبُ من مظانِّها، ككِتاب ((الرسالة)) للإمام الشَّافعيِّ.
* تنبيهات حول سنة الآحاد:
1ـ الَّذي كان عليه سلفُ الأُمَّةِ أنَّ خبر الواحدِ الصَّحيحِ حُجَّةٌ في إفادَةِ العلمِ والعملِ، ولا فرقَ فيمَا يُستفادُ به مِمَّا يتَّصلُ بعملِ القلبِ أو عمَلِ الجوَارِحِ، فما تثبتُ بهِ الطَّهاراتُ والنَّجاساتُ، وما تصحُّ الصَّلاةُ به وما تَبْطُلُ، وما يحلُّ وما يحرُمُ، يثبتُ به الإيمانُ بأنَّ من أسماء اللهِ تعالى (الجميل) ، وبأنَّ ملكينِ يسألانِ العبْدَ في قبرِهِ يُقالُ لأحدِهمَا (مُنكرٌ) وللآخرِ (نكيرٌ) ، وبقصَّةِ صاحبِ البِطَاقَةِ يومَ الحِسابِ، حينَ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
يظنُّ أنَّه قد هلكَ بذُنُوبه فتُنجيهِ بِطاقةٌ فيها (لا إله إلَاّ الله) ، وبأنَّ الميزانَ لهُ كِفَّتانِ، وأنَّ الصِّراطَ جسرٌ على ظهرِ الجَحيمِ أدقُّ من الشَّعرةِ وأحَدُّ من السَّيفِ، إلى غير ذلكَ من فُروعِ العقائِدِ، فإنَّ من بنى بعضَ دينِهِ على خبرِ الثِّقةِ الصَّادِقِ وصدَّقه فيه وردَّ بعضَهُ ما جرى في ذلكَ على قاعدَةِ العَدْلِ والإنصافِ، فإمَّا أن يُكذِّبَ المُخبرَ مطلقًا، وإمَّا أن يُصدِّقهُ مُطلقًا، وإمَّا أن يتوقَّف في تصديقِهِ وتكذيبِهِ مُطلقًا حتَّى يشهَدَ معهُ الشُّهُودُ الكثيرونَ الَّذين يتواردُونَ عليهِ من أنحاءٍ متفرِّقةٍ بحيثُ لا يتَواطَأُونَ على الكذِبِ!
وهذا المسلكُ في التَّفريقِ بين العقائدِ والشَّرائعِ بِدْعَةٌ دخيلةٌ، تأثَّرَ بها كثيرٌ من المتأخرينَ المُنتسبينَ للسُّنَّةِ، لأنهم وجدُوا أخبارَ الآحادِ توصفُ بالظَّنِّ، وهذا إطلاقٌ مُوهمٌ ليسَ بِجيِّدٍ، فإنَّ العلمَ يصحُّ فيه الاكتفاءُ بالدَّلائلِ الظَّاهرَةِ، وهوَ يتفاوتُ قوَّةً بحسبِ قوَّةِ البُرهَانِ وظُهورِهِ، وليسَ مُطلقُ الظَّنِّ مقبولاً، إنَّما يُقبلُ الظَّنُّ الرَّاجحُ إلى درجَةِ اليقينِ، وذلك لا يحصلُ في الأحاديثِ إلَاّ بشُروطٍ شديدَةٍ، ولكنْ كيف يُدركُ ذلك من أفنى عُمُرَهُ في الكلامِ في أُصولِ الفقهِ على طُرقِ أهلِ الكلامِ من غيرِ درايةٍ بمناهجِ أهلِ الحديثِ العارفينَ بهِ وجهُودِهم في تحقيقهِ وتنْقيحِهِ؟!
ولعلَّهُ من الجديرِ بالمُلاحظَةِ في هذه المسألةِ أن يُلغَى استخْدَامُ عبارةٍ (حديثُ الآحادِ يُفيدُ الظَّمِّ الرَّاجحَ) من غيرِ بيانٍ لحقيقةِ هذه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
اللَّفظةِ، دفعًا لما يقعُ بها من اللَّبسِ، فإنَّها لفظةٌ اصطِلاحيَّةٌلمْ ترِدْ في كتابٍ ولا سُنَّةٍ، فلا محذُورَ في ترْكِهَا.
2ـ السُّنَّةُ من حيثُ نقلُهَا عندَ الحنفيَّةِ ثلاثَةُ أقسامٍ: سُنَّةٌ متواترَةً، وسُنَّةٌ مشهورة، وسُنَّةُ آحادٍ.
ويُعرِّفُونَ (السُّنَّةَ المشهورة) بأنَّها: (الَّتي رواهَا عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم صحابِيٌّ واحدٌ أو عددٌ لم يبلُغْحدَّ التَّواترِ، ثمَّ وقعَ التَّواتُرُ في طبقةِ التَّابعينَ فمنْ بعدَهُم) .
وهذا في التَّحقيقِ (سُنَّةُ آحادٍ) باعتبارِ عدَمِ التَّواتُرِ في أصلِ الرِّوايةِ، وهو مذهبُ الجمهورِ، لكنْ يُلاحَظُ أنَّ الحنفيَّةَ يُفرِّعُونَ على ذلك لكونِ السُّنَّةِ المشهورةِ عندَهُم لها من الدَّرجةِ ما للسُّنَّةِ المُتواترَةِ في إفادَةِ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ، وإن نزلتْ عنهَا قُوَّةً من جهةِ النَّقلِ.
3ـ الحديثُ المُرسلُ هوَ ما رفعهُ التَّابعيُّ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، أو هوَ المنقطِعُ عندَ الأُصوليينَ، وهوَ من أنواعِ الحديثِ الضَّعيفِ عندَ المحدِّثينَ، وأسقطَ الاحتجَاجَ بهِ عامَّتُهُمْ، وكذا الشَّافعيَّةُ مِن الفُقهاءِ والأصوليينَ، لكنْ سهَّل فيه الحنفيَّةُ والمالكيَّة بشرطِ أن يكونَ المُرسلُ محترزًا لا يروِي في العادَةِ إلَاّ عنِ الثِّقاتِ، وأمَّا الإمامُ أحمدُ فالمشهورُ عنهُ الاحتجاجُ بالمرسلِ حيثُ يُعدمُ الحديثُ المُتَّصلُ الثَّابتُ أو لا يجدُ للصَّحابةِ في المسألةِ شيئًا، وقالَ قومٌ: (استثنى الشَّافعيُّ مراسيلَ سعيدِ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
بنِ المسيَّبِ) لأنَّهُ كان من كبارِ التَّابعينَ، والتَّحقيقُ أنَّ الشَّافعيَّ لم يسْتَثْنِ مراسيلَ سعيدٍ، وإنَّما قبلهَا حينَ يأتي ما يُعضِّدُها من وجهٍ آخرَ وجعلَ لها مزيَّةً على مراسيلِ غيرهِ لأنَّ مُعظمَهَا اعتبِر فوجِدَ صحيحًا من وجوهٍ أُخرَ.
4ـ اشترطَ المالكيَّةُ لقبولِ (سُنَّةِ الآحادِ) أن لا تكونَ مخالفَةً لعملِ أهلِ المدينَةِ، وذلكَ أنَّ عملَ أهلِ المدينةِ بمنزلَةِ السُّنَّةِ المتواترَةِ حيثُ توارثُوا العملَ عن أسلافهِم جمعًا عن جمعٍ حتَّى عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمتواترُ مقَدَّمٌ على الآحادِ.
والتَّحقيقُ في هذه المسألةِ:
أنَّ مذهبَ مالكٍ الَّذي يُبيِّنُه المحقِّقُونَ من أصحابِهِ كأبي الوليدِ الباجيِّ وغيرهِ رحمهم الله أنَّه يرى الاحتِجاجَ بعملِ أهلِ المدينةِ فيما كان الأصلُ فيه النَّقلَ لا الاجتهادَ، مثلُ: ألفاظِ الأذانِ، وتركِ الجهرِ بالبسملَةِ عند قراءةِ الفاتحةِ في الصَّلاةِ، فهذا وشِبْهُه ليسَ لأهلِ المدينةِ فيه اجتهادٌ، وإنَّما الأصلُ فيه التَّلقِّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحينَ يتداولهُ أهلُ المدينة جيلاً عن جيلٍ إلى عهدِ مالكٍ، ولم يكُنْ عهدُهُ بعيدًا عنهم فإنَّهُ من أتباعِ التَّابعينَ، ولم تَنْدَثر السُّننُ بعدُ في مثلهِ ولم يقعْ فيها التَّغييرُ، فهذا بمنزلة نقلهِم الحديثَ نقلَ الجمعِ الَّذي تُحيلُ العادَةُ تواطؤهم على الكذبِ، فكانَ ذلكَ العملُ كالحديثِ المتواترِ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
الَّذي لا يجوزُ أن يُعارضَ بسُنَّةِ لآحادٍ.
هذا مذهبُ مالكٍ رحمه الله، والتَّحقيقُ أنَّ النَّاظِرَ في تاريخ الإسلامِ يجدُ أنَّ أصحابَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الَّذين هُم حملةُ السُّننِ من بعدِه قدْ تفرَّقُوا في الأمصارِ، وعند َ كلٍّ من العلمِ ما ليسَ عندَ غيرهِ، وما جرى عليه عملُ النَّاسِ بالمدينةِ جائزٌ أن يكونَ ممَّا تبعُوا فيه وجهًا من النَّقلِ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يجوزُ أن يكونَ من حمَلَ سُنَّةً آحاديَّةً في مسألةٍ من الصَّحابةِ ممَّن فارقَ المدينَةَ فكانَ في غيرِهَا بقيَّةَ عُمرِهِ لم يَنْشُرْ تلكَ السُّنَّةَ إلَاّ حيثَ نزلَ، فحُرِمَ منها أهلُ المدينَةِ ومضَوا على العملِ بغيرِ مُقتضاها، وجائزٌ أن يكونَ وقعَ التَّغييرُ في الشَّيءِ من عملِ أهلِ المدينةِ، فقدْ حُكِمَتْ المدينةُ بعدَ الصَّحابةِ أو في أواخرِ عهدِهِم إلى عهدِ مالكٍ بأمراءَ فيهم من عُرفَ بالميلِ عن القصدِ وكان لهُم من السُّلطانُ ما كانَ يُمكنُهم بهِ إشاعَةُ الأمرِ بما يُخالفُ السُّنَّةَ حتَّى يشيعَ وينتشرَ، فهذهِ الاعتبارَاتُ وغيرُها تُلغي اعتبارَ صحَّةِ هذا المذهبِ من أصلهِ، وإنَّما يُعتبرُ منه ما وافقَ السُّنَّةَ المسنَدَة المنقولَةَ الثَّابتَةَ، لا يكونُ هوَ حاكمًا عليها.
5ـ اشترطَ الحنفيَّةُ شرطينِ آخرينِ لقبولِ سُنَّةِ الآحادِ:
[1] أن لا تكونَ في أمرٍ تعمُّ به البَلْوَى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
ومعنى ذلكَ: أنَّ الأمرَ الَّذي تعمُّ به البلوَى هوَ الأمرُ الشَّائعُ المنتشِرُ المُعلنُ، فلو وقعَ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال فيهِ قولاً أو فعلَ فعلاً فالدَّواعي متوافرَةٌ على حفظِهِ ونقلهِ، فيجبُ أن لا يُقبلَ إلَاّ إذا رواهُ الجمعُ الكبيرُ، إّْ لا يُحتملُ مثلُهُ من الرَّاوي الفرْدِ، ويُقالُ: أينَ كانَ غيرُهُ من حفظِهِ وروايتِهِ؟
وهذا في التَّحقيقِ لا أثرَ لهُ، ولو رجعَتْ إلى ما تقدَّم ذكرُهُ من الفوارقِ بين نقلِ القُرآنِ، ونقلِ السُّننِ أدركْتَ أنَّ الأمرَ الشَّائعَ قدْ لا يُحفظُ فيه إلَاّ الحديثُ الواحدُ، لا لأجلِ أنَّهُ لم يحملُهُ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلَاّ الرَّجلُ الواحدُ، وإنَّما لأجلِ أنَّهُ لم يُحدِّثْ به عنهُ إلَاّ الرَّجلُ الواحددُ، وفرْقٌ بين الصُّورتينِ لا يخفى، وهذه الأحاديثُ الآحادُ الَّتي لا تُحصى كثرةً جاءتْ في أمورٍ تعمُّ بها البلوى، وما أدَّى النَّاسُ ولا حدَّثُوا فيها إلَاّ بالحديثِ الواحدِ، وخُذْ لذلكَ مثالاً حديثَ: ((الأعمالُ بالنِّيَّاتِ)) ، فهوَ سُنَّةُ آحادٍ، لم تصحَّ له روايةٌ إلَاّ من حديثِ عُمرَ بن الخطَّابِ رضي الله عنه، مع أنَّه أصلٌ في جميعِ الأعمالِ وقاعِدَةٌ عظيمةٌ، ومنَ المظنُونِ أن يكونَ قدْ حدَّثَ به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم غيرَ عُمَر، لكنْ لم يُؤدِّه عنهُ أحدٌ سواهُ.
ومن تأمَّل شرْطَ الحنفيَّةِ هذا في طريقَتِهِم وجَدَهُم خالفُوهُ ولمْ يلْتَزِمُوهُ، بل تعدَّوْهُ إلى الضَّعيفِ من أخبارِ الآحادِ في أمورٍ تعمُّ بها البلوَى على تفسيرِهِمْ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
وقدْ خالفَهُمُ الجُمهورُ في هذا الشَّرطِ من المالكيَّةِ والشَّافعيَّةِ والحنابلَةِ وغيرِهِمْ.
[2] أنْ لا يترُك راويهَا عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم العملَ بها، فإذَا تركَ العملَ بها لم تَكُن حُجَّةً.
وبنوا ذلك على أنَّ ترْكَهُ مُخالفَةٌ، والصَّحابيُّ لا يجوزُ أن يتعمَّدَ مخالفةَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك التَّركِ منهُ دليلٌ على نسخِ تلكَ السُّنَّة.
وهذا قولٌ لم يُقبلُ من الحنفيَّةِ، فإنَّ الصَّحابيَّ غيرُ معصومٍ من نسيانٍ أو غفلةٍ، والرَّاوي قد يُحدِّثُ بالشَّيء فيأتِي عليهِ الزَّمانُ فينساهُ، كما نسيَ عُمرُ بن الخَطَّابِ رضي الله عنه قصَّةَ التَّيمُّمِ وذكَّرهُ بها عمَّارُ بنُ ياسرٍ رضي الله عنه، والقصَّةُ في ((الصحيحينِ)) ، في وقائعِ كثيرةٍ تُشبِهُ ذلكَ، وكذلكَ فإنَّ التَّأويلَ غيرُ ممتنعٍ، كما تأوَّلتْ عائشةُ إتمامَ الصَّلاةِ في السَّفرِ، وأُتمَّتْ صلَاةُ الحضرِ [متفقٌ عليه] ، فيجوزُ أن يكونَ هذا الاحتمالُ أو غيرُهُ واردًا على رأيِ من رَوَى خبرًا فخالَفَهُ، وهذا بخلافِ روايتِهِ فإنَّها سالمَةٌ من هذه الاعتِراضاتِ.
6ـ لا يصحُّ تصوُّرُ ورودِ سُنَّةٍ ثابتةٍ من جهةِ النَّقلِ أن تكونَ مُخالفَةً للأصولِ المقطوعِ بها في دينِ الإسلامِ، أو للقرآنِ، أو الحديثِ المتواترِ، وإن وُجِدَ شيءٌ في الظَّاهرِ يُدَّعى عليهِ ذلكَ فهوَ في التَّحقيقِ يرجعُ إلَى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
واحدٍ من أمورٍ ثلاثةٍ:
[1] وجودِ علَّةٍ خفيَّةٍ من جهةِ النَّقلِ.
[2] عدمِ إدراكِ المعنى المقصودِ بتلكَ الرِّوايةِ والَّذي يتَّفقُ ولا بُدَّ مع الأصولِ الصَّحيحةِ.
[3] ضعفِ دلالةِ الأصلِ، كالاعتراضِ على سُنَّةِ آحادٍ صحيحةٍ صريحَةٍ بآيةٍ ظنيَّةِ الدَّلالةِ على المعنى الَّذي اعتُرضَ بهِ.
أنواع الأحكام الواردة في السنة
* أحكامٌ مُؤكَّدة لأحكام القرآنِ
مثلُ: حُرمَةِ عُقوقِ الوالدَينِ والزِّنا والخمْرِ.
* أحكامٌ مُبيِّنةٌ لأحكامِ القرآنِ المجملَة.
مثلُ: تفصيلِ أحكامِ الصَّلاةِ، والزَّكاةِ، والصِّيامِ، والحجِّ.
ومن البيانِ لأحكامِ القرآنِ: تخصيصُ عامِّهِ، وتقييدُ مُطلقِهِ، وسيأتي في موضعِه مع مثالهِ.
* أحكامٌ مبتدَأة، سكتَ عنها القُرآنُ وجاءتْ بها السُّنَّة.
مثالُها: تحريمُ أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباعِ ومِخلَبٍ من الطَّيرِ، والجمعِ بين المرأةِ وعمَّتِها والمرأةِ وخالَتِهَا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
دلالة السنن على الأحكام
* نصوصُ السُّنَّةِ كنُصوصِ القرآنِ من جهَّةِ الدَّلالةِ، فهي على قسمينِ:
الأوَّلُ: قطعيِّ الدَّلالةِ، كقوله صلى الله عليه وسلم: ((في الرِّكازِ الخُمُسُ)) [حديثٌ صحيحٌ رواه ابن ماجه وغيرُهُ] ، فلفظُ (الخُمُسِ) لا يحتملُ أقلَّ أو أكثرَ، فهوَ قطعيٌّ في العدَدِ.
والثَّاني: ظنِّيُّ الدَّلالةِ، كقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا صلَاةَ لمن لم يقرأْ بِفاتحَةِ الكتابِ)) [متفقٌ عليه] ، فاختلفَ أهلُ العلمِ هل النَّفيُ للإجزاءِ، أو الكمالِ، لأنَّ اللَّفظَ يحتملُهُمَا.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
الدليل الثالث
الإجماع
* تعريفه:
لُغَةً: يُطلقُ على العزمِ والتَّصميمِ على فعلِ الشَّيءِ، ومنه قوله تعالى: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ} [يونس: 71] ، ويطلقُ على الاجتماعِ والاتِّفاقُ، يقالُ: (اجمعواعلى كذا) عى نقيضِ (اختلفُوا) .
اصطلاحًا: اتِّفاقُ مجتهدِي أُمَّةِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم بعد وفاتِه في عصرٍ من العصُورِ على حكمٍ شرعيٍّ.
هكذا يُعرِّفُ الأصوليُّونَ (الإجماعَ) ، وهي صُورةٌ خياليَّةٌ لا وُجودَ لهاَ، فليسَ هُناكَ أمرٌ واحدٌ يصحُّ أن يُدَّعى أنَّهُ اجتمعَتْ في مثلهِ قيودُ هذا التَّعريفِ.
فاتِّفاقُ المجتهدينَ؛ يحتاجُ إلى ضابطٍ صحيحٍ للمجتهدِ، وقدِ اختلفُوا فيه، والاتِّفاقُ يحتاجُ إلى ضابطٍ صحيحٍ للمتجتهدِ، وقدِ اختلفُوا فيه، والاتِّفاقُ يحتاجُ إلى الإحاطَةِ بأنَّ ذلكَ الحُكمَ قد نطَقَ به أو أقرَّهُ كلٌّ منهم بأمارةٍ صريحةٍ علىالموافقةِ مع انتفاءِ الموانعِ فلا يكونُ مُكرهًا مثلاً، وهذا أمرٌ يستحيلُ أن يُدركَ في المتجتهدين، كما تستحيلُ الإحاطَةُ بآراءِ جميعهِم على هذا الوصفِ مع اتِّساعِ بلادِ الإسلامِ وتفرُّقِهِم فيها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
فالواقعُ يُحيلُ وقوع ذلكَ، وتاريخُ هذه الأمَّةِ معلومٌ، فإنَّها بعدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم والصَّدرِ الأوَّلِ قدْ تفرَّقتْ حتَّى بلغتْ حدَّ استحالَةِ جمعهَا على ما اختلفتْ فيهِ من الكتابِ وهو نصٌّ قطعيٌّ، فكيفَ يُتصوَّرُ إمكانُ جمعها على أمرٍ لا نصَّ فيه ليكونَ حكمًا شرعيًّا للأمَّةِ؟
قال الإمامُ أحمدُ بنُ حنبلٍ رحمه الله: ((ما يدَّعي الرَّجلُ فيه الإجماعَ هذا الكذِبُ، منِ ادَّعَى الإجماعَ فهو كذبٌ، لعلَّ النَّاسَ قدِ اختلفُوا)) [أخرجهُ عنه ابنُهُ عبدُالله في ((مسائله)) رقم: 1826] .
وأطال الأصوليُّونَ في تقريرِ تعريفِهم هذا واجتَهَدُوا فيه غايةَ الاجتهادِ بكلامٍ كثيرٍ يُغني في العلمِ شيئًا، واستدلُّوا له بأدلَّةٍ لا ينهضُ منها شيءٌ ليكونَ له صلةٌ بما من أجلهِ أوردُهُ.
ولو سألتَ: أينَ هي الأحكامُ الشَّرعيَّةُ الَّتي لم تُستفَدْ إلَاّ بطريقِ الإجماعِ على هذا التَّعريفِ، لم تَجِدْ جوابًا بذِكرِ مسألةٍ واحدَةٍ، فعجبًا أن يُدَّعى بأنَّ ذلك من أدلَّةِ شريعةِ الإسلامِ المعتبَرَة ولايُمكنُ أن يوجدَ له مثالٌ واحدٌ صحيحٌ في الواقعِ على مدَى تاريخِ الإسلامِ الطَّويلِ!
ولكنْ ليس يعني هذا إبطالَ وجودِ مسمَّى (الإجماع) ، فالمسمَّى صحيحٌ، والإجماعُ دليلٌ مع الكتابِ والسُّنَّةِ يُقاسُ بِه الهُدَى والضَّلالُ، لكنَّهُ ليسَ دليلاً مستقلاًّ للأحكامِ، إنَّما هو دليلٌ تبعيٌّ للكتابِ والسُّنَّةِ، وبعبارةٍ أخرَى:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
الإجماعُ هوَ: ما اتَّفق عليه المسلمونَ من نُصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ.
وهذا المعنى للإجماعِ لم يقعْ إلَاّ في شيءٍ مقطوعٍ به في دين الإسلامِ معلومٍ من الدِّينِ بالضَّرورةِ، كالصَّلواتِ الخمسِ، وصومِ رمضانَ، وحجِّ البيتِ، وحُرمَةِ الزِّنا، وشُربِ الخمرِ، وغير ذلكَ، وهذا الَّذي يُقالُ في مثلهِ: ثبتَ حُكمهُ بالكتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ.
وعلى هذا المنقولُ عن السَّلفِ في هذه المسألةِ، قال الشَّافعيُّ رحمه الله: ((لستُ أقولُ ولا أحدٌ من أهل العلمِ: (هذا مُجتمعٌ عليه) ، إلَاّ لما لا تلقَى عالمًا أبدًا إلَاّ قالهُ لك وحكاهُ عن منْ قبلهُ، كالظُّهرِ أربعٌ، وكتحريمِ الخمرِ، وما أشبهَ هذا)) [الرِّسالة رقم: 1559] .
والخطرُ بمخالفَةِ هذا الإجماعِ أنَّ صاحبَهُ يخرُجُ من الإسلامِ لمخالفتهِ المعلومَ من الدِّين بالضَّرورةِ والخُروجِ عن جماعةِ المسلمينَ بذلكَ، وهذا لا يكونُ في نصٍّ من نصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ وقعَ الاختلافُ فيه، فإنَّه لا يحكمُ لصاحبِهِ بالخروجِ من الإسلامِ.
* حجيته:
الألَّةُ الَّتي يُستدلُّ بها لحُجِيَّةِ الإجماعِ في الكتابِ والسُّنَّةِ كثيرةٌ، جميعُهَا شاهدٌ على أنَّ الإجماعَ المُعتبرَ هو: ما اتَّفق عليه المسلمون من نُصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ، فمن أهمِّ تلكَ الأدلَّة:
1ـ قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)
وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115] .
فتوعَّد الله تعالى بهذا الوعيد الشَّديدِ على مخالفةِ سبيل المؤمنينَ كما توعَّدَ على مُشاققةِ الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم بعد بلوغِ العلمِن دالاًّ على أنَّ سبيلَهُم هو الهُدَى، ولفظُ (المؤمنين) لم تُرَدْ بهِ طائفةٌ دونَ أُخرَى، وإنَّما هو لفظٌ شاملٌ لجميعهِم، ولا يُوجدُ شيءٌ اجتمعُوا عليه جميعًا أحياءً وأمواتًا إلَاّ شيءٌ معلومٌ من الدِّينِ بالضَّرورةِ لا يسعُ أحدًا جَحْدَهُ.
2ـ وحديثُ: ((لايجمعُ الله أمَّتي على ضلالةٍ أبدًا)) [حديثٌ ضعيفٌ، يقوِّيه بعضُ العلماءِ بتعدُّد الطُّرقِ] ، وهذا معنى صحيحٌ، فإنَّ هذه الأمَّةَ الوسطَ لم تكُن لتشهَدَ على النَّاسِ كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143] ، وهي تجتمعُ على الخطإ.
3ـ وقولهُ صلى الله عليه وسلم: ((عليكمْ بالجماعَةِ، وإيَّاكمْ والفُرقَةَ، فإنَّ الشَّيطان مع الواحدِ وهوَ من الإثنينِ أبعدُ، من أرادَ بحُبوحَةَ الجنَّةِ فلْيلْزمِ الجماعَةَ)) [حديثٌ صحيحٌ أخرجه التِّرمذِيُّ وغيرُهُ] ، وفي معناهُ أحاديثُ كثيرةٌ تبلُغُ التَّواترَ تأْمُرُ بالكونِ مع الجماعَةِ والالتزامِ بها، وهذا إنَّما يتحقَّقُ بالاجتماعِ لا بالافتراقِ، وبوحدَةِ الكلمةِ لا بتفرُّقها.
وهذا المعنى لا يوجدُ في الأحكامِ الشَّرعيَّةِ إلَاّ في قضيَّةٍ لا يسوغُ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)
فيها الخلافُ من قضايا الشَّريعَةِ المعلومَةِ من دينِ الإسلامِ بالضَّرورَةِ.
ويُقالُ: لو أمكنَ أن تتَّفقَ هذه الأمَّةُ على أمرٍ لم يرِدْ في الكتابِ والسُّنَّةِ فذلكَ الاتِّفاقُ حُجَّةٌ، على أنَّه يُقالُ: لا بُدَّ للإجماعِ من مُستَنَدٍ من الكتابِ والسُّنَّةِ، وهذا يعني أنَّه ليسَ بدليلٍ استِقلالاً وإنَّما هو دليلٌ تبعيٌّ.
* الإجماع السكوتي:
النَّوعُ المتقدِّمُ للإجماعٍ يسمِّيه الأصوليُّونَ بـ (الإجماع الصَّريح) ، وهو حُجَّةٌ قطعيَّةٌ مُلزِمَةٌ.
أمَّا (الإجماعُ السُّكوتي) فهوَ: أن يقولَ بعضُ أهلِ الاجتهادِ قولاً، وينتشرَ ذلكَ في المجتهدين من أهلِ ذلكَ العصرِ، فيسكُتُون ولا يظهرُ منهُم اعترافٌ ولا إنكارٌ.
وهل يُعدُّ حُجَّةً أمْ لا؟
اختلفُوا فيه على ثلاثةٍ مذاهبَ:
1ـ ليسَ بِحُجَّةٍ، ولا يُسمَّى إجماعًا، وهو قولُ جمهورُ الشَّافعيَّةِ والمالكيَّةِ وبعضِ الحنفيَّةِ والحنابلَةِ.
قالُوا: كيفَ يُقوَّلُ السَّاكتُ ما لمْ يَقُلْ؟ على أنَّ السَّاكتَ لا يُجزمُ أنَّهُ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)