Arabic source text

📘 আল-ইনহিরাফুল আকিদি ফী আদাবিল হাদাসা ওয়া ফিকরিহা (সাঈদ বিন নাসির আল-গামদী)

📘 الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها (سعيد بن ناصر الغامدي)

📘 আল-ইনহিরাফুল আকিদি ফী আদাবিল হাদাসা ওয়া ফিকরিহা (সাঈদ বিন নাসির আল-গামদী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
حد تعبير أدونيس، من هنا يخوض الإنسان صراعًا روحيًا مع الفراغ، إذ يؤدي المجتمع الحديث إلى "التبعثر والتمرد والرفض والحيرة والقلق وما إلى ذلك مما يطبع عصرنا الحاضر"(1)، ومن هنا يحل الشعر مكان الدين، ويصبح "ميتافيزيقيا" المجتمع الحديث حيث يلعب الشاعر "دور الآلهة التي اختفت"(2) على حد تعبير خالدة سعيد. . . يعيد الشعر في هذا السياق اكتشاف "اللَّه" على صورة الإنسان "الحي الميت المحب المبغض الآمل اليائس السعيد التعيس القاهر المقهور"(3)، ويفسر ذلك اهتمام مجلة شعر بالتجربة الميتافيزيقية واحتضانها لما يُمكن تسميته بالتجربة المسيحية في الشعر العربيّ، من حيث أن المسيح يغدو هنا إلهًا علمانيًا. . .)(4).
هكذا تتشابك الحداثة تشابكًا عضويًا مع الإلحاد، وتمتزج في رؤية زعماء الحداثة في علاقة مغموسة بالمادية والكفر متعددة الواجهات متنوعة العبارات ذات نسق موحد في مواجهة الإسلام في محاولة لإزاحته عن الوجود من خلال إنكار وجود اللَّه تعالى وربوبيته وألوهيته وشريعته، وإيجاد المطلق(5) الماديّ ويقصدون به البديل الإلحاديّ للَّه -جلَّ وعلا-، فها هي--------------------------------------------
(1) ينقل باروت هذا النص عن أدونيس في كتابه زمن الشعر: ص 50.
(2) ينقل باروت هذا النص عن خالدة سعيد في البحث عن الجذور، دار مجلة شعر بيروت 1379 هـ/ 1960: ص 9.
(3) ينقل باروت هذا النص عن الخال في مقال له بعنوان بين المثال والواقع نشر في مجلة أدب صيف 1963 م/ 1382 هـ: ص 3.
(4) قضايا وشهادات 2 صيف 1990 م/ 1410 هـ من مقال لمحمد جمال باروت بعنوان "تجربة الحداثة": ص 258 - 259.
(5) المراد بالمطلق هو ما كان بلا قيد ولا وثاق، والعريّ عن الصفة والشرط والاستثناء، هكذا عند أهل المنطق والكلام، أمَّا عند أهل الفلسفة المادية الحديثة فيريدون به الإشارة إلى أن شيئًا ما صالح من كل الأوجه بلا قيد، وهو التام والكامل والثابت والكليّ وغير النسبي، وعلى هذا فقد أطلقوا على الشعر والفن والديمقراطية والمذهب الإنسانيّ وغير ذلك لفظ المطلق. انظر: الكليات: ص 848، ومعجم المصطلحات والشواهد الفلسفية: ص 428 - 430.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٧٨)

البنيوية(1) تحاول أن (تجد في اللغة العماد الذي يرجع إليه كل شيء أي المطلق الذي يمكن أن يحل محل الإنسان)(2).
وهذا النص يحتوي المغالطة الإلحادية الحداثية التي تشير إلى أن الإنسان هو "المطلق" هكذا بصورة مسلمة كعادة الادعاءات الحداثية، ولكن البنيوية جاءت باللغة لتجعل منها مطلقًا آخر.
وتتوارد تصريحات الحداثيين حول هذا الزعم المفرد في المادية تقديسًا للشعر والإبداع وتأليهًا للشاعر والفنان، يقول نزار قباني: (. . . لا أعتبر أن النثر هو الشكل النهائي للشعر، فأنا لا أؤمن أصلًا أن هناك نهايات مطلقة للشعر. . .)(3)، ويقول: (الشاعر هو مصدر الشرعية وهو الحاكم الفرد المطلق الصلاحية على أوراقه وعلى أبجديته)(4).
ويقول في جرأة إلحادية حادة فاضحة: (إن اللَّه عندي هو دبيبٌ شعريّ، وإيقاعٌ صوفيّ في داخلي، والشعور الدينيّ لديّ هو شعور شعريّ،--------------------------------------------
(1) البنيوية مفهوم تحدد حديثًا وانتشر في مجالات العلوم الإنسانية، يقوم على أساس الهيكل، والبنية هي هيئة ما نضبط به المشاهد والمحسوس، وأنه لابد أن يكون نظامًا متراص العناصر "البنيات" بحيث يكون كل تغيير في عنصر مّا تغييرًا في كل العناصر، ولابد أن يكون المثال مبنيًا بطريقة تجعل عمله قادرًا على إعطائنا معرفة بخصوص كل الظواهر المعاينة. ومصطلح البنيوية متسع غير منضبط، زائغ في حقل البحث نظرًا لاتساعه واختلاف مفاهيمه، وقد ظهرت البنيوية كمنهج ومذهب فكريّ لها إيحاءاتها الاعتقادية الايديولوجية بما أنها تسعى لأن تكون منهجية شاملة توحد جميع العلوم في نظام إيمانيّ جديد من شأنه أن يفسر علميًا الظواهر الإنسانية كافة، ولذلك توجهت البنيوية توجهًا شموليًا ينطلق من قاعدة مادية للنظر إلى العالم والإنسان والكون والحياة، ومن مشاهير البنيوية ليفي شتراوس وسوسير رولان بارت وميشيل فوكو وغيرهم الذين كانوا ماركسيين أو ملاحدة. انظر: المفاهيم والألفاظ في الفلسفة الحديثة: ص 205، دليل الناقد الأدبي: ص 26، ومعجم المصطلحات الأدبية المعاصرة: ص 52.
(2) قضايا وشهادات 3 شتاء 1991 م/ 1411 هـ، من مقال لشكري عياد بعنوان "من الأصول الفكرية للحداثة": ص 185.
(3) أسئلة الشعر، لمنير العكش: ص 185.
(4) المصدر السابق: ص 187.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٧٩)

والكفر عندي هو موت صورة اللَّه - القصيدة في أعماقي. . . كل كلمة شعرية تتحول في النهاية إلى طقس من طقوس العبادة والكشف والتجلي. . . كل شيء يتحول بالشعر إلى ديانة، حتى يصير الجنس دينًا. . . والغريب أنني أنظر دائمًا إلى شعري الجنسي بعيني كاهن، وأفترش شعر حبيبتي كما يفترش المؤمن سجادة صلاة. . . أشعر كلما سافرت في جسد حبيبتي أني أشف وأتطهر وأدخل مملكة الخير والحق والضوء، وماذا يكون الشعر الصوفيّ سوى محاولة لإعطاء اللَّه مدلولًا جنسيًا)(1).
تعالى اللَّه عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا.
وهكذا تتبدى الحداثة في حقيقتها الإلحادية وبلسان كبار منظريها وزعمائها، ولست أدري بعد هذا: لماذا تنبري أقلام بعض من ينتسب إلى الإسلام للدفاع عن الحداثة وأصحابها؟.
ألم يقرأ هؤلاء ما سبق نقله؟ وما سوف يأتي من مثل قول كاتب مقدمة ديوان السياب واصفًا المقياس الذي سار عليه السياب المتمثل في أن (. . . الشاعر هو محور العالم)(2)، أو قول البياتي(3) تحت عنوان "كلمات لا تموت"(4):--------------------------------------------
(1) المصدر السابق: 196.
(2) ديوان شاكر السياب المقدمة ص: "ص".
(3) هو: عبد الوهاب البياتيّ، ولد في بغداد لأسرة شيعية سنة 1344 هـ/ 1926 م، وتخرج من دار المعلمين العالية في بغداد، أنتمى للشيوعية الماركسية، وهو أحد كبار الذين سنوا سنة الحداثة في الشعر العربي الحديث، تنقل ما بين مصر وسوريا والعراق والاتحاد السوفيتي ثم هو الآن في أسبانيا، لايخفي عداوته للإسلام ولا مناقضته لقضاياه، وهو مغرم بالشيوعية ورموزها، وخاصة صديقه الماركسيّ التوركيّ يهوديّ الأصل ناظم حكمت، يعتبر البياتي إمامًا من أئمة الحداثة، ورائدًا من رواد الانحراف الحداثي العربيّ، وله مؤلفات عديدة ترى الحداثيين الامعات على آثارها يهرعون، وعلى منوالها ينسجون. انظر: تاريخ الشعر العربي الحديث. ص 661، ورأيهم في الإسلام: ص 49، ورحلة في عقول مصرية: ص 579، والحداثة في ميزان الإسلام: ص 90.
(4) ديوان عبد الوهاب البياتيّ 1/ 380.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٨٠)

(كلماتي
لن تهرم
كلماتي
لن تهزم
كلماتي
لن تصدأ. . .)(1) إلخ.
دعاوى عريضة بأبدية هذا الكلام الذي أقل ما يقال فيه أنه مجرد خطابية فجة وبيانات يسارية ساذجة ويواصل قائلًا:
(وأنا أبصر
وسمائي تمطر
عبر الظلمات)(2).
ثم يبشِّر بالشاعر الحداثيّ الذي على منواله ويصفه بأوصاف احتفالية مكشوفة قائلًا:
(كلماتي
أزهار
لن تذبل
فلنرحل
فسيأتي شاعر
من بعدي
في باقة ورد--------------------------------------------
(1) ديوان البياتيّ 1/ 381.
(2) المصدر السابق 1/ 430.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٨١)

في مشعل
يقتحم الأسوارا
ويضيء الأنوارا
وسيصنع من كلماتي
من حبر دواتي
مدنًا وحدائق
ونجومًا ومطارق)(1).
وهذه المضامين المفرطة في تقديس الشاعر والشعر، وإعطائه من الأوصاف ما يسخر منه أولوا العقول؛ هي فرع عن التصور الضال الذي سبق الإشارة إليه مرات في هذا الباب.
وإذا كان الحداثيون يزعمون أنهم يتمردون على كل قيد ويصادمون كل إله وقداسة فلماذا نجدهم يرتمون في تقديس الأوثان الجاهلية البائدة والأوثان الجاهلية المعاصرة من مذاهب وأساليب وأفكار؟ بل إننا نجدهم ينحطون مع لوازم هذه العبوديات الكافرة إلى حد تقديس الحرف والكلمة كما في قول البياتيّ:
(أيها الحرف
الذي علمني حب الحياه
أيها الحرف الإله
آه لا تطفئ مصابيحك، آه
كل ما أكتبه محض صلاه
لك للعالم ما أكتبه--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 2/ 316.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٨٢)

محض صلاه
وسلاح في يدي ضد السلاطين وأحفاد الغزاه)(1).
ويقول:
(حتمي أمري الحرف
قدري، ناري الحرف
وطني منفاي الحرف)(2).
وهكذا ينطرح البياتيّ عبدًا للحرف والشعر ويصلي لها ويقدسها معتقدًا أزليتها وأبديتها، ويخاطب الشعر قائلًا: (إلهي بين يديك أنا قوس فاكسرني. . .)(3)، ويقول واصفًا كلماته بكلمات اللَّه تعالى التى لا تنفد: (لو كان البحر مدادًا للكلمات لصاح الشاعر: يا ربي نفد البحر وما زلت على شواطئه أحبو)(4).
ويتحذلق ممجدًا الإبداع إلى حد مقارنته بالخلق وهو مهووس كغيره من الحداثيين بهذه الكلمة فيقول: (العربات الذهبية حاملة للجسد المنفي بذور الإبداع ونار الخلق الأولى من أي السنوات الضوئية يأتي هذا الضيف. . .)(5).
وبنفس مجوسيّ يقول واصفًا الشعر:
(خرجت من نار الشعر طقوس الحب. . .
خرجت من نار الشعر الآيات
ونبيّو الثورات. . .)(6).--------------------------------------------
(1) ديوان البياتيّ 2/ 417.
(2) المصدر السابق 2/ 425.
(3) و(4) المصدر السابق 2/ 429.
(5) و(6) المصدر السابق 2/ 442 - 443.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٨٣)

أمّا أنسي الحاج فإنه يتجاوز في اعتقاد أبدية وأزلية الكلمة ويتعدى في تقديسه لها كل من سبقه حين يقول -وأستغفر اللَّه من نقل هذا القول-: (تقتل الكلمة جسد اللَّه بعد قتل اللَّه روحًا وجسدًا)(1).
وبدون أدنى حياء أو تردد يعلن هذا الملحد مثل هذا القول ويبثه بين أبناء المسلمين لإنهاء أي قداسة في قلوبهم للَّه تعالى وإفراغ قلوبهم وعقولهم لتكون مهيأة لصب قاذورات الإلحاد فيها باسم الحداثة والإبداع والتحديث الأدبي والفني الذي يحاول أن يصبغه بصبغة الربوبية من دون اللَّه تعالى فيقول: (الشعر فعل إيمان الحياة وفعل وحدة الكون، "أراني مضطرًا أن أوضح باستمرار أني لا أعني الكتابة الشعرية فحسب، بل الشعر كروح وجو وعالم، الموجود في كل شيء").
إنه ما قبل الإنسان، وإنه الإنسان وما وراءه وفوقه وبعده، هو خالق الدين والفن والجمال والحب، هو بطانة الروح بل روحها)(2).
وهذا كله يعود إلى الأصل الحداثيّ الذي نحن بصدد الحديث عنه وهو نسبة الأبدية للمخلوق، واعتناق الدهرية عقيدة وسلوكًا فيما يتعلق بالإنسان في وجوده وموته، إذ يعبر أحدهم عن هذه القضية بقوله: (. . . فأينما وجدت وهنًا بشريًا ففكر بالزمن، إذ الإنسان لا يعدو كونه فلذة افتلذت من كبد الزمان وطوح بها في هذا الفراغ اللامتناهي)(3).
فما دام أن الإنسان في حسبانهم وجد بهذه الكيفية العشوائية فلا إله ولا خالق ولا نهاية للعالم، فلا مانع أن يمارسوا أي شيء بأقوالهم أو بأعمالهم، وهذا ما يتطابق فعلًا مع سلوكهم الكتابي وسلوكهم العمليّ المبني أساسًا كما يقول أحدهم على نقد المتعاليات التي يقصدون بها اللَّه تعالى ودينه وسائر الغيبيات الاعتقادية، ويخلص من ذلك إلى القول بأن الإنسان--------------------------------------------
(1) خواتم، لأنسي الحاج: ص 19.
(2) المصدر السابق: ص 128.
(3) مجلة الناقد عدد 13 تموز 1989 م الموافق ذي الحجة 1409 هـ: ص 8 من مقال ليوسف سامي اليوسف.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٨٤)

هو خالق حاضره ومستقبله(1).
فالإنسان عندهم موجود ماديّ، وهو مستمر أبدًا كما عبر أحدهم في سفسطة إلحادية قائلًا: (البشرية باقية والإنسان زائل)(2).
أمّا الإيمان بأن اللَّه خالق العالم فهم من أبعد الناس عنه وأشدهم إعراضً عنه، وأكثرهم نقدًا وتهكمًا به وبالمؤمنين به، فها هو محمد أركون يتهكم بالمؤمنين الذين يؤمنون بأن اللَّه خالق العالم ويصفهم بالأصوليين والأرثوذكس فيقول: (. . . موقف المتكلمين الفقهاء، أي الأصوليين الذين يدافعون عن الموقف الأرثوذكسيّ كما حدده القرآن بأن العالم مخلوق من اللَّه، وبين موقف الفلاسفة الذين قالوا بأزلية العالم. . .)(3).
ولذلك اشتد تلبط هذه الفئة بالدنيا وعظم إخلادهم إلى الأرض لأنهم يرون أن هذه الدنيا هي غاية كل شئ كما قال أسلافهم: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ. . . .}(4)، وغير مستغرب من كانت هذه عقيدته أن يهبط في عقيدته وسلوكه إلى أسفل حضيض، أليست الأرض هي غايتهم ومحراب آمالهم؟:
(هي الأرض محرابنا السرمديّ عليها سنبني صروح السلام)(5)، وما دامت الأرض والحياة فيها هي المقصد والمنتهى عندهم فلا غرابة أن تسمع واحدًا يوصي آخر بقوله بلهجة عامية لبنانية: (كول. . واشرب وعيش وانبسط ما تخلي الدنيا تعتب عليك، بعدها الدنيا ما في شي. . ويضرب على بطنه بزهو ومرح ويشرب. . .)(6).--------------------------------------------
(1) انظر: حداثة السؤال، لمحمد بنيس: ص 19.
(2) رأيهم في الإسلام: ص 120 في مقابلة مع جمال الغيطاني الماركسيّ سابقًا الوجوديّ لاحقًا. انظر: المصدر نفسه: ص 115.
(3) الإسلام والحداثة: ص 340.
(4) الآية 24 من سورة الجاثية.
(5) ديوان البياتيّ 1/ 175.
(6) شخصيات وأدوار في الثقافة العربية، لمحمد دكروب: ص 115، وهذا الحديث عن ليلة زار فيها مارون عبود في داره وكان يشرب الخمر.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٨٥)

ولو سئل أحدهم عن وجود الكون، وهل يُمكن لفكرتهم المادية القائلة بأبديته واستقلاله عن خالق بارئ موجد له من عدم؟ لوجدت الإجابات التي يخيل لأصحابها أنها عقلية علمية، بينما هي في حقيقة الأمر عكس ذلك.
وهكذا وبدون برهان إلّا مجرد الادعاء يتشدق بعضهم في هذه القضية الخطيرة فيقول: (. . . فالإنسان والقمر والشمس والنجوم لها خصائصها الذاتية وقوانينها التي تحكم حركتها ووجودها. . . وأيضًا تحكمها قوانين تحدد الصلة بينها وبين غيرها من الكائنات، لأن حتمية وجود مثل هذه القوانين يترتب عليه انتظام الكون. . .)(1).
ثم ينكس على رأسه قائلًا: (إذا كنا قد انتهينا كنتيجة حتمية بوجود قانون ينظم حركة الكون وعمله. . وإذا كنا قد قلنا بحتمية وجود أجهزة لتنفيذ القانون كالعائل في الأسرة والحاكم في الدولة، وإذا قلنا بنظرية تطابق المثلثات نجد أن أضلاع المثلث الوضعي تتمثل في القاعدة وهي المجتمع الذي ينطبق عليه القانون وساقا المثلث وهما القانون والجهاز الممثل في الحاكم وهذا هو المثلث الوضعيّ، أمّا المثلث الإلهي فنجد أنه مثلث ناقص ضلع(2)، ويتمثل هذا الضلع في حاكم الكائنات. . أي اللَّه الذي ينكره البعض، ذلك أن ضلعا المثلث الآخران وهما القانون والكائنات لا يجحدهما أحد، إذن فالخلاف حول الضلع الثالث هو الحاكم أي الإله، وسبب هذا الخلاف أو الجحود أو الإنكار هو الفصل بين القانون وبين اللَّه. . وذلك أنه في المثلث الوضعي القانون ليس الحاكم بل منفصل عنه تمامًا، أمّا اللَّه في مثلث الكائنات فهو غير منفصل عن القانون فالقانون هو اللَّه واللَّه هو القانون. . .)(3).
ثم يرتب على هذه الخرافات الوثنية أحكامه العامة في شأن الخلق--------------------------------------------
(1) مسافة في عقل رجل: ص 153.
(2) هكذا!
(3) انظر: مسافة في عقل رجل: ص 215.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٨٦)

ونظم حياتهم ونحو ذلك، وعلى المنوال نفسه في الادعاء والجزم والمكابرة الجاهلة يفسر وجود الإنسان بنظرية المادة وتحولها من شكل إلى شكل لتكتسب شكلًا آخر(1).
ثم يزعم جازمًا فى دون أن يكلف نفسه عناء الإدلاء ببرهان واحد، فيقول مقدسًا نظرية دارون: (النظرية هي التي تبقى، النظرية التي يصنع على أساسها العلمي ملايين المخلوقات. . تبقى النظرية الهندسية خالدة باقية. . أمّا التطور الإنساني فبداخله مولد الطاقة، أي بداخله إمكانات وعوامل تطوره. . . الإنسان لا يولد بل ينشأ، ثم الإنسان لا يموت بل يهدم؛ لأن الموت فناء، وهنا الموت تحول من مادة إلى مادة أخرى أي أنه هدم، إذن فالإنسان ينشأ بناء على نظرية هندسية يتوالى نشوء الأجيال بناء عليها. . .)(2).
وبهذا الكلام وأشباهه زُين للذين كفروا في هذا العصر ضلالهم وكفرهم وجهلهم وانحرافهم فصُدوا عن السبيل، وتمادوا في الغواية، ورتعوا في ظلمات الكفر والإلحاد، وانتكسوا إلى أسفل سافلين في العقل والفكر والاعتقاد والأخلاق والسلوك {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا}(3).
وما راج كفرهم وانحرافهم إلّا على أصحاب العقول السقيمة والقلوب الميتة والنفوس المريضة، ببهرج من القول صنعوه، وبشكوك ألبسوها لباس الموضوعية الكاذبة، والتحرر الزائف، والعقلانية المنعدمة، وبإعلام ودعاية أظهرتهم على أنهم العقلاء المفكرون المثقفون المجددون، وساعدهم في كل ذلك ضعف أهل الحق، والاستضعاف النازل بهم وجهل أبناء المسلمين بدينهم، ولا حول ولا قوة إلّا باللَّه.--------------------------------------------
(1) و(2) مسافة في عقل رجل: ص 215 - 216.
(3) الآية 44 من سورة الفرقان.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٨٧)

‌‌رابعًا: الزعم بأن الوجود عبث:
هذه العقيدة الضالة فرع عن العقائد الإلحادية السابقة، وهي نفي وجود اللَّه تعالى، ونفي كونه سبحانه ربًا خالقًا، ونسبة الأبدية إلى المخلوقات.
وقد انطلق الحداثيون من اعتقاد عبثية الوجود إلى فوضى عارمة تدعو إلى التدمير والهدم والاغتراب والعدمية والثورة والرفض لكل شيء: الدين والإنسان والحياة، وهذه نتيجة طبيعية للاعتقاد الفاسد المبني على فصل الإنسان عن خالقه -جلَّ وعلا- وغمسه في المادية، وغرس مبادئ العداوة لكل شيء سوى الذات الواحدة الواجفة الجافلة من كل المبادئ والقيم والنظم.
ومن مفردات هذه العقيدة العبثية الفوضوية ما نقرؤه في كتابات الحداثيين من دعوة إلى تدمير بنية المجتمع، ورفض رسالة الأدب والفن، والحماسة لتفجير اللغة، وامتداح الاغتراب والعدمية والعبثية، والمناداة بالفردية، والأدب الجنسي والشذوذ، وجعل اللاوعي مركز الإبداع، ورفض العقل والمنطق والنظام والدعوة إلى الانحطاط والبهيمية، وإلى العزلة والهروب والهزيمة، وممارسة الغموض والرمزية الطلسمية، والنكوص نحو الأوثان والرموز الجاهلية وغير ذلك من ظواهر الشتات والتمزق والمعيشة الضنك التي اختار هؤلاء طريقها بابتعادهم عن الهدى والخير والفلاح.
ومن الطبيعيّ -نسبة إلى اعتقادهم عبثية الوجود والإنسان- أن يشعروا بالقلق بل من الضروري أن يشعروا بالضياع والحيرة والتمزق لعدم إيمانهم باللَّه تعالى، ومن الحتمي أن يعيشوا حياة التناقض والتشاكس لجحدهم الدين وفرارهم من الأخلاق، وهذا ما يظهر في حياتهم الشخصية من إغراق في الخمور والمخدرات والشذوذ الجنسيّ والزنا والدعارة، وفي نتاجهم الفكريّ والأدبيّ من عبثية وتناقض ويأس يشبه العقيدة النصرانية في الخطيئة، غير أن النصارى ابتدعوا لأنفسهم ما يسمونه الخلاص وهؤلاء يعتقدون أن الإنسان تمادى في الخطيئة وانغمس فيها إلى حد يستحيل معه الوصول إلى خلاص،

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٨٨)

وليس هذا خاصًا بالمذهب الوجوديّ وأضرابه من المذاهب العدمية بل هو مثلًا في البنيوية في موت المؤلف(1) والكتابة ضد الكتابة(2) وما تحويه من إيحاءات عبثية عدمية تقدس اللغة والنص على حساب هدم الإنسان، وما المنهج التفكيكيّ ببعيد عن مثل هذا الإيحاء، ولاسيما إذا علمنا أن "البنيوية" استفادت من الوجودية والماركسية وتأثرت بهما، ولكنها جاءت حسب قول أصحابها لتخرج على جمود الوجودية وانغلاق الماركسية، بيد أنها تحولت في الحقيقة إلى لون آخر من الانغلاق والتقوقع حول النص واللغة.
ولست هنا في صدد تعديد عبثية المذاهب الأدبية الغربية؛ لأن ذلك يطول، ويُمكن تلخيصه في أن الآلة الفكرية الغربية تدور حول عدة قضايا من أظهرها العبثية والانفراط {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}(3)، والحداثيون العرب غلفت قلوبهم وغفلت، واتبعوا أهواء أهل الإلحاد فكانوا مثلهم حياتهم في ضنك، وأمرهم في فرط الضياع والعبث، وحتى كتاباتهم التي يمجدونها ويقدسونها قصيرة العمر فاقدة القيمة؟ لأنها عبث في عبث، زعموا أنهم يحررونها من قيم الدين والخلق فوقعوا في رق العبثية، وانصهروا في حياة العدمية والضياع.
يقول أنسي الحاج: (. . . إن الكتابة عبث فلماذا لا تكون؛ فور ذاك، تمريغًا لعبث الوجود بعبثها ولمحدودية الخلق بلا محدودية جنونها وهدمها؟، لعل هدمها يثقب مخرجًا في جدار، وعبثها قد يفضي إلى إيجاد غايات للوجود. . .)(4).
وهكذا يربط أنسي الحاج بين عقيدته الزاعمة أن الوجود عبث--------------------------------------------
(1) مبدأ بنيوي يقوم على إلغاء دور المؤلف فلا هو مبدع ولا عبقريّ وإنّما مجرد مستخدمٍ للغةٍ ورثها، وهذه اللغة "المادة ذاتها" هي التي تنطق وتتكلم وليس المؤلف أو صوته. انظر: دليل الناقد الأدبي: ص 114.
(2) مفهوم بنيوي، وهو مؤلف بهذا العنوان، لعبد اللَّه الغذامي.
(3) الآية 28 من سورة الكهف.
(4) خواتم: ص 15.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٨٩)

وممارسته الكتابية الداعية إلى العبث، ويسعى هو وصنوه أدونيس إلى نشر هذا الوباء الأدبي الذي يُمكن أن يودي بأشياء كثيرة فكرية وأدبية لو أتيح له أن ينتشر.
ومن كلام أنسي الحاج في هذا الصدد ما قاله في صراحة فجة: (العدم حقيقة حقًا: إنه فراغي أنا، عدمي الداخلي، حيث لم أشأ أو لم أعرف أن أمتلئ، أن أمتلئ بالنور بالظلام، بكل ما يملأ، بكل ما يُفرغ ويطحن ويلوث ويطهر، بكل هذه العوالم المحتشدة بكل هذه التي قد تكون مجموعة فراغات، ولكن كل الحياة، حياة العصور كلها، لا تكفي لاستهلاكها.
ومع ذلك لا أستطيع إلّا أن أعجب أيضًا بمن ينكرك يا إلهي. . . وأمضي فأصل إلى النتيجة: إعجابى بثورة الملحد وتجديفه سببه حريته المطلقة. . .)(1).
وبهذا الإعلان يربط الحاج بين مدلولات حداثية عديدة أولها الإلحاد الذي يثير إعجابه، ثم العدم الذي يعتبره حقيقة، ثم النتاج الأدبي الإبداعيّ الذي يرسم هذه الدعاية الفكرية ويسوّقها في الكتب والمجلات والأندية والمحافل الثقافية.
وما "قصيدة النثر" الخالية من كل قيود القصيدة القديمة والحديثة ومن كل مضامين الخلق والقيم والعقيدة إلّا صورة من صور هذا الركام(2).
وإذا أردنا تقصي ظاهرة العبثية في الحداثة العربية فإننا نجدها قد نبتت مع أول المحاولات الحداثية من السياب وجيله، فها هو السياب يعبر عن هذا المعنى على لسان المومس العمياء في صيغة ريبية فيقول:
(وخلاصك الموعود والغبش الإلهي الكبير!--------------------------------------------
(1) خواتم: ص 74 - 75.
(2) انظر: مجلة الأدب الإسلامي، عدد 4، ربيع الثاني 1415 هـ: ص 46 مقال بعنوان "ظاهرة العبث في الشعر العربي المعاصر" لرجاء النقاش.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٩٠)

ما كان حكمة أن تجيء إلى الوجود وأنت تموت؟)(1)
أمّا نازك الملائكة(2) فعلى الرغم من تحفظاتها على الحداثة عقيدة ومسلكًا ومحاولاتها كسر حدتها إلّا أنها كانت من أوائل من نشروا هذا المذهب ونصروه ودعوا إليه، ولم يتبين لها خطورة ما فعلت إلّا بعد فوات الأوان، وكان مما قالته في قضية عبث الحياة والوجود والشك في غاية الوجود الإنسانيّ:
(هكذا جئت للحياة وما أد … ري إلى أين سوف تمضى الحياةُ
وسأحيا كما يشاء لي المجـ … ــــــهول حيرى تلهو بى الظلماتُ
ها أنا الآن حيرة وذهول … بين ماض ذوى وعمر يَمرُّ
لست أدري ما غايتي في مسيري … آه لو ينجلي لعيني سرُّ)(3)
وتقول أيضًا:
(ماذا وراء الحياة؟ ماذا
أي غموض وأي سِرّ--------------------------------------------
(1) ديوان السياب: ص 541.
(2) نازك الملائكة ولدت في بغداد عام 1342 هـ/ 1923 م لأبوين شاعرين، درست في دار المعلمين العالمية ثم توجهت إلى أمريكا لدراسة الإنجليزية وآدابها، تجيد عدة لغات وعندها عدة شهادات، وعملت أستاذة في كلية التربية في جامعة البصرة، تعتبر من رواد الحداثة ومن أوائل الذين رسخوا الشعر الحر، ولكنها ما لبثت -بعد أن اكتشفت فداحة الجناية الحداثية- أن نقدت الحداثة وخاصة في شقها الفنيّ. انظر: تاريخ الشعر العربي الحديث: ص 677، والصراع بين القديم والجديد 2/ 1277.
(3) ديوان نازك الملائكة 1/ 28 - 29، وفي ص 362 كررت هذا القول.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٩١)

وفيم جئنا؟ وكيف نَمضي؟
يا زورق بل، لأي بَحر؟
يدفعك الموج كل يوم
أين ترى آخر المقر؟
يا زورقي طال بي ذهولي
وأغرق الوهم جو عمري)(1)
وتصف نفسها وحياتها بالسفينة التائهة في خضم موج الحياة العابثة فتقول:
(في لجة البحر الرهيب سفينة تحت المساء
ألقت بها الأقدار في لجج المنايا والشقاء
الريح تصرخ حولها وتضج في ظلم الفضاء
والموج يضربها ويلقيها على شفة الفناء
سارت ولا ربان يهديها إلى الشط السحيق
حيرى يخادعها الظلام فلا شعاع ولا بريق
من فوقها هول الرعود وتحتها اللجّ العميق
سارت وما تدري إلى أين المصير وما الطريق)(2)
وبعد هذه المعاناة الشديدة والضيق من هذا التصور العبثي الشكيّ في الغاية من الوجود الكونيّ والإنسانيّ تصرخ قائلة:
(تعذبني حيرتي في الوجود وأصرخ من ألمي من أنا)(3)--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 1/ 552.
(2) المصدر السابق 1/ 602.
(3) ديوان نازك الملائكة 1/ 52.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٩٢)

وتسأل سؤال المتشكك المضطرب الحائر الخائر الذي لايعلم لماذا ولا إلى أين يذهب؟ فتقول:
(لماذا نعود؟
أليس هناك مكان وراء الوجود
نظل إليه نسير
ولا نستطيع الوصول
مكان بعيد يقود إليه طريق طويل
يظل يسير يسير
ولا ننتهي ليس منه قفول. . .)(1).
أمّا ثالثة أثافي الحداثة عبد الوهاب البياتيّ فيقول واصفًا فكرته المغلقة أن الحياة عبث وضياع وانتحار:
(لابد أن نختار
أن نقبض الريح وأن ندور الأصفار
أن نجد المعنى وراء عبث الحياة
فالعيش في هذا المدار المغلق انتحار)(2).
ولكن صلاح عبد الصبور(3) وهو من أوائل كهان الحداثة قد أسرف في--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 2/ 256.
(2) ديوان البياتيّ 2/ 96.
(3) صلاح عبد الصبور شاعر من مصر، ورائد من رواد الحداثة، مليء شعره بالمضامين الحداثية المنحرفة، كما في قصيدته "الناس في بلادي" و"مأساة الحلاج" وغيرها، تأثر بشعراء الغرب خاصة أليوت وكافكا وغيرهما، وبذل جهدًا كبيرًا في نشر المضامين الحداثية والعلمانية، وكانت خاتمته الموت بالسكتة أثناء ليلة رقص وخمر في منزل أحمد عبد المعطي حجازي، لما عوتب عن موقفه الموالي لدولة اليهود ومسايرته للسادات في ذلك، وكان ذلك سنة 1401 هـ/ 1981 م. انظر: تاريخ الشعر العربي =

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٩٣)

هذا الباب وتوثب على الحقائق مكابرًا يقرر العبثية في صيغة أسئلة شكية مرتابة، وذلك في قصيدته الشهيرة "الناس في بلادي" حيث يصورهم -وهم من المسلمين بلا شك- لأنه يتحدث عن مصر كنانة الإسلام، يقول صلاح عبد الصبور:
(وعند باب قريتي يجلس عمي مصطفى
وهو يحب المصطفى
وهو يقضي ساعة بين الأصيل والمساء
وحوله الرجال واجمون
يحكي لهم حكاية. . . تجربة الحياة
حكاية تثير في النفوس لوعة العدم
تجعل الرجال ينشجون
ويطرقون
يحدقون في السكون
في لجة الرعب العميق والفراغ والسكون
ما غاية الإنسان من أتعابه، ما غاية الحياة؟
يا أيها الإله!!)(1).
وبهذه الطريقة الشكّية يزجي صلاح ريبه في صيغة سؤال استنكاريّ يوجهه إلى اللَّه تعالى عن غاية الحياة، غير أنه في موضع آخر يتجاوز هذه الأسئلة بتقريرية واضحة قائلًا:
(تسألني رفيقتي: ما آخر الطريق؟--------------------------------------------
= الحديث: ص 665، قضايا الشعر الحديث: ص 557، 262 - 268، ورفاق سبقوا: ص 241 - 250، 270 - 272.
(1) ديوان صلاح عبد الصبور: ص 30.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٩٤)

وهل عرفتُ أوله
نحن دمًى شاخصةٌ
فوق ستار مسدلة
خطى تشابكت بلا
قصد على درب قصير ضيق. . .)(1).
ثم يعقب على ذلك بأن اللَّه وحده يعلم هذه الغاية، وفي هذا شيء من بقايا النشأة الأولى التي عاشها قبل أن تلوث عقيدته فلسفات الضياع التي أملت عليه أن يقول:
قال الصديق:
يا صاحبي!
ما نحن إلّا نفضة رعناء من ريح سموم
أو منية حمقاء
والشيطان خالقنا ليجرح قدرة اللَّه العظيم)(2).
أمّا الجيل الثاني من الحداثيين العرب فيمكن أن نأخذ منه نموذجين:
الأول: محمود درويش(3)، الذي عبر عن هذه العبثية بقوله:
(إنا خلقنا غلطة في غفلة من الزمان)(4).--------------------------------------------
(1) المصدر السابق: ص 219.
(2) ديوان صلاح عبد الصبور: ص 38.
(3) محمود درويش شاعر فلسطيني حداثي شيوعيّ، عضو في الحزب الشيوعيّ الإسرائيلىّ راكاح، وعضو المجلس الوطني التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية العلمانية، يسمونه شاعر الأرض المحتلة، له دواوين شعر مليئة بالمضامين الحداثية المنحرفة. انظر: تاريخ الشعر العربي الحديث: ص 626، والحداثة في ميزان الإسلام: ص 94.
(4) ديوان محمود درويش: ص 42.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٩٥)

والثاني: النصراني توفيق صايغ(1)، القائل:
(لففت العباءة حولي
تعكزت إلى القفر إلى قمتي الجرداء
حيث الغبار ولا الإله
نجوٌ بقمتي الجرداء)(2).
(مصيفي الفراغ
مشتاي الفزع
وعيشي قطار بينهما
صغيره
ثم ماذا؟
مع قهوة الصباح
ثم ماذا؟)(3).

‌‌خامسًا: نسبة الخلق إلى غير اللَّه، وتسمية غير اللَّه خالقًا:
وهذا مما دأب عليه أهل الأدب العربي المعاصر، واجترأوا عليه حتى--------------------------------------------
(1) توفيق صايغ حداثيّ فلسطينيّ، ولد لأسرة نصرانية سنة 1342 هـ/ 1923 م، درس في صغره على يد مبشرة أمريكية، ثم في مدرسة الفنون الأمريكية في صيدا، ثم التحق بالكلية العربية في القدس والتي أنشأها الإنجليز، عاش في بيت له نزعة نصرانية قوية ثم درس في الكلية الأسقفية، ثم حاز على منحة من مؤسسة روكفلر لدراسة الشعر والنقد في جامعة هارفرد، ومنحة أخرى من المجلس الثقافيّ البريطانيّ فدرس في جامعتي أكسفورد وكامبردج، ثم عمل محاضرًا في كامبردج، ثم عاد إلى بيروت ليكون ضمن عصابة مجلة شعر، ثم أنشأ مجلة حوار الممولة والموجهة من المخابرات الأمريكية، ولما انكشفت عمالته أغلق المجلة وغادر إلى أمريكا ليعمل في جامعاتها وبقي هناك إلى أن هلك في 1390 هـ/ 1971 م، له ديوان شعر سقيم العبارة هابط التركيب، سخيف المبنى والمعنى، مليء بالانحرافات الاعتقادية والتجاوزات اللغوية المقصودة. انظر: كتاب توفيق صايغ سيرة شاعر ومنفى، لمحمود شريح، وتاريخ الشعر العربي والحديث: ص 731.
(2) المجموعات الشعرية لتوفيق صايغ: ص 304.
(3) الأعمال الكاملة لتوفيق صايغ: ص 38.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٩٦)

أصبح من شبه المسلمات لديهم، فيسمون الإنسان خالقًا وكذلك الشاعر والفنان، ويدعون أن الإبداع خلق ثانٍ للكون.
ومما لا ريب فيه أن من تجرأ على جحد وجود اللَّه ونفي خلقه للكون فإن جرأته على تسمية غير اللَّه خالقًا ونسبة الخلق لغير اللَّه أشد، وهذه من رواسب ذلك الفكر الإلحاديّ الماديّ، وبقية من رعونات التصورات الضالة التي تردى فيها أصحاب الزيغ والهوس الدنيويّ الدهريّ، تحت شعارات براقة خادعة أقاموا عليها المنهج الفكريّ والعمليّ من أمثال حرية الإنسان وإنمائه وتحقيق الذات، والتطور. . . إلخ.
وكأن هذه الأمور لا تتحقق إلّا في سياق ماديّ إلحاديّ قوامه جحد الإله -جلَّ وعلا-، ودعامته الحملة الضارية على الدين ونظمه وما ينبثق عنه من أعراف اجتماعية ومقومات خلقية.
وكما أن الإسلام يقوم على مبدأ التوحيد للَّه تعالى في ذاته وصفاته وألوهيته، فإن الفكر الحداثي يقوم على الضد من ذلك، على التعددية في الربوبية والألوهية، زاعمين أن ذلك هو أساس التقدم والإبداع والحرية، وهذا الذي يسمونه تعددًا هو عين "الشرك" بالمصطلح الشرعيّ الإسلاميّ، والذي هو اعتقاد شريك مع اللَّه تعالى في خلقه وملكه أو في ألوهيته وعبادته.
وإذا كان المشركون الأوائل يتنصلون من وصفهم بالشرك كما أخبر اللَّه تعالى عنهم: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23)}(1)، فإننا نجد أن مشركي هذا الزمان يفاخرون بذلك ويعدونه عين التفوق والتقدم، مخادعين أنفسهم وكاذبين على غيرهم مرتكسين في الوثنية صراحة وبدون مواربة أو غطاء، يعدون الوثنية اليونانية والإغريقية المثل الأعلى للحداثة؛ لما تحتويه من "تعددية" حسب تزيينهم وتلبيسهم، وبدلًا من أن يصفوا الوثنيات بالجهل والشرك والتمزق كما هو حالها حقيقة، نراهم يصفونها بالتحديث والامتياز، ويجعلونها أساس حداثتهم، وجذر عقيدتهم، كتب أحدهم تحت عنوان "مقاربة الحداثة": (لم تتجل الحداثة طوال العصور--------------------------------------------
(1) الآية 23 من سورة الأنعام.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٩٧)