صارَ بمنزلَةِ الآلةِ، والقاتلُ حقيقةً من ألجأ إلى القَتْلِ.
وما اتَّصلَ بحقُوقِ العبادِ غيرُ القتلِ، كإتلافِ أموالِهِم، فالضَّمانُ فيه على (المكرِهِ) الَّذي حملَ غيرُهُ على الفعلِ، لا على (المكرَه) المدفُوعِ إلى الفعلِ، وهيَ مظلمةٌ ثابتَةٌ في ذمَّتِهِ.
ومن الأدلَّة الَّتي أبطِلَتْ بها آثارُ التَّصرُّفاتِ لعلَّةِ الإكراهِ، قولهُ صلى الله عليه وسلم: ((لا طلاقَ ولَا عتاقَ في إغلاقٍ)) [حديثٌ حسنٌ رواهُ أحمدُ وغيرُهُ] ، و (الإغلاقُ) الإكراهُ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
أدلة الأحكام
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
تمهيد
الأدلة نوعان:
1ـ نقليَّة:
وهي: الكِتابُ، والسُّنَّة، والإجماعُ، وشرعُ من قبلَنَا.
وسمِّيتْ (نقليَّةً) لأنَّها راجعةٌ إلى النَّقلِ ليسَ للعقلِ شيءٌ في إثباتهَا.
2ـ عقليَّة:
وهي: القِياسُ، والمصلحَةُ المُرسلَة، والعُرفُ، والاستصحابُ.
وسمِّيتْ (عقليَّةً) لأنَّ مردَّها إلى النَّظرِ والرَّأيِ وإنْ لم تستقلَّ بها العُقُولُ.
والأدلَّةُ هي البيَانُ لشريعَةِ الإسلامِ.
* مرجع جميع الأدلة إلى القرآن:
تقدَّمَ أنَّ العقلَ لا يستقلُّ بإثباتِ الأحكامِ وأنَّ مرجعَ ذلكَ إلى الوَحي، والوحيُ ما أوحى الله تعالى به إلى نبيِّه صلى الله عليه وسلم، وهوَ: الكتابُ والسُّنَّةُ، وإنَّما علمنَا أنَّ السُّنَّةَ وحيٌ بدلالةِ القرآنِ، وأُمرنَا باتِّباعهَا بأمرِ القرآنِ، فعادَ أمرُهَا إلى القُرآنِ، وسائرُ الأدلَّةِ دُونها ما اتَّفق عليه النَّاسُ وما اختلفُوا فيه عائدٌ اعتبارُهُ إلى الكتَابِ والسُّنَّةِ، فالإجماعُ لا يُتصوَّرُ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
كما سيأتي من غيرِ الاستدلالِ له من الكتاب ِوالسُّنَّة، والقياسُ لا يتمُّ إلَاّ بدليلٍ من الكتابِ والسُّنَّةِ، وسائرُ الأدلَّةِ ليسَ فيها مَا يُمكنُ تصحيحُ الاستدلالِ بهِ إلَاّ بالكتابِ والسُّنَّة، وحيثُ كانَ مرجعُ أمرِ السُّنَّةِ إلى القرآنِ، فقد صحَّ أنَّ مرجعَ جميعَ أدلَّةِ الأحكامِ إلى القُرآنِ.
* ترتيبُ الأدلة:
إذا كانَ مرجعُ جميعِ الأدلَّةِ إلى (القرآنِ) فوجبَ ضرورَةً أن يكونَ أوَّلها في الرُّجوعِ إليهِ لاستفادَةِ الأحكامِ، ولمَّا كانتِ (السُّنَّةُ) مبيِّنةً لهُ وهي الدَّليلُ الثَّاني المتَّفقُ على الاستدلالِ به لعودِهَا إلى مسمَّى (الوحي) فهي التَّاليةُ للقرآنِ في ترتيبِ الاستدلالِ، وجديرٌ أن تكُونَ سائرُ الأدلَّةِ في التَّرتيبِ تعودُ إلى قوَّةِ اتِّصالهَا بالوحييْنِ، فـ (الإجماعُ) لا يعودُ تقريرُهُ إلى نظرٍ، وعُمدتُهُ على النَّصِّ فهوَ ألصقُ من سائرِ الأدلَّةِ بالوحيِ، ثمَّ يأتي ترتيبُ الأدلَّةِ النَّظريَّة وعلى رأسهاَ (القياسُ) فهوَ أظهرُهَا من جهَّةِ اتِّصالهِ بالوحيِ.
وقَدْ رُويَ في ترتيبِ الأدلَّةِ حديثٌ مشهورٌ لا يكادُ يخلو منهُ كتابٌ من كُتُبِ الأصولِ، وهو حديثُ معاذِ بنِ جبلٍ رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حينَ بعثَهُ إلى اليمَنِ فقال: ((كيفَ تصنعُ إنْ عرضَ لكَ قضاءٌ؟)) قالَ: أقضي بمَا في كِتابِ الله، قالَ: ((فإنْ لم يَكُنْ في كتابِ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
الله؟)) قالَ: فبسُنَّةِ رسول اللهِ، قالَ: ((فإنْ لم يكُنْ في سنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟)) قال: أجتهدُ رأيي لا آلُوا، قالَ: فضربَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صدرِي ثمَّ قالَ: ((الحمدُلله الَّذي وفَّق رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لما يُرضي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم)) [أخرجهُ أحمدُ وأبوداودَ والتِّرمذيُّ وغيرُهم] .
وهذا الحديثُ لا يُثبتُهُ أئمَّةُ الحديثِ من السَّلفِ، ووافقهمْ على قولهِمْ في ردِّه مُحقِّقُو المُحدِّثينَ ممَّنْ جاءَ بعدَهُم، فمِمَّن ضعَّفهُ وردَّهُ: البُخارِيُّ، والتِّرمذِيُّ، والدَّارقُطنيُّ، وابن حزْمٍ، وابن طاهرٍ المقدسِيُّ، وابنُ الجوزِيُّ، والذَّهبيُّ، وأبوالفضلِ العِراقِيُّ، وابنُ حجرٍ العسقلانِيُّ، وغيرُهُم من أئمَّةِ المحدِّثينَ ونُقَّادِهم، وعلَّةُ الحديثِ تعودُ إلى الاختلافِ فيه وصلاً وإرسالاً، وجهالةِ بعضِ رُوَّاتهِ في موضعينِ، وواحدةٌ من تلك العِللِ تسقُطُ بحديثٍ في الفضائلِ، فكيفَ بحديثٍ في الأصولِ؟!
ولكنَّ ضعْفَ هذا الحديثِ لا يُؤثِّرُ في ترتيبِ الأدلَّةِ المذكورَةِ، فإنَّ أصولَ الشَّريعةِ اقتضتْهُ ودلَّتْ عليهِ، وهوَ المنقولُ عن أصحابِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وذلكَ بتقديمِ الوحي أوَّلاً على الرَّأيِ، والوحيُ كتابٌ وسُنَّةٌ، والسُّنَّةُ تابعةٌ للقُرآنِ من حيثُ أنَّهَا مُبيِّنَةٌ له، ودرجَةُ التَّابعِ لا تصلُحُ أن تكونَ مُساوِيةً للمتبوعِ فضلاً عن أن تسبِقَهُ، كيفَ والقرآنُ كلامُ ربِّ العالمين تبارك وتعالى؟ ويزيدُ هذا تأكيدًا ما سيأتي في التَّفريقِ بينَ طريقَي نقْلِ القُرآنِ ونقلِ السُّنَّة، مِمَّا فيه بلا ريب دلالَةٌ بيِّنَةٌ على تأكيدِ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
هذا التَّقديمِ، أمَّا مرتبةُ النَّظرِ والاستنباطِ فحيثُ لا يكونُ الوحيُ، فهيَ جديرةٌ بالتَّأخُّرِ بعدَهُ بهذا الاعتبارِ.
وهذا التَّرتيبُ من جهَةِ البدْءِ في الاستدلالِ ومنزلَةِ الدَّليلِ، أمَّا مِنْ جهةِ كونِ الدَّليلِ حُجَّةً في إفادَةِ الأحكامِ فالوحيُ: كتابٌ وسُنَّةٌ درجَةٌ واحدَةٌ كما سيأتي بيانُهُ.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
الدليل الأول
القرآن
* تعريفه:
القُرآنُ اسمٌ للكتابِ العربيِّ المُنزَّلِ على رسول الله محمَّد صلى الله عليه وسلم، المُبتدأ بالبَسمَلةِ فسُورةِ الفاتحة، والمُختتمِ بسورةِ النَّاسِ.
* خصائصه:
1ـ كلامُ الله المنزَلُ على رسولهِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
فتخرُجُ الكتُبُ الَّتي أنزلتْ على غيرِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم كالتَّوراةِ والإنجيلِ وزبُورِ داود عليه السلام فليستْ قُرآنًا.
أمَّا الحديثُ الَّذي رواهُ البُخاريُّ وغيرُهُ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((خُفِّفَ على داوُدَ عليه السلام القُرآنُ، فكان يأمُرُ بدوابِّهِ فتُسرجُ، فيقرأُ القرآن قبلَ بأن تُسرجَ دوابُّهُ)) فـ (القُرآنُ) هُنا ليس اسمَ الكتابِ، إنَّما هو مصدرٌ كـ (القراءة) ، وقد روى البخاريُّ هذا الحديثَ في موضعٍ آخرَ من ((الصَّحيحِ)) بلفظِ: ((خُفِّفَ على دَاوُدَ القراءَةُ)) .
2ـ لفظُه ومعناهُ من الله تعالى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
فخرجتْ الأحاديثُ النَّبويَّة فلا تُسمَّى (قرآنًا) ، وخرجَ تفسيرُ القرآنِ فهوَ كلامُ من قالهُ.
3ـ كلُّه عربِيٌّ.
كما قال تعالى: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [فصلت:3] ، وقال: {وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل: 103] .
فخرجت ترجمةُ معانيهِ إلى غيرِ لُغةِ العربِ، فلا تُسمَّى (قُرآنًا) .
4ـ قطعيُّ الوُرودِ إلينا، لتواتُرِ نقلِهِ.
قال الله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19] دلَّ هذا أنَّهُ سيبلُغُ أُناسًا غير الّذينَ سمعوهُ أو أخذُوهُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مُباشرَةً ولهُ من الحُجَّةِ على أولئكَ النَّاسِ بنفسِ مِقدارِ حُجَّتهِ على الَّذين خُوطبُوا بهِ مُشافهَةً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه دليلٌ على بلوغِه لمن سيبلُغُهُ بطريقِ القطعِ لا الظَّنِّ، وواقِعُ نقلِ القُرآنِ مؤكِّدٌ لهذه الحقيقةِ، فقدْ تواترَ نقلُهُ بطريقَي الحِفظِ والكتابَةِ، فأمَّا الحفظُ فلم يزل نقلَةُ القرآنِ جيلاً بعد جيلٍ منذُ زمَنِ الصَّحابةِ الَّذينَ تلقَّوهُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملُونَ القُرآن لا يختلفُون فيهِ، أمَّا الكتابَةُ فهي البُرهانُ الأعظمُ على حفظِ هذا الكتابِ، والله تعالى قال فيه: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} [البقرة: 2] ، ولم يكُنْ ساعتهَا صارَ كتابًا مجموعًا؛ إشارةً إلى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
أنَّه سيكونُ الطَّريقَ إلى وقايَتِهِ وبقائِهِ كما أنزلَهُ الله عزَّوجلَّ، فكُتِبَ بأمرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم واستُنسِخَ بإجماعِ الصَّحابةِ، وبلغتْ نُسخَهُ الآفاقَ ولم تزلْ لا تختلفُ في شيءٍ، وستبقَى لا تختَلِفُ في شيءٍ.
إذًا فلا يُحتاجُ إلى النَّظَرِ في الدَّليلِ من القُرآنِ من جِهَةِ الوُرُودِ، فهوَ أمرٌ قد فُرِغَ منهُ.
وخرجَ بتواتُرِ القُرآن: القراءاتُ غير المتواترةِ، فلا تسَمَّى (قرآنًا) ، إنَّما تكونُ من قبيلِ أحاديثِ الآحادِ إذا ثبتَ إسنادُها إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، أو من قبيلِ تفسيرِ الصَّحابيِّ فيكونُ لهُ حُكمُ مذهبِ الصَّحابيِّ ورأيِهِ، وسيأتِي تحقيقُ القولِ فيهِ.
فالقِرَاءةُ المرويَّةُ عنِ ابنِ مسعودٍ وغيرِهِ في كفَّارةِ اليمينِ: (فصيَامُ ثلاثةِ أيَّامٍ مُتَتَابعاتٍ) لمْ يُنقلُ أنَّهُ سمعَهَا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكونَ لهَا حُكمُ الحديثِ وتُعطى منزلَةَ التَّفسيرِ النَّبويِّ للآيةِ، إنما يقولُ الرُّواةُ: (في قراءةِ عبد الله كذا) ، وهذا يبقى لهُ حُكمُ التَّفسيرِ والرَّأي لا حُكمُ الحديثِ المرفُوعِ، فضلاً عن أن يسَمَّى قُرآنًا.
وهذا مذهبُ الشَّافعيَّةِ، خلافًا للحنفيَّةِ وبعضِ الحنابلَةِ.
5ـ محفوظٌ من تطرُّقِ الزِّيادَةِ والنَّقصِ إليه ومعصومٌ من طُروءِ التَّغييرِ والتَّبديلِ عليهِ.
قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
وقال سُبحانَهُ: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 41ـ 42] ، وقال عزَّوجلَّ: {وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} [الأنعام: 43] ، وقال: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَى} [يونس: 15] ، وعن نافعِ مولى عبد الله بنِ عُمرَ قال: خطبَ الحجَّاجُ فقال: إنَّ ابنَ الزُّبيرِ يُبدِّلُ كلامَ الله تعالى، قال: فقالَ ابنُ عُمرَ رضي الله عنهما: ((كذَبَ الحجَّاجُ، إنَّ ابنَ الزُّبيرِ لا يُبدِّلُ كلَامَ اللهِ تعالى، ولا يستطيعُ ذلكَ)) [رواهُ البيهقيُّ في ((الأسماء والصِّفات)) ، ص244 بسندٍ صحيحٍ] .
6ـ أنَّهُ مُعجزٌ.
وهذا اختصاصٌ للقرآنِ ليسَ يُساوِيهِ فيه كلامٌ، فلا قُدرةَ لأحدٍ أن يأتي بشيءٍ مثلِهِ لا سورةٍ ولا أقلَّ ولا أكثرَ، قال تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88] ، فلا يقدِرُ أحدٌ أن يأتيَ بمثلٍ كمثلِهِ، كما قال تعالى: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 33] ، ولا يأتي بلفظٍ كلفظِهِ، كما قالَ تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (32) } [الزمر:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
32] ، ولا أنْ يَأْتي بِحُكمٍ كحُكمِهِ، كما قال تعالى: {مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:50] .
أمَّا وُجُوه ذلك الإعجازِ فمردُّها إلى كُتُبِ عُلومِ القُرآنِ، أو مُصنَّفاتٍ أُفردَتْ لهَا.
هذهِ الخصائصُ جعلتِ القُرآنَ القاعدَةَ العُظمَى لجميعِ أحكامِ شريعَةِ الإسلامِ في كلِّ عصرٍ وبيئةٍ، وهوَ حُجَّةُ الله على خلقِهِ ما بقيتِ الدُّنيا.
"أحكامه:
الأحكامُ الَّتي دلَّ عليها القُرآنُ ترجعُ إلى ثلاثةِ أنواعٍ:
1ـ أحكامٌ اعتقاديَّةٌ:
وهي المتعلقَّةُ بجانبِ العقيدةِ، كقضايا الإيمانِ بالله وملائكتهِ وكُتبِهِ ورسُلُهِ واليومِ الآخرِ.
2ـ أحكامٌ أخلاقيةٌ سُلوكيَّة:
وهي ما تناولَهُ القرآنُ في جانبِ تهذيبِ النَّفسِ وتزكيَتِهَا، كأعمالِ القُلوبِ الَّتي يرتَكزُ عليها تحقيقُ هذا الجانبِ، كمعاني: الخوفِ والرَّجاءِ والرَّغبةِ والرَّهبةِ والتَّوكلِ والحُبّ والرِّضا والبُغضِ والفَرحِ والحُزنِ، وغير ذلكَ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
هذانِ النَّوعانِ من (أحكامِ القُرآنِ) لا ينْدَرِجَانِ تحتَ الأحكامِ الَّتي قُصدتْ بعلمَي (الفقه وأصوله) من جهةِ ارتباطِهِمَا بالبَاطِنِ، وإنْ كانَ يشملُهُمَا ما يتَّصِلُ بصيغَةِ الخِطابِ في (علمِ أصولِ الفقه) ، فصيغةُ الأمرِ بالإيمانِ لاتخرُجُ عن مدلولهَا في (علمِ الأصولِ) وهوَ وجوبُ الإيمانِ، والنَّهيُ عن النِّفاقِ لا يخرُجُ عن دلالتِهِ على تحريمِهِ على ما عليه القاعِدَةُ ي (علمِ الأصولِ) .
3ـ أحكامٌ عمليَّةٌ.
وهي المتعلِّقةُ بأفعالِ المُكلَّفينَ، وهي المقصودَةُ بهذا العِلمِ.
وترجعُ في جُملتِهَا إلى نوعينِ:
[1] العبادات: وهي ما يتَّصلُ من الأحكامِ بالعلاقَةِ بينَ العبدِ وبينَ ربِّهِ تعالى، كأحكامِ الصَّلاةِ والصِّيامِ والزَّكاةِ والحجِّ.
[2] المعاملات: وهو اسمٌ يُطلقُ على ما سوَى العبادَاتِ، لا على معنَى خُلوِّها من معنى العبادَةِ، فقدْ يُوجَدُ فيها معنى العِبادَة، ولكَنَّه اسمٌ اصطلَاحِيٌّ قُصِدَ به الأحكامِ الَّتِي تتعلَّقُ بتنظيمِ العلاقاتِ بينَ الأفرَادِ والجماعَاتِ، كأحكامِ النِّكاحِ والطَّلاقِ والبُيُوعِ والأيمانِ والقصاصِ والحُدُودِ والسِّياسَةِ الشَّرعيَّة.
ويُطلقُ علىمُصطلحِ (المعاملَاتِ) في التَّسميَّةِ المعاصِرةِ مصطلحَ (القانون) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
"بيانه للأحكام:
بيانُ القُرآنِ للأحكامِ هوَ من جِهَةِ استيعَابِهَا وحصْرِهَا، كما قالَ تعَالَى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] ، فقدْ احتَوَى القُرآنُ جميعَ الأحكامِ فلا يخرُجُ عنهُ منهَا شَيءٌ، وهي واردَةٌ فيه على صُورتينِ:
1ـ البيانُ بإقامَةِ القاعِدَةِ الشَّرعيَّةِ العَامَّةِ الَّتي تندرجُ تحتَهَا كثيرٌ من جُزئيَّاتِ الأحكامِ، وهذا في الحقيقةِ جانبٌ عظيمٌ من جوانبِ إعجازِ القُرآنِ، أو بتقريرِ المبدإ العامِّ ليأتي من بعدُ دَوْرُ السُّنَّةِ في تفصيلِ ذلك المبدإِ.
ومن أمثلةِ القواعدِ:
[1] الأمرُ بالعدْلِ والإحسانِ، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} [النَّحل: 90] .
[2] العُقُوبةُ بقدْرِ الإساءَةِ، كما قال تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النَّحل: 126] .
[3] الوفاءُ بالالتزاماتِ، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] .
[4] المشقَّةُ تجلبُ التَّيسيرَ، كما قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
وُسْعَهَا} [البقرة: 286] .
ومن أمثلة المباديءِ:
[1] فرضُ الصَّلاةِ والاعتناءُ بشأنهَا في آياتٍ كثيرةٍ في الكتابِ وتُركَتْ صفةُ أدائها للبيانِ النَّبويِّ بفعلِ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[2] وجوبُ القصاصِ في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178] ، من غيرِ تفصيلِ شروطِ ذلك مِمَّا عُرفَ بالسُّنَّةِ.
[3] إباحةُ البيعِ وحُرمةُ الرِّبا، كما قال تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] ، ولذلك شُروطٌ وأحكامٌ تفصيليَّة جاءتْ بها السُّنَّة.
فهذه الأحكامُ وشِبهُها كثيرٌ في القرآن لم تأتِ مفصَّلةً بجزئيَّاتهَا فيه ليبقى القرآنُ القاعدة الكُليَّة والبُرهانَ العامَّ في دلالاته ومعانيه، فهوَ بيَّن هذه الأحكامَ من حيثُ الدَّلالة عليها والأمرُ بها، وهوَ مفصَّلٌ من حيثُ استيعابُهُ لتلكَ الأحكامِ.
2ـ البيانُ مفصَّلاً بذكرِ تفريعاتِ الأحكامِ، وهذه لم يرِدْ في القرآن إلَاّ قليلاً، مثاله: مقاديرُ المواريثِ، والعُقُوباتِ في الحُدُودِ، وصفةُ اللِّعانِ بينَ الزَّوجينِ، والمحرَّماتُ من النِّساءِ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
* مسألة تأخير البيان:
يُرادُ بها أنَّ الله تعالى حينَ شرعَ الشَّرائع كأمرِهِ بالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ والحجِّ وغيرها أمرًا مجملاً، كقوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 110] ، فهلْ يُتصوَّرُ أن يأمُرَ بذلكَ من غير بيانٍ لمُرادهِ بما أمرَ: صفَتِهِ وأحكامِهِ؟ ههنَا مسألتَانِ أُصوليَّتانِ تتَّصلانِ بالكتابِ والسُّنَّةِ جميعًا:
1ـ يمتنِعُ في الدِّينِ أن يُؤخِّرَ الشَّارعُ البيانَ عن وقتِ الحاجَةِ، لأنهُ تكليفٌ بمجهولٍ، وذلكَ غيرُ مقدُورٍ عليه، فلو لم ينْزِلْ غيرُ قولهِ: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} لمَا أمكنَ المُكلَّفينَ أن يعرفُوا كيفَ الصَّلاة.
ويتفرَّغُ عن هذه المسألةِ: أنَّ الدَّليلَ إذا جاءَ بِبيانِ حكمٍ في قضيَّةٍ وسكتَ عن زيادَةِ التَّفصيلِ مع اقتضاءِ المقامِ بيانَ المسكوتِ عنهُ لوْ كانَ من جملةِ المطلُوبِ، فذلكَ دالٌّ على عدَمِ إرادَةِ الشَّارعِ لهُ، لأنَّهُ لو أرادَهُ لما صحَّ سُكُوتُهُ عنهُ في موضعٍ يحتاجُ فيه المكلَّفُ إلى معرفةِ الحُكمِ.
مثالهُ: قصَّةُ الرَّجلِ المُسيءِ صلاتَهُ، فعن أبي هريرةَ رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم دَخلَ المسجدَ، فدخلَ رجلٌ فصلَّى، ثمَّ جاء فسلَّم على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فردَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عليه السلام، فقالَ: ((ارجِعْ فصلِّ، فإنَّك لم تُصلِّ)) ، ثم جاء فسلَّم على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: ((ارجِعْ فصلِّ،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
فإنَّك لم تُصلِّ)) ثلاثًا، فقال: والَّذي بعثكَ بالحقِّ، فما أُحسنُ غيرَهُ فعلِّمني، قالَ: ((إذا قُمتَ إلى الصَّلاةِ فكبِّرْ، ثمَّ اقرَأْ ما تيسَّرَ معكَ من القُرآنِ، ثمَّ اركعْ حتَّى تطمئنَّ راكعًا، ثمَّ ارفعْ حتَّى تعتَدِلَ قائمًا، ثمَّ اسجُدْ حتَّى تطمئنَّ ساجدًا، ثم ارفعْ حتَّى تطمئنَّ جالسًا، ثمَّ اسجُدْ حتَّى تطمئنَّ ساجدًا، ثمَّ افعَلْ ذلك في صلاتِكَ كُلِّهَا)) [متفقٌ عليه] .
فهذا مقامُ تعليمٍ للصِّفةِ الَّتي تصحُّ بها الصَّلاةُ، فالواجبُ أن يستغرقَ كلَّ ما تنبني عليهِ صحَّتُها، وما يخرُجُ عن هذا البيانِ فليسَ مِمَّا تصحُّ به، ولهذا فجديرٌ بأن تُجمعَ رِوَاياتُ هذه القصَّةِ الصَّحيحًةُ لمعرفَةِ أنَّ جميعَ ما لم يُذكرْ فيها مِمَّا يفعلُهُ المُصلِّي ليسَ من شرْطِ صحَّةِ الصَّلاةِ.
2ـ يجوزُ أن يؤخِّرَ البيانُ إلى وقتِ الحاجَةِ.
وهذا يدلُّ على صحَّتهِ واقعُ التَّشريعِ، وهو واردٌ على صُوَرٍ، منها:
[1] نُزُولُ الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مناسباتٍ عِدَّةٍ في وقتِ الحاجةِ إلى البيَانِ لا قبْلَهُ.
كما في حديثِ عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: بيْنَا أنا معَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في حرثٍ وهوَ مُتَّكيءٌ على عسيبٍ، إذْ مرَّ اليهودُ، فقالَ بعضُهمْ لبعضٍ: سلُوهُ عن الرُّوحِ؟ فقالَ: ما رابَكُمْ إليهِ؟ وقالَ بعضُهمْ: لا يستقْبِلَكُمْ بشيءٍ تكرَهُونَهُ، فقالوأ: سلُوهُ، فسألوهُ عنِ الرُّوحِ؟ فأمسَكَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فلمْ يَرُدَّ عليهِم شيئًا، فعلمتُ أنَّهُ يُوحى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
إليهِ، فقمتُ مقامِي، فلمَّا نزل الوحيُ قال: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85] ، [متفقٌ عليه] .
وفي حديثِ يعلَى بنِ أُميَّةَ أنَّهُ قال لعمر رضي الله عنه: أَرِني النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم حينَ يُوحى إليهِ، قالَ: فبينمَا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بالجِعرَانَةِ ومعهُ نفرٌ من أصحابِهِ، جاءَهُ رجلٌ فقال: يا رسول اللهِ، كيفَ ترَى في رجلٍ أحْرَمَ بعُمرَةٍ وهو مُتَضَمِّخُ بِطيبٍ؟ فسَكَتَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ساعةً، فجاءَهُ الوحيُ، فأشارَ عُمرُ رضي الله عنه إلى يعلَى، فجاءَ يَعلَى وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبٌ قدْ أُظلَّ بهِ، فأدْخلَ رأْسهُ، فإذا رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مُحْمَرُّ الوجهِ وهوَ يعظُّ، ثمَّ سُرِّيَ عنهُ، فقالَ: ((أينَ الَّذي سألَ عنِ العُمْرَةِ)) فأُتيَ بِرَجُلٍ، فقال: ((اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذي بكَ ثلاثَ مرَّاتٍ، وانْزِعْ عنكَ الجُبَّةَ، واصْنَعْ في عُمرَتِكَ كما تصنَعُ في حجَّتِكَ)) [متفقٌ عليه] .
[2] تأخيرُ البيانِ لبعضِ الأوامِرِ المُجْملَةِ لِعَدَمِ مجيءِ وقتِ التَّنفيذِ بعْدُ.
كما هو الشَّأنُ في الأمرِ بالحجِّ مثلاً، فإنَّه سبقَ أحكامَ بيانِ المَنَاسِكِ، وإن كانتْ بعضُ المناسِكِ دلَّتْ عليهَا بعضُ النُّصوصِ قبلَ حجَّةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، إلَاّ أنَّ صفَةَ الحجِّ الشَّرعيَّةِ إنَّمَا علمَهَا النَّاسُ بفعلِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم حينَ حجَّ بالنَّاسِ حجَّةَ الإسلامِ الَّتي هي حجَّةُ الودَاعِ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
[3] تأخيرُ البيانِ إلى وقتِ استِعْدَادِ المُكلَّفِ.
فمنْ هَذا: التَّدرُّجُ في التَّشريعِ، وعليهِ عامَّةُ شرائعِ الدِّينِ.
فعنْ عائشةَ رضي الله عنها وهي تذْكُرُ نُزُول القُرآن قالتْ: إنَّما نزلَ أوَّل ما نزلَ منهُ سٌورةٌ من المفصَّلِ فيها ذِكرُ الجنَّةِ والنَّارِ، حتَّى إذا ثابَ النَّاسُ إلى الإسلامِ نزلَ الحلالُ والحرامُ، ولو نزَلَ أوَّل شيءٍ: لا تشْربُوا الخمرَ لقالُوا: لا نَدَعُ الخمرَ أبدًا، ولوْ نزلَ: ولا تزْنُوا لقالوا: لا ندَعُ الزِّنا أبدًا [أخرجه البخاريُّ] .
ومنهُ: التَّدرُّجُ في التَّبيلغِ، كما في قصَّةِ معاذِ بنِ جبلٍ رضي الله عنه حينَ بعثهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى اليمنِ، قالَ لهُ: ((إنَّك تقدُمُ على قومٍ أهْلِ كتابٍ، فليَكُنْ أوَّلَ ما تدْعُوهُم إليه عبادَةُ الله عزَّوجلَّ، فإذا عرفُوا اللهَ فأخبِرْهُم أنَّ الله فرض عليهِمْ خمسَ صلواتٍ في يومِهِم وليْلَتِهِم، فإذا فعلُوا فأخبرهُمْ أنَّ الله قدْ فرضَ عليهِم زكاةً تُؤخذُ من أغنيائِهِمْ فترَدُّ على فُقرائِهِم، فإذا أطَاعُوا بها فخُذْ منهُم وتوقَّ كرائمَ أمْوالِهِمْ)) [متفقٌ عليه] .
* دلالة آياته على الأحكام:
وُرودُ القرآنِ قطعيٌّ كما تقدَّم، وهوَ حُجَّةٌ مُلزِمَةٌ لا تقبلُ التَّردُّدَ ولَا يرِدُ عليهَا الاحتمالُ من جهَةِ كونِهِ من أوَّلِهِ إلى مُنتهَاهُ بجميعِ ألفاظِهِ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
ومعانيهِ كلامَ اللهِ، لا يُشَكُّ في ذلكَ.
ولكنَّ دلالَةَ آياتِهِ على إفادَةِ الحُكمِ الشَّرعيِّ تنقسمُ إلى قسمينِ:
الأوَّلُ: دلالَةٌ قطعيَّةٌ.
وذلكَ عند مجيءِ اللَّفظِ لا يُحتمِلُ إلَاّ معنًى واحدًا، كقوله تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ} [النساء: 12] ، فلفظُ (النِّصف) لا يحتمِلُ إلَاّ معنًى واحدًا، وقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] ، فلفظُ (مائة) لا يحتملُ إلَاّ هذا العَدَدَ.
وهذا النَّمطُ قليلٌ في القرآنِ، فهوَ يتَّصلُ بألفاظِ الأعدَادِ والمقادِيرِ الَّتي لا تحتَمِلُ زيادَةً أوْ نقصًا.
والثَّاني: دلالةٌ ظنيَّة.
وذلك عندَ مجيءِ اللَّفظ يحتملُ إرادَةَ المعنَى تامًّا أو بعضِهِ، أو معنًى واحدٍ من معانٍ متعدِّدَةٍ، فيكونُ قابلاً للتَّقييدِ أو التَّخصيصِ أو التَّأويلِ.
من أمثلتِهِ:
[1] قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] ، فلفظُ (اليَد) يحتملُ أن تكونَ إلى الرُّسْغِ، كما يحتملُ أن تكونَ إلى المِرفقِ، وإلى الإبطِ، والتَّعيينُ يحتاجُ إلى نصٍّ مفسِّرٍ غير هذه الآيةِ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
[2] قوله تعالى في كفَّارَةِ اليمينِ: {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89] ، يجوزُ عليهِ التَّقييدُ بـ (مؤمنةٍ) لوْ ورَدَ فيهِ ما يصلحُ أن يكونَ قيدًا، فلفظُ الآيةِ لا يمنعُ ذلكَ.
[3] قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} [المائدة: 3] ، يحتملُ إرادَة كلِّ ميتةٍ وكلِّ دمٍ، وهو الأصلُ، فإنَّ القاعدة كما سيأتي إبقاءُ اللَّفظِ على عمُومِه ما لمْ يردْ دليلُ التَّخصيصِ، لكنَّ الاستثناءَ من ذاتِ هذا العمُومِ واردٌ مقبولٌ في خُروجِ بعضِ أفرادِ الميتةِ وبعضِ أفرادِ الدَّمِ من التَّحريمِ، ولفظُ الآيةِ لا يمنعُ ذلك.
وتسميةُ هذه الدَّلالةِ (ظنيّة) لأجلِ ووردِ الاحتمالِ وعدَمِ امتناعِ لفظِ الآيةِ عن قبولهِ، وهي تسميَةٌ اصطلاحيَّةٌ.
وأكثرُ نصوصِ القرآنِ تندرجُ تحتَ هذا القسمِ في إفادَةِ الأحكامِ، وهذا مُتناسقٌ مع أمر الله تعالى بالتَّفقُّهِ في آياتِهِ وتدبُّر معانيها ودلالاتهَا، ولوْ جاءتْ قطعيَّةَ الألفاظِ امتنعَ ذلكَ فيهَا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)