خارجة من الجوف.
وقستم الوضوء وغسل الجنابة على الاستنجاء وغسل النجاسة في صحته بلا نية. ولم تقيسوهما على التيمُّم، وهما أشبه به من الاستنجاء. ثم تناقضتم، فقلتم: لو انغمس جُنبٌ في البئر لأخذِ الدلو ولم ينو الغسل لم يرتفع حدثه، كما قاله أبو يوسف، ونقَض أصله في أن مسَّ الماء لبدن الجنب يرفع حدثه وإن لم ينوِ. وقال محمد: بل يرتفع حدثه، ولا يفسد الماء، فنقضَ أصله في فساد الماء الذي يرفع الحدث(1).
وقستم التيمُّم إلى المرفقين [164/أ] على غسل اليدين إليهما، ولم تقيسوا المسح على الخفين إلى الكعبين على غسل الرجلين إليهما، ولا فرق بينهما البتة. وأهل الحديث أسعد بالقياس منكم، كما هم أسعد بالنص.
وقستم إزالة النجاسة عن الثياب(2) بالمائعات على إزالتها بالماء، ولم تقيسوا إزالتها من القذر بها على الماء، فما الفرق؟ ثم قلتم: تُزال من المخرجين بكلِّ مزيل جامد، ولا تُزال من سائر البدن إلا بالماء. وقلتم: تُزال من المخرجين بالروث اليابس، ولا تُزال بالرجيع اليابس، مع تساويهما في النجاسة.
وقستم قليل القيء على كثيره في النجاسة، ولم تقيسوه عليه في كونه حدثًا. وقستم نوم المتورِّك على المضطجع في نقض الوضوء، ولم تقيسوا عليه نوم الساجد.--------------------------------------------
(1) انظر: «المبسوط» للسرخسي (1/ 53).
(2) ما عدا ع: «من الثياب».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 48)
وتركتم محض القياس المؤيَّد بالسنّة المستفيضة في مسح العمامة ــ إذ هي(1) ملبوس معتاد ساتر لمحلِّ الفرض، يشقُّ نزعُه على كثير من الناس إما لحَنَكٍ أو لكُلّاب أو لبرد ــ على المسح على الخفين، والسنّة قد سوَّت بينهما في المسح، كما هما سواء في القياس، ويسقط فرضهما في التيمم.
وقستم مسحَ الوجه واليدين في التيمُّم على الوضوء في وجوب الاستيعاب، ولم تقيسوا مسح الرأس في الوضوء على الوجه في وجوب الاستيعاب، والفعل والباء والأمر في الموضعين سواء.
وقستم وجودَ الماء في الصلاة على وجوده خارجَها في بطلان صلاة المتيمِّم به، ولم تقيسوا القهقهة في الصلاة على القهقهة خارجها(2). وفرَّقتم بين تقديم الزكاة قبل وجوبها فأجَزْتموه، وبين تقديم الكفَّارة قبل وجوبها فمنعتموه.
وقستم وجهَ المرأة في الإحرام على رأس الرجل وتركتم [164/ب] قياس وجهها على يديها أو على بدن الرجل، وهو محض القياس وموجَب السنَّة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سوَّى بين يديها ووجهها وبين بدن الرجل ووجهها(3) حيث قال: «لا تلبس القُفَّازين ولا النقاب»(4)، وكذلك قال: «لا يلبس--------------------------------------------
(1) ت: «وهي»، وكذا في الطبعات القديمة.
(2) في النسخ المطبوعة: «في خارجها».
(3) ع: «يدي الرجل ووجهه»، وكذا في النسخ المطبوعة. والصواب ما أثبت من النسخ الأخرى.
(4) تقدَّم تخريجه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 49)
المُحرِم القميصَ ولا السراويل، ولا تنتقب المرأة»(1). فتركتم محض القياس وموجَب السنَّة.
وقستم المزارعة والمساقاة على الإجارة الباطلة فأبطلتموها(2)، وتركتم محض القياس وموجَب السنة، وهو قياسها على المضاربة والمشاركة، فإنها بها أشبه(3) منها بالإجارة؛ فإنَّ صاحب الأرض والشجر يدفع أرضه وشجره لمن يعمل عليهما، وما رزق الله من نَماءٍ(4) فهو بينه وبين العامل. وهذا كالمضاربة سواء، فلو لم تأت السنة الصحيحة بجوازها لكان القياس يقتضي جوازها عند القيّاسين(5).
واشترط أكثر من جوَّزها(6) كونَ البذر من صاحب الأرض(7)، وقاسها على المضاربة في كون المال من واحد والعمل من واحد. وتركوا محض القياس وموجَب السنة، فإن الأرض كالمال في المضاربة، والبذر يجري مجرى الماء والعمل فإنه يموت في الأرض؛ ولهذا لا يجوز أن يرجع إلى ربِّه مثل بذره، ويقتسما الباقي. ولو كان كرأس المال في المضاربة لجاز، بل--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه.
(2) كذا بإفراد الضمير في جميع النسخ هنا وفيما يأتي، كأنه جعل المزارعة والمساقاة معاملة واحدة. وكذا المضاربة والمشاركة. وقد ثُنِّي الضمير في النسخ المطبوعة.
(3) في النسخ المطبوعة: «فإنهما أشبه بهما» بتقديم «أشبه».
(4) ت: «ثمار»، تصحيف.
(5) في النسخ المطبوعة: «القياسيين»، كما سبق.
(6) ت: «يجوزها».
(7) س، ت، ع: «رب الأرض» وكذا في النسخ المطبوعة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 50)
اشتُرِط أن يرجع إليه مثلُ بذره كما يرجع إلى ربِّ المال مثلُ ماله. فتركوا القياس كما تركوا موجَب السنة الصحيحة الصريحة وعمل الصحابة كلِّهم.
وقستم إجارة الحيوان للانتفاع بلَبَنه على إجارة الخبز للأكل. وهذا من أفسد القياس، وتركتم محض القياس وموجَب القرآن، [165/أ] فإن الله سبحانه قال: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6]. فقياسُ الشاة والبقرة والناقة للانتفاع بلبنها على الظئر أصح وأقرب إلى العقل من قياس ذلك على إجارة الخبز للأكل، فإن الأعيان المستخلفة شيئًا بعد شيء تجري مجرى المنافع، كما جرت مجراها في المنيحة والعارية والضمان بالإتلاف. فتركتم محض القياس، وقستم على ما لا خفاء بالفرق بينه وبينه. وهو أن الخبز والطعام تذهب جملُته بالأكل ولا يخلُفه غيره، بخلاف اللبن ونفع(1) البئر، وهذا من أجلى القياس.
وقستم الصَّداق على ما يقطع فيه يد السارق، وتركتم محض القياس وموجَب السنة، فإنه عقدُ معاوضة، فيجوز بما يتراضى عليه المتعاوضان ولو خاتمٍ(2) من حديد.
وقستم الرجلَ يسرق العينَ ثم يملكها بعد ثبوت القطع، على ما إذا ملكها قبل ذلك. وتركتم محضَ القياس وموجَب السنة، فإن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «نقع» بالقاف، تصحيف.
(2) يعني: «ولو بخاتم». وانظر: «شرح التسهيل» (3/ 191). وفي النسخ المطبوعة: «خاتمًا» بالنصب وهو أشهر. وأثبت ما في النسخ الخطية استئناسًا بما جاء في نسخ «كتاب الروح» (2/ 396): « … إذا فعله من يحصل المقصودُ بفعله، ولو واحدٌ» بردِّ «واحد» على «مَن».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 51)
يُسقِط القطع عن سارق الرداء بعدما وهبه إياه صفوانُ(1). وفرَّقتم بين ذلك وبين الرجل يزني بالأمة ثم يملكها، فلم تروا ذلك مُسقِطًا للحدِّ، مع أنه لا فرق بينهما.
وقستم قياسًا أبعد من هذا، فقلتم: إذا قُطِع بسرقتها مرة، ثم عاد، فسرَقها= لم يُقطَع بها ثانيًا. وتركتم محض القياس على ما إذا زنى بامرأة، فحُدَّ بها، ثم زنى بها ثانيًا(2) = فإن الحدَّ لا يسقط عنه. ولو قذَفه، فحُدَّ، ثم قذفه(3) ثانيًا= لم يسقط عنه الحد.
وقستم نذرَ صوم يوم العيد في الانعقاد ووجوب الوفاء، على نذر صوم اليوم القابل له شرعًا. وتركتم محض القياس وموجَب السنة، ولم تقيسوه على [165/ب] صوم يوم الحيض. وكلاهما غيرُ محلٍّ للصوم شرعًا، فهو بمنزلة الليل.
وقستم وجعلتم المحتقِن بالخمر كشاربها في الفِطْر بالقياس، ولم تجعلوه كشاربها في الحدِّ.--------------------------------------------
(1) رواه أحمد (15305، 15306، 15310)، وأبو داود (4394)، وابن ماجه (2595)، والنسائي (4878، 4879 4881، 4883، 4884) من طرق عن صفوان بن أمية رضي الله عنه. وصححه الحاكم (4/ 380)، وابن عبد الهادي في «تنقيح التحقيق» (4/ 563)، وابن النحوي في «البدر المنير» (8/ 652). وقوّاه أيضًا البيهقي (8/ 265). وأورده الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (11/ 60 - 61). ويُنظر: «المسند» لأحمد (15303)، و «المجتبى» للنسائي (4880، 4882)، و «بيان الوهم والإيهام» لابن القطان (3/ 568 - 571، 5/ 99 - 100).
(2) في النسخ المطبوعة: «ثانية».
(3) «فحُدَّ ثم قذفه» ساقط من ع لانتقال النظر.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 52)
وقاسُوا(1) الكافرَ الذميَّ والمعاهِدَ على المسلم في قتله به، ولم يقيسوه على الحربي في إسقاط القود. ومن المعلوم قطعًا أنّ الشَّبه الذي بين المعاهد والحربي أعظم من الشَّبه الذي بين الكافر والمسلم. والله سبحانه قد سوَّى بين الكفار كلِّهم في إدخالهم جهنم(2)، وفي قطع الموالاة بينهم وبين المسلمين، وفي عدم التوارث بينهم وبين المسلمين، وفي منع قبول شهادتهم على المسلمين، وغير ذلك؛ وقطَع المساواة بين المسلمين والكفار. فتركتم محض القياس ــ وهو التسويةُ بين ما سوَّى الله بينه ــ وسوَّيتم بين ما فرَّق الله بينه.
ومن العجب أنكم قستم المؤمن على الكافر في جرَيان القصاص بينهما في النفس والطَّرَف، ولم تقيسوا العبد المؤمن على الحُرِّ في جرَيان القصاص بينهما في الأطراف، فجعلتم حرمةَ عدو الله الكافر في أطرافه أعظمَ من حرمة وليِّه المؤمن. وكأنَّ نقصَ العبودية(3) الموجِبَ للأجرين عند الله أنقصُ عندكم من نقص الكفر!
وقلتم: يُقتَل الرجل بالمرأة. ثم ناقضتم، فقلتم: لا يؤخذ طرفه بطرفها.
وقلتم: يقتل العبد بالعبد وإن كانت قيمة أحدهما مائة درهم، وقيمة الآخر مائة ألف درهم(4). ثم ناقضتم، فقلتم: لا يؤخذ طرفه(5) بطرفه، إلا أن--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «وقستم»، وكذا «ولم تقيسوه» فيما بعد، خلافًا للنسخ الخطية.
(2) في النسخ المطبوعة: «نار جهنم».
(3) في النسخ المطبوعة: «نقص المؤمن العبودية» بإقحام كلمة «المؤمن» في غير محلِّها. وقد ضبط «نقص» في ح بالضم، يعني: «وكان نقصُ».
(4) «درهم» من ت، ع.
(5) في النسخ المطبوعة: «طرفها»، وهو خطأ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 53)
تتساوى قيمتهما. فتركتم محض القياس، فإنَّ الله سبحانه ألغى التفاوت بين النفوس والأطراف في الفضل لمصلحة المكلَّفين، ولعدم ضبط التساوي. فألغيتم ما اعتبره الله سبحانه من الحكمة والمصلحة، واعتبرتم ما ألغاه [166/أ] من التفاوت.
وقستم قوله: «إن كلَّمتُ فلانًا أو بايعتُه، فامرأتي طالق وعبدي حرّ» على ما إذا قال: «إن أعطيتِني ألفًا فأنتِ طالق». ثم عدَّيتم ذلك إلى قوله: «الطلاق يلزمني لا أكلِّم فلانًا»، ثم كلَّمه. ولم تقيسوه على قوله: «إن كلَّمتُ فلانًا فعليَّ صومُ سنة، أو حجٌّ إلى بيت الله، أو فمالي صدقة»، وقلتم: هذا يمين، لا تعليق مقصود. فتركتم محض القياس، فإن قوله: «الطلاق يلزمني لا أكلِّم فلانًا» يمين، لا تعليق.
وقد أجمع الصحابة على أن قصد اليمين في العتق يمنع من وقوعه، وحكى غيرُ واحد إجماع الصحابة أيضًا على أن الحالف بالطلاق لا يلزمه الطلاق إذا حنَث. وممن حكاه: أبو محمد بن حزم(1). وحكاه أبو القاسم(2) عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد بن علي التَّيمي(3) المعروف بابن بَزِيزة(4) في--------------------------------------------
(1) في «المحلَّى» (9/ 478 - دار الفكر).
(2) كذا وقع هنا وفي «الصواعق المرسلة» (2/ 615). وإنما ذكروا أنه يكنى أبا محمد وأبا فارس، والأول أشهر. انظر: «كفاية المحتاج» (1/ 286).
(3) في النسخ المطبوعة ومعظم مراجع ترجمة المذكور: «التميمي». والصواب ما أثبت من النسخ الخطية. فإنه قرشي، فكيف يكون تميميًّا!
(4) ضبط في س بضم الباء، وهو خطأ. وهو عالم تونسي (606 - 662) من أعيان المذهب المالكي. من مؤلفاته: شرح «الإرشاد» للجويني و «روضة المستبين في شرح كتاب التلقين» للقاضي عبد الوهاب ــ وهو مطبوع، وتفسير جمع فيه بين كتابي الزمخشري وابن عطية. انظر ترجمته في «كفاية المحتاج» و «نيل الابتهاج» (ص 268) و «شجرة النور الزكية» (1/ 272 - 273).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 54)
كتابه المسمَّى بـ «مصالح الأفهام في شرح كتاب الأحكام»(1) في بابٍ ترجمتُه: «الباب الثالث في حكم اليمين بالطلاق أو الشك فيه»: «وقد قدَّمنا في كتاب الأيمان اختلاف العلماء في اليمين بالطلاق والعتق والمشي(2) وغير ذلك: هل تلزم أم لا؟ فقال علي بن أبي طالب وشُرَيح وطاوس: لا يلزم من ذلك شيء، ولا يُقضَى بالطلاق على من حلَف به، فحنَث. ولا يعرف لعليٍّ في ذلك مخالف من الصحابة»(3). قال(4):
«وصحَّ عن عطاء فيمن قال لامرأته: «أنتِ طالق إن لم أتزوَّج عليك»، قال: إن لم يتزوَّج عليها حتى يموت أو تموت فإنهما يتوارثان(5). وهو قول الحَكَم بن عُتَيبة(6)». ثم حكى(7) عن عطاء فيمن حلف بطلاق امرأته ليضربنَّ زيدًا، فمات أحدهما أو ماتا معًا، فلا حنث عليه،--------------------------------------------
(1) وهو شرح كتاب «الأحكام الصغرى» لعبد الحق الإشبيلي، وقد وصل بعض أجزاء الكتاب.
(2) في النسخ المطبوعة: «والشرط» وهو غلط.
(3) هذا النص من كتاب ابن بزيزة نقله المؤلف في «الصواعق» (2/ 616) وسيورده مرة أخرى في هذا الكتاب أيضًا.
(4) يعني: ابن بزيزة ..
(5) رواه عبد الرزاق (11310) عن ابن جريج عنه.
(6) «عتيبة» تصحف في ح، ت، ف إلى «عيينة». وقول الحكم رواه عبد الرزاق (11309) ــ وعنه ابن حزم في «المحلَّى» (9/ 477 - دار الفكر) ــ من طريق غيلان بن جامع عنه.
(7) يعني: ابن بزيزة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 55)
ويتوارثان. وهذا صريح [166/ب] في أن يمين الطلاق لا تلزم(1)، ولا تطلَّق الزوجة بالحنث فيها. ولو حنَث قبل موته لم يتوارثا، فحيث أثبت التوارث دلَّ على أنها زوجة عنده. وكذلك عكرمة مولى ابن عباس أيضًا عنده يمينُ الطلاق لا تلزم، كما ذكره عنه سُنَيد بن داود في «تفسيره»(2) في سورة النور عند قوله {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [النور: 21].
ومن العجب أنكم قلتم: إذا قال: «إن شفى الله مريضي فعليَّ صومُ شهر، أو صدقة، أو حجة» لزمه، لأنه قاصد للنذر. فإذا قال: «إن كلَّمتُ فلانًا فعليَّ صوم، أو صدقة» لم يلزمه لأنه نذر لجاج وغضب، فهو يمين فيه كفارة اليمين. فجعلتم قصدَه لعدم الوقوع مانعًا من ثلاثة أشياء: إيجاب ما التزم، ووجوبه عليه، ووقوعه.
وقلتم: لو قال: «إن فعلتُ كذا فعليَّ الطلاق» وفَعَله لزمه، ولم يمنع قصدُ الحلف من وقوعه، وهو أبغضُ الحلال إلى الله(3)،
ومَنَع من وجوب--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «لا يلزم».
(2) من طريق عبّاد بن عبّاد المُهَلَّبي عن عاصم الأحول عنه، كما سيأتي في هذا الكتاب، وكما ذكره المؤلف في «إغاثة اللهفان» (2/ 791) و «الصواعق» (2/ 609).
(3) يشير إلى حديثٍ رواه أبو داود (2178)، وابن ماجه (2018) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا. والمحفوظ أنه من مراسيل محارب بن دثار.
ويُنظر: «السنن» لأبي داود (2177)، و «العلل» لابن أبي حاتم (1297)، و «الكامل» لابن عدي (3/ 86، 87)، و «العلل» للدارقطني (13/ 225)، و «السنن الكبير» للبيهقي (7/ 527)، و «بيان الوهم والإيهام» لابن القطان (2/ 447 - 448، 3/ 170 - 171)!، و «المُحرَّر» لابن عبد الهادي (1053)، و «البدر المنير» لابن النحوي (8/ 65 - 68).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 56)
القربات التي هي أحبُّ شيء إلى الله. فخالفتم صريح القياس والمنقول عن الصحابة والتابعين بأصحِّ إسناد يكون. ثم ناقضتم القياس من وجه آخر فقلتم: إذا قال «الطلاق يلزمني لأفعلنَّ كذا إن شاء الله»، ثم لم يفعله= لم يحنَث، لأنه أخرجه مخرج اليمين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن حلَف، فقال: إن شاء الله= فإن شاء فعل، وإن شاء ترك»(1).
فجعلتموه يمينًا، ثم قلتم: يلزمه وقوع الطلاق، لأنه تعليق، فليس بيمين. ثم ناقضتم من وجه آخر، فقلتم: لو قال: «الطلاق يلزمني لا أجامعها سنة»، فهو مُؤلٍ، فيدخل في قوله تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} [البقرة: 226]. والأليَّة [167/أ] والإيلاء والائتلاء هو الحلف بعينه، كما في الحديث: «تألَّى على الله أن لا يفعل خيرًا»(2)، وقال تعالى: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي--------------------------------------------
(1) رواه أحمد (4510، 5362، 6087، 6103)، وأبو داود (3262)، وابن ماجه (2105)، والنسائي (3830) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا. وصحّحه ابن حبان (4036).
أمّا البخاري، فأشار إلى تصويب وقفه، نقله عنه الترمذي في «العلل الكبير» (455). ويَحْسُنُ تدبُّر ما في «الجامع للترمذي» (1531)، و «العلل» للدارقطني (13/ 104 - 105)، و «السنن الكبير» للبيهقي (10/ 46)، و «فتح الباري» لابن حجر (11/ 605 - 606). وللحديث شاهدٌ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
مرفوعا، رواه الترمذي (1532)، وابن ماجه (2104)، والنسائي (3855)، وصحّحه ابن حبان (4035)!
والراجح أنه مُعَلٌّ، أعلّه ابن معين، والبخاري، وأقرّه الترمذي في «الجامع»، وفي «العلل الكبير» (456). ويُوازَنُ ما في «المسند» للإمام أحمد (8088) بما في «التاريخ» لابن أبي خيثمة (1223 - السِّفْر الثالث).
(2) يشير إلى حديث عائشة الذي أخرجه البخاري (2705) ومسلم (1556) ولفظه: «أين المتألِّي على الله، لا يفعل المعروف».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 57)
الْقُرْبَى} [النور: 22]. وقال الشاعر(1):
قليلُ الألايا حافظٌ ليمينه … وإن بدَرَتْ منه الأليَّةُ برَّت
ثم قلتم: وليس بيمين، فيدخل في قوله: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2]. فيالله العجب! ما الذي أحلَّه عامًا وحرَّمه عامًا، وجعله يمينًا وليس بيمين؟
ثم ناقضتم من وجه آخر، فقلتم(2): إن قال: «إن فعلتُ كذا فأنا كافر»، وفعَلَه= لم يكفر، لأنه لم يقصد الكفر، وإنما منَعَ(3) نفسه من الفعل بمنعها من الكفر. وهذا حق، لكن نقضتموه في الطلاق والعتاق، مع أنه لا فرق بينهما البتة في هذا المعنى الذي منع من وقوع الكفر.
ثم ناقضتم من وجه آخر، فقلتم: لو قال: «إن فعلتُ كذا فعليَّ أن أطلِّق امرأتي»، فحنَث= لم يلزمه أن يطلِّقها. ولو قال: «إن فعلتُه فالطلاق يلزمني»، فحنَث= وقع عليه الطلاق. ولا تفرِّق اللغة ولا الشريعة بين المصدر وأن والفعل.
فإن قلتم: الفرق بينهما أنه التزم في الأول التطليقَ، وهو فعلُه(4)؛ وفي الثاني وقوعَ الطلاق، وهو أثر فعله.--------------------------------------------
(1) هو كُثيِّر عزَّة. انظر: «ديوانه» (ص 325 - نشرة إحسان عباس).
(2) ت، ع: «وقلتم».
(3) في النسخ المطبوعة: «قصد منْعَ» بزيادة «قصد».
(4) «وهو فعله» من ع، وكذا في النسخ المطبوعة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 58)
قيل: هذا الفرق الذي تخيلتموه، ولا يُجدي(1) شيئًا؛ فإن الطلاق هو التطليق بعينه، وإنما أثره كونها طالقًا، وهذا غير الطلاق. فهاهنا ثلاثة أمور مرتبة: التزام التطليق، وهذا غير الطلاق بلا شك. والثاني: إيقاع التطليق، وهو الطلاق بعينه الذي قال الله فيه: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الطلاق لمن أخذ بالساق»(2). الثالث(3): صيرورة المرأة طالقًا وبينونتها. فالقائل: «إن فعلتُ كذا فعليَّ الطلاق» [167/ب] لم يُرد هذا الثالث قطعًا، فإنه ليس إليه ولا هو(4) من فعله، وإنما هو إلى الشارع؛ والمكلَّفُ إنما يلزم ما يدخل تحت مقدرته، وهو إنشاءُ الطلاق. فلا فرق أصلًا بين هذا اللفظ وبين قوله: «فعليَّ أن أطلِّق»، فالتفريق بينهما تفريق بين متساويين، وهو عدولٌ عن محض القياس، من غير نصٍّ ولا إجماع ولا قول صاحب.
يوضِّحه أن قوله: «فالطلاق لازم لي» إنما هو فعله الذي يلزم(5)--------------------------------------------
(1) كذا في النسخ الخطية: «ولا يجدي»، فخبر المبتدأ هو الاسم الموصول. وفي النسخ المطبوعة حذفوا الواو، لتكون الجملة الفعلية هي الخبر.
(2) رواه ابن ماجه (2081) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا. وفي سنده ابن لهيعة، وهو ضعيف، وقد اضطرب فيه، فكان يُسنده حينًا، ويُرسله أخرى. فليُنظر: «السنن» للدارقطني (3992)، و «السنن الكبير» للبيهقي (7/ 360).
أما ما ذُكِرَ لابن لهيعة من متابعات؛ فليس يصحُّ منها شيءٌ. ويُنظر: «البدر المنير» لابن النحوي (8/ 138 - 139)، و «التلخيص الحبير» لابن حجر (3/ 441).
(3) ت: «والثالث».
(4) «هو» ساقط من ع والنسخ المطبوعة.
(5) في النسخ المطبوعة: «يلزمه».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 59)
بالتزامه. وأما كونها طالقًا، فهذا وصفها، فليس هو لازمًا له(1)، وإنما هو لازم لها.
فلينظر اللبيب المنصف، الذي العلمُ أحبُّ إليه من التقليد، إلى مقتضى القياس المحض واتباع الصحابة والتابعين في هذه المسألة، ثم ليختر لنفسه ما شاء، والله الموفِّق.
ثم ناقضتم أيضًا من وجه آخر، فقلتم: لو قال: «إن حلفتُ بطلاقك أو وقع منِّي يمينٌ بطلاقك»، أو لم يقل: «بطلاقك»، بل قال: «متى حلفتُ أو أوقعتُ يمينًا فأنتِ طالق»، ثم قال: «إن كلَّمتُ فلانا فأنتِ طالق» ــ حنَثَ، وقد وقع عليه الطلاق؛ لأنه قد حلف وأوقع اليمين. فأدخلتم الحلفَ بالطلاق في اسم اليمين والحلف في كلام المكلَّف، ولم تُدخلوه في اسم اليمين والحلف في كلام الله ورسوله، وزعمتم أنكم اتبعتم في ذلك القياس والإجماع. وقد أريناكم مخالفتَكم لصريح القياس مخالفةً لا يمكنكم الانفكاك عنها بوجه، ومخالفتَكم للمنقول عن الصحابة والتابعين كأصحاب ابن عباس، فظهر عند المنصفين أنَّا أولى بالقياس والاتباع منكم في هذه المسألة. وبالله التوفيق.
وقلتم: لو شهد عليه أربعةٌ بالزنا، فصدَّق الشهودَ [168/أ] سقط عنه الحدُّ، وإن كذَّبهم أقيم عليه الحد. وهذا من أفسد قياس في الدنيا، فإنَّ تصديقهم إنما زادهم قوةً، وزاد الإمامَ علمًا ويقينًا(2) أعظمَ من العلم--------------------------------------------
(1) «له» ساقط من ح، ف.
(2) ع: «يقينًا وعلمًا»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 60)
الحاصل بالشهادة وتكذيبه. وتفريقكم بأن البينة لا تَعمل(1) إلا مع الإنكار، فإذا أقرَّ فلا عملَ للبينة، والإقرارُ مرةً لا يكفي، فيسقط الحد= تفريقٌ باطل، فإن العمل هاهنا بالبينة لا بالإقرار، وهو إنما صدر منه تصديقُ البينة التي وجب الحكمُ بها بعد الشهادة، فسواء أقرَّ أو(2) لم يُقِرَّ، فالعمل إنما هو بالبينة.
وقلتم: لو وجد الرجل امرأةً على فراشه، فظنَّها(3) امرأتَه، فوطئها= حُدَّ حدَّ الزنا، ولا يكون هذا شبهة مسقطة للحد. ولو عقَد على ابنته أو أمه ووطئها كان ذلك شبهة مسقطة للحد. ولو حبلت امرأة لا زوج لها ولا سيد وولدت مرة بعد مرة لم تُحَدَّ. ولو تقيَّأ(4) الخمر كلَّ يوم لم يُحَدَّ. فتركتم محضَ القياس والثابتَ عن الصحابة ثبوتًا لا شكَّ فيه من الحدِّ بالحَبَل ورائحة الخمر(5).
وقلتم: لو شهد عليه أربعةٌ بالزنا، فطعَن في عدالتهم= حُبِس إلى(6) أن تزكَّى الشهود؛ ولو شهد عليه اثنان بمالٍ، فطعَن في عدالتهما(7) = لم يُحبَس--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «لا يعمل بها»، زادوا «بها» للتصحيف في «يعمل».
(2) في طبعة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ومَن تابعه: «أم»، ولعله أصلح ما في أصله لأن «أم» هي المعادلة لهمزة التسوية في العربية، ولكن استعمال «أو» مكان «أم» من التسامح الشائع في كتب العلماء.
(3) ع: «فظن أنها»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(4) في النسخ المطبوعة: «تقايأ».
(5) تقدَّم تخريج الآثار في ذلك.
(6) في النسخ المطبوعة: «إلا».
(7) ما عدا ع: «عدالتهم».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 61)
قبل التزكية، فتركتم محض القياس.
وقستم دعوى المرأتين الولدَ وإلحاقَه بهما وجعلَهما أمَّين له، على دعوى الرجلين. وهذا من أفسد القياس، فإنَّ خروج الولد من أمَّين معلوم الاستحالة، وتخليقَه من ماء الرجلين ممكن، بل واقع، كما شهد به القائف عند عمر، وصدَّقه(1).
وقلتم: لو قال لأجنبيٍّ: «طلِّقْ امرأتي» فله أن يطلِّق في المجلس(2) وبعده. ولو قال لامرأته: «طلِّقي نفسَك» فلها أن تطلِّق [168/ب] نفسَها ما دامت في المجلس. ثم فرَّقتم بينهما بأن «طلِّقي نفسَك» تمليك لا توكيل، لاستحالة أن يكون وكيلًا في التصرُّف لنفسه فيقيَّدُ بالمجلس. وأما بالنسبة إلى الأجنبي، فتوكيلٌ، فلا يتقيَّد. وهذا الفرق دعوى مجرَّدة. لم تذكروا(3) حجةً على أن قوله: «طلِّقي نفسك» تمليك. وقولُكم: «الوكيل لا يتصرَّف لنفسه» جوابه: أنه(4) يتصرَّف لنفسه ولموكِّله، ولهذا كان الشريك وكيلًا بعد قبض المال والتصرُّف، وإن كان متصرِّفًا لنفسه، فإنّ تصرُّفَه لا يختصُّ به.
ثم ناقضتم هذا الفرق، فقلتم: لو قال: «أُبرِئ نفسك من الدَّين الذي عليك» فإنه لا يتقيَّد بالمجلس، ويكون توكيلًا؛ مع أنه تصرَّف مع نفسه.--------------------------------------------
(1) أخرجه سعيد بن منصور عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن عمر. وهو منقطع فإن سليمان لم يدرك عمر. ورواه الأثرم بإسناده عن سعيد بن المسيب. انظر: «زاد المعاد» (5/ 75 - 76).
(2) ما عدا ع: «قبل المجلس»، وفي حاشية ع أن في أصلها أيضًا: «قبل المجلس».
(3) في النسخ المطبوعة: «ولم تذكروا»، ولم ترد الواو في النسخ الخطية.
(4) في النسخ المطبوعة: «له أن». وكذا في ع ولكن وضع فيها فوق «له» علامة «ظ».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 62)
ففرَّقتم بين «طلِّقي نفسَك» و «أُبرِئ نفسَك مما عليك من الدين»، وهو تفريق بين متماثلين؛ وتركتم محضَ القياس.
وقالوا: من أقام شهودَ زور على أن زيدًا طلَّق امرأته، فحكم الحاكمُ بذلك، فهي حلال لمن تزوَّجها من الشهود. وكذلك لو أقام شهودَ زور على(1) أن فلانة تزوجته بوليٍّ ورضًى، فقضى القاضي بذلك، فهي له حلال. وكذلك لو شهدوا(2) عليه بأنه أعتق جاريته هذه، فقضى القاضي بذلك، فهي حلال لمن تزوَّجها ممن يدري باطن الأمر؛ فتركوا محض القياس وقواعد الشريعة. ثم ناقضوا، فقالوا: لو شهدوا له زورًا بأنه وهب له مملوكته هذه أو باعها منه لم يحِلَّ له وطؤها بذلك. ثم ناقضوا(3) أعظمَ مناقضة، فقالوا(4): لو شهدا بأنه تزوَّجها بعد انقضاء عدَّتها من المطلِّق وكانا كاذبين، فإنها لا تحِلُّ، وحبسُها على زوجها أعظم من حبسها على عدته. فأحلُّوها في أعظم العصمتين، وحرَّموها في أدناهما، وحرمة النكاح أعظم من حرمة العدّة.
[169/أ] وقلتم: لا يُحَدُّ الذميُّ إذا زنى بالمسلمة، ولو كانت قرشية علوية أو عباسية؛ ولا بسبِّ الله ورسوله وكتابه ودينه جهرةً في أسواقنا ومجامعنا، ولا بتخريب مساجد المسلمين ولو أنها المساجد الثلاثة(5)؛ ولا ينتقضُ عهده بذلك، وهو معصوم المال والدم. حتى إذا منع دينارًا واحدًا--------------------------------------------
(1) «على» من ع. وكذا في النسخ المطبوعة.
(2) ت: «شهد» هنا وفيما بعد.
(3) ت: «ناقضوا بذلك»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(4) «لو شهدوا له زورًا … فقالوا» ساقط من ح، ف لانتقال النظر.
(5) ح، ف: «ولو أنها الثلاثة».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 63)
مما عليه من الجزية، وقال: «لا أعطيكموه» انتقض بذلك عهدُه، وحلَّ ماله ودمه. ثم ناقضتم من وجه آخر، فقلتم: لو سرَق لمسلم عشرة دراهم لقُطِعت يده، ولو قذَفه حُدَّ بقذفه. فيا للقياس الفاسد الباطل، المناقض(1) للدين والعقل، الموجِب لهذه الأقوال التي يكفي في ردِّها تصوُّرُها، كيف استجاز المستجيز تقديمها(2) على السنن والآثار! فالله المستعان.
وأجزتم شهادة الفاسقَين والمحدَودين في القذف والأعميَيْن في النكاح، ثم ناقضتم، فقلتم: لو شهد فيه عبدان صالحان عالمان يفتيان في الحلال والحرام لم يصحَّ النكاح، ولم ينعقد بشهادتهما. فمنعتم انعقاده بشهادة من عدَّله الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وعقدتموه بشهادة من فسَّقه الله ورسوله ومنَع من قبول شهادته.
وقلتم: لو شهد شاهد على زيد أنه غصب عمرًا مالًا أو شجَّه أو قذَفه، وشهد آخر بأنه أقرَّ بذلك= لم يتمَّ النِّصاب ولم يُقضَ(3) عليه بشيء. ولو شهد شاهد بأنه طلَّق امرأته أو أعتَق عبده أو باعه، وشهد آخر بإقراره بذلك= تمَّت الشهادة، وقُضي عليه.
وقلتم: لو قال له: «بعتك هذا العبد بألف(4)»، فإذا هو جارية أو بالعكس، فالبيع باطل. ولو(5) قال: «بعتك هذه النعجة بعشرة»، فإذا هي--------------------------------------------
(1) ما عدا س، ع: «المتناقض».
(2) ما عدا ع: «تقديمك»، وهو تحريف غريب.
(3) في النسخ المطبوعة: «ولم يتمَّ النصاب لم يقض».
(4) «بألف» ساقط من ع.
(5) في النسخ المطبوعة: «فلو».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 64)
كبش أو بالعكس، فالبيع صحيح. ثم فرَّقتم بأن قلتم: المقصود من الجارية والعبد مختلف، والمقصود من النعجة والكبش [169/ب] متقارب وهو اللحم. وهذا غير صحيح، فإنَّ الدَّرَّ والنسلَ المقصود من الأنثى لا يوجد في الذكر، وعَسْب الفحل وضِرابه المقصود منه لا يوجد في الأنثى. ثم ناقضتم أبين مناقضة بأن قلتم: لو قال: «بعتك هذا القمحَ»، فإذا هو شعير؛ أو «هذه الأَلْيَةَ»، فإذا هي شحم= لم يصحَّ البيع، مع تقارُب القصد.
وقلتم: لو باعه ثوبًا من ثوبين لم يصحَّ البيع، لعدم التعيين. فلو كانت(1) ثلاثة أثواب، فقال: «بعتُك واحدًا منها» صحَّ البيع. فيالله العجب! كيف أبطلتموه مع قلة الجهالة والغَرر، وصحَّحتموه مع زيادتهما؟ أفترى زيادة الثوب الثالث خفَّفَت الغَرر ورفعت الجهالة؟ وتفريقكم بأن العقد على واحد من اثنين يتضمن الجهالة والتغرير، لأنه قد يكون أحدهما مرتفعًا والآخر رديئًا، فيفضي إلى التنازع والاختلاف. فإذا كانت ثلاثةً، فالثلاثة تتضمَّن الجيد والرديء والوسط، وكأنه(2) قال: «بعتُك أوسطَها»، وذلك أقلُّ غررًا من بيعه واحدًا من اثنين رديء وجيد، وإذا أمكن حملُ كلام المتعاقدين على الصحة فهو أولى من إلغائه. وهذا الفرق ما زاد المسألة إلا غَررًا وجهالة، فإن النزاع كان يكون في ثوبين فقط، وأما الآن فصار في ثلاثة. وإذا قال: «إنما وقع العقد على الوسط» قال الآخر: «بل على الأدنى، أو على الأعلى».
وقلتم: لو اشترى جاريةً ثم أراد وطأها قبل الاستبراء لم يجُز، ولو تيقّنَّا--------------------------------------------
(1) ع: «كان». وفي غيرها: «كانوا»!
(2) في النسخ المطبوعة: «فكأنه».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 65)
فراغ رحمها بأن كانت بكرًا، أو كانت بائعتها امرأة معه في الدار بحيث تيقَّن أنها غير مشغولة الرحم، أو باعها وقد ابتدأت في الحيضة ونحو ذلك. ثم قلتم: لو وطئها السيِّدُ البارحةَ ثم [170/أ] زوَّجها منه الغدَ جاز له وطؤها، ورحمها مشتمل على ماء الواطئ(1). فتركتم محض القياس والمصلحة وحكمة الشارع لفرقٍ متخيَّل لا يجدي شيئًا، وهو أن النكاح لما صحَّ كان ذلك حكمًا بفراغ الرحم، فإذا حُكِم بفراغ رحمها جاز له وطؤها. فيقال: يالله العجب! كيف يُحكَم بفراغ رحمها، وهو حديث عهد بوطئها؟ وهل هذا إلا حكم باطل مخالف للحسِّ والعقل والشرع؟ نعم لو أنكم قلتم: «لا يحلُّ له تزويجها(2) حتى يستبرئها ويحكم بفراغ رحمها» لكان هذا فرقًا صحيحًا وكلامًا متوجهًا. ويقال حينئذ: لا معنى لاستبراء الزوج، فله أن يطأها عقيبَ العقد، فهذا محضُ القياس، وبالله التوفيق.
وقلتم: من طاف أربعة أشواط من السبع، فلم يكمله حتى رجع إلى أهله، إنه يَجبُره بدم، وصحَّ حجُّه، إقامةً للأكثر مقامَ الكُلِّ. فخرجتم عن محض القياس، لأن الأركان لا مدخل للدم في تركها. وما أمر به الشارع لا يكون المكلَّف ممتثِلًا له(3) حتى يأتي بجميعه، ولا يقوم أكثرُه مقامَ كلِّه، كما لا يقوم الأكثر مقامَ الكُلِّ في الصلاة والصيام والزكاة والوضوء وغسل الجنابة، فهذا هو القياس الصحيح. والمأمور ما لم يفعل ما أُمِرَ به فالخطابُ متوجِّه إليه بعدُ، وهو في عهدته. والنبيُّ صلى الله عليه وسلم لم يسامح المتوضئَ بتركِ لُمعةٍ--------------------------------------------
(1) س، ع: «الوطء»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(2) س: «تزوجها»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(3) في النسخ المطبوعة: «به».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 66)
في محلِّ الفرض لم يصبها الماء، ولا أقام الأكثر مقام الكل. والذي جاءت به الشريعة هو الميزان العادل، وهذا(1) الميزان العائل. وبالله التوفيق.
وقِسْتم الادِّهانَ بالخَلِّ والزيت في الإحرام على الادِّهان بالمسك والعنبر في وجوب الفدية، ويا بعد ما بينهما! [170/ب] ولم تقيسوا نبيذ التمر على نبيذ العنب مع قرب الأخوة التي بينهما.
وقلتم: لو أفطر في نهار رمضان، فلزمته الكفارة، ثم سافر= لم تسقط عنه، لأن سفره قد يتخذ وسيلةً وحيلةً إلى إسقاط ما أوجب الشرع، فلا تسقط. وهذا بخلاف ما إذا مرض أو حاضت المرأة، فإن الكفارة تسقط، لأن الحيض والمرض ليس من فعله. ثم ناقضتم أعظم مناقضة، فقلتم: لو احتال لإسقاط الزكاة عند آخر الحول، فملَّكَ مالَه لزوجته لحظةً، فلما انقضى الحول استردَّه منها.
واعتذارُكم بالفرق بأن هذا تحيُّلٌ على منع الوجوب، وذاك تحيُّلٌ على إسقاط الواجب بعد ثبوته، والفرق بينهما ظاهر= اعتذارٌ لا يُجدي شيئًا، فإنه كما لا يجوز التحيُّل لإسقاط ما أوجبه الله ورسوله، لا يجوز التحيُّل لإسقاط أحكامه بعد انعقاد أسبابها، ولا تسقط بذلك. وإذا انعقد سبب الوجود لم يكن للمكلَّف إلى إسقاطه بعد ذلك سبيل. وسببُ الوجوب هنا قائم، وهو الغنى بملك النصاب، وهو لم يخرج عن الغنى بهذا التحيُّل، ولا يعدُّه الله ولا رسوله ولا أحد من خلقه ولا نفسُه فقيرًا مسكينًا بهذا التحيُّل يستحقُّ أخذَ الزكاة ولا تجب عليه الزكاة.--------------------------------------------
(1) ع: «لا هذا»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 67)