1ـ ضعفُ الخلقِ، سببٌ لإسقاطِ التَّكليفِ عن الصَّبيِّ والمجنونِ، وتخفيفِ التَّكليفِ في حقِّ النِّساءِ فلم تجبْ عليهنَّ جُمُعةٌ ولا جماعةٌ ولا جهادٌ.
2ـ المرضُ، سببٌ للفطرِ في رمضانَ، والصَّلاةِ من قعُودٍ أوِ اضطِجاعٍ، وتناولِ الممنُوعِ للعلاجِ إن فقدَ سِواهُ.
3ـ السَّفرُ، سببٌ للفطرِ في رمضانَ، وقصرِ الصَّلاةِ الرُّباعيَّةِ، وسُقوطِ الجُمُعةِ، والزِّيادَةِ في مُدَّةِ المسحِ على الخُفَّينِ.
4ـ النِّسيانُ، سببٌ لإسقاطِ الإثمِ والمؤاخَذةِ الأخرَويَّةِ، وصحَّةِ الصَّومِ لمن أكَلَ أو شرِبَ وهوَ كذلكَ.
5ـ الجهلُ، سببٌ لإسقاطِ المُؤاخذَةِ إذا لم يقعْ بتقْصيرٍ في التَّعلُّم، كما يكونُ سببًا لرَدِّ السِّلعةِ بعدَ شِرائِهَا لعيبٍ جهِلَهُ المشترِي وقتَ التَّبايُعِ، كما يكونُ سببًا للعُذْرِ في خَطإ الاجتهادِ، لأنَّ المجتهِدَ بنى على ظنِّ العلمِ.
6ـ الإكراهُ، سببٌ لإباحةِ الوُقوعِ في المحظُوراتِ دَفْعًا للأذَى الَّذي لا يُحتَمَلُ.
7ـ عُمُومُ البلْوَى، وهوَ في الأمْرِ الَّذِي يَعْسُرُ الانفِكَاكُ عنهُ، كالنَّجاسةِ الَّتي يشقُّ الاحتِرازُ عنهَا، كمنْ بهِ سلسُ بوْلٍ، واحتمالِ يسيرِ الغَبْنِ في البُيُوع، ونحوَ ذلكَ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
أنواعُ الرُّخص:
الرُّخصُ الشَّرعيَّةُ تعودُ إلى أنواعٍ ثلاثةٍ:
1ـ إباحَةُ المحرَّم لعُذرِ الضَّرورةِ، وإليه ترجعُ قاعدَةُ: (الضَّرُوراتُ تُبيحُ المحظُوراتِ) .
مثالهَا: التَّلفُّظُ بكلمةِ الكُفرِ عندَ الإكراهِ، كما قال تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 116] ، وأكلُ الميتةِ والدَّمِ ولحمِ الخنزيرِ وشُربِ الخمرِ للمُضطرِّ، كما قال تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173، وقال: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] .
2ـ إباحَةُ تركِ الواجبِ، وفيهِ قوله صلى الله عليه وسلم: ((وإذا أمرْتُكُم بأمرٍ فَأْتُوا منهُ ما استَطعتُمْ)) [متفقٌ عليه من حديثِ أبي هرَيرةَ] .
مثالها: تركُ القيامِ في الصَّلاةِ للعاجزِ مع فرْضِهِ، فعنْ عمرانَ بنِ حُصينٍ رضي الله عنه قال: كَانَتْ بي بواسيرُ، فسألتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عن الصَّلاةِ؟ فقال: ((صلِّ قائمًا، فإن لم تستطِعْ فقاعدًا، فإنْ لم تستطِعْ فعلى جنبٍ)) [أخرجه البُخاريُّ] .
والفِطرُ في رمضانَ للمسافرِ والمريضِ، قال تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185] .
3ـ تصحيحُ بعضِ العُقودِ مع اختلالِ ما تصحُّبه رفعًا للحرجِ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
وتيسيرًا على النَّاسِ.
مثالها: الإذنُ في بيعِ السَّلمِ (أو: السَّلف) ، أو عقدِ الاستِصناعِ، مع أنَّ كلاًّ منهما بيع معدومٍ ليسَ موجودًا وقتَ التَّعاقُدِ، نعمْ ذلك بشُروطٍ، كما قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((منْ أسلفَ في شيءٍ ففي كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ، على أجلٍ معلومٍ)) [متَّفقٌ عليه عن ابنِ عبَّاسٍ] .
درجات الأخذ بالرخص:
الأخذُ بالرُّخصِ الشَّرعيَّةِ يتفاوَتُ حكمُهُ إباحَةً ونَدبًا ووجوبًا، فهو على أربعِ درجاتٍ:
1ـ التخييرُ بين الأخذِ بالرُّخصةِ وتركهَا.
مثالهُ: الفطرُ للمسافرِ عند استواءِ حالهِ بالصَّومِ والفطرِ، فإنَّ له أن يُفطرَ أو يصومَ من غيرِ بأسٍ، كما قال حمزَةُ بنُ عمرٍو الأسلميُّ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أَأصُومُ في السَّفرِ؟ وكان كثيرَ الصَّومِ، فقالَ: ((إن شئتَ فصُمْ، وإنْ شئتَ فأفطِرْ)) [متفقٌ عليه] .
2ـ تفصيلُ الأخذِ بالرُّخصةِ.
مثالهُ: قصرُ الصَّلاةِ في السَّفرِ، فإنَّها رُخصةٌ جرىالعملُ النَّبويُّ على الأخذِ بها في جميعِ الأسفارِ، حتَّى أنهُ لم يصحَّ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أتمَّ صلاةً قطُّ في السَّفرِ، وهذه المُداومةُ دالَةٌ على تفصيل الأخذ بالرُّخصةِ.
هذا على مذهبِ جمهورِ العلماءِ في أنَّ قصرَ الصَّلاةِ في السَّفرِ سُنَّةٌ،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
خلافًا لمن ذهبَ إلى وجوبهَا.
3ـ تفضيل التَّرك للرُّخصةِ.
مثالهَا: احتمالُ الأذى في الله لمن أُكرهَ على أن يقولَ كلمَةَ الكُفرِ بلسانِهِ، فإنْ أرادَ أن يأخذَ برُخصةِ الله لهُ فلهُ ذلكَ، وإن صبرَ وَاحتملَ ولو بلغَ الأمرُ إلى قتلِهِ فذلكَ أفضلُ، وقد كَانَ هذا حالَ المُرسلينَ وكثيرٍ من أتباعهمْ.
4ـ وجوبُ الأخذِ بالرُّخصةِ.
مثالهُ: أكلُ المُضطرِّ للميتةِ دفعًا للهلكَةِ عن نفسهِ، فإنَّ تحريم الميتةِ إنَّما كان لضررهَا على النَّفسِ، فحينَ كانتْ سببًا للحياةِ أُبيحتْ، والهلاكُ أعظمُ الضَّررِ بالنَّفسِ، فيُدفعُ الضَّررُ الأكبرُ بارتكابِ الضَّررِ الأدنَى، قال الله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29] .
هل يُمنعُ الأخذ بالرُّخص؟
صحَّ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قالَ: ((إنَّ الله يحبُّ أن تُؤتَى رُخصَهُ، كما يكرهُ أن تُؤتَى معصيتُهُ)) [أخرجهُ أحمدُ وغيرُهُ] ، فما أحبَّهُ الله تعالى لا يصحُّ أن يقالَ: هو ممنُوعٌ منعَ كرَاهَةٍ ولا منعَ تحريمٍ.
وفي الحديث المذكورِ كراهةُ تركِ الأخذ بالرُّخصِ تنزُّهًا عنها، فإنه لا يصحُّ التَّنزُّه عمَّا يُحبُّه الله تعالى، ويؤكِّدهُ حديثُ عائشةَ رضي الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
عنها قالتْ: صنعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرًا فترخَّص فيه، فبلغَ ذلكَ ناسًا من أصحابهِ فكأنَّهُم كرهُوهُ وتنزَّهوا عنهُ، فبلغَه ذلكَ فقامَ خطيبًا فقالَ: ((ما بالُ رِجالٍ بلغَهُم عنِّي أمرٌ ترخَّصتُ فيهِ فكرِهوهُ وتنزَّهُوا عنهُ، فوالله لأنا أعلمُهم بالله وأشدُّهُمْ لهُ خشيَةً)) [متفقٌ عليه] .
أمَّا ما يُروى عن بعضِ السَّلفِ والعلَماءِ من كرَاهةِ تتبُّعِ الرُّخصِ وذَمِّ من يفعلُ ذلكَ، فليسَ كلامُهُم في رُخصِ الله ورسولهِ ممَّا جاءتْ بِهِ الشَّريعةُ، إنَّما الرُّخصُ الَّتِي يستفيدُها النَّاسُ من خلافِ الفُقهاءِ، فهذا العالمُ حرَّمَ كذا وهذا رخَّص فيه، فذمَّ العلماءُ من يبحثُ عن تلكَ الرُّخص ويعملُ بها أو يُشيعُهَا بين النَّاسِ ذَمًّا شديدًا، لأنهَا تصيرُ بفاعلِ ذلكَ إلى استحلالِ ما حرَّم الله ورسولُه، فالمجتهِدُ قدْ يقُولُ الرَّأيَ في الشَّيءِ يخالفُ حكمَ الله ورسولِهِ صلى الله عليه وسلم، لا بقصدٍ منهُ بلْ باجتهادِهِ ظنًّا منهُ أنَّهُ الصَّوابُ، فمن عمَدَ إلى رُخصَةِ هذا العالمِ أو ذاكَ ممَّا أخطأَوا فيهِ فتتبَّعَهُ فقدِ اجتمَعَ فيه الشَّرُّ كلُّهُ.
حكى إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضِي المالكيُّ أنَّهُ دخَلَ على الخليفةِ المعتضِدِ بالله العبَّاسِيِّ، قال: فدَفعَ إليَّ كتابًا، فنظرتُ فيهِ، فإذا قدْ جُمعَ لهُ فيه الرُّخصُ من زَللِ العلماءِ، فقلتُ: مُصنِّفُ هذا زِنْدِيقٌ، فقالَ: ألمْ تصحَّ هذه الأحاديثُ؟ قلتُ: بلى، ولكن من أباحَ المسكِرَ لم يُبِح المُتْعةَ، ومن أباحَ المُتعَةَ لم يُبِحِ الغِناءَ، وما من عالمٍ إلَاّ ولهُ زّلَّةٌ، ومن أخذَ بكُلِّ زَللِ العُلماءِ ذهبَ دينُهُ، فأمرَ بالكتابِ فأُحْرِقَ [سِير أعلام النُّبلاء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
13/465] .
وإنَّما الواجبُ في هذا أن ينظُرَ في حُكمِ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فتُقاسَ رُخصُ المجتهدينَ بموافقَتهَأ للكتابِ والسُّنَّةِ أو مخالفتها لهمَا، فإن~ وافقَتْ فهي رُخصَةٌ شرعيَّةٌ يحبُّهَا الله والأخذُ بها حسنٌ، وإنْ خالفَتْ فلهَا حكمُهَا من الحُرمَةِ أو الكراهَةِ.
فرع:
ممَّا يتَّصلُ بـ (الحُكمِ الوَضْعِيِّ) مسمَّياتٌ شرعيَّةٌ ثلاثَةٌ هي أوصَافٌ للعبادَةِ باعتبارِ الوقتِ الَّذي تُؤَدَّى فيهِ، وهي:
1ـ الأَدَاءُ: وهوَ إيقاعُ العبادَةِ في وقتِهَا المعيَّنِ لها شرعًا.
2ـ القضاءُ: وهوَ إيقاعُ العبادَةِ خارجَ وقتِهَا الَّذِي عيَّنَهُ الشَّارعُ.
وجديرٌ بالتَّنبيهِ عليه ههُنَا أنَّ القضاءَ لم يرِدْ في نصوصِ الشَّرعِ إلَاّ في إيقاعِ العبادَةِ بعدَ خُروجِ وقتهَا بعُذْرٍ كالنَّومِ عن الصَّلاةِ، أو الصَّومِ للحائضِ أو النُّفسَاء، أمَّا خُروجِ الوقتِ بدونِ عُذْرٍ فلمْ يرِدْ فيهِ القضاءُ، بِخلافِ الَّذي عليهِ كثيرٌ من الفُقهاءِ.
ويُؤكِّدُ ذلكَ مسألَةٌ أثارَهَا الأصُوليُّونَ، هيَ: هلِ القضاءُ يكونُ بالأمرِ الأوَّلِ الَّذي كان بهِ الأداء، أو يحتاجُ إلى أمرٍ جديدٍ؟ جمهُورُهُمْ أنهُ يحتاجُ إلى أمرٍ جديدٍ، وهذا هُو الصَّوابُ، فإنَّ العبادَةَ المعلَّقةَ بوقتٍ إنَّما مقصُودُ الشَّارِع أن تقعَ في الوقتِ الَّذِي حدَّدَه لها، فإذا أخلَّ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
المكلَّفُ بذلكَ فأدَّاهَا خارجَ وقتهَا بدونِ عُذرٍ فلمْ يقعْ فعلُهُ لهَا كمَا أُمرَ، وقدْ قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((من عملَ عملاً ليسَ عليهِ أمرُنا فهُوَ رَدٌّ)) [أخرجهُ مسلمٌ عن عائشةَ] ، وهذا بخلافِ المعذُورِ، فهوَ إمَّا أن تكونَ الشَّريعَةُ أسقطتْ عنهُ القضاءَ فلمْ تأمُرْهُ بهِ، كما في قضاءِ الصَّلاةِ للحائضِ، وإمَّا أن تكونَ أَمَرَتْهُ بهِ بأمرٍ جديدٍ، كصلَاةِ النَّائمِ والنَّاسي، وقضاءِ الصَّومِ للحائضِ والنُّفساءِ والمريضِ والمسافِرِ، وقضاءِ الحجِّ عمَّنْ عجزَ عنهُ في حياتِهِ.
ويتفرَّعُ عن هذا مسألةٌ مشهورَةٌ، وهي قضاءُ الصَّلاةِ والصَّومِ ونحوهِمَا لمن تركَ أدَاءَ ذلكَ في وقتِهِ متعمِّدًا، فهَذَا ليسَ لهُ رُخصَةٌ في القضاءِ، إنَّمَا سبيلُهُ التَّوبَةُ النَّصوحُ وأن يُكثِرَ من التَّطَوُّعِ.
3ـ الإعادَةُ: وهي إيقاعُ العبادَةِ في وقتِهَا بعدَ تقَدُّمِ إيقاعِهَا على خللٍ في الإجزاءِ، كإنقاصِ رُكنٍ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
3ـ الحاكم
"تعريفه:
الحاكمُ حقيقةً هو الله تبارك وتعالى وحْدَهُ، والرُّسلُ مُبلِّغُون عن الله لا يُثبتُونَ أحكامًا ابتداءً من عندِ أنفسِهِم، والمجتهدُون مستكشفونَ لِحُكمِ الله لا مُبتدئُون له كذلكَ وإن سَمُّوا حُكَّامًا، أو نُسبَتْ الأحكامُ إليهِمْ.
وهذه حقيقةٌ واضحةٌ في كتاب الله كما قال الله عزَّوجلَّ: {وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} [الرعد: 41] ، وقال: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [الأنعام: 57] ، وقال: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى: 10] ، وقال لنبيِّهِ صلى الله عليه وسلم: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء: 105] ، وقال: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة:48] ، وقال: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] .
وعلى هذا فالتَّشريعُ حقُّ الله تعالى وحدَهُ، ونِسبَتُهُ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم أو إلى العلماءِ المجتهدينَ نسبةٌ مجازِيَّةٌ، ذلكَ لأنَّهُم يعالجونَهُ وينظُرونَ فيهِ.
* وظيفةُ العقل:
العقلُ مناطُ التَّكليفِ، وهوَ آلَةُ الفهمِ لحكمِ الله لا مُثبتًا للشَّرائعِ،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
وإن أثبتَ شيئًا فإمَّا أن يكونَ من حُكمِ الله فيعودَ إثباتُه إلى كونهِ حكمَ الله لا حُكمَ العقلِ، أو لا يكونَ من حُكمِ الله فهوَ الهَوَى، قالَ تعالى لنبيِّهِ صلى الله عليه وسلم: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة:49] ، وقال لنبيِّه داوُدَ عليه السلام: {فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ̈} [ص: 26] .
ولهذا لم يستغْنِ بنُو آدَمَ عن معرفَةِ حُكمِ الله بِبِعثةِ الرُّسلِ وإنزالِ الكُتُبِ، ولم تَسُقْهُمْ عُقُولُهُم مجرَّدَةً إلى الهُدَى، ويكفي لذلكَ مثلاً شأنُ سيِّد بني آدَمَ صلى الله عليه وسلم، فقدْ قال لهُ ربُّه ممتنًّا: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} [الضحى: 7] ، وقال: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} [يوسف: 3] .
والعلَّلةُ في أنَّ العقلَ لا يصلُحُ أن يكونَ مثبتًا للشَّرائعِ هي إمكانُ جُنوجِهِ عن الصَّوابِ، وميلُ العقلِ عن الصَّوابِ حقيقةٌ لا تُجْحَدُ، وذلكَ الميلُ هوَ سبَبُ تفاوتِ العُقُولِ، ولِذَا قال الله عزَّوجلَّ: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] .
وللعقلِ تحسينٌ وتقبيحٌ لا يُنكرَانِ، لكنَّهُ لا يثبتُ بمجرَّدِهِ وجوبٌ ولا ندْبٌ ولا حُرمَةٌ ولا كراهَةٌ ولا إباحَةٌ ولا صحَّةٌ ولا فسادٌ ولا رُخصةٌ ولا عزيمةٌ، ولا يترتَّبُ على مُقتضاهُ ثوابٌ ولا عقابٌ،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
والنَّاسُ قبلَ بلوغِ أحكامِ الله لهُم عن طريقِ رُسُلهِ وكتُبِهِ غيرُ مكلَّفينَ بشيءٍ من تلكَ الأحكامِ، قال الله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] ، وإنَّما تقومُ الحجَّةُ على الخلقِ بِبُلوغِ أحكامِ الله لَهُمْ.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
4ـ المحكوم فيه
"تعريفه:
هو ما يتعلَّقُ بهِ خطابُ الشَّارعِ، أو: هوَ الفِعلُ المُكلَّفُ بهِ.
أمثلتُهُ:
1ـ قوله تعالى: {وَآَتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] ، أفادَ إيجابَ الزَّكاةِ، وهذا الأمرُ تعلَّقَ بِفعلِ المكلَّفِ الَّذي هو (إيتاءُ الزَّكاة) .
2ـ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282] ، أفادَ النَّدب إلى كتابَةِ الدَّيْنِ، وهذا الأمرُ تعلَّق بِفعلِ المكلَّفِ الَّذي هو (كتابةُ الدَّيْنِ) .
3ـ قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} [الإسراء: 32] ، أفادَ حُرمَةَ الزِّنَا، وهذا النَّهيُ تعلَّق بِفعلِ المكلَّفِ الَّذي هوَ (قُربانُ الزِّنَا) .
4ـ قوله تعالى: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة:267] ، أفادَ كراهَةَ إنفاقِ المالِ الخبيثِ، وهذا النَّهيُ تعلَّقَ بِفعلِ المكلَّفِ الَّذِي هوَ (إنفاقُ الخبيثِ) .
5ـ قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2] أفادَ إباحَةَ الصَّيدِ بعدَ التَّحلُّلِ من الإحرامِ، وهذا الأمرُ تعلَّقَ بِفعلِ المكلَّفِ الَّذِي هوَ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
(الاصطيادُ) .
* متى يلزم الفعلُ المكلف؟
يكونُ الفِعلُ لازمًا للمكلَّفِ إذا اجتمعَ فيه وصفَانِ:
1ـ أن يكونَ معلومًا للمكلَّفِ.
فالجهْلُ ينفي التَّكليفَ، فلوْ جَهِل إنسانٌ كونَ الوُضُوء شرطًا لصحَّةِ الصَّلاة وكان يُصلِّي زمانًا بغيرِ وُضوءٍ، ثمَّ علمَ هذا الحُكمَ، فإنَّهُ لا يُطالبُ بقضاءِ ما صلَاّهُ بغيرِ وُضوءٍ إلَاّ صلاةً لم يزَلْ في وقْتِهَا.
ومن الدَّليل عليهِ الحديثُ المشهُورُ بحديثِ المُسيءِ صلاتَه.
فعنْ أبي هريرَةَ رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم دخل المسجِدَ، فَدخلَ رجلٌ فصلَّى، ثمَّ جاءَ فسلَّم على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فردَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عليه السلام، فقالَ: ((ارجِعْ فصلِّ فإنَّك لم تُصلِّ)) ثلاثًا، فقال: والَّذي بعثَكَ بالحقِّ فما أُحسنُ غيرَهُ فعلِّمني، قالَ: ((إذا قُمتَ إلى الصَّلاةِ فَكَبِّرْ … )) فساقَ الحديثَ [متفقٌ عليه] .
وموضعُ الشَّاهدِ منه أنَّ هذا الرَّجلَ كانَ يُصلِّي صلاةً غيرَ صحيحةٍ وهوَ لا يعلمُ حتَّى علَّمهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم كيفَ يُصلِّي، ولم يأمُرهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يُعيدَ شيئًا من الصَّلواتِ الَّتي صلَاّها على تلكَ الصِّفةِ إلَاّ الصَّلاةَ الَّتِي رَآهُ يُصلِّيهَا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
لكنْ هلْ يُعفى المكلَّف بالجهلِ مع إمكانِ العِلمِ أم يُؤاخَذُ؟ الجوابُ: أنَّهُ يأثَمُ بالتَّفريطِ في طلبِ العِلمِ معَ القُدرَةِ عليهِ وذلكَ من حيثُ الجُملَةُ لا بخصُوصِ جَهلِهِ بِحُكمٍ معيَّنٍ، قال الله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] .
ومن الأصوليِّينَ من فرَّق بين الجهلِ بالأحكامِ لمن يعيشُ في بلادٍ إسلاميَّةٍ، ومن يعيشُ في بلادٍ غير إسلاميَّة، وليس التَّفريقُ بظاهرٍ في الأدلَّةِ، فإنَّ الجهلَ واردٌ على أيِّ حالٍ، لكنَّ الَّذي يقعُ في دارِ الإسلامِ أنَّ المعلومَ من الدِّين بالضَّرورةِ لا يخفى والحُجَّةُ به قائمةٌ، فلوْ زَنَى رجلٌ من المسلمينَ وقدْ تربَّى في الإسلامِ وبينَ أهلِهِ وادَّعى أنَّهُ لا يعلمُ حُرمَةَ الزِّنا لما كان عُذرًا يحولُ بينهُ وبين العُقوبَةِ، لأنَّ الحُجَّةَ ظاهرةٌ في مثلِ ذلكَ، وقولهُ محمولٌ على الكذبِ، إلَاّ أن يكونَ في بيئةٍ ذَهَبَتْ عنها معالمُ الدِّينِ وليسَ فيها من الإسلامِ إلَاّ اسمُهُ، فهَذه دارٌ أشَهُ بدَارِ الكُفرِ وإن بقيَ لأهلِهَا اسمُ الإسلامِ.
والأقربُ في هذا أن يعودَ الأمرُ إلى أن يُقدِّرَ كلُّ ظرفٍ بما يُناسبُهُ، والعُمدَةُ فيهِ على بُلوغِ الحجَّةِ، أمَّاا لجهلُ ذاتُهُ فهوَ مانعٌ من التَّكليفِ.
2ـ أن يكونَ مقدورًا للمكلَّف.
أيْ: يمكِنُ وقوعُ امتثالهِ لهُ، ليسَ خارِجًاعن طاقتِهِ وقُدرتِهِ، وهذا حاصلٌ في جميعِ تكاليفِ الإسلامِ، فليسَ فيها فعلٌ يستحيلُ امتثالُهُ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
ومن أحسنِ ما يدلُّ على هذا ما رواهُ مسلمٌ في [صحيحهِ] من حديثِ أبي هُريرةَ رضي الله عنه قال: لمَّا نزلتْ على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 284] ، قال: فاشتدَّ ذلكَ على أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتَوْا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ بَرَكُوا على الرُّكَبِ، فقالوا: أيْ رسول الله، كُلِّفنا من الأعمالِ ما نُطيقُ: الصَّلاةَ والصِّيامَ والجهادَ والصَّدقَةَ، وقد أنزِلَتْ عليكَ هذِه الآيةُ ولا نُطيقُها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أتُريدُونَ أن تقولوا كما قال أهلُ الكِتَابَينِ من قَبْلِكُم: سمعنَا وعصيْنَا، بلْ قُولوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} ، قالوُا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ فلما اقترأها القَومُ ذلَّت بها ألسنتُهُم، فأنزل الله في إثرِهَا: {آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285] ، فلمَّا فعلوا …ذلكَ نسخَهَا الله تعالى، فأنزلَ الله عزَّوجلَّ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} قال، نعمْ، {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} قال نعمْ، {
رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} قال نعمْ، {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 286] قال نعمْ.
وفي روايةٍ أُخرى لمسلمٍ: قالَ ((قَد فَعلتُ)) بدلَ: ((نَعَمْ)) .
وممَّا يتخرَّجُ على وجودِ هذا الوصفِ في الفعلِ المكلَّفِ بهِ قاعدَتَانِ:
1ـ لا تكليفَ بِما لا يُطاقُ.
2ـ المشقَّةُ تجلبُ التَّيسيرَ.
أنواع الفعل المكلف به باعتبار من يُضاف إليه:
الفعلُ من جهةِ اتِّصالهِ بحقِّ الله تعالى أو بحقِّ الخَلْقِ أربعَةُ أنواعٍ:
1ـ حقُّ الله عزَّوجلَّ:
وهوَ حقٌّ عامٌّ، لا يملكُ أحدٌ إسقاطَهُ بوجهٍ من الوُجوهِ، وأحكَامُهُ واجبةُ التَّنفيذِ في ذمَّةِ كلِّ من تناولَهُ هذا الحقُّ.
ويندرجُ تحتهُ أنواعٌ كثيرةٌ:
[1] العبادَاتُ المحضَة، مثل: الإيمان، والصَّلاة، والزَّكاةِ، والصِّيامِ، والحجِّ، وهذه واجبةٌ على المكلَّفِ ابتداءً.
[2] العباداتُ الَّتي فيها معنى المؤونة، مثل: زكاة الفِطرِ، فهيَ عبادَةٌ من جهَّةِ أنَّها صدَقَةٌ، وهي مؤونَةٌ من جهةِ أنَّها وجبَتْ على المكلَّفِ بسببِ غيرهِ وهو الفقيرُ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
[3] مؤونة فيها معنى العبادَة، مثتالُها: الضَّريبةُ على الأرضِ العُشريَّة، وهي حقٌّ يُؤخذُ ممَّا تُنبتُهُ الأرضُ من الزَّرعِ واجبٌ فيها، فهي لهذا مؤونة لأنَّها ثابتةٌ فيما تُنبِتُهُ الأرضُ، وأمَّا (فيها معنى العِبادة) فلأنَّها زكاةٌ تندرجُ تحتَ مصارِفِهَا.
[4] مؤونَةٌ خالصةٌ، مثالهَا: الخرَاجُ، وهوَ ضريبةٌ تُؤخذُ على الأرضِ الَّتي تُترَكُ بأيدي أهلهَا غيرِ المُسلمينَ بعدَ فَتْحِهَا تفرضُها عليهِمُ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ، ومصرِفُها المصالحُ العامَّةُ.
[5] عُقُوباتٌ كاملَةٌ ليس فيها معنى غير العُقوبَة، مثل: الحُدُود، كحدِّ الزِّنَا والسَّرِقةِ والحِرابَة.
[6] عقوبَاتٌ قاصرَةٌ، مثالُها: حِرمَانُ القاتلِ من الإرثِ، فإنَّهاعُقوبَةٌ لم ترِدْ عليهِ بأذَى في بَدَنِه أو حرِّيتِهِ، إنَّما غايتُها أنَّهُ حُرِمَ مِلكًا لولا القتلُ لاستَفَادَهُ.
[7] عُقوباتٌ فيها معنى العِبادَة، مثالُها: الكفَّارَات، ككفارَة اليَمين والظِّهَارِ والقتلِ، فمن جهَةِ أنَّها عبادة أنَّها تؤدَّى كذلك كالصَّومِ والإطعامِ وعِتقِ الرِّقابِ.
[8] حقٌّ قائمٌ بنفسهِ متعلِّقًا بذمَّةِ المكلَّفِ، مثالهُ: أداءُ الخُمُسِ من المغنمِ، فتلكَ قِسمةٌ حكمَ الله عز وجل بها في المغَانِمِ لا رَأْيَ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
للمكلَّفِ فيها.
2ـ حقُّ العَبْد:
هوَ مصالحُهُ، وهو حقٌّ خاصٌّ، والمكلَّفُ صاحبُ القرارِ فيه مُطالَبَةً وإسقاطًا، وذلك مثلُ: الدَّين، والدِّيَّة، وسائرِ الحقُوقِ الماليَّة للأفرادِ.
3ـ ما اجتمعَ فيه الحقَّان وحقُّ الله فيه أغلَب:
مثالُهُ: حدُّ القَذْفِ، فحقُّ الله فيه من جهةِ وقايةِ المجتمعِ من أن تشيعَ فيه الفاحشَةُ، وهذا ضررٌ عامٌّ، وحقُّ العبدِ من جهةِ ما فيه من إظهار عفَّتِهِ وبراءتهِ، والضَّرر العامُّ أغلبُ من الضَّررِ الخاصِّ، فإنَّهُ لو غُلِّب حقُّ العبد في ذلك فأسقَطهُ لكونِهِ حرَّ التَّصرُّفِ في حقِّه لما وقعَ الزَّجرُ للقَذَفِه بما يرْدَعَهُم عن إشاعَةِ الفاحشَة في الَّذين آمنُوا، فكأنَّ تلك الإشاعَةَ وإنْ وقَعَتْ لشخصٍ بعينِهِ فإنَّهَا متعدِّيَةٌ إلى غيرهِ من أفرادِ المجتمعِ لعُمومِ الفَسادِ بهَا، وهذا مرجِّحٌ للحقِّ العامِّ، فلهَذا لا يملكُ أن يُسقِطَ حَدَّ تالقذْفِ أحدٌ.
4ـ ما اجتمع فيه الحقَّان وحقُّ العبدِ فيه أغلب:
مثالهُ: القصاصُ من القاتلِ العمدِ، فيهِ حقٌّ لله من جهَةِ ما يقعُ به من إشاعَةِ الأمنِ وحفظِ حياةِ النَّاسِ من الاعتداء عليها، كما قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
[البقرة: 179] ، وهذا حقٌّ عامٌّ فهو حقٌّ لله تعالى، وفيه حقٌّ لأولياءِ القتيل من شفاءِ صُدورِهم وإزالَةِ غلِّهم على القاتلِ، فغلَّبتِ الشَّريعةُ حقَّهُم في ذلك على الحقِّ العامِّ، فلما عادَ الأمرُ إلى العبدِ فهوَ حرُّ الاختيارِ في حقِّه، فكانَ لهُ أن يقتصَّ، أو يعفُوَ عن القصاصِ إلى أخذِ الدِّيَةِ، أو يعفُوَ عن القصاصِ والدِّيةِ جميعًا، قال تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 178] .
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
5ـ المحكوم عليه
"تعريفهُ:
هو الشَّخصُ الَّذي تعلَّق به خِطابُ الشَّارعِ، وهوَ المكلَّفُ.
"شرط صحة التكليف:
لا يكونُ الإنسانُ صالحًا للتَّكليف إلَاّ باجتماعِ وصفَينِ فيهِ:
1ـ العقلُ.
2ـ البُلوغُ.
والدَّليلُ عليه قوله صلى الله عليه وسلم: ((رُفع القلمُ عن ثلاثةٍ: عن المجنونِ المغلُوبِ على عقلِهِ حتَّى يبْرَأ، وعن النَّائمِ حتَّى يستيقظَ، وعن الصَّبيِّ حتَّى يحتلِمَ)) [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أحمدُ وأصحابُ السُّنن وغيرُهم عن جماعةٍ من الصَّحابةِ] ، وصحَّ في حديثٍ آخر: ((المعتُوه)) بدلَ ((المجنون المغلوبِ على عقلِهِ)) .
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((أربعةٌ يحْتجُّون يوم القِيامةِ: رجلٌ أصمُّ، ورجلٌ أحمقُ، ورجلٌ ماتَ في الفَترَةِ، فأمَّا الأصمُّ فيقولُ: يا ربِّ، لقد جاءَ الإسلامُ وما أسمعُ شيئًا، وأمَّا الأحمقُ فيقولُ: ربِّ قدْ جاءَ الإسلامُ والصِّبيانُ يَحذفُونَنِي بالبَعرِ، وأمَّا الهرِمُ فيقولُ: ربِّ لقدْ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
جاء الإسلامُ وما أعقلُ، وأمَّا الَّذي مات في الفترةِ فيقولُ: ربِّ ما أتاني لكَ رسولٌ، فيأخذُ مواثيقَهُم لَيُطيعُنَّهُ، فيرسِلُ إليهمْ رسولاً أن ادْخُلوا النَّار، قالَ: فوالَّذي نفسي بيدهِ لو دخلوها كانتْ عليهِمْ بردًا وسلامًا)) [أخرجه أحمدُ وابنُ حبَّانَ وغيرهما بإسنادٍ صحيحٍ من حديثِ الأسودِ بن سريعٍ، ولهُ شواهدٌ قويَّةٌ عن جماعةٍ من الصَّحابةِ] .
فهذا برهانٌ على أنَّ العاجزَ عن فهمِ التَّكاليفِ الشَّرعيَّة لِزَوالِ العقلِ أو نقصِهِ أو عدَمِ بُلوغِ الحُلمِ لا يصلُحُ أن يكونَ مكلَّفًا.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)