Arabic source text

📘 তাইসীরু ইলমি উসূলিল ফিকহ (আবদুল্লাহ আল-জুদাই)

📘 تيسير علم أصول الفقه (عبد الله الجديع)

📘 তাইসীরু ইলমি উসূলিল ফিকহ (আবদুল্লাহ আল-জুদাই)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
‌‌الدليل الثاني
السنة
* تعريفها:
لُغةً: عبارَةٌ عن الطَّريقةِ والسِّيرة، يُقالُ: (سنَّ بهم سُنَّةَ فُلانٍ) أي: سلكَ طريقَتَهُ وسارَ سيرتَهُ، وقد تكُونُ ممدُوحَةً أو مذمومةً.
وفي (السُّنَّة) معنى وقوعِ الشَّيءِ على نحوٍ مُطرَّدٍ ثابتً، فإنه لا يُقالُ مثلاً: (سنَّةُ فلانٍ أنَّه يقومُ اللَّيلَ) إذا كانَ يفعلُ ويتركُ، فلو كان كذلكَ لقيلَ: (سُنَّتُهُ أنَّهُ يُصلِّي ويَدَعُ) .
ومن هذا قوله تعالى: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 62] ، ومنهُ يُقالُ: (السُّنَنُ الكونيَّة) وهي أُمُورُ الخلقِ الجاريةِ على نسقٍ ثابتٍ مُطرَّدٍ لا يتفاوتُ ولا يختلفُ.
واصْطلاحًا: ما صدَرَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غيرُ القرآنِ من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ.
و (السُّنَّة) في اصطلاحِ الأصولييِّن غيرُ (السُّنَّة) المتقدِّم ذكرُها في قسم (المندوب) من أقسامِ الحُكمِ التَّكليفيِّ، فإنَّ تسميةَ المندوبِ (سُنَّة) اصطلاحٌ للفُقهاءِ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)

‌‌أقسام السنن
‌‌(1) سنة قولية
* ويندرجُ تحتها نوعانِ:
1ـ القولُ الصَّريحُ، كقوله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ)) [متَّفقٌ عليه] .
2ـ ما فيه معنى القولِ، كقول الصَّحابيِّ: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا) و (نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن كذا) فهذه صيغةٌ فيها معنى القول، لأنَّ الأمرَ والنَّهيَ إنَّما يقعانِ عادةً بالقولِ.
ومن هذا قولُ الصَّحابيِّ: (أُمرنَا بكذا) و (نُهينَا عن كذَا) على الأصحِّ، وهو مذهبُ الشَّافعيَّة وغيرهِم على أنَّ الآمرَ والنَّاهيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، خلافًا للحنفيَّةِ.
وأمَّا قول الصَّحابيٍّ: (من السُّنَّةِ) فمحمولٌ على سُنَّةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقد يكونُ استُفيدَ من سُنَّةٍ قوليَّةٍ أو فعليَّةٍ، وهذا أيضًا على مذهبِ الجمهُورِ من الشَّافعيَّةِ وغيرهِم، خلافًا للحنفيَّة.
والأصلُ أنَّ الصَّادرَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأقوالِ تشريعٌ لأمَّتهِ، كما صحَّ عن عبد الله بن عمرٍو رضي الله عنهما قال: كنتُ أكتُبُ كلَّ شيءٍ أسمعُهُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم أُريدُ حفظَهُ، فنهتْنِي قُريشٌ وقالوا: أتكتبُ كلَّ شيءٍ تسمعُهُ ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم بشرٌ يتكلَّمُ في الغضبِ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)

والرِّضا؟ فأمسكْتُ عن الكتابِ، فذكرتْ ذلكَ لِرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأوْمأَ بأُصبُعِهِ إلى فيهِ، فقال: ((اكتُبْ فوالَّذي نفسيِ بِيدِهِ ما يخرُجُ منهُ إلَاّ حقٌّ)) [أخرجهُ أبوداود وغيرُهُ] .
وقد يقولُ النَّبي صلى الله عليه وسلم القولَ لا يُريدُ به التَّشريعَ، لكن لا طريقَ إلى ادِّعاء ذلك إلَاّبأن يقومَ دليلٌ صريحٌ يفيدُ أنَّ ذلكَ القولَ لم يُقصدْ به التَّشريعُ، ويقعُ مثالاً لهذا القصَّة المشهورةُ بقصَّة تأبيرِ النَّخلِ، فقد رواها عن النَّبي صلى الله عليه وسلم جماعةٌ، وألفاظُ أحاديثهم تُفسِّرُ بعضهَا، وأكثرُها وُضوحًا روايةُ من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلكَ القصَّة طلحَةَ بن عُبيدِالله رضي الله عنه، فإنه قال: مررتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقومٍ على رؤوسِ النَّخلِ، فقال: ((ما يصنعُ هؤلاءِ؟)) فقالوا: يُلقِّحونهُ، يجعلونَ الذَّكر في الأنثى فيلقحُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أظنُّ يُغني ذلك شيئًا)) قال: فأُخبرُوا بذلك فتركوهُ، فأُخبرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: ((إن كانَ ينفعُهُم ذلكَ فليصنَعوهُ، فإنِّي إنَّما ظننتُ ظنًّا فلا تُؤاخذُوني بالظَّنِّ، ولكن إذا حدَّثْتُكمْ عن الله شيئًا فخذُوا به، فإنِّي لن أكذِب على الله عزَّوجلَّ)) [أخرجه مسلمٌ وغيرُه] .
فهذه الرِّوايةُ من أحسنِ ما يُزيلُ الشُّبهَة بهذه القصَّة، وفيها أنَّ ما وقعَ منه صلى الله عليه وسلم كان صريحًا في كونِهِ رأيَ نفسِهِ، فإنَّ إخبارَهُ عن أحكامِ الله تعالى لا يكونُ بصيغةِ الظَّنِّ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)

‌‌(2) سنة فعلية
المقصود بها:
الأفعالُ النَّبويَّة الَّتي أُريد بها التَّشريعُ للأمَّةِ، ويُعرفُ كونُها أُريد بها التَّشريع بقرينةٍ تدلُّ على ذلك، وهذا على العكسِ من الأصل في الأقوالِ النَّبويَّة، والسَّببُ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كغيرهِ من البشرِ له من الحركةِ والتَّصرُّف ما لهم، والأصلُ في الإنسانِ أنَّهُ (حيٌّ متحرِّكٌ) ، وتلك حركةٌ غالبَةٌ في العادةِ لحركةٍ يُقصدُ بها التَّوجيهُ والتَّعليمُ، والبشرُ يفعلونها بالضَّرورة من غير توقُّفٍ على وحيٍ يُرشدُهُم إليها ويُعلِّمهُم إيَّاها، فكان الأصلُ أن تكونَ الحركاتُ النَّبويَّةُ من هذا القبيلِ حتَّى يوجدَ ما يدلُّ على إرادةِ التَّشريعِ.
وفهمُ ذلكَ يحتاجُ إلى تصوُّرِ أنواعِ الأفعالِ النَّبويَّةِ، فإليكهَا:
1ـ ما وقع من الأفعالِ امتثالاً منهُ صلى الله عليه وسلم لما أُمرَ به كسائرِ أُمَّتِه، مثلُ إقامتهِ الصَّلاة وصومِهِ رمضانَ وحجِّه البيتَ، ونحوهَا، فهذه أفعالٌ تساوَى فيها مع غيرِهِ من المكلَّفين، فليستْ داخلةً فيما يُقالُ: قُصدَ به التَّشريعُ، بلْ يُقالُ قصِدَ به الامتثالُ.
2ـ ما وقعَ من الأفعالِ جبِلَّةً بحكمِ بشريَّتِهِ صلى الله عليه وسلم، من قيامٍ وقعودٍ ونومٍ وركوبٍ وسفرٍ وإقامةٍ ومشيٍ وأكلٍ وشربٍ ولبسٍ وقضاءِ حاجَةٍ ونحو ذلكَ ممَّا تجري به عادةُ البشرِ، ومنهُ ما يحبُّهُ أو يكرهُهُ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)

طبعًا، كحبِّه للحُلوِ البارد، وكراهتِهِ لأكلِ الضَّبِّ مع أنَّه أُكلَ مائدَتِهِ.
فحكْم هذه الأفعالِ أنَّها لا تُعدُّ من التَّشريع، لِوُقوعهَا في العادةِ من غير قصدٍ أو بمقتضى الحاجَةِ والضَّرورة.
وشبيهُ بهذه الأفعالِ: نوعُ مسكنِهِ، أو مشربِه ومأكلِهِ، وملبسِهِ، من لونٍ أو صفةِ خياطَةٍ، أو نحو ذلك ممَّا هو جارٍ على أصلِ الإباحةِ، فهذا ليسَ ممَّا يندرجُ تحتَ التَّشريعِ، وإنَّما حكمُ مجرَّد فعلهِ وتركِهِ سواءٌ.
3ـ ما وقعَ من الأفعالِ مقصودًا به التَّعبُّد، لكنَّه قامَ دليلٌ على اختصاصِهِ بهِ صلى الله عليه وسلم دونَ أُمَّتِهِ، كوِصالهِ الصَّومَ، وزيادتهِ على أربعٍ في الجمعِ بين النِّساءِ.
فحكمُ تلكَ الأفعالِ بقاؤها على الخُصوصيَّةِ.
4ـ ما وقع من الأفعالِ بيانًا لمُجملٍ في الكتابِ، كصفةِ الصَّلاةِ، والحجِّ.
فحكمُ هذا النَّوعِ من الأفعالِ أنَّها شرائعُ للأمَّةِ، فإنَّها مُندرجَةٌ تحتَ عمُومِ قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] ، فهو بيَّنَ المأمُورَ به بِفعلِهِ لِيَقعَ الامتثالُ على تلكَ الصِّفةِ من أمَّتهِ كما قال صلى الله عليه وسلم في صفةِ الصَّلاةِ: ((صلُّوا كما

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)

رأيتمُوني أصلِّي)) ، وقال وقدْ حجَّ بأفعاله: ((لِتأخُذُوا مناسككم)) فأمرَ أمَّته أن تقتدي بِفِعلهِ في واجبِ ذلكَ ومندُوبِهِ.
5ـ ما وقع من الأفعالِ ابتداءً، وليس هو بواحدٍ ممَّا تقدَّم، فهذا قسمانِ:
[1] ما ظهرَ فيه قصدُ القُربةِ، كصلاةِ التَّطوع وصدقةِ التَّطوُع، ونحو ذلك، فلوُضُوح معنى القُربَةِ فيه فهو تشريعٌ عامٌّ، قال الله عزَّوجلَّ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] .
[2] ما لم يظهر فيه وجهُ القُربة، فغايتُهُ أن يكونَ متردِّدًا بين عبادةٍ وعادةٍ، فمفادُه على أقلِّ تقديرٍ إباحةَ ذلكَ الفعلِ للأمَّةِ حيثُ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فعلهُ، و (الإباحةُ) تشريعٌ.
مثالهُ: في الصَّحيحينِ)) أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل المُحصَّبَ (وهو اسمُ موضعٍ بين مكَّة ومِنى وإلى منَى أقرب، ويُسمَّى الأبْطَحُ) ، فاختلفَ الصَّحابة في هذا النُّزولِ: هل هو تشريعٌ أو ليس كذلك، فكانَ عبدُالله بنُ عمرَ رضي الله عنهما يراهُ سُنَّةً، وكان عبدُالله بنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما يقولُ: ((ليسَ التَّحصيبُ (أي: نُزول المُحصَّبِ) بشيءٍ، إنما هو منزلٌ نزلَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم)) وكانتْ عائشةُ رضي الله عنها تُوافقُ ابنَ عبَّاسٍ فتقولُ: ((نزولُ الأبطحِ ليسَ بِسُنَّةٍ،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)

إنَّما نزلهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنَّه كان أسمَحَ لخُروجِه إذا خرجَ)) [أخرجَ جميع ذلك البُخاريُّ ومسلمٌ] .
‌‌قاعدة التروك النبويَّة
التُّروكُ النَّبويَّةُ تُقابلُ الأفعالَ، وهي أنواعٌ:
1ـ تركُ المحرَّمِ، وهذا ظاهرٌ.
2ـ تركُ المكروهِ تشريعًا، كما في تركهِ صلى الله عليه وسلم مُصافحَةَ النِّساءِ في البيعةِ وتقدَّم التَّمثيلُ به في قسم (المكروه) من أقسامِ (الحُكمِ التَّكليفِيِّ) .
3ـ ترك المكروهِ طبعًا، كما في كراهته صلى الله عليه وسلم أكلَ الضَّبِّ.
فعن خالدِ بن الوليدِ رضي الله عنه: أنَّه دخلَ معَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتَ ميمونَةَ، فأُتي بضبٍّ محنوذٍ، فأهوى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدِهِ، فقال بضُ النِّسوةِ: أخبرُوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يُريدُ أن يأكُلَ، فقالوا: هوَ ضبٌّ يا رسول الله، فرَفَعَ يَدَهُ، فقلتُ: أحرامٌ هوَ يا رسول الله؟ فقالَ: ((لَا، ولكنْ لم يكُن بأرضِ قومِي، فأجِدُني أعافُهُ)) ، قال خالدٌ: فاجتررتُهُ فأكلتُه ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظرُ [متفقٌ عليه] .
4ـ أن يتركَ صلى الله عليه وسلم الشَّيءَ الحقِّ الغيرِ، كما في تركِهِ أكلَ الثُّوم والبصلِ في جميعِ الأحوالِ لحقِّ الملائكَةِ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)

فعنْ جابرِ بن عبد الله رضي الله عنهما: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: ((مَنْ أكلَ ثُومًا أو بصلاً فليَعْتزِلْنَا)) أو قال: ((فليَعْتَزِل مسجِدَنَا وليقعُدْ في بيتِهِ)) ، وأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أُتي بقِدرٍ فيه خضِراتٌ من بُقولٍ، فوجَد لهَا ريحًا، فسأل فأُخبرَ بما فيها من البُقولِ، فقال: ((قرِّبُوهَا)) إلى بعض أصحابهِ كان معهُ، فلمَّا رَآهُ كرِهَ أكلهَا قال: ((كُلْ فإنِّي أُناجِي من لا تُناجِي)) [متفقٌ عليه] .
فهذا النَّوعُ كالَّذي قبلهُ، من جهَةِ أنَّ التَّركَ ليسَ بتشريعٍ للأمَّةِ.
5ـ أن يترُكَ صلى الله عليه وسلم الشَّيءَ مخافَةَ أن يُفرضَ على أُمَّتِهِ.
كما قالتْ عائشةُ رضي الله عنها: إنْ كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليَدَعُ العملَ وهوَ يُحبُّ أن يعْملَ بهِ خشيَةَ أن يعمَلَ بهِ النَّاسُ فيُفرضَ عليهِمْ [متفقٌ عليه] .
وعنهَا أيضًا: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلَّى ذاتَ ليلةٍ في المسجِدِ، فصلَّى بصلاتِهِ ناسٌ، ثكَّ صلَّى من القَابلَةِ، فكثُر النَّاسُ، ثمَّ اجتمعُوا من اللَّيلةِ الثَّالثة أو الرَّابعة، فلم يخرُجْ إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا أصبحَ قالَ: ((قَدْ رأيتُ الَّذي صنعتُمْ، ولم يمْنَعْنِي من الخُروجِ إليكُم إلَاّ أنِّي خشيتُ أن تُفرضَ عليكُم)) وذلك في رمضَانَ [متفقٌ عليه] .
فهذا التَّركُ زالَ المحذُورُ منه بموتهِ صلى الله عليه وسلم وانقطَاعِ الوحي، لكنَّ من أهلِ العلمِ من نبَّه على شيءٍ يستفادُ من مثلِ هَذا الحديثِ في حقِّ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)

العُلماءِ والدُّعاةِ إذا كانُوا ممَّن يُؤخذُ عنهُمْ: أن لا يُواظِبُوا أمامَ الملإِ على فعلِ المندُوبِ خشيةَ أن يحسَبَهُ النَّاسُ واجبًا أو سنَّةً لا تُتْرَكُ.
6ـ أن يُترك صلى الله عليه وسلم ما لاحرج فيهِ ممَّا أباحَهُ لغيرِهِ من أُمَّتِه لإقبالِهِ على ماهوَ أتَمُّ في حقِّهِ وأكملُ.
مثالهُ: حديثُ عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ أبابكرٍ رضي الله عنه دَخلَ عليهَا وعندَهَا جاريَتَانِ تُدفِّقانِ وتضْرِبانِ، والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مُتغشٍّ بِثوبِه، الحديث [أخرجهُ البخاريُّ وغيرُهُ] .
وهذا النَّوعُ من التَّركِ سُنَّةٌ حسنةٌ، ولا تقبَحُ مُخالفتُهُ.
7ـ أن يترُكَ صلى الله عليه وسلم الانتِقَامَ لحظِّ نفسِهِ أخْذًا بأولى الخَصلَتيْنِ، كما قال تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى: 40ـ 42] ، ومن هذا حديثُ أُبيِّ بنِ كعبٍ رضي الله عنه قالَ: لمَّا كانَ يومُ أُحُدٍ قُتلَ من الأنصارِ أربعةٌ وستُّونَ رجلاً، ومن المُهاجرِينَ سِتَّةٌ، فقال أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: لئنْ كانَ لنَا يومٌ مثلُ هذا من المُشركينَ لنُربِينَّ عليهِمْ، فلمَّا كانَ يومُ الفتحِ قالَ رجلٌ لا يُعرفُ: لا قُريشٌ بعدَ اليَومِ، فنادَى مُنادي رسول الله ً: ((أمِّنِ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)

الأسوَدَ والأبيضَ إلَاّ فُلانًا وفُلانًا)) ناسًا سمَّاهم، فأنزل الله تبارك وتعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل:126] ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نصْبِرُ ولَا نُعَاقِبُ)) [أخرجه عبدُالله بن أحمد في ((زوائد
المسند)) 5/135 بإسنادٍ جيِّدٍ، وبنحوهِ عندالتِّرمذيِّ والنَّسائي في التَّفسيرِ] .
وهذا النَّوعُ من التَّركِ لا تخفَى شرعيَّةُ الاقتِداءِ فيهِ.
8ـ أن يترُك صلى الله عليه وسلم الشَّيءَ المطلوبَ دفعًا للمفسدَةِ الأكبرِ.
وهذا كالَّذي حدَّثتْ به عائشة رضي الله عنها: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لها: ((يا عائشة، لولَا أنَّ قومَكِ حديثُ عهدٍ بجاهليَّةٍ، لأمرتُ بالبيتِ فهُدِمَ، فأدْخلتُ فيه ما أُخرِجَ منهُ وألزَقْتُه بالأرضِ، وجعلتُ لهُ بابينِ بابًا شرقيًّا وبابًا غربيًّا، فبَلَغْتُ بهِ أساسَ إبراهيمِ)) [متفقٌ عليه] .
فهذا تركٌ منهُ صلى الله عليه وسلم خشيَةَ أن يقعَ بالفِعلِ مفسَدَةٌ تربُو على هذه المصلحَةِ، وقد فعلَ ذلكَ عبدُالله بن الزُّبيرِ في خلافَتِهِ ظنًّا منهٌُ أنَّ المحذُور قدْ زالَ، فلمَّا قُتلَ أعادَهُ بنُوأُميَّة كما كانَ، كما جاءَ ذلكَ في بعضِ رواياتِ مسلمٍ.
وهذا من التُّروكِ هديٌ عظيمٌ للعلماءِ والآمرينَ بالمعروفِ والنَّاهينَ عن المُنكرِ، أنْ يُقدِّرُوا في أفعالهم وتُروكهِم المصالحَ والمفاسدَ، فإنْ غلبَ ظنُّ جانبِ المفسَدَةِ بالفعلِ فالسُّنَّةُ التَّركُ، وإنْ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)

غلبَ جانبُ المفسَدَةِ بالتَّركِ فالسُّنَّةُ الفِعلُ.
‌‌(3) سنة تقريرية
* المقصودُ بها:
سكوتُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وتركُهُ الإنكارَ على قولٍ أوفعلٍ وقعَ بحضْرتِهِ، أو في غيبتِهِ وبلغَه، أو تأكيدُهُ الرِّضا بإظهارِ الاستِبشَارِ بهِ أو استِحسَانِهِ.
ومن أمثلةِ ذلكَ:
1ـ حديثُ عائشة رضي الله عنها: أنَّها ذكرَ عندَهَا ما يقطعُ الصَّلاةَ، فقالوا: يقطَعُها الكَلبُ والحمارُ والمرأةُ، قالتْ: لقدْ جعلتُمونَا كِلابًا، لقدْ رأيتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يُصلِّي وإنِّي لبيْنَهُ وبينَ القِبلةِ وأنَا مُضطَجِعَةٌ على السَّريرِ، فتكونُ لي الحَاجَةُ فَأكرَهُ أن أسْتَقْبِلَهُ، فأنْسَلُّ انسِلَالاً [متفقٌ عليه] .
2ـ حديثُ أبي سعيدٍالخُدريِّ رضي الله عنه: أنَّ ناسًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أتَوْا على حيٍّ من أحياءِ العربِ، فلمْ يقرُوهُم، فبينمَا همْ كذلكَ إذْ لُدِغً سيِّدُ أولئكَ، فقالُوا: هلْ معَكُم من دواءٍ، أو راقٍ؟ فقالوا: إنَّكُم لم تقرُونَا، ولا نفعلُ حتَّى تجعلُوا لنَا جُعلاً، فجعلُوا لهُم قطيعًا من الشَّاءِ فقالوا: لا نأخُذُهُ حتَّى نسألَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم -

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)

فسألوهُ، فضحِكَ، وقالَ: ((وما أدراكَ أنَّها رُقيةٌ، خذُوهَا واضْرِبُوا لي بِسهمٍ)) [متفقٌ عليه] .
وممَّا يندجرُ تحتَ السُّنَّةِ التَّقريريَّة:
[1] أنْ يقعَ الفعلُ في زمانهِ صلى الله عليه وسلم، ويكونَ مشهورًا لا يخفى مثلُهُ في العادَةِ أن يبلُغَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم.
مثلُ: قصَّةِ مُعاذِ بنِ جبلٍ رضي الله عنه أنَّهُ كان يُصلِّي مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثمَّ يرجعُ فيؤمُّ قومَهُ [متفقٌ عليه من حديث جابرِ بن عبد الله] ، فهذا دليلٌ على جوازِ أن يؤمَّ المتنفِّلُ المفترضينَ، وأنَّه لا يضرُّ اختلافُ نيَّةِ الإمامِ والمأمومِ.
[2] أنْ يقعَ الفعلُ في زمانهِ صلى الله عليه وسلم، وليسَ مثلُهُ مظِنَّةَ الاشتِهارِ في العادَةِ، فلا يُدرى أعَلِمَ به النَّبي صلى الله عليه وسلم أم لا، فهذا عندَ طائفَةٍ ليسَ بحُجَّةٍ، وذهبً بعضُ العلماءِ إلى أنَّهُ حجَّةٌ مالم يُعارضْ بنصٍّ أقوَى، لأنَّ الله تعالى مُطَّلعٌ، وجبريلُ ينزلُ على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بالشَّرائع.
والقولُ بحُجيَّتِهِ أصحُّ، وقد مضى الحالُ من أصحابِ النَّبي صلى الله عليه وسلم في حياتهِ على إدراكِ هذه الحقيقةِ، فكانُوا يعلمونَ أنَّهُم لن يُقَرُّوا على باطلٍ ما دامَ القُرآن ينزلُ وإن كانَ ذلكَ مِمَّا لا يطَّلع عليهِ النَّبي صلى الله عليه وسلم في العادَةِ، كما صحَّ عن عبد الله بن عُمرَ رضي الله عنهما قالَ: كُنَّا نتَّقِي كثيرًا من الكلامِ والانبِساطِ إلى نسائنَا على عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم مخافَةً

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)

أن ينزلَ فينا القُرآن، فلمَّا مات رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلَّمنَا، [أخرجه البخاريُّ وابن ماجه وأحمدُ واللَّفظُ له] .
[3] أن يكونَ الشَّيء مِمَّا جرى به عُرفُ النَّاسِ زمَنَ التَّشريعِ، ولمْ يأتِ من الشَّارعِ فيه أمرٌ ولا نهيٌ، فهوَ تقريرٌ من الشَّارعِ لعدَمِ الحُكمِ.
مثالهُ: أنَّ النَّاسَ كانُوا يتَّخذون الخيلَ، ولم يأتِ أنَّهُم كانُوا يُخريجونَ عنها الزَّكلة، ولو كانُوا يفعلونَ لحُفظَ ذلكَ، فحيثُ لم يأتِ فيه شيءٌ دلَّ على أن لا شيءَ فيهِ.
‌‌الوجوه التي تقع عليها التصرفات النبوية
* النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم كان المبلغُ لأمَّتِهِ عن الله تعالى شرائعَ الدِّنِ، فكانَ مصدرَ الأحكامِ وإليهِ سُلطةُ الفتوى بحكمِ أنَّه رسول الله، لكنَّه لم يستقلَّ بهذه الوظيفةِ فحسب، بلْ كانتْ لهُ سلْطةُ الحُكمِ والسِّياسةِ والإمامةِ، كما كانتْ لهُ سُلطةُ القضاءِ والفصْلِ بين الخُصوماتِ، وبهذه الاعتباراتِ جاءتْ تصرُّفاتُهُ من الأقوالِ والأفعالِ والتَّقريرَاتِ على وجُوهٍ أربعةٍ جديرٌ بالفقيهِ مُلاححَظَتُها، هيَ:
1ـ تصرُّف مقطوعٌ بكونه صدرَ منهُ صلى الله عليه وسلم بمقتضى الحُكِ والسِّياسَةِ.
مثلُ: إقطاعِ الأراضي، وإقامةِ الحُدُودِ، وقيادَةِ الجُيوشِ، وقسمَةِ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)

الغَنائمِ، وتوزيعِ أموالِ بيتِ المالِ في المصالحِ.
فهذا النَّوعُ لم يكُن يقعُ من أحدٍ إلَاّ بإذنهِ صلى الله عليه وسلم، فهوَ حقٌّ للحاكمِ لا يؤذنُ فيه للأفرادِ بلا خلافٍ يُذكرُ بين أهلِ العلمِ.
2ـ تصرُّفٌ مقطوعٌ بكونِهِ صدرَ منهُ صلى الله عليه وسلم على وجهِ القضاءِ.
مثلُ إلزامِ الدُّيونِ، وتسليمِ الحقوقِ، وفسخِ الأنكِحةِ.
فهذا النَّوعُ لم يكُن يقعُ من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلَاّ بحكمِ القضاءِ، وما كانَ يجرُؤ عليه أحدٌ بغير إذنهِ، فهو حقٌّ للقاضي لا يُؤذنُ فيه إلَاّ لمن كانتْ لهُ وِلايَةُ قضاءٍ بلا خلافٍ يُذكرُ عن أهلِ العلمِ.
3ـ تصرُّفٌ مقطوعٌ بكونِه صدرَ منهُ صلى الله عليه وسلم على وجهِ الإفتاءِ وبيانِ الشَّرائعِ لعُمومِ الأمَّةِ.
مثلُ: بيانِ أحكامِ العباداتِ، كالصَّلاةِ والصِّيامِ ومناسكِ الحجِّ.
فهذا عامٌّ في حقِّ كلِّ فرْدٍ، لا يتوقَّفُ امتثالهُ على إذنِ حاكمٍ ولا قضاءِ قاضٍ، وهو الأصلُ الغالبُ فيما صدرَ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من السُّننِ.
4ـ تصرُّفٌ صدر منهُ صلى الله عليه وسلم ليسَ بصريحٍ في إرادَةِ واحدٍ من الوجوهِ المتقدِّمةِ، فهو يحتملُ الإلحاقَ بهذا أو ذاك منها، وهذا ممَّا وقعَ فيهِ اختلافُ العلماءِ.
وإليكَ ثلاثة أمثلةٍ لذلك:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)

[1] حديثُ جابرِ بن عبد الله رضي الله عنهما: عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: ((منْ أحيَا أرضًا ميتةً فهيَ لهُ)) [حديثٌ صحيحٌ أخرجه التِّرمذِيُّ وغيرُهُ] .
فمذهبُ مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمدَ وغيرهم: هذا تصرُّفٌ بالفُتيا، فلكلِّ أحدٍ حقٌّ في إحياءِ الأرضِ الميتةِ من غيرِ توقُّفٍ على إذنِ السُّلطانِ.
وخالفهُمْ أبُوحنيفةَ، فقالَ: هذا تصرُّفٌ بالحكمِ، فلا يحلُّ لأحدٍ إلَاّ بإذنِ الإمامِ.
[2] حديثُ عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: يا رسول الله، إنَّ أبا سفيانَ رجلٌ شحيحٌ، لا يُعطيني من النَّفقةِ ما يكفينِي ويكفي بَنِيَّ، إلَاّ ما أخذْتُ من مالهِ بغيرِ علمِهِ، فهلْ عليَّ في ذلكَ من جُناحٍ؟ فقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خُذي من مالهِ بالمعروفِ ما يكفيكِ ويكفي بنيكَ)) [متفقٌ عليه] .
فذهَبَ كثيرٌ من العُلماءِ إلى أنَّ هذا من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم تصرُّفٌ بالفُتيا، فهوَ حكمٌ عامٌّ لكلِّ أحدٍ إنْ كانَ لهُ حقٌّ عندَ غيرِهِ فظفرَ بهِ أنَّ لهُ أن يأخذَهُ.
وذهبَ مالكٌ إلى أنَّ هذا تصرُّفٌ بالقضاءِ، وعليهِ اعتراضاتٌ ليسَ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)

هذا محلُّهَا.
[3] حديثُ أبي قتادَةَ رضي الله عنه قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((من قتلَ قتيلاً لهُ عليهِ بيِّنةٌ سلَبَهُ)) [متفقٌ عليه] .
هذا تصرُّفٌ بالإمامَةِ عند كثيرٍ من أهلِ العلم فلا يستحقُّ القاتلُ السَّلبَ إلَاّ بإذنِ الإمامِ، خلافًا للشَّافعيِّ، واختلفُوا: هلْ هو حقٌّ لازمٌ لهُ، فيكونُ ذلك من قبيلِ الفُتيا النَّبويَّةِ للحُكَّامِ والأئمَّةِ، أم يفعلُهُ الإمامُ سياسةً إنْ رأى مصلحةً تستدعيهِ؟ فذهبَ مالكٌ إلى أنَّهُ سياسةٌ يفعلُهُ الإمامُ إذا رأى، وذهبَ غيرُهُ إلى أنَّهُ حقٌّ له يُعطيهِ إيَّاهُ الإمامُ إذا جاءَ ببيِّنةٍ، في تفصيلٍ وبسْطٍ ليسَ هذا موضِعَهُ.
‌‌حجيَّة السنة
* السُّنَّةُ حُجَّةٌ ومصدرٌ تشريعِيٌّ كـ (القُرآنِ) في إفادَةِ الشَّرائعِ والأحكامِ في دينِ الإسلامِ، اتَّفقَ على ذلك الصَّدرُ الأوَّلُ من هذهِالأمَّةِ وعامَّةُ أئمَّةِ الدِّينِ بعدَهُم ممَّن اقتفى آثارهُم وجرَى على منهاجهم في تقديم النَقلِ والوحيِ على العقلِ والرَّأي.
ولهمْ من البراهين ما لايُحصَى ممَّا يعودُ إليه تقريرُ هذا الأصلِ، ترجعُ إلى وجوهٍ، إليك ذكرهَا مختصرةً:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)

1ـ استواءُ السُّنَّة مع القرآنِ في كونهَا وحيًا، فقد قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3ـ4] ، وعنِ المِقدامِ بنِ معدي كرِبَ رضي الله عنه: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ألَا إنِّي أوتيتُ الكتابَ ومثلهُ معهُ، ألَا يُوشكُ رجلٌ شبعانَ على أريكته يقولُ: عليكُم بهذا القرآنِ، فما وجدتُّم فيه من حلالٍ فأحلُّوهُ، ما وجدتُّم فيه من حرامٍ فحرِّمُوهُ)) [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أبوداود وغيرُه] ، ففي هذا إبانَةٌ عن كونِ السُّنَّةِ ممَّا أُوتيَهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، وأنَّها في إفادَةِ التَّشريعِ كالقُرآنِ، وهذا معنى المثليَّةِ في الحديثِ مؤكَّدًا بإنكارِ التَّفريقِ بينهمَا في المثلِ المضروبِ.
2ـ مساواةُ الله تعالى بين طاعتهِ وطاعةِ نبيِّه صلى الله عليه وسلم، وأمرُهُ بإعادَةِ الخلافِ إليهِ وإلى نبيِّه للفصلِ فيهِ، كما قال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] ، وقال: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] ، ففي هذا دليلٌ على أنَّهُ حكمٌ واحدٌ كُلُّهُ في الأصلِ حكمُ الله تعالى، والعلَّةُ فيه أنًَّ الله عزَّوجلَّ عصمَ نبيَّهُ صلى الله عليه وسلم من أن يقولَ عليه غيرَ الحقِّ أو ينسُبَ إلى دينهِ الباطلَ فكانَ لا يصدُرُ إلَاّ عن أمرهِ وشرْعِهِ.
3ـ تمكينُ الله تعالى نبيَّهُ صلى الله عليه وسلم من شرحِ الكتابِ وتفصيلِ أحكامِهِ وشرائعِهِ دليلٌ على أنَّ اكتمالَ الإدراكِ لأحكامِ الكتابِ لا يتمُّ إلَاّ ببيانِ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)

الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم فيكونُ الاحتجاجُ بالسُّنَّةِ غيرَ متأخرِ الرُّتبةِ عن درجةِ الكتابِ في إفادَةِ التَّشريعِ لاحتياجِ الكتابِ إليها، كما قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] .
وما تقدَّم ذكرُهُ في (أحكام القرآن) من إرجاء تفصيلِ الأحكامِ إلى السُّنَّة صريحُ الدَّلالةِ على امتناعِ فهمِ شرائعِ الدِّين من الكتابِ دونَ السُّنَّةِ، فلو تُركَ النَّاسُ ليصلُّوا بمُقتضى دلالةِ الكتابِ لمَا عرفَ أحدٌ كيفَ ولا متى ولا على أيِّ صفةٍ يصلِّي، وهكذا أكثرُ الأحكامِ.
4ـ أمرُ الله الصَّريح في كتابه بقبولَ ما جاءَ به الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم من غيرِ تفريقِ بين قرآنٍ وغيرهِ، وتحذيرُهُ أشدَّ التَّحذيرِ من مخالفَةِ ذلكَ، بُرهانٌ قائمٌ بذاتهِ على اعتبارِ السُّنَّةِ دليلاً لإثباتِ شرائعِ الدِّين، من ذلكَ قوله تعالى: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] ، وقوله عزَّوجلَّ: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] ، وقال: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] .
أخرج البُخاريُّ ومسلمٌ عن عبد الله بنِ مسعودٍ رضي الله عنه قال: ((لعنَ الله الواشمَاتِ والمُوتَشمَاتِ، والمُتنمِّصاتِ، والمُتفلِّجاتِ للحُسنِ، المُغيِّراتِ خلقَ الله)) فبلغَ ذلكَ امرأةً من بني أسدٍ يُقالُ لها

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)

أمُّ يعقوبَ، فجاءتْ فقالتْ: إنَّهُ بلغني أنَّك لعنْتَ كيتَ وكيتَ، فقالَ: ومالي لا ألعنُ من لعنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن هُو في كتابِ الله؟ فقالتْ: لقد قرأتُ ما بينَ اللَّوحينِ فما وجدتُ فيه ما تقولُ، قال: لئنْ كُنتِ قرأتِهِ لقدْ وجدتيهِ، أما قرأتِ؟ : {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} ؟ قالتْ بلَى، قال: فإنَّهُ قد نهَى عنهُ، قالتْ: فإنِّي أرى أهلكَ يفعلونهُ، قال: فاذهبي فانظُري، فذهبتْ فنظرَتْ فلمْ ترَ من حاجتها شيئًا، فقال: لو كانتْ كذلك ما جامعتْنَا.
5ـ مٌضيُّ سبيلِ المؤمنينَ على الاحتجَاجِ بالسُّننِ المرويَّةِ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إثباتِ شرائعِ الدِّينِ كالقُرآن وهي عندهُم شَطْرُهُ تحت مسمَّى الوحي، ولذلك يمنعونَ الاجتهادَ في قضيَّةٍ فصلتْ فيها كما يمنعونَ الاجتهادَ عندَ ورودِ القرآنِ بفصْلهَا، وكانَ من حادَ عنها عندَهُم بعدَ العلمِ بها زائغًا عن الهُدَى كما يصفونَ بذلكَ من حادَ عن القرآنِ، وكانَ الفرقُ عندَهُم بين الشَّرعِ والإحداثِ يتميَّزُ بمُخالفَةِ السُّنن، ولِذا أصْبحَتِ (السُّنَّةُ) مقابلةً لـ (البِدعَة) .
وهذا معنى يطولُ استقصاؤهُ، وقدْ جُرِّدتْ فيه كتبٌ كثيرةٌ قُصدَ فيها إبطالُ مقالةِ من أسقطَ الاستدلالَ بالسُّننِ أو أضْعفَ شأْنَهَا من أصحابِ البِدَعِ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)

‌‌طرق ورود السنن
"طريقُ نقلِ السُّنَّةِ يختلفُ عن الطَّريق الَّذي نُقل به القرآن، فإنَّ القرآن لقيَ أعظَمَ العنايَةِ من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابهِ، فكانَ لا يتلوهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بعدما ينزلُ عليه به جبريلُ عليه السلام إلَاّ وتلقَّفهُ الكاتبونَ الأمناءُ المعدَّلونَ من قبلِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يتلوهُ على أصحابهِ في مواعظِهِ وخُطبهِ ومجالسِه وصلوَاتِه فيسمعُهُ الخاصُّ والعامُّ، وهو يحثُّهم على أخذهِ وحفظِهِ، فلمَّا مات- صلى الله عليه وسلم جُمع المكتوبُ وقورِن بالمحفوظِ وحُصرَ بالمصاحفِ، ورأى أئمَّةُ الصَّحابةِ كالخُلفاءِ الرَّاشدينَ أنَّ ضبطَ ذلك من مسؤوليَّة الأمَّةِ العُظمَى، فنُشرتِ المصاحفُ بعدَ ضَبْطِهَا وشاعتْ في الأمصارِ، والحُفَّاظُ له المعتنونَ به لم يدخُلو بعدَ ذلك تحتَ حصرِ حاصرٍ، وأسانيدُ النَّقلِ لهُكثيرةٌ لم يكُن يخلُ منها مصرٌ من أمصارِ المسلمين على اتِّساعهَا.
أمَّا السُّنَّةُ؛ فإنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يكُن أذنَ في كتابِتهَا خشةَ اختلاطِهَا بالقرآنِ لأنَّهُ لم يكُن بعدُ قد جُمعَ وحُصرَ بالمصاحفِ، وإنَّما أذنَ لبعضِ أصحابهِ بذلكَ، وبقيَ أمرُ حفظِهَا إلى من يقصدُ الاعتناءَ بذلكَ من أصحابِهِ، كما وقعَ من أبي هريرةَ رضي الله عنه وغيره، وربَّما كانَ الصَّحابيُّ سمعَ الحديثَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضعٍ لم يكنْ فيهِ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)