بلغَهُ ذلك القولُ، ثمَّ لو بلغَهُ فجائزٌ أن يكونَ منعهُ مانعٌ من الاعتراضِ، ربَّما كانَ الهيبةَ للقائلِ، أو الخوفَ، أو لأنَّه يرى أنَّه لا إنكارَ في موضعِ اجتهادٍ، كما يجوزُ أن يكونَ أنكرَهُ ولم يبْلُغْنا، أو لغيرِ ذلكَ.
2ـ حجَّةٌ قطعيَّةٌ، وهو قولُ بعضِ الحنفيَّةِ والحنابلَةِ.
واحتجُّوا بأنَّ السُّكوتَ في الأصلِ علامةٌ على الموافقةِ والرِّضا.
3ـ حجَّةٌ ظنيَّةٌ، وهو قولٌ للشَّافعيِّ وبعضِ الشَّافعيَّةِ والحنفيَّةِ.
واستدلُّوا بأنَّ الاحتمالَ الوارِدِ على رضَا المجتهدِ وعدَمِ رِضاهُ يجعلُ الجزمَ بموافقتِهِ ظنيًّا، لكنْ لمَّا كان الأصلُ أنَّ العالمَ لا يسكتُ في الموضعِ الَّذي يقتضي البيانَ، دلَّ ذلكَ على أنَّهُ موافقٌ على ذلكَ القولِ الَّذي بلغَهُ.
وطائفةٌ من الفقهاءِ تخصُّ هذا النَّوعَ من الإجماعِ بالصَّحابةِ دونَ من بعدَهُم، لأنَّ منصبَهُم الشَّريفَ لا يقتضي السُّكوتَ في موضعِ المخالفَةِ، وسيأتي في (مذهب الصَّحابيِّ) بيانُ درجتهِ.
وفي أيِّ هذه المذاهبِ الصَّوابُ؟
إنَّ معرفَةَ واقعِ استعمالِ هذا النَّوعِ من الإجماعِ يُساعدُ على إدراكِ المذهب الصَّحيح من هذه المذاهبِ، هذا الإجماعُ هو الَّذي يُدَّعى في كثيرٍ من المسائلِ الشَّرعيَّةِ، وهو مبنيٌّ على أنَّ الفقيهَ تتبَّع المنقولَ عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)
الصَّحابةِ والتَّابعينَ مثلاً من الآثارِ والأخبارِ في تلكَ المسألةِ، فوجَدَ جميع تلكَ الآثارِ قدِ اتَّفقت على حُكمٍ واحدٍ ولم يجِدْ عن أحدٍ من أهلِ زمانِهِم من نُقل عنهُ خلافُهم، فأجرى ذلك منهُم على أنَّهُ إجماعٌ، وإنَّما هو في الحقيقةِ هذا النَّوعُ من الإجماعٍ (الإجماعُ السُّكوتي) ، أمَّا أن ينتشرَ القولُ ويبلُغ جيعَ المجتهدينَ فلا تظهرُ منهُم لهُ مخالفَةٌ فهذا يستحيلُ أن توجدَ مسألةٌ واحدَةٌ توفَّر فيها هذا الوصفُ، والشَّافعيُّ رحمه الله لهُ من الكلامِ ما يدلُّ على أنَّ القول بهذا على هذهِ الصُّورةِ لم يُعرفُ إلَاّ في زمانِهِ.
فهذا الإجماعُ السُّكوتِيُّ ما هوَ في الحقيقةِ إلَاّ رأيُ جماعةٍ من الفقهاءِ محصورَةٍ بعددٍ يسيرٍ محدودٍ، وما كانَ رأيًا يُحكَى عن العشْرَةِ والعِشرينَ لا يصلحُ أن يكونَ دينًا يُحجرُ على الأمَّةِ بعدَهُم خلافُهُ، ويكونَ حُجَّةً مُلزمَةً للنَّاسِ إلى يومِ القيامَةِ، على أنَّ كثيرًا من تلك الإجماعاتِ يُدَّعلا، فيطَّلعُ من لم يدَّعيهِ على قولٍ مخالفٍ له صادرٍ من أهلِ عصرِ ذلكَ الإجماع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)
الدليل الرابع
شرع من قبلنا
* تعريفه:
هوَالأحكامُ الَّتي شرعهَا الله تعالى للأُمَمِ السَّابقةِ على ألسنةِ رُسُلهِ إليهمْ، كشرائعِ أهل الكتابِ.
* أنواعه:
1ـ أحكامٌ شُرعتْ للأُممِ قبلَنا، وجاءَ الكتابُ أو السُّنَّةُ بجعْلهَا تشريعًا لهذه الأمَّةِ.
كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ} [البقرة: 183] .
فهذا النَّوعُ حجَّةٌ دونَ شكٍّ فقد كُلِّف به المسلمونَ بنصِّ الكتابِ أو السُّنَّةِ.
2ـ أحكامٌ شُرعتْ للأممِ قبلنَا، وجاء الكتابُ أو السُّنَّةُ ببيانِ كونهَا منسوخَةً لم تُشرعْ لهذه الأمَّةِ.
كما في قوله تعالى في تحيَّةِ أهلِ يُوسف لهُ {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} [يوسف: 100] ، فهذا منسوخٌ في شريعتنا لهذه الأمَّةِ، ومن الدَّليلِ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)
على نسخِهِ قولهُ صلى الله عليه وسلم: ((ما ينبغي لأحدٍ أن يسجدَ لأحدٍ، ولو كانَ أحدٌ ينبغي أن يسجدَ لأحدٍ لأمرتُ المرأةُ أن تسجدَ لزوجِها، لما عظَّم الله عليها من حقِّه)) [حديثٌ صحيحٌ رواهُ التِّرمذيُّ وغيرُهُ] .
وكثيرٌ من التَّشديدِ في الشَّرائع كان على من قبلَنا من الأممِ وضعَهُ الله تعالى عن هذه الأمَّةِ تخفيفًا منه ورحمةً، فاستجاب قول المؤمنين: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} [البقرة: 286] ، وقال في صفةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157] ، يريدُ بذلك أهلِ الكتابِ.
فهذا النَّوع ليس بتشريعٍ لنا بلا خلافٍ.
3ـ أحكامٌ عن الأممِ قبلنَا لم يرِدْ لها ذكرٌ في كتابٍ ولا سنَّةٍ، كالَّذي يوجدُ عند أهل الكتابِ ممَّا يرونهُ دينًا من الشَّرائعِ الَّتي لا تُعلمُ إلَاّ من طريقهِم ولم تُبطلها شريعتُنا.
فهذا النَّوعُ ليسَ بتشريعٍ لنا بلا خلافٍ، والأمرُ موقوفٌ في تصديقه أن يكونَ من شرائعِ الله أو ليسَ منها، كما في حديث أبي هريرَةَ رضي الله عنه قال: كان أهلُ الكتابِ يقرأُون التَّوراةَ بالعبرانيَّةِ ويفسِّرونها بالعربيَّةِ لأهل الإسلامِ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تُصدِّقوا أهل الكتابِ ولا تُكذِّبوهم، وقولو: {آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} [البقرة: 136] )) ، وعن عبد الله بن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: كيفَ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)
تسألونَ أهل الكتابِ عن شيءٍ وكتابُكمْ الَّذي أُنزلَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدثُ، تقرأونهُ محضًا لم يُشبْ، وقدْ حدَّثكمْ أنَّ أهلَ الكتابِ بدَّلوا كتاب الله وغيَّروهُ وكتبُوا بأيديهِم الكتابَ، وقالوا: هو من عندالله ليشتروا به ثمنًا قليلاً؟ ألا ينهاكمْ ما جاءَكُم من العلمِ عن مسألتِهمْ لا والله، ما رأينا منهُم رجلاً يسألُكم عن الَّذي أُنزلَ عليكمْ [أخرجهما البُخاريُّ] .
4ـ أحكامٌ جاءتْ بها نصُوصُ الكتابِ والسُّنَّةِ، ولم يأتِ دليلٌ على اعتبارِ هذا الحكمِ شرعًا لنا أو ليسَ بشرعٍ كذلكَ.
فهذا النَّوع هو موضعُ اختلافِ العلماءِ: هلْ يُعدُّ من أدلَّةِ التَّشريعِ، أو ليسَ منهَا؟ على مذهبينِ:
[1] هو شرعٌ لنا، وهذا مذهبُ الجمهورِ: الحنفيَّةِ والمالكيَّةِ وأكثرِ الشَّافعيَّةِ والأصحُّ عن أحمدَ بن حنبلٍ وكثيرٍ من أصحابهِ.
واستدلُّوا بقوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى} [الشورى: 13] ، والدِّينُ شاملٌ للأصولِ والفُروعِ، وبقوله تعالى بعدَ ذِكرِ المرسلينَ يخاطبُ نبيَّهُ محمَّدًا صلى الله عليه وسلم: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90] ، فأمرهُ بالاقتداءِ بهمْ، والأمرُ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أمرٌ لأمَّتِه ما لم يرِدِ التَّخصيصُ بهِ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)
وثبتَ عن العوَّام بن حوشبٍ قالَ: سألتُ مجاهدًا عن سجْدَةِ {ص} ؟ فقالَ: سألتُ ابن عباسٍ: من أين سَجَدْتَ؟ فقال: أوما تقرأُ: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ} [الأنعام: 84] ، {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90] ، فكان داودُ ممَّن أُمرَ نيُّكم صلى الله عليه وسلم أن يقتدِي بهِ، فسجَدَها داوُدُ عليه السلام فسجدَها رسول الله صلى الله عليه وسلم: [أخرجه البخاريُّ] .
وقدِ استدلَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بالشَّيءِ من ذلكَ، فعنْ أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه قالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا رقدَ أحدُكُم عن الصَّلاةِ أو غفلَ عنْها، فليُصلِّها إذا ذكرهَا، فإنَّ الله يقولُ: [طه: 14] )) [متفق عليه، واللفظُ لمسلمٍ، والبُخاريُّ نحوهُ] ، فهذا قولُ اله شريعةً لموسى عيه السَّلامُ.
[2] ليسَ شرعًا لنَا، وهذا المذهبُ قولٌ للشَّافعيَّةِ والحنابلَةِ.
واستدلُّوا له بقوله تعالى: [المائدة:48] .
والرَّاجحُ المذهبُ الأوَّلُ، وأمَّا دليلُ المذهبِ الثَّاني فلا يُعارضُ أدلَّةَ المذهبِ الأوَّلِ، فإنَّ الله تعالى أنزلَ على كلِّ رسولٍ من الشَّرائعِ قانونًا لا يشبَهُ كلِّ وجهٍ ما بعثَ به الآخرن يكونُ في شريعةِ هذا ما ينسخُ شيئًا من شريةِ هذا ويزيدُ عيها ما لم تأْتِ بها، أمَّا أن تكونَ كلُّ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)
شريعةٍ تستقلُّ عن الأخرى من كلِّ وجهٍ فهذا ليسَ بصوابٍ، كما يمكنُ أن يدُلَّ عليه النَّوعُ الأوَّلُ والثَّاني من الأحكامِ.
ويزيدُ في تأكيدِ صحَّةِ المذهبِ الأوَّلِ: أنَّ الحُكم حينَ يأتي عن شرعِ من قبْلنَا في الكتابِ والسُّنَّةِ إبطالٌ لذلكَ الحكمِ، فهو دليلٌ على إقرارِه شرعًا لنا.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)
الدليل الخامس
القياس
*تعريفه:
لغةً: يُقالُ: (قاس الشَّيءَ بغيرهِ وعلى غيرهِ) أيْ: قدَّره على مثالهِ.
واصطلاحًا: إلحاقُ واقعةٍ لا نصَّ على حُكمهَا بواقعةٍ وردَ النَّصُّ بحُكمهَا في الحُكمِ لاشتراكِهما في علَّةِ ذلك الحُكمِ.
وحقيقةُ القِياسِ:
أنَّه إبانةٌ عن الحكمِ الشَّرعيِّ الَّذي دلَّ عليه النَّصُّ وإظهارٌ له من قِبَلِ المجتهدِ بضربٍ من التَّشبيهِ لغير المنصوصِ بالمنصوصِ، وليس هو إثبات حُكمٍ شرعيٍّ من غير أصلٍ، بل الحُكمُ موجودٌ إلَاّ أنه ليس بظاهرِ، فيكشفُ عنهُ المجتهدُ بطريقِ القياسِ، لذا فإنَّه مسلكٌ اجتهاديٌّ في حدودِ نصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ بضوابطِ معيَّنةٍ، كما سيأتي.
مثالهُ: قال الله عزَّوجلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9] .
فهذه الآيةُ دلَّت على منعِ البيعِ بعدَ سماعِ النِّداءِ، وعلَّةُ المنعِ ما يقعُ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)
به من التَّعويقِ عن حضُورِ الجمُعَةِ أو خوفِ تفويتهَا، وهذا المعنى ذاتُهُ يوجدُ في غيرِ البيعِ من العقُودِ، كالإجارةِ والوِكالةِ، وهيَ صُورٌ لم يرِدِ النَّصُّ بالمنعِ منها، لكنَّ فيها نفسَ المعنى الَّذي لأجلهِ مُنعَ البيعُ، فأُلحقتْ به في حُكمِ المنعِ.
أركان القياس
"من خلالِ تعريفِ القياسِ يُلاحظُ أنَّه لا بدَّ له من توفُّرِ أربعةِ أركانٍ هيَ:
1ـ الأصل
"وهو (المَقيسُ عليهِ) ، وهوَ الَّذي وردَ النَّصُّ بحُكمهِ، كالبيعِ في المثالِ الماضي.
ولهُ شُروطٌ تُعرفُ من خلالِ (شُروطِ حُكمهِ) الآتيةِ.
2ـ الفرع
"وهوَ (المَقيسُ) ، وهو الواقعةُ الَّتي لم يرِدْ نصٌّ بحُكمهَا، ويُرادُ إلحاقُها بالأصلِ، كالإجارةِ في المثالِ السَّابقِ.
ومن شرْطِهِ:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)
أن لا يُباينَ موضُوعُهُ موضوعَ الأصلِ.
وذلكَ كقياسِ (البيعِ) على (النكاحِ) ، فإنَّه لا يصحُّ لاختلافِ موضوعِهمَا، فإنَّ البيعَ مبنيٌّ على المُكايسَةِ والمُشاحَّةِ، والنِّكاحَ مبنيٌّ على المُكارمَةِ والمُساهَلَةِ.
3ـ حكم الأصل
* وهو الحُكمُ الشَّرعيُّ المنصوصُ عليهِ، ويُرادُ تعديتُهُ للفرْعِ، وهوَ في المثالِ المذكُورِ آنفًا حُرْمةُ البيعِ بعدَ نِداءِ الجُمُعَةِ.
ولا تصحُّ تعديتُه إلى الفرعِ إلَاّ بشُروطٍ، هيَ:
[1] أن يكونَ حُكمًا شرعيًّا عمليًّا ثبتَ بالنَّصِّ.
فيخرُجُ بذلكَ نوعانِ:
(1) ما ثبتَ حُكمُهُ بطريقِ (البَراءَةِ الأصليَّة) وسيأتي بيانُها في (دليل الاستِصْحابِ) ، فإنَّها مبنيَّةٌ على عدَمِ وُرودِ الشَّرعِ بحكمٍ ناقلٍ عن الأصلِ، فالحُكمُ الشَّرعيُّ لم يثبتْ بالتَّنصيصِ عليهِ، إنَّما ثبتَ بدليلِ العدَمِ.
(2) العقائِدُ وقضايا السُّلوكِ وتهذيبِ النَّفسِ كالأمورِ المتعلِّقةِ بأعمالِ القُلوبِ من التَّوكُّلِ والإنابَةِ والخوفِ والرَّجاءِ والحُبِّ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)
والبُغضِ ونحوِ ذلكَ، فهذه الأحكامُ لا يدخُلُهَا القياسُ لأنَّها ليسَتْ من جُملَةِ الأحكامِ العمليَّةِ المندرجَةِ تحتَ (باب الفِقه) .
[2] أن يكونَ حُكمًا معقولَ المعنَى.
أيْ يُمكنُ أن تُركَ علَّةُ تشريعِهِ، مثلُ: تحريمِ الخمرِ، أو الرِّبا، ومنعِ القاتلِ من الإرثِ ممَّن قتلَ.
وبهذا الشَّرطِ تخرُجُ الأحكامُ التَّعبُّديَّةُ المحضَةُ فيمتنِعُ فيها القياسُ وإنْ كانتْ أحكامًا عمليَّةً، وفي هذا يُقالُ: (لا قياسَ في العبادَاتِ) ، لأنَّها استأثرَ الله تعالى بعلمِ عِلَلها، مثلُ عددِ الصَّلواتِ وركعَاتِهَا، وكمْ يُجلَدُ الزَّاني والقاذِفُ، والقَاعِدَةُ العامَّةُ في ذلكَ: (الأصلُ في العبادَاتِ التَّعبُّدُ دونَ الالْتِفاتِ إلى المعاني، والأصلُ في العادَاتِ التَّعليلُ) .
وقدْ سلَكَ الشَّافعيُّ مَسْلكَ التَّضْييقِ في تعليلِ الأحكامِ، حتَّى ذهبَ إلى أنَّ (الأصلَ في جميعِ الأحكامِ التَّعبُّدُ) ، بخلافِ أبي حنيفةَ، فإنَّ القاعدَةَ عندهُ (الأصلٌ في الأحكامِ التَّعليلُ) ، وبنى كلٌّ على أصلهِ مسائلَ في الفقهِ، فالشَّافعيُّ لا يرى غير الماءِ من السَّوائلِ يقومُ مقامَهُ ف يالتَّطهيرِ من النَّجاسَةِ لأنَّ الحُكمَ عندهُ فيه تعبُّدِيٌّ لا يُعقلُ معناهُ، بخلافِ الحنفيَّة، فعندَهُم صحَّةُ التطهُّرِ بكلِّ مائعٍ طاهرٍ يُزيلُ عينَ النَّجاسَةِ، لأنَّ العلَّةَ في ذلكَ إزالةُ النَّجاسَة وهي حاصلَةٌ بهِ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)
والفصْلُ في هذهِ القضيَّةِ يعودُ إلى تحديدِ ما هوَ عبادَةٌ محضَةٌ، وما يُعقلُ معناهُ وتُدركُ علَّتهُ، وهذا ممَّا يقعُ فيه الاختلافُ.
[3] أن لا يكونَ حُكمًا مخْتصًّا بالأصلِ.
فاختصَاصُهُ بالأصلِ يمنعُ تعديتَهُ للفرعِ، كزيادَتِهِ صلى الله عليه وسلم في النِّكاحِ على أربعِ نسوةٍ، وتحريمِ نكاحِ نسائِهِ من بعدِهِ، ونحوِ قصَّةِ أبي بُردَةَ بنِ نيارٍ في الأضْحيَة حين قالَ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: عِندِي جَذْعةٌ خيرٌ من مُسنَّة، فقالَ: ((اذْبَحْهَا، ولنْ تًَجْزِيَ عن أحدٍ بعْدَكَ)) [متفقٌ عليه] .
[4] أن لا يكونَ حُكمًا منسوخًا.
وهذا ظاهرٌ.
تنبيه: اشترطَ بعضُ العُلماءِ هُنا شَرطًا خامسًا، هوَ: أن لا يكونَ الأصلُ معدُولاً به عن القياسِ، ويُعبِّرُ البعضُ عن ذلكَ بقولِهِ: (علَى خلافِ القياسِ) .
وهذا في التَّحقيقِ شرطٌ فاسدٌ؛ لأنَّ صحَّةَ القياسِ إنَّما تُعرفُ بالنَّصِّ، فإذا ظُنَّ مجيءُ نصٍّ صحيحٍ على خلافِ القياسِ فذلكَ دليلٌ على فسادِ ذلكَ القياسِ، ولا يصْلُحُ نصبُ التَّعارضِ بين قياسٍ صحيحٍ ونصٍّ صحيحٍ لأنَّهُ غيرُ واردٍ، وإنِ ادُّعيَ وُجودُهُ فذلكَ في الذِّهنِ لا في نفسِ الأمرِ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)
4ـ العلة
تعريفها:
هيَ الوصفُ الَّذي بُنيَ عليهِ حُكْمُ (الأصلِ) وبناءً على وجودِهِ في (الفرْعِ) يُسوَّى بـ (الأصلِ) في حُكمِهِ، وهي في المثالِ المتقدِّمِ التَّعويقُ عن حُضُورِ الجُمُعَةِ أو خوفُ تفويتهَا.
و (العلَّةُ) أعظمُ أركانِ القيَاسِ.
"الفرق بينها وبين الحكمة:
جميعُ أحكامِ شريعةِ الإسلامِ إنَّما شُرعتْ لتحقيقِ مصالحِ العبادِ في المعاشِ والمعادِ، فهيَ إمَّا لِجلبِ منْفَعَةٍ أو دفعِ مضرَّةٍ أو رفعِ حرجٍ.
وهذه المصالحُ هي مقاصدُ التَّشريعِ، وهي الحكمةُ منهُ، والقُرآنُ والسُّنَّةُ يُنبِّهانِ المُكلَّفين في كلِّ حكمٍ تشريعيٍّ على هذه المقاصِدِ.
فكتبَ الله القصاصَ في القتلَى حِفْظًا لحياةِ النَّاسِ، وحرَّم السَّرقَةَ وأوجبَ الحدَّ فيها حفظًا لأموالِ النَّاسِ، وحرَّم الزِّنا وقذْفَ المُحصنَاتِ الغافلاتِ حفظًا لأنسابِ النَّاسِ وأعراضِهِمْ، وحرَّم شُربَ الخمرِ وشدَّدَ فيها غايةَ التَّشديدِ حفظًا لعُقولِ النَّاسِ، كما جعلَ من مقاصِدِ العبادَاتِ ربْطَ العبادِ بهِ سُبحانَهُ وإشعارَهُم بالافتِقَارِ الدَّائمِ إليهِ ليُراقِبُوهُ ويخافُوهُ فيُحقِّقُوا العُبودِيَّةَ لهُ كما أرادَ منهُم ليَنالُوا بذلكَ رضَاهُ عنهُمْ في الدَّارينِ، كما أذِنَ لهُم فيما أذِنَ سُبحانَهُ رفعًا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)
للحرجِ عنهُم، فإنَّ التَّكليفَ قدْ لا يُطاقُ، فخفَّفَ عنهُمْ، كما قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28] ، فأباحَ لهُم المحرَّم عندَ الضَّرُورةِ، وأسقطَ عنهُم بعضَ ما افترَضَ عليهِم عندَ العجزِ أو ورودِ المشقَّة، فخفَّف في الصَّومِ عن المسافرِ والمريضِ والحاملِ والمُرضِعِ.
هذه المعاني وشِبْهُهَا هي حكمةُ التَّشريعِ، وقد يكونُ للتَّشريعِ الواحدِ حِكمٌ كثيرةٌ، فتأمَّلْ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 90ـ 91] .
لكنَّ الشَّريعةَ لم تُعلِّقِ الأحكامَ بحِكَمِهَا، فإذا وُجِدَتْ وُجِدَ الحُكمُ وإنِ انتَفَتْ انتفَى، وذلكَ لأسبابٍ، منهَا:
1ـ أنَّ الحكمَةَ خفيَّةٌ يعسُرُ التَّحقُّقُ من وجودِهَا، مثلُ: حكمَةِ إباحةِ البيعِ، فإنَّها رفعُ الحرَجِ عن المكلَّفينَ بسدِّ حاجَاتِهِمُ المشروعَةِ، لكنَّ (الحَاجَة) أمرٌ خفيٌّ، فلذَا لم يُعلَّقْ بها حُكمُ إباحَةِ البيعِ، إنَّما نُظرَ في أمرٍ آخرَ ظاهرٍ مُنضَبِطٍ بُنيت الإباحَةُ عليهِ، فَوُجِدَ (الإيجابُ والقَبُولُ) بينَ المتبايِعينِ، لأنَّ ذلكَ دليلُ التَّراضِي بينهمَا، والتَّراضِي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)
علامَةٌ على وجُودِ الحَاجَّةِ لكلٍّ منهما، فعلِّقَ به الحُكمُ.
2ـ أنَّها غيرُ منضبِطَةٍ، فهيَ تختلفُ باختلافِ المكلَّفينَ وأحوالِهمْ، مثلُ: الرُّخصَةِ للمريضِ والمُسافِرِ بالفِطرِ في رمضانَ، فإنَّ الحكمَةَ (دفعُ المشقَّةِ) ، لكنْ قدْ لا يشقُّ عليهمَا الصَّومُ، وقدْ يشقُّ على غيرهِمَا، فلا يصلُحُ أن يكونَ (دفعُ المشقَّة) وصفًا صالحًا لتعليقِ الحُكمِ عليهِ لهذا الاضْطِرَابِ في وجودِهِ، فنُظرَ إلى الوصفِ المُنضبِطِ فوُجدَ (المرضُ والسَّفرُ) فعلِّقَ بهِ الحُكمُ.
فالحاصلُ في الفَرْقِ بينَ (الحِكمَة) و (العلَّة) أنَّ:
الحكمَةَ هي: المصلحَةُ الَّتي قصدَ الشَّارعُ تحقيقَهَا بتشريعِهِ الحُكمَ.
والعلَّةَ هي: الوصفُ الظَّاهرُ المُنضبِطُ الَّذي بُنيَ عليه الحُكمُ، ورُبطَ بهِ وجودًا وعدمًا.
والعلَّةُ مظِنَّةٌ لتحقيقِ الحِكمَةِ.
تُسمَّى (الحكمَةُ) : المِئَنَّة، كمَا تُسمَّى (العلَّةُ) : المَنَاط، والسَّببُ، والأمارَة.
* شروطها:
لا تصلُحُ (العلَّةُ) للقياسِ إلَاّ بأنْ تجمعَ الشُّرُوطَ التّاليةَ:
1ـ أن تكونَ وصفًا ظاهرًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)
أيْ: يُمكنُ التَّحقُّقُ من وجودِهِ في كلٍّ من (الأصلِ) و (الفرعِ) بعلامةٍ ظاهرَةٍ.
مثالُه: (الإسكارُ) فإنَّه علَّةٌ يمكنُ التَّحقُّقُ من وجودِها في الخمرِ، كما يمكنُ التَّحقُّق من وجودِها في مطعومٍ مسكرٍ.
2ـ أن تكونَ وصفًا مُنضبطًا.
أيْ: له حقيقةٌ مُحدَّدَةٌ مُعيَّنةٌ لا تختلفُ باختلافِ الأشخاصِ والأحوالِ.
مثالهُ: (القتلُ) مانعٌ للقاتلِ من الإرثِ ممَّن قتلَ، وهو (علَّةُ) حرمَانِه حيثُ أرادَ استِعْجالَ الميراثِ، و (القتلُ) وصفٌ منضبطٌ لا يختلفُ باختلافِ القاتلِ والمقتولِ، فلو وُجِدَتْ هذه العلَّةُ في الموصِي والموصى لهُ، فقتلَ الموصَى لهُ الموصي كانَ (القتلُ) مانعًا لهُ من الوصيَّةِ بالقياسِ.
وهذا بخلافِ تعليلِ القصرِ في السَّفرِ بـ (المشقَّة) ، فإنَّ (المشقَّةَ) كما ت قدَّم وصفٌ غيرُ منضبِطٍ، لأنَّها تختلفُ باختلافِ الأشخاصِ والأحوالِ، ولذَا عُدِلَ عنها للتَّعليلِ بسببِهَا وهوَ (السَّفر) ، لأنَّهُ وُجدَ الحُكمُ دائرًا معهُ وجودًا وعدمًا، ولا يختلفُ باختلافِ الأشخاصِ أو الأحوالِ.
3ـ أن تكونَ وصفًا مُناسبًا للحُكمِ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)
أي: أنَّ ربطَ الحُكمِ بتلكَ العلَّةِ وجودًا وعدَمًا من شأنِهِ أن يُحقِّقَ ما قصَدَهُ الشَّارعُ بتشريعِ الحُكمِ من جلْبِ نفعٍ أو دفعِ ضرَرٍ، لأنَّ (الحِكمَةَ) هي الباعثُ الحقيقيُّ على تشريعِ الحُكمِ.
ويُعرِّفُ العلماءُ (المُناسبَ) بأنَّهُ: ما يُفضي إلى ما يُوافقُ الإنسانَ تحصيلاً بجلْبِ المنفعَةِ، وإبقاءً بدفعِ المضرَّةِ.
مثالهُ: القتلُ العمدُ العُدوانُ مُناسبٌ لإيجابِ القِصاصِ، لأنَّ في بناءِ القصاصِ عليهِ حِفظُ حياةِ النَّاسِ، والسَّرقَةُ مناسبَةٌ لقطعِ يدِ السَّارقِ، لأنَّ في ذلكَ حفظُ أموالِ النَّاسِ، والسَّفرُ مناسبٌ لقصرِ الصَّلاةِ لأنَّهُ مظِنَّةٌُ المشقَّةِ والحرَجِ، وقدْ قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((السَّفرُ قِطْعَةٌ من العذابِ)) [متفقٌ عليه] .
وعلى هذا فإنَّ الأوصافَ (الطَّرديَّة) وهي الَّتي لا مُناسبَةَ بينَهَا وبين الحُكمِ؛ لا تصلُحُ أن تكونَ أوصافًا مُناسبَةً للتعليلِ بها، مثلُ كونِ الخمرِ أحمرَ، وكونَ القاتلِ أسودَ أو طويلاً أو رجلاً، وكونِ السَّارقِ غنيًّا والمسروقِ منهُ فقيرًا، وكونِ المواقعِ زوجتَهُ في نهارِ رمضانَ أعربيًّا، وهكذا سائرُ الأوصافِ الاتِّفاقيَّة.
4ـ أن تكونَ وصفًا متعدِّيًا.
أيْ: لا تكونُ العلَّةُ قاصرَةً على (حُكمِ الأصلِ) ، بلْ يمكنُ تعديتُها إلى الفرْعِ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)
مثالُ العلَّةِ القاصرةِ: (السَّفرُ) و (المرض) علَّتانِ لإباحَةِ الفطرِ في رمضانَ للمُسافرِ والمريض، ولا توجدانِ إلَاّ في مُسافرٍ أو مريضٍ، فلا تتعدَّاهما إلى أصحابِ المِهنِ الشَّاقةِ مثلاً، لأنَّهم لا يوجدُ فيهِم علَّةُ (السَّفرِ) أو (المرضِ) .
ومن العللِ القاصرَةِ (الوِقاعُ في نهارِ رمضانَ) لإيجابِ الكفَّارَةِ، بدلالةِ حديثِ أبي هريرَةَ رضي الله عنه قالَ: بينمَا نحنُ جلوسُ عندَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، إذْ جاءَهُ رجلٌ فقالَ: يا رسول الله، هلكتُ، قالَ: ((مَا لكَ؟)) قال: وقعتُ على امرأتِي وأنا صائمٌ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هلْ تجدُ رقبةً تُعتِقُهَا؟)) قال: لا، قال: ((فهلْ تستطيعُ أن تصومَ شَهرينِ مُتتابِعينِ؟)) قالَ لَا، فقال: ((فهلْ تجدُ إطعامَ ستيِّنَ مسكينًا؟)) قال: لَا، قالَ فمكثَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فبينَا نحنُ على ذلكَ أُتِي النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بعرَقٍ فيه تمرٌ، والعرقُ: المِكتلَُ، قالَ: ((أينَ السَّائلُ؟)) فقالَ: أنَا، قالَ: ((خُذ هذا فتصدَّقْ بهِ)) ، فقالَ الرَّجلُ: أعلَى أفْقرَ منِّي يا رسول الله؟ فواللهِ ما بينَ لابتَيْهَا (يُريدُ الحرَّتينِ) أهلُ بيتٍ أفقرُ من أهلِ بيْتِي، فضَحكَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم حتَّى بدَتْ أنيابُهُ، ثمَّ قالَ: ((أطْعمُهُ أهلكَ)) [متفقٌ عليه] .
فعلَّقَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الكفَّارَةَ على موردِ السَّببِ، وهو الوِقاعُ، فلمْ يصحَّ تعديَّةُ الكفَّارِ إلى الإفطارِ بالأكلِ والشُّربِ، هذا عندَ الشّافعيَّةِ والحنابلَة، خلافًا للحنفيَّةِ والمالكيَّةِ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)
5ـ أن لا تكونَ وصفًا مُلغًى.
أيْ: ألغَتِ الشَّريعةُ اعتبارهُ وصفًا صالحًا لتعليقِ الحُكمِ عليهِ.
مثلُ: اعتبارِ اشتراكِ الذَّكرِ والأنثَى في البُنُوَّةِ وصفًا مُناسبًا للحُكمِ بالتَّسوية بنيهمَا في الميراثِ، فهذا وصفٌ ألغى الشَّارعُ اعتبارَهُ، كما قال تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11] .
* مسالك العلة:
مسالكُ العلَّةِ: الطُّرقُ الَّتي يُتوصَّلُ بها إلى معرفتِهَا في (الأصلِ) .
وهي على التَّحقيقِ طريقَانِ:
1ـ طريقُ النَّصِّ:
قدْ يدلُّ (النَّصُّ) من الكتابِ والسُّنَّةِ على (علَّة الحكمِ) صراحَةً أو إشارَةً، وقدْ تكونُ صراحتَهُ قطعيَّةً أو ظنِّيَّةً، فهذه ثلاثَةٌ أنواعٍ:
[1] الدلالة الصَّريحةُ القطعيَّةُ، مثالُهَا:
(1) قولهُ تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أدعيائهم إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا} [الأحزاب: 37] .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)
(2) قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّما جُعل الاستِئذأنُ من أجلِ البَصرِ) [متَّفقٌ عليه عن سهلِ بن سعدٍ] .
فقولهُ: {لِكَيْ لَا} ومن ((أجلِ)) لا يحتملُ غيرَ التَّعليلِ.
[2] الدَّلالةُ الصَّريحةُ غيرُ القطعيَّةِ، مثالُهَا:
(1) قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78] ، وقوله عزَّوجلَّ: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] .
(2) وقوله عزَّوجلَّ: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا} [النساء: 160] ، وقوله عزَّوجلّ: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ} [الأنعام: 146] .
(3) وعن أبي قتادَةَ رضي الله عنه قال: إنَّ رسو الله صلى الله عليه وسلم قال ـ يعني في الهرَّة ـ: ((إنَّها ليستْ بنجسٍ، إنَّها من الطَّوافين عليكمْ والطَّوافَّاتِ)) [حديثٌ صحيحٌ أخرجهُ أصحابُ السُّنن وغيرُهُم] ، وقولهُ صلى الله عليه وسلم في المُحرِم الَّذي وقصَتْهُ دابَّتُهُ: ((ولا تُخَمِّروا رأسَهُ فإنَّهُ يُبعثُ يومَ القيامَةِ مُلبيًّا)) [متفقٌ عليه من حديثِ ابنِ عبَّاسٍ] .
فالدّلالة على العليَّةِ في هذه النُّصوصِ ظنيَّةٌ، وذلكَ في التَّعليلِ بـ (الّلامِ، والباءِ، وإنَّ) ، فإنَّ إفادَةَ ذلك التَّعليلِ وإن كانَ راجحًا هُنا إلَاّ أنَّه ليسَ دائمًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 184)