الحكمُ بالحِلِّ والحرمة في شيء واحد، وهو محال.
قالوا: وأيضًا فليس قياس الفرع على الأصل في تعدية حكمه إليه أولى من قياسه عليه في عدم ثبوته بغير النص. وحينئذ(1) فنقول(2): حكمُ الفرع حكمٌ من أحكام الشرع، فلا يجوز ثبوته بغير النص كحكم الأصل، فما الذي جعل قياسكم أولى من هذا؟ ومعلوم أنَّ هذا أقرب إلى [157/أ] النصوص وأشدُّ موافقةً لها من قياسكم، وهذا ظاهر.
قالوا: وأيضًا فحكمُ الله بإيجاب الشيء يتضمَّن محبته له، وإرادته لوجوده، وعِلمَه بأنه أوجبه، وكلامَه الطلبيَّ والخبريَّ، وجعلَ فعلِه سببًا لمحبته لعبده ورضاه عنه وإثابته عليه، وتركِه سببًا لضد ذلك. ولا سبيل لنا إلى العلم بهذا إلا من خبر الله عن نفسه أو خبر رسوله عنه، فكيف يُعلَم ذلك بقياس أو رأي؟ هذا ظاهر الامتناع.
قالوا: ولو كان القياس من حجج الله وأدلة أحكامه لكان حجةً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كسائر الحجج، فلما لم يكن حجةً في زمنه صلى الله عليه وسلم لم يكن حجة بعده.
وتقرير هذه الحجة بوجهين: أحدهما أن الصحابة لم يكن أحد منهم يقيس على ما سمع منه صلى الله عليه وسلم ما لم يسمع، ولو كان هو معقول النصوص لكان تعديةُ الحكم به وشمول المعنى كتعدية الحكم باللفظ وشموله لجميع أفراده. وذلك لا يختص بزمان دون زمان، فلما قلتم: لا يكون القياس في زمن النص، عُلِمَ أنه ليس بحجة.--------------------------------------------
(1) ع: «فحينئذ»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(2) في المطبوع: «نقول».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 28)
الوجه الثاني: أن تعلُّقَ النصوص بالصحابة كتعلُّقها بمن بعدهم، ووجوب اتباعها على الجميع واحد.
قالوا: ولأنَّا لسنا على ثقةٍ من عدم(1) تعليق الشارع الحكمَ بالوصف الذي يبديه القيَّاسون(2) وأنه إنما علَّق الحكمَ بالاسم بحيث يوجد بوجوده وينتفي بانتفائه؛ بل تعليقُ الحكم بالاسم تعليقٌ بما لنا طريقٌ إلى العلم به طردًا وعكسًا، بخلاف تعليقه بالوصف الشَّبَهي فإنه خَرْص وحَزْر، وما كان هكذا لم ترد به الشريعة.
قالوا: ولأن الأصل عدمُ العمل بالظنون إلا فيما تيقَّنَّا أن الشرع أوجبَ علينا العملَ به [157/ب] للأدلة الدالة على تحريم اتباع الظن. فمعنا منعٌ يقينيٌّ من اتباع الظن، فلا نتركه إلا بيقين يوجب اتباعه.
قالوا: ولأن تشابه الفرع والأصل يقتضي ألا يثبت الفرع إلا بما يثبت به الأصل، فإن كان القياس حقًّا لزم توقّفُ الفرع في ثبوته على النص كالأصل. فالقول بالقياس من أبين الأدلة على بطلان القياس.
قالوا: ولأن الحكم لا يخلو إمَّا أن يتعلَّق بالاسم وحده، أو بالوصف المشترك وحده، أو بهما. فإن تعلَّق بالاسم وحده أو بهما بطل القياس. وإن تعلَّق بالوصف المشترك بينهما لزم أمران محذوران:
أحدهما: إلغاء الاسم الذي اعتبره الشارع، فإن الوصف إذا كان أعمَّ منه وكان هو المستقِلَّ بالحكم كان الأخصُّ ــ وهو الاسم ــ عديمَ التأثير.--------------------------------------------
(1) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. ولعل كلمة «عدم» مقحمة.
(2) في النسخ المطبوعة: «القياسيون»، كما سبق.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 29)
الثاني: أنه إذا كان الاسم عديم التأثير لم يكن جعلُ ما دلَّ عليه أصلًا لما سكت عنه أولى من العكس، إذ التأثير للوصف وحده. بل يلزم أن لا يكون هناك فرع وأصل، بل تكون الصورتان فردين من أفراد العموم المعنوي، كما يكون أفراد العام لفظًا كذلك، ليس بعضُها أصلًا لبعض.
قالوا: ولا ريب أن البيان بالألفاظ العامة أعلى من البيان بالقياس، فكيف يعدل الشارع ــ مع كمال حكمته ــ عن البيان الجَليِّ إلى البيان الأخفى(1)؟ قالوا: ونسأل القيّاسين(2) عن محلِّ القياس: أيجب في الشيئين إذا تشابها من كلِّ وجه، أم إذا اشتبها من بعض الوجوه وإن اختلفا في بعضها؟ فإن قال بالأول ترك قوله وادعى مُحالًا، إذ ما من شيئين إلا بينهما(3) جامع وفارق، وإن قال بالثاني قيل له: فهلَّا حكمتَ [158/أ] للفرع بضدِّ حُكمِ الأصل من أجل الوجه الذي خالفه فيه؟ فإن كانت تلك جهةَ وفاق تدل على الائتلاف، فهذه جهة افتراق تدل على الاختلاف؛ فليس إلحاقُ صور النزاع بموجَب الوفاق أولى من إلحاقه بموجَب الافتراق.
قالوا: ولا ينفعه الاعتذار بأنه متى وقع الاتفاق في المعنى الذي ثبت الحكمُ من أجله عديتُ الحكمَ، وإلا فلا.
قيل له: إذا كان في الأصل عدة أوصاف، فتعيينُك أن هذا الوصف الذي من أجله شُرع الحكم قولٌ بلا علم. وقد عارضك فيه منازعوك، فادَّعوا أن الحكم شُرِع لغير ما ذكرتَ.--------------------------------------------
(1) ت: «الخفي».
(2) في النسخ المطبوعة: «القياسي».
(3) في النسخ المطبوعة: «وبينهما».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 30)
مثاله: أن الشارع لمّا نصَّ على ربا الفضل في الأعيان المذكورة في الحديث، فقال قائل: إن المعنى الذي حرم التفاضل لأجله هو الكيل في المكيلات، والوزن في الموزونات= قال له منازعه: لا، بل هو(1) كونها مطعومة. فقال آخر: لا، بل هو كونها مُقتاتةً مدَّخرةً(2). فقال آخر: لا، بل كونها تجري فيها الزكاة. فقال آخر: لا بل كونها جنسًا واحدًا. وكلُّ فريق يزعم أن الصواب ما ادّعاه دون منازعه، ويقدح فيما ادَّعاه الآخر. ولا يتهيأ له قدحٌ في قول منازعه، إلا ويتهيأ لمنازعه مثلُه أو أكثرُ منه أو دونه. فلو ظنَّ آخرون فقالوا: العلة كونه مما تُنبته الأرض، واحتجَّ بأن الله سبحانه امتنَّ على عباده بما تُنبته لهم الأرض، وقال(3): {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [البقرة: 267]؛ وقال: إن من تمام النعمة فيه أن لا يباع بعضه ببعض متفاضلًا= لكان قوله واحتجاجه من جنس قول الآخرين [158/ب] واحتجاجهم. وما هذا سبيله، كيف(4) يكون من الدين بسبيل؟
قالوا: وأيضًا فإذا كان النصُّ في الأصل قد دلَّ على شيئين: ثبوت الحكم فيه نطقًا، وتعديته إلى ما في معناه بالعلة؛ فإذا نُسِخ الحكم في الأصل هل يبقى الحكم في الفرع أو يزول؟ فإن قلتم: «يبقى» فهو محال، وإن قلتم: «يزول» تناقضتم؛ إذ من أصلكم أنَّ نسخَ بعضِ ما تناوله(5) النص--------------------------------------------
(1) «هو» ساقط من النسخ المطبوعة.
(2) في النسخ المطبوعة: «ومدخرة» بزيادة الواو.
(3) ت: «فقال».
(4) في النسخ المطبوعة: «فكيف».
(5) في النسخ المطبوعة: «يتناوله» هنا وفيما بعد.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 31)
لا يوجب نسخَ جميعِ ما تناوله، كالعامِّ إذا خُصَّ بعضُ أفراده لم يوجب ذلك تخصيصَ غيره. فإذا كان حكمُ الأصل قد دلَّ على شيئين، فارتفع أحدهما، فما الموجِب لارتفاع الثاني؟ وإن قلتم: «يثبت بالقياس ويرتفع بالقياس» قيل: إنما أثبتُّموه لوجود العلة الجامعة عندكم، والعلة لم تَزُل بالنسخ، وهي سبب ثبوته، وما دام السبب قائمًا فالمسبَّب كذلك. ولو زالت العلة بالنسخ لأمكن تصحيح قولكم.
فإن قلتم: نسخُ حكمِ الأصل يقتضي نسخَ كونِ العلة علةً.
قيل: هذه دعوى لا دليل عليها، فإن النصَّ اقتضى ثبوتَ حكم الأصل، وكونُ وصفِ كذا علةً مقتضٍ للتعدية(1) على قولكم، فهما حكمان متغايران؛ فزوال أحدهما لا يستلزم زوال الآخر.
قالوا: ولو كان القياس من الدين لقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لأمته: إذا أمرتُكم بأمر أو نهيتُكم عن شيء فقيسوا عليه ما كان مثلَه أو شِبْهَه؛ ولكان هذا أكثرَ شيء في كلامه، وطرقُ الأدلة عليه متنوعةً، لشدة الحاجة إليه، ولا سيما عند غلاة القيّاسين(2) الذين يقولون: إن النصوص لا تفي بعُشْر معشار الحوادث.
وعلى قول هذا الغالي الجافي [159/أ] عن النصوص، فالحاجةُ إلى القياس أعظمُ من الحاجة إلى النصوص، فهلّا جاءت الوصية باتباعه ومراعاته! والوصيةُ بحفظ(3) حدود ما أنزل الله على رسوله وأن لا--------------------------------------------
(1) س: «تقتضي للتعدية» وفي ع: «مقتضي التعدية». وأثبت في المطبوع: «تقتضي التعدية».
(2) في النسخ المطبوعة: «القياسيين»، كالعادة.
(3) س: «تحفظ».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 32)
تُتعدَّى(1). ومعلوم أن الله سبحانه حدَّ لعباده حدودَ الحلال(2) والحرام بكلامه، وذمَّ من لم يعلم حدودَ ما أنزل الله على رسوله. والذي أنزله هو كلامه، فحدودُ ما أنزله(3) الله هو الوقوفُ عند حدِّ الاسم الذي علَّق عليه الحِلَّ والحُرمةَ، فإنه هو المنزَّل على رسوله، وحدُّه: ما(4) وُضِع له لغةً أو شرعًا، بحيث لا يدخل فيه غير موضوعه، ولا يخرج منه شيء من موضوعه.
ومن المعلوم أن حدَّ البُرِّ لا يتناول الخردل، وحدُّ التمر لا يدخل فيه البَلُّوط، وحدُّ الذهب لا يتناول القطن. ولا يختلف الناس أن حدَّ الشيء ما يمنع دخولَ غيره فيه، ويمنع خروجَ بعضه منه.
وقد تقدَّم تقريرُ هذا، وأعدناه لشدة الحاجة إليه؛ فإنَّ أعلمَ الخلق بالدين أعلَمُهم بحدود الأسماء التي علَّق بها الحِلَّ والحُرمة.
والأسماء التي لها حدود في كلام الله ورسوله ثلاثة أنواع:
نوعٌ له حدٌّ في اللغة، كالشمس والقمر، والبرّ والبحر، والليل والنهار. فمن حمل هذه الأسماء على غير مسمَّاها، أو خصَّها ببعضه، أو أخرج منها بعضه= فقد تعدَّى حدودها.
ونوعٌ له حدٌّ في الشرع، كالصلاة والصيام والحج والزكاة والإيمان--------------------------------------------
(1) كذا وقعت العبارة في النسخ الخطية والمطبوعة. والواو في «الوصية» للحال. يعني: والحال أن الوصية لم تجئ باتباع القياس ومراعاته، بل جاءت بحفظ حدود ما أنزل الله.
(2) ع: «حدودًا للحلال».
(3) ت، ع: «أنزل». والمقصود: فحفظ حدود ما أنزله الله.
(4) في النسخ المطبوعة: «بما».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 33)
والإسلام والتقوى ونظائرها. فحكمُها في تناولها لمسمَّياتها الشرعية كحكم النوع الأول في تناوله لمسماه اللغوي.
ونوع له حدٌّ في العُرف، لم يحُدَّه الله ورسوله بحدٍّ غير المتعارف، ولا حدَّ له في اللغة، كالسفر، والمرض المبيح للترخُّص، والسَّفَه والجنون الموجِب للحَجْر، والشقاق الموجب لبعث الحكمين، والنشوز المسوِّغ لهجر الزوجة [159/ب] وضربها، والتراضي المسوِّغ لحِلِّ التجارة، والضِّرار المحرَّم بين المسلمين، وأمثال ذلك. وهذا النوع في تناوله لمسمَّاه العرفي كالنوعين الآخرين في تناولهما لمسمَّاهما.
ومعرفة حدود هذه الأسماء ومراعاتها مغنٍ عن القياس غيرُ مُحْوِج إليه. وإنما يحتاج إلى القياس من قصَّر في معرفة(1) هذه الحدود، ولم يُحِطْ بها علمًا، ولم يُعطها حقَّها من الدلالة.
مثاله: تقصير طائفة من الفقهاء في معرفة حدِّ الخمر حيث خصُّوه بنوع خاصٍّ من المسكرات، فلما احتاجوا إلى تقرير تحريم كلِّ مسكر سلكوا طريق القياس، وقاسوا ما عدا ذلك النوع في التحريم عليه. فنازعهم الآخرون في هذا القياس، وقالوا: لا يجري في الأسباب، وطال النزاع بينهم، وكثر السؤال والجواب. وكلُّ هذا من تقصيرهم في معرفة حدِّ الخمر، فإن صاحب الشرع قد حدَّه بحدٍّ يتناول كلَّ فرد من أفراد المسكر فقال: «كلُّ مسكِر خمر»(2)، فأغنانا هذا الحدُّ عن باب طويل عريض كثير التعب من القياس، وأثبتنا التحريم بنصِّه لا بالرأي والقياس.--------------------------------------------
(1) «في معرفة» ساقط من ع.
(2) سبق تخريجه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 34)
ومن ذلك أيضًا: تقصير طائفة في لفظ «الميسر»، حيث خصُّوه بنوع من أنواعه، ثم جاؤوا إلى الشِّطْرَنج مثلًا، فراموا تحريمه قياسًا عليه. فنازعهم آخرون في هذا القياس وصحته، وطال النزاع. ولو أعطوا لفظ الميسر حقَّه وعرفوا حدَّه لَعلِموا أن دخول الشطرنج فيه أولى من دخول غيره، كما صرَّح به من صرَّح من الصحابة والتابعين، وقالوا: الشطرنج من الميسر(1).
ومن ذلك: تقصير طائفة في لفظ «السارق»، حيث أخرجوا منه نبَّاشَ القبور، ثم راموا قياسه [160/أ] في القطع على السارق، فقال لهم منازعوهم: الحدود والأسماء لا تثبت قياسًا، فأطالوا وأعرضوا في الردِّ عليهم. ولو أعطوا لفظ السارق حقَّه(2) لرأوا أنه لا فرق في حدِّه ومسمَّاه بين سارق الأثمان وسارق الأكفان، وأن إثبات الأحكام في هذه الصور بالنصوص لا بمجرد القياس.
ونحن نقول قولًا ندين الله به، ونحمد الله على توفيقنا له، ونسأله الثبات عليه: إن الشريعة لم تُحْوِجنا إلى قياس قطُّ، وإنَّ فيها غُنيةً وكفايةً عن كلِّ رأي وقياس وسياسة واستحسان، ولكن ذلك مشروط بفهم يؤتيه الله عبده فيها.
وقد قال تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء: 79].
وقال علي: «إلا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه»(3).--------------------------------------------
(1) انظر ما سلف من أقوالهم.
(2) ع: «حدَّه»، وكذا في الطبعات القديمة.
(3) سبق تخريجه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 35)
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس: «اللهم فقِّهه في الدين، وعلِّمه التأويل»(1).
وقال أبو سعيد: كان أبو بكر أعلمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم(2).
وقال عمر لأبي موسى: «الفهم الفهم»(3).
فصل
قالوا: ومما يبيِّن فساد القياس وبطلانه تناقضُ أهله فيه، واضطرابُهم تأصيلًا وتفصيلًا.
أما التأصيل، فمنهم من يحتجُّ بجميع أنواع القياس، وهي: قياس العلة، والدلالة، والشَّبَه، والطرد. وهم غلاتهم، كفقهاء ما وراء النهر وغيرهم، فيحتجُّون في طرائقهم على منازعهم في مسألة المنع من إزالة النجاسة بالمائعات بأنه مائع لا تبنى عليه القناطر، ولا تجري فيه السفن؛ فلا تجوز إزالة النجاسة به، كالزيت والشَّيْرَج(4)، وأمثال ذلك من الأقيسة التي هي إلى التلاعب بالدين أقرب منها إلى تعظيمه.
وطائفة تحتجُّ(5) بالأقيسة الثلاثة دونه، وتقول: قياس العلة أن يكون--------------------------------------------
(1) رواه أحمد (2397، 2879، 3032، 3102) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا، وصححه ابن حبان (3392)، والحاكم (3/ 534). وأورده الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (10/ 169، 222 - 223، 13/ 19).
(2) أخرجه البخاري (3904) ومسلم (2382).
(3) من كتاب عمر في القضاء، وقد سبق بطوله.
(4) انظر: «العدّة» للقاضي (5/ 1438).
(5) في النسخ المطبوعة: «يحتجون».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 36)
الجامع هو العلة التي لأجلها شُرِع الحكمُ في الأصل. وقياس الدلالة: أن يُجمَع بينهما بدليل [160/ب] العلة. وقياس الشَّبه: أن يتجاذب الحادثةَ أصلان: حاظر ومبيح، ولكلِّ واحد من الأصلين أوصاف، فتلحق الحادثة بأكثر الأصلين شبهًا بها؛ مثل أن يكون بالإباحة أشبهَ بأربعة أوصاف، وبالحظر بثلاثة؛ فيلحق بالإباحة.
وقد قال الإمام أحمد في هذا النوع(1) في رواية أحمد بن الحسين: «القياس: أن يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كلِّ أحواله. فأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال، فأردتَ أن تقيس عليه، فهذا خطأ. قد(2) خالفه في بعض أحواله، ووافقه في بعضها. فإذا كان مثله في كلِّ أحواله، فما أقبلتَ(3) به وأدبرتَ به، فليس في نفسي منه شيء»(4).
وبهذا قال أكثر الحنفية والمالكية والحنابلة. وقالت طائفة: لا قياس إلا قياس العلة فقط. وقالت فرقة بذلك، لكن(5) إذا كانت العلة منصوصة.
ثم اختلف القيّاسون(6) في محل القياس، فقال جمهورهم: يجري في الأسماء والأحكام. وقالت فرقة: بل لا تثبت الأسماء قياسًا، وإنما محل--------------------------------------------
(1) يعني: في قياس الشبه.
(2) في النسخ المطبوعة: «وقد».
(3) في «العدَّة» ــ وهو مصدر النقل ــ: «أحواله، فأقبلت». وكذا في «التمهيد».
(4) «العدَّة» (4/ 1326). وانظر: «التمهيد» لأبي الخطاب (4/ 5). وذكر القاضي نحوه في «العدة» (5/ 1436) من رواية الأثرم.
(5) في النسخ المطبوعة: «ولكن».
(6) في النسخ المطبوعة: «القياسيون»، كالعادة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 37)
القياس الأحكام. ثم اختلفوا، فأجراه جمهورهم في العبادات واللغات والحدود والأسباب وغيرها. ومنعه طائفة في ذلك. واستثنت طائفة الحدود والكفارات فقط. واستثنت طائفة أخرى معها الأسباب.
وكلُّ هؤلاء قسموه إلى ثلاثة أقسام: قياس أولى، وقياس مثل، وقياس أدنى. ثم اضطربوا في تقديمه على العموم أو بالعكس على قولين. واضطربوا في تقديمه على خبر الآحاد الصحيح، فجمهورهم قدَّم الخبر، وقال أبو بكر بن الفرج(1) القاضي وأبو بكر الأبهري(2) المالكيان: هو مقدَّم على خبر الواحد. ولا يمكنهم ولا أحدًا(3) من الفقهاء طردُ هذا القول [161/أ] البتة، بل لا بدّ من تناقضهم.
واضطربوا في تقديمه على الخبر المرسل، وعلى قول الصحابي. فمنهم من قدَّم القياس، ومنهم من قدَّم المرسل وقول الصحابي، وأكثرهم ــ بل كلُّهم ــ يقدِّمون هذا تارةً، وهذا تارةً. فهذا تناقضهم في التأصيل.--------------------------------------------
(1) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة، وهو خطأ، صوابه أبو الفرج كما في «الإحكام» لابن حزم (7/ 54). وهو أبو الفرج عمرو بن محمد الليثي البغدادي صاحب كتاب «اللمع في أصول الفقه»، المتوفى سنة 330. انظر ترجمته في «الديباج المذهب» لابن فرحون (2/ 99).
(2) هو أبو بكر محمد بن عبد الله بن صالح، أخذ عن أبي الفرج القاضي وغيره. انتهت إليه رئاسة المالكية في وقته. توفي ببغداد سنة 395. انظر ترجمته في «سير أعلام النبلاء» (16/ 332) و «الديباج المذهب» (2/ 162).
(3) في النسخ الخطية والمطبوعة: «أحد» بالرفع، وهو خطأ. ويستغرب عدم تنبُّه الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد عليه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 38)
وأما تناقضهم في التفصيل، فنذكر منه طرفًا يسيرًا(1) يدل على ما وراءه من قياسِهم في المسألة قياسًا، وتركِهم فيها مثلَه أو ما هو أقوى منه، أو تركِهم نظيرَ ذلك القياس أو أقوى منه في مسألة أخرى، لا فرق بينهما البتة.
فمن ذلك: أنهم أجازوا الوضوء بنبيذ التمر، وقاسوا في أحد القولين عليه سائر الأنبذة، وفي القول الآخر لم يقيسوا عليه. فإن كان هذا القياس حقًّا فقد تركوه، وإن كان باطلًا فقد استعملوه، ولم يقيسوا عليه الخلَّ ولا فرق بينهما. وكيف كان نبيذ التمر «تمرةٌ طيبةٌ وماءٌ طهورٌ»(2)، ولم يكن الخلُّ «عنبةٌ طيبةٌ وماءٌ طهورٌ»، والمرَقُ «لحمٌ طيِّبٌ وماءٌ طهور»(3)؟، ونقيع المشمش والزبيب كذلك!
فإن ادعوا الإجماع على عدم الوضوء بذلك، فليس فيه إجماع، فقد قال الحسن بن صالح بن حَيّ وحميد بن عبد الرحمن: يجوز الوضوء بالخَلِّ(4). وإن كان الإجماع كما ذكرتم، فهلَّا قِستم المنعَ من الوضوء--------------------------------------------
(1) قارن هذا الفصل بكتاب «الإحكام»: «فصل في ذكر طرفٍ يسيرٍ من تناقض أصحاب القياس في القياس … » (8/ 48 - 76).
(2) يشير إلى حديث ابن مسعود الذي أخرجه الترمذي وغيره، وقد سبق تخريجه.
(3) في النسخ المطبوعة: «لحمًا طيبًا وماءً طهورًا» ومن قبل أيضًا أثبت فيها لفظ «طهورًا» ولعل ذلك تغيير من الناشرين الذين ذهب عليهم أن الإعراب هنا على الحكاية.
(4) لم أقف على قولهما. وفي «المحلَّى» (1/ 195 - دار الفكر) عن حُميد صاحب الحسن بن [صالح] بن حي أن «نبيذ التمر خاصة يجوز الوضوء به والغسل المفترض في الحضر والسفر، وجد الماء أو لم يوجد. ولا يجوز ذلك بغير نبيذ التمر». وهذا مخالف لما نقله المصنف عنهما.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 39)
بالنبيذ على ما أجمعوا عليه من المنع من الوضوء(1) بالخل؟
فإن قلتم: اقتصرنا على موضع النص ولم نقِس عليه، قيل لكم: فهلَّا سلكتم ذلك في جميع نصوصه، واقتصرتم على محالِّها الخاصة، ولم تقيسوا عليها!
فإن قلتم: لأن هذا خلاف القياس، قيل لكم: فقد صرَّحتم أنَّ ما ثبت على خلاف القياس يجوز القياس عليه. ثم هذا يُبطِل أصل القياس، فإنه إذا جاز ورود الشريعة(2) بخلاف القياس [161/ب] عُلِمَ أن القياس ليس من الحق، وأنه عين الباطل، فإن الشريعة لا ترد بخلاف الحق أصلًا.
ثم من قاعدتكم أن خبر الواحد إذا خالف الأصول لم يُقبَل. وفي أيِّ الأصول وجدتم ما يجوز التطهُّر(3) به خارج المصر والقرية، ولا يجوز التطهُّر به داخلهما؟
فإن قالوا: اقتصرنا في ذلك على موضع النص، قيل: فهلَّا اقتصرتم به على خارج مكة فقط حيث جاء الحديث! وكيف ساغ لكم قياسُ الغسل من الجنابة في ذلك على الوضوء دون قياس داخل المصر على خارجه، وقياسُ العنبة الطيبة والماء الطهور، واللحم الطيب والماء الطهور، والدِّبس الطيب والماء الطهور= على الثمرة الطيبة والماء الطهور؟ فقِستم قياسًا، وتركتم مثله، وما هو أولى منه؛ فهلَّا اقتصرتم على مورد الحديث، ولا عدَّيتموه إلى أشباهه ونظائره!--------------------------------------------
(1) ما عدا ع: «بالوضوء».
(2) ع: «الشرع».
(3) س، ع: «التطهير»، هنا وفيما بعد. وكذا في النسخ المطبوعة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 40)
ومن ذلك: أنكم قِستم على خبر مروي: «يا بني المطَّلب، إنَّ الله كرِه لكم غُسالةَ أيدي الناس»(1)،
فقِستم على ذلك الماء الذي يتوضأ به، وأبحتم لبني المطَّلب غُسالة أيدي الناس التي نصَّ عليها الخبر.
وقِستم الماء المستعمل في رفع الحدث ــ وهو طاهر لاقى أعضاء طاهرة ــ على الماء الذي لاقى العَذِرة والدم والمَيْتات. وهذا من أفسد القياس. وتركتم قياسًا أصحَّ منه، وهو قياسه على الماء المستعمل في محل التطهير(2) من عضو إلى عضو ومن محل إلى محل، فأي فرق بين انتقاله من عضو المتطهر(3) الواحد إلى عضوه الآخر(4) وبين انتقاله إلى عضو أخيه المسلم؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثَلُ المسلمين في توادِّهم وتراحُمهم كمثل الجسد الواحد»(5). ولا ريب عند كلِّ عاقل أن قياس جسد المسلم--------------------------------------------
(1) رواه (بنحوه) البلاذري في «أنساب الأشراف» (4/ 24 - 25، 295 - 296)، والطبراني في «المعجم الكبير» (677، 678) من حديث عبد المطلب بن ربيعة مرفوعًا، وفيه يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف. ورواه ابن قانع في «معجم الصحابة» (2/ 109)، لكن أحد الرواة قصّر به؛ فجعله من مسند عبد الله بن ربيعة، وفي ترجمته خرّجه ابن قانع. وله طريق أخرى واهية عند ابن أبي حاتم في «التفسير» (9093)، والطبراني في «المعجم الكبير» (11543)، وأغرب ابن كثير في «التفسير» (4/ 64) فحسّنها، وتبعه الزيلعي في «نصب الراية» (3/ 425)، مع أن في السند حنشًا (واسمُه حسين بن قيس) متروك.
وأصل الحديث في «صحيح مسلم» (1072)، ليس فيه لفظ: «غسالة أيدي الناس».
(2) ت: «التطهر».
(3) ما عدا ع: «التطهير».
(4) «الآخر» ساقط من ع.
(5) أخرجه البخاري (6011) ومسلم (2586) من حديث النعمان بن بشير.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 41)
على [162/أ] جسد أخيه أصحُّ من قياسه على العَذِرة والجِيَف والمَيْتات والدم.
ومن ذلك: أنكم قستم الماء الذي توضَّأ به الرجل على العبدِ الذي أعتقه في كفارته، والمالِ الذي أخرجه في زكاته. وهذا من أفسد القياس. وقد تركتم قياسًا أصحَّ في العقول والفِطَر منه، وهو قياسُ هذا الماء الذي قد أدَّى به عبادةً على الثوب الذي قد صلَّى فيه، وعلى الحصى التي رمَى بها(1) الجمار مرةً عند من يجوز منكم الرميُ بها ثانية، وعلى الحجر الذي استجمر به مرةً إذا غسله أو لم يكن به نجاسة.
ومن ذلك: أنكم قستم الماء الذي وردت عليه النجاسة، فلم تغيِّر له لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا، على الماء الذي غيَّرت النجاسة لونه وطعمه وريحه(2). وهذا من أبعد القياس عن الشرع والحسِّ. وتركتم قياسًا أصح منه، وهو قياسه على الماء الذي ورد على النجاسة. فقياس الوارد على المورود، مع استوائهما في الحدِّ والحقيقة والأوصاف، أصحُّ من قياس مائة رطل ماءً وقع فيها(3) شعرةُ كلب على مائة رطل خالطها مثلُها بولًا وعَذِرةً، حتى غيَّرها.
ومن ذلك(4): فرَّقتم بين ماء جارٍ بقدر طرف الخنصر تقع فيه النجاسة فلم تغيِّره، وبين الماء العظيم المُستبحِر إذا وقع فيه مثلُ رأس الإبرة من--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «الذي رمى به».
(2) ع: «أو طعمه أو ريحه»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(3) في النسخ المطبوعة: «فيه».
(4) زادوا بعد ذلك في النسخ المطبوعة: «أنكم».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 42)
البول، فنجَّستم الثاني دون الأول. وتركتم محضَ القياس، ولم(1) تقيسوا الجانب الشرقي من غدير كبير في غربيِّه نجاسةٌ على الجانب الشمالي والجنوبي، وكلُّ ذلك مماسٌّ لما قد تنجَّس عندكم مماسّة مستوية.
وقاسوا باطن الأنف على ظاهره في غسل الجنابة، فأوجبوا الاستنشاق. ولم يقيسوه عليه في الوضوء [162/ب] الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه بالاستنشاق نصًّا(2)، ففرَّقوا بينهما، وأسقطوا الوجوب في محلَّ الأمر به، وأوجبوه في غيره. والأمرُ بغسل الوجه في الوضوء كالأمر بغسل البدن في الجنابة سواء.
ومن ذلك: أنكم قستم النسيان على العمد في الكلام في الصلاة، وفي فعل المحلوف عليه ناسيًا، وفيما يوجب الفدية من محظورات الإحرام كالطيب واللباس والحلق والصيد، وفي حمل النجاسة في الصلاة. ثم فرَّقتم بين النسيان والعمد في السلام قبل تمام الصلاة، وفي الأكل والشرب في الصوم، وفي ترك التسمية على الذبيحة، وفي غير ذلك من الأحكام.
وقستم الجاهل على الناسي في عدّة مسائل، وفرَّقتم بينهما في مسائل أخر. ففرَّقتم بينهما فيمن نسي أنه صائم فأكل أو شرب، لم يبطل صومه؛ ولو--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «فلم».
(2) رواه أحمد (16380، 16383)، وأبو داود (142، 2366)، والترمذي (788) ــ وصححه ــ، وابن ماجه (407)، والنسائي (87) من حديث لقيط بن صَبِرة رضي الله عنه مرفوعًا. وصححه أيضًا ابن خزيمة (150، 168)، وابن حبان (1600، 4337، 6100)، والحاكم (1/ 147 - 148، 4/ 110)، وابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (5/ 592، 593)، وابن حجر في «الإمتاع» (ص 50)، وغيرُهم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 43)
جهِل فظنَّ وجودَ الليل فأكل أو شرب فسد صومه؛ مع أن الشريعة تعذِر الجاهل، كما تعذِر الناسي أو أعظم. كما عذَر النبيُّ صلى الله عليه وسلم المسيءَ في صلاته بجهله بوجوب الطمأنينة، فلم يأمره بإعادة ما مضى(1). وعذر المستحاضةَ(2) بجهلها بوجوب الصلاة والصوم عليها مع الاستحاضة، ولم يأمرها بإعادة ما مضى(3). وعذَر عديَّ بن حاتم بأكله في رمضان حين تبيَّن له الخيطان اللذان(4) جعلهما تحت وسادته، ولم يأمره بالإعادة(5). وعذَر أبا ذرٍّ بجهله بوجوب الصلاة إذا عدم الماء، فأمره بالتيمم، ولم يأمره بالإعادة(6).
وعذَر الذين تمعَّكوا في التراب كتمعُّك الدابة، لما سمعوا--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (757) ومسلم (397) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) في النسخ المطبوعة: «الحامل المستحاضة» بزيادة «الحامل».
(3) رواه أبو داود (287)، والترمذي (128)، وابن ماجه (622) من حديث حمنة بنت جحش رضي الله عنها وفيه قولها: «فقد منعتني الصيام والصلاة … ». وأصل الحديث عند أحمد (27144، 27474، 27475)، وابن ماجه (627) أيضًا، لكن ليس عندهما محلّ الشاهد منه. وصححه الإمام أحمد والترمذي، وحسّنه البخاري. ويُنظر: «العلل الكبير» للترمذي (74)، و «العلل» لابن أبي حاتم (123)، و «العلل» للدارقطني (15/ 363)، و «السنن الكبير» للبيهقي (1/ 338 - 340)، و «تحفة الأشراف» للمزي (11/ 293)، و «تهذيب الكمال» له (35/ 158 - 159)، و «تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (1/ 403 - 406)، و «تعليقته على العلل لابن أبي حاتم» (ص 120 - 124)، و «البدر المنير» لابن النحوي (3/ 57 - 66).
(4) ما عدا ع: «اللذين».
(5) أخرجه البخاري (1916) ومسلم (1090).
(6) رواه أحمد (21371، 21568)، وأبو داود (332)، والترمذي (124) ــ وصححه ــ، من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذرّ رضي الله عنه مرفوعًا .. ورواه أحمد (21304، 21371)، وأبو داود (333) من طريق ابن سيرين، عن أبي قلابة، عن رجل من بني عامر، عن أبي ذرّ به. والعامريُّ هذا هو عمرُو بن بُجْدان نفسُه، وقد وثقه العجلي وابن حبان، وصحح حديثَه هذا أيضًا ابن خزيمة (2292) ــ لكنه اختصره، ولم يَسُقْ محلّ الشاهد منه ــ، وابن حبان (1037، 1038، 4339)، والحاكم (1/ 176 - 177)، والجورقاني في «الأباطيل» (1/ 508).
والحديث عند النسائي (322) مختصرًا، لكن غلط شيخُ شيخِه (مخلدُ بن يزيدَ) حينَ عيَّن اسم العامريِّ من طريق أبي قلابة! وراج غَلَطُه على ابن حبان (1038)، وعلى الجورقاني في «الأباطيل» (1/ 508 - 509). ويُنظر للفائدة: «العلل» لابن أبي حاتم (1)، و «العلل» للدارقطني (6/ 252 - 254، 8/ 93)، و «السنن الكبير» للبيهقي (1/ 212)، و «الفصل للوصل المدرج في النقل» للخطيب (2/ 932 - 951)، و «بيان الوهم والإيهام» لابن القطان (3/ 327 - 328، 5/ 266 - 267)، و «البدر المنير» لابن النحوي (2/ 650 - 657).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 44)
فرضَ التيمم، ولم يأمرهم بالإعادة(1). وعذَر معاويةَ بن الحكم بكلامه في الصلاة [163/أ] عامدًا لجهله بالتحريم(2). وعذَر أهلَ قباء بصلاتهم إلى بيت المقدس بعد نسخ استقباله لجهلهم بالناسخ، ولم يأمرهم بالإعادة(3). وعذَر الصحابةُ والأئمةُ بعدهم مَن ارتكب محرَّمًا جاهلًا بتحريمه، فلم يحُدُّوه.
وفرَّقتم بين قليلِ النجاسة في الماء، وقليلِها في الثوب والبدن، وطهارةُ الجميع شرط لصحة الصلاة.
وترك الجميعُ صريحَ القياس في مسألة الكلب، فطائفةٌ لم تقِسْ عليه--------------------------------------------
(1) انظر حديث عمار في البخاري (338) ومسلم (368).
(2) أخرجه عنه مسلم (537).
(3) أخرجه البخاري (403) ومسلم (526) من حديث ابن عمر.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 45)
غيره، وطائفة قاست عليه الخنزير وحده دون الذئب(1) الذي هو مثله أو شرٌّ منه. وقياسُ الخنزير على الذئب أصحُّ من قياسه على الكلب. وطائفة قاست عليه البغل والحمار، وقياسُهما على الخيل ــ التي هي قرينتهما في الذكرِ وامتنانِ الله سبحانه على عباده بما يركبونها(2)، واتخاذِها زينةً، وملامسة الناس لها ــ أصحُّ من قياس البغل على الكلب، فقد علم كلُّ أحد أن الشبه بين البغل والفرس أظهر وأقوى من الشبه بينه وبين الكلب. وقياسُ البغل والحمار على السنَّور لشدَّة ملامستهما والحاجة إليهما وشُربهما من آنية البيت أصحُّ من قياسهما على الكلب.
وقستم الخنافس والزنابير(3) والعقارب والصِّرْدان(4) على الذباب في أنها لا تنجَس بالموت لعدم(5) النفس السائلة لها، وقلة الرطوبات والفضلات التي توجب التنجيس فيها. ونجَّس من نجَّس منكم العظام بالموت مع تعرِّيها من الرطوبات والفضلات جملة، ومعلوم أن النفس السائلة التي في تلك الحيوانات المقيسة أعظم من النفس السائلة التي في العظام.--------------------------------------------
(1) ع: «دون غيره كالذئب». وكذا في النسخ المطبوعة.
(2) تحرف في ع إلى «بها بركوبها»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(3) «الزنابير» من ع وحدها. وكذا في النسخ المطبوعة.
(4) جمع الصُّرَد. وهو طائر أعظم من العصفور ضخم الرأس والمنقار، يصيد صغار الحشرات وربما صاد العصافير (المعجم الوسيط). وانظر: «معجم الحيوان» للفريق أمين المعلوف (ص 227).
(5) س، ع: «بعدم»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 46)
وفرَّقتم بين ما شرِب منه الصقر والبازي والحِدَأة والعقاب والأحناش وسباع الطير، وما شرب منه [163/ب] سباع البهائم، من غير فرق بينهما. قال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة عن الفرق في هذا بين سباع الطيور وسباع ذوات الأربع، فقال: أما في القياس فهما سواء، ولكني أستحسن في هذا(1).
وتركتم صريح القياس في التسوية بين نبيذ التمر والزبيب والعسل والحنطة ونبيذ العنب، وفرَّقتم بين المتماثلين، لا فرق(2) بينهما البتة، مع أن النصوص الصحيحة الصريحة قد سوَّت بين الجميع.
وفرَّقتم بين مَن معه إناءان طاهر ونجس، فقلتم: يُريقهما ويتيمَّم، ولا يتحرَّى فيهما، ولو كان معه ثوبان كذلك تحرَّى(3) فيهما، والوضوءُ بالماء النجس كالصلاة في الثوب النجس. ثم قلتم: فلو كان(4) الآنية ثلاثة تحرَّى، ففرَّقتم بين الاثنين والثلاثة، وهو فرق بين متماثلين. وهذا على أصحاب الرأي، وأما أصحاب الشافعي ففرَّقوا بين الإناء الذي كلُّه بول وبين الإناء الذي نصفُه فأكثر بول، فجوَّزوا الاجتهاد بين الثاني والإناء الطاهر، دون الأول، وتركوا محض القياس في التسوية بينهما.
وقِستم القيء على البول، وقلتم: كلاهما طعام أو شراب خرج من الجوف، ولم تقيسوا الجَشوة الخبيثة على الفسوة، ولم تقولوا: كلاهما ريح--------------------------------------------
(1) انظر: «المبسوط» للسرخسي (1/ 50 - 51) و «المحيط البرهاني» (1/ 125 - 126).
(2) في النسخ المطبوعة: «ولا فرق»، بالواو.
(3) في النسخ المطبوعة: «يتحرى».
(4) كذا في النسخ الخطية، وفي النسخ المطبوعة: «كانت».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 47)