وفاته:
تُوُفِّي ابن حجر بعد عشاء ليلة السبت ثامن ذي الحجة سنة 852 هـ، رحمه الله تعالى، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير ما يَجزي به عباده الصالحين مِن العلماء العاملين.
مكانته في هذا العلم:
الإمام الحافظ ابن حجر، رحمه الله تعالى، لم يكن في "نزهة النظر" مجرّد ناقل، وإنما كان ناقلاً ناقداً؛ فَيَنْقُل ويَقْبل ويَرُدّ؛ وكان يَرُدّ بالحجة والبرهان، وكم مِن رأيٍ فنّده، وكم مِن قائلٍ بَدَا قوله تحقيقاً فَكَشف ابن حَجر عن أسباب ضعفه!
وكان الحافظ مثالاً للأدب والخُلُق الإسلامي في ردّه على العلماء ومناقشته لآرائهم، فكان يوجز في بيان خطأِ المخطئ، ويُعَبِّرُ عن ذلك بعبارةٍ لطيفة، وفي "النزهة" أمثلةٌ لهذا بإمكان القارئ ملاحظتها.
ولم يكن ابن حجر مقلِّداً، وإنما كان إماماً مجتهداً، وكان في اجتهاده إماماً محقِّقاً، فتميزتْ آراؤه بالدقة والابتكار في كثير مِن الأحيان.
ولعلّ "النزهة" مِن أوضح الأمثلة الدالة على صفات الإمام ابن حجر العلمية هذه؛ إذْ جاءت "النزهة": مختصرةً، شاملةً، مبتكرةً في طريقةِ عرْضها لعلوم الحديث وتقسيمات علوم الحديث عند المحدِّثين، كما أنها قد عُنِي فيها بالتحقيق والترجيح العلميّ الرصين في مختلَف مسائل هذا العلم.
وكان ابن حجر واسع الاطّلاع، صاحب باعٍ طويل في المشاركة في مختلف أنواع علوم الحديث، ومِن الأدلة على هذا: أنه قَلَّ أنْ يَذْكر في
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 20)
"النزهة" فَنّاً مِن فنون علوم الحديث إلا ويَذْكر أنه قد كَتَبَ فيه. وأُورِد فيما يلي المواضِع مِن "النزهة" التي أشار فيها إلى مؤلفاته فيما يَذْكره مِن العلوم؛ لِيَرى القارئ الكريم أنّ القضية ليست قضيةَ دعوى، وإنما هي حقيقةٌ رائعة تَشْهد لهذا الإمام بأنه حقّاً إمام!
وبذلك يتبين، أيضاً، كم استدرَك الإمام ابن حجر على غيره، وكم ألَّف، وكم عمِلَ على مصنّفاتِ غيره مِن الأئمة.
إسهاماته في علوم الحديث مِن خلال إشاراته إليها في "النزهة":
سأترك ابنَ حجر يُحَدِّثك عن ذلك-بطريقةٍ غير مباشرةٍ -مِن خلال "النزهة"، وذلك فيما يلي:
يتضح مِن "النزهة" أن ابن حجر أَلّف مؤلفاتٍ كثيرةً، كما حقَّق تحقيقات علمية كثيرة في عددٍ مِن المصطلحات والآراء، وضَمّن "النزهة" الإشارةَ إلى عددٍ مِن ذلك؛ حيث أوضح أنه ألّف:
1 - "نخبة الفِكَر" التي ذَكَر في مقدّمتها وفي مقدّمة "نزهة النظر"، أنها تلخيصٌ للمهمّ مِن علوم الحديث، بعد إشارته إلى كثرة المصنّفات في علوم الحديث.
2 - "نزهة النظر في توضيح نُخْبة الفِكَر في مصطلح أهل الأثر"، التي شَرح فيها النخبة. فقال في مقدمة النزهة:
"فسألني بعض الإخوان أن أُلَخِّصَ له المهم من ذلك، فلخصته في أوراقٍ لطيفةٍ، سَمّيتها: "نُخْبَةَ الْفِكَرِ في مصطلحِ أهلِ الأثرِ"، على ترتيبٍ ابتكَرْتُهُ، وسبيلٍ انْتَهَجْتُهُ، مع ما ضَمَمْتُ إليه من شوارِد الفرائدِ، وزوائدِ الفوائدِ. فَرَغِبَ
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 21)
إليَّ، ثانياً، أنْ أضَعَ عليها شرحاً يَحُلُّ رموزَها، ويفتحُ كنوزَها، ويوضِّح ما خَفِيَ على المبتدئ مِن ذلك، فأجبتُهُ إلى سؤاله؛ رجاءَ الاندراج في تلك المسالِك، فبالغتُ -في شرحها- في الإيضاح والتوجيه، ونَبَّهتُ على خفايا زواياها؛ لأنّ صاحبَ البيتِ أدرى بما فيه، وظهر لي أنّ إيرادَهُ على صورةِ الْبَسْطِ أَلْيَقُ، ودمْجَها ضِمْن توضيحها أوفقُ، فسلكتُ هذه الطريقةَ القليلةَ السالكِ".
3 - وقال في حديثه عن الحديث المعلَّق: "وقد أوضَحْتُ أمثلةَ ذلك في النُّكَتِ على ابن الصلاح".
4 - وقال في موضعٍ: "وقد صَنَّفَ الخطيب في المدْرَج كتاباً، ولَخَّصْتُهُ، وزدتُ عليه قدْرَ ما ذَكَر مرتين، أو أكثر، ولله الحمد".
5 - وقال في موضعٍ في حديثه عن مُشْتبه النسبة: "وقد يَسَّر الله تعالى بتوضيحه في كتاب سَمَّيتُه "تبصير المنتبه بتحرير المشتبه"، وهو مجلدٌ واحدٌ؛ فضبطتُه بالحروف على الطريقة المرْضِيَّة، وزدت عليه شيئاً كثيراً مما أهمله، أو لم يقف عليه، ولله الحمد على ذلك".
6 - وقال في موضعٍ في حديثه عن المصنَّفات في التراجم: "ورجال الستة: الصحيحين، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، لعبد الغني المقدسي في كتابه "الكمال"، ثم هذَّبه المِزِّيُّ في "تهذيب الكمال"، وقد لَخّصتُه، وزِدتُ عليه أشياءَ كثيرة وسميته "تهذيب التهذيب"، وجاءَ مع ما اشتمل عليه مِن الزيادات، قَدْرَ ثلثِ الأصلِ".
7 - وقال في موضعٍ في حديثه عن الصحابة: "وقد حَرَّرْتُ ذلك في كتابي في الصحابة".
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 22)
8 - وقال في موضعٍ: "وقد صَنَّفَ الخطيب في روايةِ الآباء عن الأبناء تصنيفاً، .. وبَيَّنَ ذلك وحقَّقَهُ، وخَرّج في كل ترجمةٍ حديثاً مِن مَرْوِيِّهِ، وقد لخّصْتُ كتابَهُ المذكورَ وزِدْتُ عليه تَرَاجِمَ كثيرةً جِدّاً".
9 - وقال في موضعٍ في كلامه عن المتَّفِقُ والْمُفْتَرِقُ: "وفائدة معرفته: خشيةُ أن يُظَنَّ الشخصانِ شخصاً واحداً، وقد صَنَّفَ فيه الخطيب كتاباً حافلاً، وقد لَخَّصتُه وزدتُ عليه شيئاً كثيراً".
أرأيتَ كم أسهمَ ابن حجر وكم حَقَّق! على أنّ هذه مجرّد إشارات عابرة، وَرَدتْ في النزهة، وليست حصراً لأعماله؛ إذْ لم يَذْكر إلا النزر اليسير مِن مؤلفاته الكثيرة التي عَمَر بها المكتبة الحديثية في مختلف فنون هذا العلم!
وقد تركتُ تتَبُّع الْمَواطِن في "النزهة" التي حقَّق فيها تحقيقاتٍ علمية، ووضَّح فيها بعض المصطلحات، أو الآراء. وبإمكان القارئ أن يَلحَظها مِن خلال قراءته لـ"النزهة"؛ لِيَشْعُرَ حقّاً أنه في نزهة!
لَمْحةٌ عن "نزهة النظر" ومميزاتها:
مميزاتها:
لنزهة النظر هذه محاسن -بحيث أصبحت اسماً مطابقاً لِمُسَمَّاهُ- ومنها ما يلي:
1 - شمولية هذه الرسالة لمختلَف أنواع علوم الحديث.
2 - الطريقة التي اتّبعها المؤلف رحمه الله في عرضه لأنواع علوم الحديث هذه، حيث أوردها على طريقةِ الاستقراء والتتبع، وهي طريقةٌ عقليّة منطقيّة
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 23)
مبتكَرةٌ في طَرْق هذا العلم، و"تحاشي المآخِذ التي وردت على المؤلفين السابقين، بأنهم لم يتّبعوا نظاماً معيَّناً في تصنيف كتبهم وترتيب أنواع الحديث فيها، فجاء هذا الكتاب بطريقةِ السبر والتقسيم؛ ليلتزم نظاماً دقيقاً، يستوعب كل مجموعةٍ مِن علوم الحديث في ظلِّ قسمٍ واحد يجمعها في موضع واحد"(1).
3 - ما اشتملت عليه من تحقيقاتٍ علميةٍ رصينة لا توجد في سِواها من مؤلفات هذا الفن، و"تمحيص المسائل المختلَف فيها، والقضايا الشائكة، واستخراج زبدة التحقيق فيها، وذلك كثير في هذا الكتاب على إيجازه واختصاره"(2).
4 - مجيئها مختصرةً.
فجمعتْ بين: الابتكار، والتحقيق، والاختصار.
ولهذا فإنني لا أتردد في القول بأنّ "نزهة النظر" هي أَجلُّ كتاب في علوم الحديث وأنفعه في حجمها ومنهجها.
تاريخ تأليف "نزهة النظر":
فرَغ المؤلف رحمه الله من تأليفها سنة 818 هـ بطلب جماعة من طلاب الحديث، منهم شمس الدين الزركشي، أَيْ: أنّ تأليفها جاء بعْد نُضْجه العلميّ. وكان قد أَلّف أصلها (نُخبة الفِكَر في مصطلح أهل الأثر)، وهو مسافر، في سنة--------------------------------------------
(1) مقدمة د. عتر، لطبعته للنزهة، ص 21.
(2) مقدمة د. عتر، لطبعته للنزهة، ص 21.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 24)
812 هـ(1)، أيْ وعُمُره نحو 39 سنةً!.
ولكلٍّ مِن نزهة النظر، وأصلها: نُخبة الفِكَر شروح ومختصرات، وشروح لبعض تلك المختصرات، ونظْمٌ لهما، وشروح للنظم، وهي مؤلفات كثيرةٌ جِدّاً، تدلّ على أهمية هاتين الرسالتين، وعلى مكانتهما عند علماء هذا الفن، وعلى قبولهم لهما إلى هذا الحدّ. ولا داعي للإطالة بذكْر تلك المؤلفات؛ إذْ مِن السهل على مَن أرادها أن يَرجِع إليها في مظانها.
طبعات "النزهة":
من الطبعات السابقة للنزهة ما يلي:
1 - طبعة، بتعليق وشرح صلاح محمد عويضة، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1409 هـ-1989 م.
2 - طبعة، بتعليق د. نور الدين عتر، بيروت، دار الخير، الطبعة الثانية، 1414 هـ-1992 م، ثم أصْدَر طبعةً ثالثةً 1421 هـ-2000 م، واضحٌ أنه بَذل فيها جهداً ونقّح الطبعة الثانية. لكني لم أتتبّع مواطِنَ ذلك إلا في مواضع يسيرة.
3 - النكت على نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، بقلم علي بن حسن الحلبي، دار ابن الجوزي، الطبعة الثانية، 1414 هـ.
4 - طبعة بتحقيق عبد الكريم الفضيلي، القاهرة، الدار الثقافية للنشر، الطبعة الأولى، 1418 هـ- 1998 م.
5 - طبعة بتحقيق حَمدي الدِّمرداش، مكة المكرمة، مكتبة نزار مصطفى الباز، الطبعة الأولى، 1421 هـ-2000 م.--------------------------------------------
(1) يُنظر: "تسهيل شرح نخبة الفِكَر"، لمحمد أنور البدخشاني، ص 7.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 25)
وسِواها مِن الطبعات. جزى الله خيراً كلّ مَن بَذل جهداً في تقديم هذا العلم للناس مبتغياً وجهه تعالى.
المآخذ على الطبعات السابقة وأسباب توجُّهي إلى تحقيق النزهة:
تلك الطبعات وسِواها -مما اطّلعتُ عليه- طبعاتٌ لا تَخلو مِن مآخذ عليها؛ إذْ يكثر فيها عدم التدقيق في مقابلة النسخ المخطوطة، وعدم الدقة في قراءة المخطوطة، وإهمال علامات الترقيم، أو التقصير في استخدامها في مواضعها، وكثرة الأخطاء المطبعية، وهي تتفاوت فيما بينها في نسبة هذه المآخذ.
إلا أن أمثل وأجود ما اطّلعتُ عليه مِن طبعات النزهة هو طبعة د. نور الدين عتر، جزاه الله خيراً؛ وذلك لكونها اعتمَدَ فيها مخطوطةَ الظاهرية، وهي نسخةٌ صحيحةٌ فريدة-وهي النسخة التي اعتمدتُها في تحقيقي-. وكنتُ قد عَمِلتُ على تحقيق النزهة وقابلتُها على مخطوطاتٍ متعددة؛ فلمّا رأيت طبعة د. نور الدين عتر الثانية، توقّفت عن العمل، وسُررتُ بها، وقلتُ: الحمد لله قد كُفِيتُ المهمة، فلمّا قرأتها؛ للتأكد، تبيّن لي أن هذا العمل -على جودته- لا يُغني عما أردتُ؛ فلا بدّ مِن المضيّ في عملي؛ وذلك للأسباب الآتية:
1 - لبعض الملحوظات على طبعة عتر الثانية، التي تتمثل في بعض الأخطاء المطبعية، وبعض الأخطاء في ضبط بعض الكلمات القليلة، وقلة العناية بعلامات الترقيم، ولإخراجها في الطباعة على طريقةٍ تختلف عن الطريقة التي أتوخّاها في طبعتي، إضافةً إلى بعض المواضع التي كان ينبغي التعليق عليها، في نظري. ولعله تلافى كثيراً مِن ذلك في طبعتِهِ الثالثة.
2 - لرغبتي في توضيح بعض النقاط في النزهة، أو الإشادة ببعض الآراء المحققة
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 26)
تحقيقاً فريداً لدى الإمام ابن حجر في النزهة، إضافةً إلى بعض المواضع التي رَغِبتُ في استدراكها، والتعليق عليها؛ لبيان الرأي الصائب، مِن وجْهةِ نظري؛ وذلك إعمالاً لمنهج إمامنا الإمام ابن حجر، رحمه الله تعالى، ألا وهو منهج البحث عن الحق بصدقٍ وتجرُّدٍ؛ إذ ليس المهم الأشخاص والأسماء، وإنما أن يَرتفع العمل إلى السماء.
لكنني بعد أن وصلتني نسخة الظاهرية عدّلتُ مِن خطتي في مقابلة النسخ الخطّية؛ حيث رجعتُ فحذفتُ كلَّ الحواشي التي وضعتُها لبيان فوارق ثلاث نُسَخٍ مخطوطةٍ محفوظةٍ بمكتبة الملك عبد العزيز، بالمدينة المنورة، كنت قد قابلتُها ببعض، فرأيت -بعد أن انتهيت مِن تلك المقابلة- التوقفَ عن نشْر الكتاب؛ لِمَا ظهر لي مِن سَقَم تلك النسخ، وكثرة الأخطاء الواضحة فيها، الأمر الذي يَقتضي عدم إشغال الناس بها، وبعْد الاطّلاع على هذه النسخة المخطوطة تأكّد صواب هذا الرأي، ولاسيما أنّ الله قد أغنانا عن هذه النسخ، وأن الحواشي وصلتْ بسبب المقابلة على تلك النسخ إلى نحو 224 حاشية، في فوارق النسخ فقط!. فحذفتُ هذه الحواشي إلا أشياء قليلة أو نادرة أبقيتها.
ومِن ثَمَّ اعتمدت على النسخة الأصل التي أغنانا الله بها عن سِواها، وله الحمد والشكر، "ومَنْ قَصَدَ البحرَ استقلَّ السَّواقيا".
ويَعْلم الله أنني كنت أبحث عن تلك الطبعات مؤمِّلاً أن أَجِد فيها ما يُغني عن طباعتها مِن جديد، لكنني لم أَجِد بُغْيَتِي؛ فعند ذلك تأكدتْ عزيمتي، وجزى الله كلّ مَن أَسْهم في إيصال الخير وهذا العلم إلى الناس، ولستُ متنقِّصاً جُهدَ أَحدٍ سبقني في هذا الباب، وإنما هو البحث عن الحقيقة، وما مِن شكٍّ
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 27)
عندي في أن الأصل هو أن الذين سَعوا في إخراج الطبعات السابقة للكتاب قد قصدوا النفع، وبَذلوا الوسْعَ، لكنني أقول: لم أرَ طبعةً يُمْكن الاعتماد عليها تماماً، وإن كانت طبعة د. نور الدين عتر قد قاربتْ، جزاه الله خيراً. والله هو الموفق.
وصف النسخة الْخَطِّيَّة الأصل:
اعتمَدتُ في التحقيق على النسخة الخطِّيَّة المحفوظة بدار الكتب الظاهرية، برقم 4895، (مكتبة الأسد الوطنية، حالياً أو عند كتابتي هذه السطور)، وهي النسخة التي اعتمد عليها د. نور الدين عتر في طبعته للنزهة.
وقد وَصَفَ د. نور الدين عتر هذه النسخة، في تقديمه لطبعته، فقال: ((المخطوطة المحفوظة في دار الكتب الظاهرية بدمشق برقم 4895، وعدد أوراقها 31 ورقة، أسطر صفحاتها 20 سطراً أو 18، بخط نسخ واضح جيد، ثبت عنوان الكتاب على ظهر الورقة الأولى هكذا "كتاب نزهة النظر في توضيح نخبة الفِكر في مصطلح أهل الأثر".
وهكذا ثبت العنوان بهذا اللفظ في كل المخطوطات الصحيحة التي وقفنا عليها من هذا الكتاب، مما يدل على أن ما زُعِمَ محققاً من الطبَعات الموجودة الآن ليس مُحققاً.
وقد أُدمج المتن مع الشرح في هذه النسخة لم يُمَيَّزْ عنه بشيء إطلاقاً، وكُتبت على حواشيها تعليقات لبعض العلماء، وهذه النسخة قد كتبتْ في آخر عهد المؤلف، وقُرِئَتْ عليه قراءةَ بحثٍ وأثبت خطه عليها بذلك في مواضع كثيرة تبلغ خمساً وعشرين، بل أثبت خطه مرتين على الصفحة الواحدة في بعض الأحيان.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 28)
وجاء في آخرها بخط الناسخ نفسه ما يلي:
"علق ذلك لنفسه الفقير المذنب العاصي أحمد بن محمد بن الأخصاصي الشافعي، اللهم أحسن إليه ولوالديه ولجميع المسلمين، ووافق الفراغ من نسخها في العشر الأوسط من شهر رمضان سنة إحدى وخمسين وثمانمائة".
وبإزاء ذلك في الحاشية بخط المصنف: "بلغ صاحبه قراءة عليَّ، كتبه ابن حجر".
وعلى آخر النسخة تحت هذا في الطرف الأيسر من أسفل الصفحة بلاغ قراءة النسخة إلى آخرها على الشيخ عبد القادر الصّفوري سنة 1077 هـ، وبجانبه إلى اليمين: "وقف على طلبة العلم مؤرخ بسنة 1236 هـ". (والكتابة غير واضحة لي).
وابن الأخصاصي المذكور، هو الفقيه المحدث شهاب الدين أحمد بن محمد ابن محمد الدمشقي الشافعي، ويعرف بابن الأخصاصي، ولد سنة 818 هـ بدمشق ونشأ فيها، وقرأ الفقه على العلماء وسمع الحديث على ابن ناصر الدين. قال السخاوي: ((ارتحل فقرأ على شيخنا شرح النخبة له بَحثاً، وأذِنَ له، وكتب بخطّه أشياء كالبخاري وشرحه لشيخنا. وسمعت من نظمه وفوائده، وكان الغالب عليه الخير والانجماع والتواضع والتودد والرغبة في الصالحين، مات سنة 889 هـ بدمشق. له في الوعظِ"حادي الأسرار" في عشر مجلدات، وشرح أبي شجاع في الفقه))(1).
وهذا التعريف مهم يدلنا على أمور في غاية الأهمية، منها:--------------------------------------------
(1) الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، للسخاوي، مختصراً، 2/ 194، بيروت، نشر دار مكتبة الحياة، حاشية طبعة د. نور الدين عتر، ص 23.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 29)
1 - أن ابن الأخصاصي كان من أهل العلم وخصوصاً الفقه والحديث، وهذا يجعل نسْخه في غاية الإتقان.
2 - أنه كان من خواصِّ الحافظ ابن حجر، وأنه كان عمدةً عنده في النسخ حتى نسخ له شرح البخاري، أي: (فتح الباري).
3 - الأهمية البالغة لنسخته مِن شرح النخبة، حتى ذكرها السخاوي وأنه قرأها على مؤلفها بحثاً، أَيْ: قراءةَ تدقيقٍ وشرحٍ لها، وذلك يوجب تدقيق المصنف لها كلمة كلمة.
وهكذا جاءت هذه النسخة أُمّاً في الصحة والثبوت، تغني عن غيرها، وجعلناها الأصل في إثبات نصّ الكتاب، واكتفَيْنا بها عن غيرها من النسخ الصحيحة المتعددة التي وقفنا عليها، وصورنا جملة منها))(1).
عملي ومنهجي في تحقيق الكتاب:
يتلخص عملي في تحقيق "النزهة" فيما يلي(2):
1 - اعتمدتُ على النسخة المخطوطة، المحفوظة بالمكتبة الظاهرية بدمشق، (مكتبة الأسد الوطنية، حالياً أو في وقت كتابة هذه السطور) برقم 4895، المقروءة قراءةَ بحثٍ على مؤلفها، رحمه الله، المدقَّقة تدقيقاً لا مَزيد عليه.
2 - نقلتُ الحواشي المثبتة على الأصل كلها، ما عدا ما لم يَظْهَر لي، أو لم--------------------------------------------
(1) مقدمة نور الدين عتر في تحقيقه لـ"نزهة النظر … "، ص 22 - 24.
(2) يُنظر، أيضاً، شيءٌ مما يتعلق بالمنهج فيما مضى في: المآخذ على طبعات النزهة وسبب توجُّهي لتحقيقها.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 30)
أستطع قراءته بسبب التصوير. ولم تُسْعِفني في قراءة هذه الحواشي طبعة عتر؛ لأنها لم تُذْكر فيها هذه الحواشي أصلاً، على الرغمِ مِن قُرْبه مِن الأصل، وإمكان قراءته لها بدون تصوير. وهذه الحواشي على نوعين: فبعضها مِن المؤلف-ابن حجر-في أثناء قراءة النسخة عليه، أو نقلاً مِن بعض كتبه، وهذه لم يَفتني إثباتُ شيءٍ منها. والبعض الآخَر حواشٍ توضيحية مِن بعض العلماء الذين قُرئتْ عليهم، وليست كلها في الأهمّيّة بدرجةٍ واحدةٍ، وهذه هي التي وافق أنّ بعضها لم يظهر لي في التصوير، وهو قليلٌ جدّاً، نحو أربع حواشٍ.
3 - عُنِيتُ بقراءة النسخة قراءةً صحيحة، والتدقيق في ذلك غاية الجهد.
4 - التزمتُ بالمحافظة على ما جاء في النسخة الخطيّة مِن ضبطٍ لعددٍ كبيرٍ من الكلمات؛ إذْ لم أتْرك شيئاً مِن ذلك الضبط بالحركات، واعتبرته مِن قبيل أمانة الاعتماد على الأصل، وروايته كما هو.
5 - عُنِيتُ بضبط الكلمات التي ينبغي ضبطها، إضافةً إلى الضبط الوارد في المخطوطة الأصل.
6 - عُنِيتُ بعلامات الترقيم، وتفقير النص إلى فِقْرات بحسب التقسيمات الكثيرة في الكتاب، وما يقتضيه هذا الأمر لتوضيح المعنى، وتسهيل قراءته، وفهمه، وحفظه.
7 - رَقّمْتُ الأقسام والأنواع المعرَّفة في الكتاب بأرقام متسلسلة لكل فئةٍ مِن هذه المعدودات.
8 - عَلَّقتُ على الكتاب في الحواشي، بحسب الحاجة في نظري؛ وذلك
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 31)
لأحدِ الأغراض التالية:
- إمّا لإثبات اختلافٍ في اللفظة.
- أو بيان خطأٍ. - أو توضيحٍ. - أو تعليقٍ. - أو استدراك.
9 - التزمت بإخراج نصّ "النزهة" كما هو بحسَبِ الأصل المعتمَد (نسخة الظاهرية)، ولم أَخْرجْ عن ذلك إلا في بعض المواضع التي تبيَّن لي فيها خطأُ الأصل، ونبَّهْتُ في الحواشي على ما رأيتُه مِن صوابٍ على خلاف ما جاء في الأصل في المواضع التي ظهر لي فيها ذلك.
10 - ولم أُشر إلى فوارق النسخ الخطِّية الأخرى، على الرغم من أني كنت قد قابلت الكتاب على ثلاث نسخٍ خطية، وأثبتُّ الفوارق فيما بينها، ثم رأيت صرْف النظر عن هذا؛ وذلك لِمَا يأتي:
أولاً: لِمَا رأيته مِن كثرة الخلاف فيما بينها، وكثرة الأخطاء الواضحة، التي لا قيمة لها، ولا داعي لإشغال القارئ بها، وتطويل الحواشي بها، وصرْف القارئ أو دارس الكتاب عن نصّ الكتاب الأصلي.
ثانياً: لوصول صورةٍ مِن النسخة الخطية الأصل إليّ، ومعرفة قيمتها العلمية، وتدقيقها على يد المؤلف ابن حجر، رحمه الله، وقراءتها عليه قراءةَ بحث.
11 - أَضفتُ العناوين في مواضعها المناسبة مميزةً بين حاصرتين، هكذا: []، مهما كَثُرَتْ؛ لِمَا في هذا مِن تسهيلٍ وتوضيح. وقد اخترت هذه العناوين مِن بين العناوين الواردة في: "تسهيل شرح نخبة الفِكَر"، لمحمد أنور البدخشاني، وعناوين طبعة نور الدين عتر، أو عناوين مِن عندي.
12 - عملتُ فهرساً تفصيليّاً بموضوعات الكتاب، ليساعد الدارس والقارئ
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 32)
على الرجوع للموضوع الذي يريده بيسر. ومِن ذلك فهرسٌ على حروف الهجاء للمصطلحات الواردة في الكتاب.
13 - اعتمدتُ في الترجمة للأعلام في الحاشية، على حواشي التراجم للأعلام من طبعة د. نور الدين عتر للنزهة الطبعة الثانية؛ فعنه نقلتُ الترجمة للأعلام، مع الاختصار والتصرف فيها في الأغلب، وقد أخرجُ عن هذا النقل في النادر؛ واعتمدتُ عليها لإيجازها ووفائها بالمقصود؛ ولستُ مع الاتجاه الذي يُعْنى بإثقال الكتاب بحواشي التراجم الطويلة، التي قد تَخرُجُ بالكتاب عن الأصل مِن غَرَضه، وإنما سلكتُ هذا المسلك للإيضاح المختصر. كما أنني نقلت حواشٍ قليلةً عن عتر، وعزوتها إليه.
وختاماً:
أقول: الله يَعلم كم قضيت مِن السنوات والأوقات بصحبة "نزهة النظر"؛ أَرْجع إليها، وأُراجعها ما بين فترةٍ وأُخرى، وكم قضيتُ مِن الوقت، وكم بذلتُ مِن الجهد في المقابلة، والتصحيح، والتوضيح؛ حتى أَخرجتُها -بفضل الله أوّلاً وآخراً- بهذه الصورة التي آمل أن تكون في غاية الصحة والوضوح والتحقيق. ولست أَزعم كمال العمل، ولا براءته مِن النقص والخطأ، إذْ لم يَزَل عملُ الإنسان يعتريه ذلك، مهما كان التدقيق والاجتهاد، لاسيما في مثل هذه الأعمال العلمية.
ولقد كان مِن نتائج هذه الصحبة للنزهة أنني كلما مرّت الأيام ازددتُ قناعةً بهذه الرسالة النفيسة الفريدة، وأيقنتُ أنّ غيرها مِن المؤلفات في علوم الحديث لا يُغْني عنها، وكان هذا هو السبب الأساس في توجُّهي إلى تحقيقها
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 33)
وإخراجها بهذه الصورة.
وفي فترةٍ مِن فتراتِ العملِ في النزهة تَجدَّد عندي رأيٌ، يتلخّص في فكرةِ إخراج الكتاب في صياغةٍ جديدةٍ تختلف عن صياغة المؤلف؛ بحيث تكون صياغةً ميسَّرةً سهلة على الدارسين المعاصرين، على وَفْق خطّةٍ عندي؛ وذلك لصعوبةِ أُسلوب الكتاب عليهم؛ لبعدهم عن أساليب العلماء المتقدمين -زمناً وعِلْماً وأُسلوباً- ولكثرة التقسيمات والتعريفات والتَّداخُلات في الكتاب.
لكن رأيتُ تأجيل الفكرة، وتعجيل النزهة. ثم إنْ بقي في الأجل فسحةٌ، وأراد الله، جل جلاله، نشرتُها في الصياغة الجديدة في طبعةٍ أُخرى، إلى جانب المحافظة على عبارات المؤلف فيها، رحمه الله تعالى.
وقبل أنْ أضع القلم لابدّ أنْ أَشكر مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية على تفضّله عليَّ بتصوير المخطوطة، كما أشكر الأخ العزيز المهندس الأستاذ محمد بن ناصر بن محمود على ما يبذله مِن جهودٍ أخوية، كما أشكر الأخ العزيز الأستاذ عبد الله المحمدي على قراءته لتجربة الطبع، كما أشكر ابني معاذاً على مساعدتي في بعض المراجعة. أسأل الله أن يجزيهم جميعاً خير الجزاء.
وختاماً: أسأله تعالى أن يتقبل هذا الجهد، وهذه الرسالة في هذه الطبعة، وأن يكتب لها القبول عند عباده، كحالها لَمَّا كانت بخطِّ مؤلفها.
والحمد لله أوّلاً وآخراً، وظاهراً وباطناً، وسرّاً وجهراً، وصلى الله وسلم على سيّد ولد آدم وعلى آله وأصحابه أجمعين.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 34)
نماذج مصوَّرة مِن النسخة الأصل
صورة صفحة العنوان مِن الأصل
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 35)
صورة الصفحة الأُولى مِن الأصل
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 36)
صورة الصفحة قبل الأخيرة مِن الأصل
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 37)
صورة الصفحة الأخيرة مِن الأصل
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 38)
نُزْهَةُ النَّظَرِ
فِي تَوضِيحِ نُخْبَةِ الْفِكَرِ
فِي مُصْطَلَحِ أَهْلِ الأَثَرِ
للإمام الحافظ أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني
773 - 852 هـ رحمه الله تعالى
طبعة مصحَّحة ومنقحة ومزيدة
تحقيق وتعليق
أ. د. عبد الله بن ضيف الله الرحيلي
أستاذ في الحديث وعلومه، عضو هيئة التدريس بجامعة طيبة بالمدينة المنورة سابقًا
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 39)