كالقردة ثم أنواع أرقى تتجلى في الإنسان، وأن كل ذلك يتم بفعل الطبيعة العشواء بدون قاعدة ولا منطق ولا نظام، ويقول بأن الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق.
أدت هذه النظرية إلى انتشار الإلحاد بصورة أكبر في أوروبا، وتخلت جموع كثيرة بسببها عن الإيمان بوجود اللَّه تخليًا تامًا أو شبه تام، وترتب عليها أنه لا فائدة ولا جدوى من البحث في الغاية من وجود الإنسان، فأدى ذلك إلى إهمال العلوم الغربية لفكرة "الغائية" باعتبارها لا تقع في دائرة البحث العلمي، وأدى ذلك إلى طغيان الفوضى الاعتقادية والأخلاقية؛ لكون النظرية توحي بحيوانية الإنسان، وكانت هذه النظرية ممهدة لنظرية فرويد في التحليل النفسي، ولنظرية سارتر في الوجودية، وماركس في المادية الجدلية، ولنظرية التطور المطلق في كل شيء تطورًا لا غاية له ولا حدود، وسادت فلسفة أن كل عقيدة أو نظام أو سلوك هو أفضل وأكمل من غيره ما دام تاليًا له في الوجود الزمني، وأنه ليس ثمة كمال ثابت(1)، كل ذلك في إطار عقيدة الإلحاد القائلة بأنه لا حكمة لوجود الخلق، ولا إله(2).
8 - كارل ماركس (1233 - 1300 هـ/ 1818 - 1883 م): مؤسس الشيوعية وفيلسوف الإلحاد المسمى بالمادية الجدلية والداعي إلى الاشتراكية العلمية، والشيوعية مذهب اقتصاديّ سياسيّ، يعتمد على أساس من الإلحاد المسمى بالديالكتيك والمادية، التاريخية الاجتماعية.
وأصل كل ذلك إنكار وجود رب خالق مدبر لهذا الكون، واعتقاد أن--------------------------------------------
(1) أصبحت هذه الفكرة أساسًا من أساسيات الحداثة كما سوف يأتي بيانه -إن شاء اللَّه تعالى-.
(2) انظر عن داروين والداروينية: الموسوعة الفلسفية للحفني: ص 177 - 178، والموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص 192 وفيه عن الداروينية الجديدة: ص 193، والداروينية الاجتماعية: ص 193، والموسوعة الميسرة: ص 211 - 219.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١١٨)
المادة هي كل الوجود، وأن مظاهر الوجود تطور متصل للقوى المادية، وأن أجلى مظاهرها مظاهر تطور الإنسان، وأن أحداث هذا التطور الماديّ -حسب زعم الماركسية- تخضع لقانون جبريّ موجود في ذات المادة، وهو صفة من صفاتها الذاتية، وأن الحياة الاجتماعية والاقتصادية تسير وفق قانون الصيرورة، قائم على القضية ونقيضها ومركب القضية والنقيض وهذه هي المادية الجدلية، ومظهرها صراع الطبقات الاجتماعية.
وقد قامت الفلسفة الماركسية على أساس إنكار وجود اللَّه والقول بأزلية وأبدية المادة وجعلها كل شيء في الوجود، وتفسير حركتها وتفسيرها تفسيرًا ماديًا بحتًا، وبناءً على ذلك قام ماركس بتفسير التاريخ الإنسانيّ تفسيرًا ماديًا وأخضعه لنظام المادية الجدلية، وقد جعل ماركس فلسفته ممارسة حياتية، ففي الاقتصاد الاشتراكية العلمية وهي المذهب الاقتصاديّ القائم على إلغاء الملكية الفردية، وجعل الدولة مالكة لكل شيء على مبدأ: من كلٍ حسب استطاعته ولكل حسب حاجته، وفي السياسة دعا إلى إقامة الدولة الشيوعية عن طريق الثورة الجارفة المدمرة، وفي المجتمع دعا إلى إطلاق الحريات الشخصية على أوسع مدى شريطة أن لا تمس المبادئ الشيوعية أو نظام حكمها، ودعا إلى أن تكون العلاقة الجنسية مشاعًا، وفي الأخلاق نادى بهدم القيم والأخلاق التقليدية التي تعارف عليها الناس، لكي يقوم بدلًا عنها أخلاق البرامج الشيوعية، التي تحقق قيام المجتمع الشيوعيّ على نظام إداريّ سياسي شيوعيّ في دولة "ديكتاتورية البروليتاريا" أي الاستبداد الشيوعيّ الصارم من قبل رأس هرم الحزب الشيوعي، وقد تحقق قيام الشيوعية في دولة الاتحاد السوفيتي الهالك، ودولة الصين الشيوعية المتهالكة، وما تبع ذلك من دول، ولكن الشيوعية اليوم ممارسة وفكرًا تتهاوى وتتلاشى مؤذنة بزوالها التام عما قريب -إن شاء اللَّه تعالى-.
وقد كان ماركس يهودي الأصل، اعتنق والده النصرانية نفاقًا، وكان ماركس صاحب مزاج خبيث وعالة على أهله وأصدقائه، قامت فلسفته على آراء ملاحدة اليونان أبيقور وديموقريطس، ثم أخذ عن هيجل الجدل
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١١٩)
والمادية، ثم عن فيورباخ المادية الإلحادية، ثم التقى بإنجلز وشكلا معًا ثنائيًا متساندًا في الكفاح والنضال من أجل نشر المبادئ الشيوعية الإلحادية(1).
وقد تأثر جملة من أدباء الحداثة العربية بالماركسية فكرًا وفلسفة وعقيدة، ودافعوا عنها وسعوا في نشرها وبثها والإشادة بشخصياتها وتاريخها، وبعضهم انضم إلى الأحزاب الماركسية الموجودة في بلدانهم(2).
9 - إنجلز- فريدريك (1235 - 1312 هـ/ 1820 - 1895 م): فيلسوف ألمانيّ ماديّ ملحد، شارك كارل ماركس في صياغة الفلسفة الماركسية وسائر نظرياتها بعد أن التقيا سنة 260 هـ/ 1844 م، وقد تكفل بالإنفاق على ماركس في حياته وعلى أسرته بعد وفاته، وكل كتابات إنجلز تدور حول تأصيل الماركسية وإذاعة مبادئها، وسعى لأن تكون حركة دولية وانشغل بالجانب السياسيّ والعسكريّ في الانتفاضة الثورية الألمانية 1264 هـ/ 1848 م، وظل مهتمًا بجعل الشيوعية نظامًا سياسيًا شاملًا، وكرس جهده في الجانب التطبيقي منها، واحتك بالطبقة العاملة(3).
10 - بوخنر - لودفيج بوخنر (1239 - 1316 هـ/ 1824 - 1899 م): فيلسوف ألمانيّ ماديّ ملحد اشتهر بكتابه "القوة والمادة"،--------------------------------------------
(1) انظر ترجمة ماركس في: الموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص 438 - 440، وفيها أيضًا تعريفات للماركسية اللينينية: ص 347 - 349، 334 - 336، 440 - 442، وانظر: الموسوعة الفلسفية للحفني: ص 411 - 413، ومعجم الفلاسفة: ص 571 - 576.
(2) من أدباء الحداثة الماركسية الشيوعية أو ما يسمى بأدباء الواقعية الاشتراكية: توفيق زياد وسميح القاسم ومحمود درويش ومعين بسيسو وحسين مروة والبياتي وعبد الرحمن الخميسي وأحمد سليمان الأحمد ومحمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس ورجاء النقاش وأميل حببيبي ومحمد دكروب.
(3) انظر ترجمته في: معجم الفلاسفة: ص 90 - 91، والموسوعة الفلسفية للحفني: ص 69، والموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص 56 - 58.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٢٠)
ونظريته الواحدية التي ترد القوة للمادة وتجعل منها شيئًا واحدًا، ويعرف القوة بأنها نشاط أو حركة المادة، ويعد بوخنر أبرز ممثلي المادية المسرفة، والتي تدعي أنها ترد كل أعمال الإنسان بما فيها الوعي والفكر إلى مضمار المادة والطاقة، وزعم بأن الشواهد العلمية تنكر وجود قوة خارج نظام الطبيعة ويرفض لذلك الغائية؛ لأنه لا يعتبر للغائية تفسيرًا سوى القوانين العلمية، آراؤه المادية الإلحادية تشابه أسلافه من الماديين الملاحدة وأحكامه في ذلك خالية من البراهين ومقرونة بالادعاء والتقريرية الفجة، وبها حاول أن يقاوم القطعيات العقلية في المثبتة لوجود اللَّه والغيبيات، ولكن بلغة وحجة ضعيفتين(1).
11 - نيتشه - فريدريك فلهم (1260 - 1317 هـ/ 1844 - 1900 م): فيلسوف ألمانيّ ملحد، مجنون، مصاب بداء العظمة إلى حد تأليه النفس، بدأ بمرحلة الشك والتشتت منذ الثامنة عشرة من عمره وفيها فقد الإيمان بوجود إله خالق مدبر لهذا الكون، ثم قرأ كتاب شوبنهاور "العلم كإرادة وتمثل" وتأثر بفلسفته الإلحادية وتشاؤمه، ثم استرسل في شكه وإلحاده، وأصبح يعادي أصدقاءه تباعًا حتى أصبح في عزلة تامة مع ازدياد جنون العظمة في نفسه حتى حل به الجنون الكامل وفقد عقله كليًا وبقي كذلك حتى هلاكه، وكان قد حاول الانتحار عدة مرات في حياته.
ومن أشهر كتبه "هكذا تكلم زرادشت" صاغ فيه فلسفته بأسلوب شعريّ، وكان مطمحه أن يكون بديلًا عن الإنجيل وبشارة في الوقت نفسه بالأزمنة الجديدة، وليقوم على نقد الدين والقيم الثقافية السائدة، يعد في ميزان الغرب ثالث ثلاثة في الفلسفة الألمانية بعد كانت وهيجل.
آراؤه مليئة بالتخبط والخلط والتخريف، وتقوم على الإلحاد، وجحد وجود اللَّه تعالى والأديان والغيبيات، وجحد اليقينيات والحقائق والتعلق--------------------------------------------
(1) انظر ترجمته في: معجم الفلاسفة: ص 176، والموسوعية الفلسفية للحفني: ص 115 - 116، وكواشف زيوف: ص 242.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٢١)
بأوهام خرافية مع دعاوى عريضة خالية من أي دليل أو برهان؛ لأنه يلغي أصلًا مبادئ الفكر وموازين العقل(1)؛ ولذلك كثرت عنده الأغاليط الفكرية والتخبطات الذهنية، وذلك يرجع إلى رؤيته الناقصة للأشياء والأحداث، وأحكامه التعميمية السريعة، مقرونة بالإعجاب بنفسه والغرور بفكره، وقد توجد في كتبه بعض المقولات ذات التعبيرات القوية الذكية، تشبه ذكاء الشعراء والأدباء الساخرين، لا الحكماء العاقلين، وهذا هو سبب اغترار الإمعات به وانجرارهم إلى شرك أوهامه.
وتدور آراؤه حول نفي العقل، وأنه لا حاجة إليه وأنه خطر(2)، وإنكار الحقائق والزعم بأن الوجود في "صيرورة دائمة" أي التغير الدائم الذي ليس له غاية ينتهي إليها بل الصيرورة عنده غاية في نفسها وهي كل شيء ولا شيء وراءها(3).
ومن محاور فلسفته القول بإرادة القوة حيث جعل القوة هي الفضيلة العظمى والوحيدة في الوجود كله، فدعا إليها وإلى استعمالها دون إشفاق أو حنان واعتبر هذا هو أساس الأخلاق؛ ولذلك يسمى "فيلسوف القوة".
وأخذ نيتشه بنظرية التطور المسماة مذهب التطور والارتقاء(4)، وزعم أن كل صنف يخلق صنفًا أرقى منه وهكذا تم الأمر من الحيوان حتى وصل في آخر الأمر لخلق الإنسان، وأن على الإنسان أن يخلق الصنف الأعلى والأرقى وهو "السوبرمان" أي الإنسان الأعلى، وجعل ذلك هو غاية الإنسانية.--------------------------------------------
(1) و(2) سيأتي في ثنايا البحث -بإذن اللَّه- أن الحداثيين يعتبرون رفض العقل وموازينه والضوابط أيًا كانت من أصول حداثتهم وإبداعهم.
(3) من أصول الفكر الحداثيّ الصيرورة الدائمة وعدم الثبات مطلقًا، وسيأتي بيان ذلك -إن شاء اللَّه-، وهذا هو منزعهم الذي نزعوا منه "نيتشه الملحد المجنون" إضافة إلى "داروين".
(4) نظرية داروين.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٢٢)
ويقرر نيتشه أنه ليس بعد الموت شيء، وبين هذا القول ومذهب القوة قرر أن الانتحار مظهر من مظاهر القوة ويسميه الموت الإراديّ، غير أنه لم يطبق هذا المبدأ على نفسه رغم كثرة علله وأمراضه، حتى وصل إلى الجنون ولم ينتحر.
وبناء على هذا الخليط المشوش من الأفكار نادى بتحطيم القيم التقليدية وهدم المذاهب الأخلاقية والدينية والفلسفية، وإيجاد قيم جديدة(1) للوصول إلى خلق الإنسان الأعلى "السوبرمان".
ودعا الإنسان في الأخلاق الجديدة التي أرادها ليكون فوق كل قيمة وكل قانون وفوق ما يسمى الخير والشر؛ لأن مهمته الرئيسية هو أن يكون خالقًا للقيم التي يريد، واضعًا ما يشاء من الأخلاق والسياسة والنظم والمعتقدات(2)، وأساس كل مزاعمه هذه إعلانه الإلحاديّ الكافر بأن اللَّه مات -تعالى اللَّه عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا- وأعلن نفسه إلهًا وربًا(3)، حتى وصل إلى الجنون ومات كذلك(4).
ويعتبر نيتشه في أفكاره هذه وغيرها قدوة للحداثيين وأستاذًا كبيرًا وفيلسوفًا عظيمًا عندهم.
12 - سبنسر - هربرت (1235 - 1320 هـ/ 1820 - 1903 م): فيلسوف إنجليزيّ ملحد، يقولون عنه بأنه أعظم فيلسوف إنجليزي في القرن التاسع عشر، وفاخرت به إنجلترا ورفعته إلى مرتبة العبقريّ القويّ ورأت فيه أوروبا واحدًا من عظماء ذلك القرن.--------------------------------------------
(1) و(2) سوف يأخذ هذا المبدأ الهدام دعاة الحداثة وينادون به ويدعون إليه وهو ما سوف نراه في الفصل المختص بالأخلاق من هذا البحث.
(3) وهذا مبدأ أخذته الحداثة ودعت إليه ونادت به كما سوف يأتي.
(4) انظر ترجمته في: موسوعة أعلام الفلسفة 2/ 512 - 515، ومعجم الفلاسفة: ص 625 - 628، والموسوعة الفلسفية للحفني: ص 489 - 491، وكواشف زيوف: ص 442 - 450.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٢٣)
نشأ سبنسر مريضًا كسولًا وكان يشعر بأنه صاحب رسالة، فأراد أن يعطي تصورًا عن العالم وتفسيرًا للوجود يعتمد على العلم والعقل، فشرع في التأليف معتمدًا على مواهبه الفطرية، وثقافته الذاتية، وملاحظاته المباشرة، فنزع إلى الإلحاد والمادية، وارثًا ذلك عن أبيه وجده لأبيه فقد كانا ماديين لا يؤمنان بشيء فوق الطبيعة.
قامت نظرته الفلسفية على نظرية الارتقاء المماثلة لنظرية دارون، ونشر عن ذلك قبل أن ينشر دارون كتابه "أصل الأنواع" بتسع سنوات، ثم لما نشره دارون زاد ذلك من حماسة سبنسر لفكرته وانبرى يؤلف سلسلة من الكتب تشرح كل العلوم المعروفة في ضوء نظرية التطور والارتقاء المادية الإلحادية في محاولة منه لوضع نظرية فلسفية شاملة، أو فلسفة تركيبية كما كان يسميها.
هناك من يعد إلحاده من مذهب اللاأدرية(1)، وهناك من يعده من صرحاء الملحدين، تدور فلسفته على فكرة التطور الذاتي، وجعلها مفسرة لكل ظواهر الوجود وأخضع لها كل شيء، الحياة والعقل والمجتمع والأخلاق(2).
يرى أن العقل عاجز عن إدراك الحقيقة، ومع ذلك يعظمه ويقيس به كل شيء وهو عنده كالّ ضعيف!!!، يعتبر سبنسر أستاذًا من أساتذة المذهب الوضعي(3).
وبناء على فلسفته المادية يقول: كل ما يتجاوز إدراكنا ونطاق العلوم الواقعية يؤلف مجال المجهول ويؤدي إلى الاعتقاد بوجود ما لا يُمكن معرفته. . . ثم يرتب على هذه المقدمة الفاسدة نتيجة فاسدة هي: كل ما نستطيع أن نجزم بصدده هو أن نقول: إننا لا نعرف ما إذا كان اللَّه موجودًا أو غير موجود، وما من سبيل أمامنا إلّا أن نعتنق اللاأدرية بوصفها الاختيار--------------------------------------------
(1) سبق شرحه ص 108.
(2) وهذا مبدأ من مبادئ الحداثة الأساسية.
(3) سبق شرحه ص 110.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٢٤)
الوحيد(1)، انتشرت فلسفة سبنسر في أمريكا وتأثر بها بعض الشرقيين(2).
13 - برتراند راسل (1289 - 1389 هـ/ 1873 - 1975 م): رياضيّ وفيلسوف إنجليزيّ ملحد، أشهر فلاسفة فترة ما بين الحربين العالميتين، كتب كثيرًا في الفلسفة وفروعها المتعددة، يعتبر رائدًا للحداثيين والمثقفين التقدميين الملاحدة في أوروبا والغرب وأتباعهم.
شديد الغلو في إلحاده الذي بثه في مؤلفاته الفلسفية والأدبية والتي نال عليها جائزة نوبل للاداب عام 1369 هـ/ 1950 م، أثرت مؤلفاته المبسطة والمتعمقة على الناس في أوروبا وأمريكا وصبغت الفكر الأوروبي والأمريكي المعاصر بصبغة ما زالت ملازمة لها.
تدور فلسفته على الإلحاد أولًا والمذهب الوضعي وفلسفة الشك المسيطر على جوانب فكره، ويظهر التناقض والعجز الفلسفي في مؤلفاته، ينادي بالمنطق الرياضي وتطبيقه فلسفيًا، ويتبنى مبدأ التغير المستمر، ويزعم أنه من المستحيل إدراك الواقع خارج نطاق مناهج علوم الطبيعة ثم شكك في ذلك، آراؤه في علم النفس مغرقة في المادية باعترافه، وذهب إلى اعتبار الإنسان جزءًا لا قيمة له بين أجزاء الطبيعة وأن عقله خاضع للقوانين الطبيعية، نفى وجود اللَّه والبعث بعد الموت والخلود، وصب هجومه على الدين بشتائم مليئة بالحقد والكراهية، وزعم أنه لا فائدة من النظريات الأخلاقية، وقال بنسبية آداب السلوك(3)، وأرجع النشاط الإنسانيّ إلى الغريزة والعقل والروح، ودعا إلى نظام اشتراكي تحرريّ إنسانيّ، وأسس مع سارتر الملحد الوجوديّ الفرنسي مؤسسة راسل للسلام ضد الحرب والسلاح النوويّ.--------------------------------------------
(1) انظر عن سبنسر: الموسوعة الفلسفية للحفني: ص 236 - 237، ومعجم الفلاسفة: ص 327 - 329، والموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص 241 - 242، وموسوعة أعلام الفلسفة 1/ 545، وكواشف زيوف: ص 450 - 453.
(2) ممن تأثر بها جلال صادق العظم الذي يحاول أن يؤكد الإلحاد في كتابه "نقد الفكر الدينيّ"، وقد رد عليه الشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني في "صراع مع الملاحدة حتى العظم". انظر: كواشف زيوف للميداني: ص 451.
(3) النسبية في الأخلاق أساس حداثيّ شهير سيأتي بيانه.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٢٥)
ودافع عن الإباحية الجنسية، والزواج الجماعيّ، والزواج تحت التجربة والاختبار، وحرية الحياة الجنسية، والسماح بها في سن مبكر، وناهض قوانين منع اللواط، وغير ذلك من الثمرات المرة البائسة للمادية والإلحاد(1).
14 - هايدجر مارتن (1306 - 1396 هـ/ 1889 - 1976 م): فيلسوف وجوديّ عدميّ ألمانيّ ملحد، يعدونه أهم فيلسوف في القرن العشرين، ويسمونه مفكر الوجود لدوران فلسفته حول سؤال: ما الوجود؟، وهو تلميذ لادموند هوسرل اليهوديّ الألمانيّ، وكان هايدجر عضوًا في الحزب النازيّ وكان شديد التعصب لوطنه ولغته، ويرى أن الفلسفة لا يُمكن أن تكون بدون اللغة الألمانية وأن شعبه هو الوحيد القادر على تجديد الفكر الغربيّ.
حاول في كتابه "الوجود والزمان" أن يحدد علاقة الوجود بالإنسان انطلاقًا من الإنسان الذي هو الإله(2) الذي يحضر الوجود هنا، وأنه يفهم الوجود الإنساني من حيث أن الإنسان هو الكائن الذي ينكشف من خلاله معنى الوجود، وأنه حذف به إلى عالم ليس من صنعه، إلّا أنه قد أخلي بينه وبين استيعابه وتعديله، ويرى أن القلق هي الحالة الوحيدة التي تبدو بها حقيقة الإنسان وتعيد إليه الوعي وليس للإنسان من دور سوى أن يسعى لإقامة وجوده، ودعا إلى إقامة مجتمع حر ليبراليّ يهتم بالثقافة والقيم.
وفلسفة الوجود أساس فكرته، ويشدد عليها، ويرى أن التشديد من الآن فصاعدًا سيكون على الوجود الذي لا يعدو الإنسان أن يكون هو إلهنا العائد إليه "حسب زعمه الإلحاديّ"، وأن الوجود هو مقوم إنسانية الإنسان، وأنه قاعدة كل مذهب إنساني، والوجود ليس هو اللَّه -تعالى اللَّه- ولا أساس--------------------------------------------
(1) انظر عن براتراند راسل: موسوعة أعلام الفلسفة 1/ 482 - 489، ومعجم الفلاسفة: ص 289 - 290، وكواشف زيوف: ص 453 - 481، والموسوعة الفلسفية للحفني: ص 208 - 213.
(2) تأليه الإنسان أصل من أصول الحداثة العربية.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٢٦)
العلم، الوجود هو أبعد من كل موجود(1).
ولهايدجر تأثير واضح على سارتر وفلاسفة الوجودية من بعده.
15 - سارتر - جان بول سارتر (1322 - 1400 هـ/ 1905 - 1980 م): كاتب وفيلسوف وجوديّ فرنسيّ ملحد، تتلمذ على هايدغر وعلى هوسرل اليهوديّ الألمانيّ، كتب في الفلسفة والأدب بمنظور إلحاديّ ماديّ وجوديّ، وأحب الماركسية ودافع عنها رغم انتقاداته لبعض أفكارها وممارساتها وحاول إيجاد حركة سياسية يسارية جديدة تكون نواة لحزب يساريّ بديل عن الحزب الشيوعيّ يستقطب به المثقفين والعمال، وأصدر صحيفة اليسار، والوجودية التي نادى بها سارتر ليست في الأصل مذهبًا بل إنها تمرد على المذاهب لأنه لا يُمكن أن يكون ثمة مذهب للوجود -هكذا يزعم سارتر- مع أن الحقيقة أن الوجودية أصبحت مذهبًا تمرديًا أنانيًا ينادي بالحرية المطلقة للفرد ليتحقق بها ما يشاء من أعمال وسلوكيات.
تعرف سارتر على سيمون دي بفوار وعشقها سنة 1323 هـ/ 1906 م وبقيا في معاشرة داعرة طوال حياة سارتر وبصورة معلنة؛ وذلك ليثبت وجوديتهما من خلال رفض رباط الزواج وممارسة الوجودية عمليًا، ولسارتر كتاب بعنوان تأملات في المسألة اليهودية نشره عام 1365 هـ/ 1946 م وهو معروف بمناصرته العلنية لليهود والصهيونية.
وسارتر يجحد وجود اللَّه تعالى وكتبه ورسله والغيبيات جميعًا وكل ما جاءت به الأديان ويعتبرها عوائق ضد حرية الإنسان ويعد التقدم والتطور في الإلحاد(2).--------------------------------------------
(1) انظر: معجم الفلاسفة: ص 640 - 642، وموسوعة أعلام الفلسفة 1/ 44 - 47، والموسوعة الفلسفية للحفنيّ: ص 497، والموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص 565.
(2) انظر ترجمته في: معجم الفلاسفة: ص 319 - 322، الموسوعة الفلسفية للحفنيّ: ص 226 - 232، والموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص 238 - 239.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٢٧)
هؤلاء هم أبرز ملاحدة الغرب الذين يظهر أثرهم في كتابات ملاحدة الحداثة في الغرب ثم في آثار أتباعهم في الحداثة العربية، علمًا بأن هؤلاء لا يطرحون أفكارهم الإلحادية في شكل فلسفيّ كما يطرحها هؤلاء الذين ذُكرت أسماؤهم وإنّما تجدهم ينفثون ذلك في سموم كتاباتهم الأدبية، شعرية أو قصصية أو في المقالات والكتابات النقدية؛ وذلك أن الأتباع -في الغالب- يكونون أقل عمقًا من متبوعيهم وأكثر حماسة منهم، وهذا ماسوف نراه في النماذج الحداثية العربية.
غير أنه قد يدّعي بعضهم أنه لا ينكر وجود اللَّه تعالى وربوبيته، وأنه يقر بذلك، وإذا أخذنا هذا بشيء من التسليم فإنه ذلك لا يعني أن المقر بالربوبية قد انتفت عنه الانحرافات الاعتقادية الأخرى ما دام أنه ينكر ألوهية اللَّه تعالى كليًا أو جزئيًا أو يستخف باللَّه تعالى أو برسله أو بكتبه أو بأي شيء من شرعه أو أخباره.
ثم إننا إذا تأملنا هذه الدعوى وجدنا أنها لا تخرج عن التبعية لمذاهب غربية أخرى قد لا تعد في مفهوم الغرب ومعاييره من المذاهب الإلحادية، وهو ما يسمونه "المذهب الربوبيّ" الذي بدأ في القرن الثامن عشر الميلادي في إنجلترا، بعد أن ظهرت المذاهب ذات الصبغة الإلحادية الصريحة، وكان في مقابلها المذهب الدينيّ الكنسيّ النصرانيّ الذي قاوم بشدة هذه التوجهات الإلحادية، لكن موجها كان أكبر من سفينته المفككة المنخورة، والرجة الفكرية التي حدثت تبعًا للصراع بين العلم وحقائقه والكنيسة وزيفها وخرافاتها كانت أكبر من أن تحتمله جدران الكنيسة المتصدعة، ونشأ بين التيارين المتناقضين -أعني التيار الإلحادي الصريح والتيار الكنسي المحافظ- تيار ثالث يدعي التوفيق بين التيارين وهو أقرب إلى الإلحاد، إلّا أنه يريد الإبقاء على شيء من دين ولكن غير الدين المحرف الذي كانت الهجمات قد توالت عليه منذ القرن السابع عشر الميلادي فأنهكته(1)، ولما جاء القرن--------------------------------------------
(1) انظر: تاريخ الفكر الأوروبي الحديث، ترجمة أحمد الشيباني 2/ 54.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٢٨)
الثامن عشر كانت طلائع النقد الهادم للدين النصرانيّ واليهوديّ قد قطعت شوطًا كبيرًا وألقت بظلال من الشك على التوراة والإنجيل وعلى الأصل الموسويّ لأسفار موسى الخمسة(1) حتى قال قائلهم في عام 1152 هـ/ 1740 م: (لقد أصبح الكثيرون من الناس يعتقدون بأن المسيحية هي في نهاية المطاف خرافة)(2).
ولقد أسهم هذا التيار الجديد في هدم البقية الباقية من الدين النصرانيّ المحرّف، وتميز العصر المسمى عصر التنوير 1101 - 1142 هـ/ 1690 - 1730 م(3) بالمناظرات الشديدة التي دارت حول المسيحية بين أولئك الذين يسمون أنفسهم بـ "الربوبيين" وبين أتباع الكنيسة المتعصبين لها(4).
هذا هو التيار الثالث المتولد بين صرحاء الإلحاد ومتعصبة النصرانية، وهو ما أطلق عليه اسم "الربوبيون" فهل هم فعلًا يؤمنون برب خالق قادر متصرف هو اللَّه الحكيم العليم، أم أن لهم ربًا آخر يؤمنون به؟.
المذهب الربوبيّ في المفهوم الغربيّ الماديّ هو كما عرفته الموسوعات الفلسفية: (وجهة النظر التي تؤكد الاعتقاد بوجود إله غير شخصيّ كسبب أوليّ للعالم وليس كإله الديانات الكتابية. . . ويعتقد الربوبيّ أن اللَّه خلق العالم وتركه يعمل وفق قوانينه ودون تدخل منه، ومن ثم ينفي القدرة المطلقة والعلم المطلق عن اللَّه. . .)(5).
ومما جاء في الموسوعة الفلسفية التي وضعها لجنة من العلماء والأكادميين السوفياتيين: (الربوبية: الاعتقاد بوجود إله كسبب أوليّ لا--------------------------------------------
(1) انظر: تاريخ الفكر الأوروبي الحديث، ترجمة أحمد الشيباني 2/ 54.
(2) المصدر السابق 2/ 55.
(3) و(4) انظر: المصدر السابق 2/ 55.
(5) المعجم الفلسفي لعبد المنعم الحفنيّ: ص 431. ويذكر فيه رموز هذا المذهب وهم: فولتير وجان جاك روسو ولوك ونيوتن وتولاند وجيفرسون وبنيامين فرانكلين وتوماس وكانت الذي دعا إلى ديانة في حدود العقل وحده، وسوف تجد آثار هؤلاء الفلاسفة في موضع احترام وتججيل عند الحداثيين والعلمانيين العرب مما يدل على التشابه والتلاقح الاعتقاديّ بين هؤلاء وأولئك.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٢٩)
شخصيّ للعالم، والعالم -من وجهة نظر الربوبية- قد تُرك لفعل قوانينه الخاصة بعد أن خُلق، وكان أول ظهور الربوبية في إنجلترا، وهربرت أوف تشيربوري 991 - 1058 هـ/ 1583 - 1648 م هو "أبو الربوبية"، وحيث كانت تسود المفاهيم الدينية الإقطاعية فإن الربوبية كانت غالبًا ما تتخذ شكلًا زأئفًا من المذهب الإلحاديّ)(1).
هذا هو المذهب الربوبيّ كما يسميه فلاسفة الغرب، وقد انتشر من إنجلترا وعبر القنال إلى سائر القارة الأوربية، وأصبح جزءًا من حركة الفلاسفة الكبار في فرنسا(2).
وفي حقيقة الأمر أن هذا المذهب وإن كان أصحابه يقرون بأن الكون له موجد إلّا أنهم أقرب إلى الإلحاد منهم إلى الإثبات كما في التعريف السابق أن هذا المذهب اتخذ شكلًا زائفًا من المذهب الإلحاديّ، فهو عبارة عن مسخ فكري ماديّ لايؤمن باللَّه كما هو عليه سبحانه وتعالى من صفات، ولا يقول بأقوال صريحة في الإلحاد، ويتجلى ذلك في شخصية فولتير صنم الحداثيين وقبلتهم الفكرية، فقد هاجم الأناجيل والكتب المقدسة عند اليهود والنصارى، وعدّى ذلك بنظرته التشاؤمية إلى سائر الأديان باعتبارها مصدرًا للتعصب والتعسف والظلم، ورفض علم ما بعد الطبيعة لأنه مصدر تعاسة الإنسان كما يقول فولتير، وخلص إلى رفض العقائد الدينية والوحي والمعجزات، وآمن بدين ألوهيّ خاص به كما يقول المترجمون له، وأن للكون إلهًا علويًا غامضًا لا يعنى بشؤون الناس والكون، ولا يعنى بتنظيم حياة البشر، وقد نزع في كل ذلك نزعة أبيقورية(3).--------------------------------------------
(1) المعجم الفلسفي لأكادميين سوفييت: ص 227 وفيه ذكر أسماء الذين يعتقدون بهذه العقيدة بعضهم ممن ورد في الهامش السابق.
(2) انظر: تاريخ الفكر الأوربيّ لرونالد سترومبرج، ترجمة أحمد الشيباني 2/ 55، 59، 61، 64، وفيه ذكر أنه انتشر نتيجة لقصائد فولتير، وأن من رموزه ديدرو وجون ثولاند، وماثيوتندال، وانتوني كولنز.
(3) نسبة إلى الفيلسوف اليوناني أبيقور الذي يعد من أوائل الفلاسفة الملحدين، وقد سبقت ترجمته ص 113.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٣٠)
وقرر في كتبه أن إلهه الذي يؤمن به لا شخصي وأنه فوق مستوى الإدراك، وسبب قوله بهذا القول أن العقل يجزم بوجود عقل أعلى خالق للكون -حسب تعبيره- ويقول: لو لم يكن اللَّه موجودًا لوجب اختراعه(1).
والآن بعد ذكر جذور الإلحاد وأكابر الملحدين الغربيين الذين هم قدوة ملاحدة العرب من المثقفين وغيرهم، سوف نخلص إلى بيان أنواع الانحراف الاعتقاديّ في الأدب المعاصر في قضية وجود اللَّه تعالى وربوبيته وذلك من خلال العناصر التالية:
1 - نفي وجود اللَّه تعالى أو التشكيك في ذلك.
2 - نفي كون اللَّه تعالى ربًا خالقًا مدبرًا "نفي توحيد الربوبية".
3 - نسبة الأبدية للمخلوق والقول بأزلية العالم والخلق.
4 - الزعم بأن الوجود عبث.
5 - نسبة الخلق إلى غير اللَّه تعالى، وتسمية غير اللَّه خالقًا.
6 - نسبة الربوبية إلى غير اللَّه تعالى.
7 - السخرية والتدنيس والاستخفاف بالخالق الرب -جلَّ وعلا- وتوحيد الربوبية.
والآن إلى تفصيل ذلك وإثبات شواهده:
أولًا: نفي الحداثيين لوجود اللَّه تعالى، أو التشكيك في ذلك:
يربط أكثر الحداثيين بين التحرر الذي يصبون إليه، والتقدم الذي يزعمونه ويدعونه، ونفي وجود اللَّه تعالى وجحد كونه خالقًا مدبرًا لهذا الكون وفلسفتهم تقوم على إبعاد الثنائية عن العالم والإنسان، وإزاحة مفهوم أن الكون ينقسم إلى خالق ومخلوق.--------------------------------------------
(1) انظر ترجمة فولتير (1105 - 1192 هـ/ 1694 - 1778 م) وهذه الأقوال عنه في موسوعة أعلام الفلسفة 2/ 170 - 177، ومعجم الفلاسفة: ص 434 - 438، والموسوعة الفلسفية للحفنيّ: ص 349.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٣١)
وفي هذا الصدد يقول حسن حنفيّ(1) الذي يعد عند بعض العلمانيين والحداثيين من أصحاب التوجه الإسلامي المستنير!! يقول في ندوة عقدت في لندن بعنوان "الإسلام والحداثة" عام 1409 هـ/ 1989 م: (إن العالم مقسوم إلى قسمين: اللَّه والعالم، فينعكس ذلك حتمًا في المجتمع، على السلطان على الحاكم والمحكوم، وسينعكس في الأسرة على الرجل والمرأة، والسؤال الموجه لك هو: أن هناك ثلاثة اختيارات، اختيار حركة تحرر المرأة. . . في البداية لتحرير المرأة من الرجل، وهناك المثقف العلماني الذي يبدأ بتغيير النظام السياسيّ، وهناك الذي يحاول تثوير الدين، ما لم نقض على هذا التصور الثنائي للعالم ورؤية العالم بين حاكم ومحكوم، وعلى المستوى الدينيّ بين خالق ومخلوق، فلن تستطيع حركات تحرر المرأة أن تفعل شيئًا، ولن يستطيع المثقف العلمانيّ أن يؤدي دوره ما لم نقض على هذا التصور، هذا السؤال الأول في آليات التغيير)(2).
ويعد علمانيّ آخر أن قضية لزوم تطبيق حكم اللَّه في الأرض مرتبط في عقيدة المسلم بإيمانه بوجود اللَّه الخالق، وأن هذا الاعتقاد هو الذي يشكل الرباط المعرفيّ والأسبقية الاعتقادية التي ينبني عليها القول بلزوم انضواء السياسة تحت الإسلام، كما يقول بذلك علماء ودعاة الإسلام اليوم، ومن ثم--------------------------------------------
(1) ولد في القاهرة عام 1354 هـ/ 1935، حصل على الدكتوراه من السوربون عام 1385 هـ/ 1966 م، ويعمل أستاذًا للفلسفة في جامعة القاهرة ورئيس القسم فيها، والسكرتير العام للجمعية الفلسفية المصرية، له مؤلفات كثيرة مليئة بالتناقض في المواقف والآراء، إلّا أنه لم يختلف موقفه في تأييد العلمانية ومعاداة الإسلام، وقد أعلن في ندوة الإسلام والحداثة بقوله: (أنا هنا أكثر ماركسية من الماركسيين)، وقال: (نحن منذ فجر النهضة العربية الحديثة وحتى الآن نحاول أن نخرج من الإيمان السلفيّ)، وقال: (أنا مفكر وضعيّ، وكل ما يخرج عن نطاق الحس والمادة والتحليل أضعه بين قوسين)، أو يقول مخاطبًا العلمانيّ المجاهر بإلحاده عادل ظاهر: (الإيمان السلفيّ التاريخيّ. . . هو الشيء الذي تخافه عليّ، إن إيماني يكفرني كما أنه يكفرك أيضًا). انظر أقواله هذه في: الإسلام والحداثة: ص 217، 218، 219، 221، 224، وترجمته في الكتاب نفسه ص 416.
(2) الإسلام والحداثة: ص 387 - 388.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٣٢)
يشير هذا الكاتب إلى ما يجب استبعاده من منظومات عقائد المسلم، باعتبارها الأساس للقول بوجوب الحكم بشرع اللَّه في سائر نواحي الحياة وهي القضية التي يسعى لمحاربتها، ويرى أنه لا يُمكن استبعادها إلّا باستبعاد أساسها الاعتقاديّ، فيقول: (. . . إن الكلام على الماهية العقدية للإسلام هو كلام على ذلك الاعتقاد الذي له أسبقية منطقية على الاعتقادات الدينية الأخرى للمسلم، إن أسبقية المنطقية يحتّمها كونه الأساس الأخير لكل اعتقاد آخر للمسلم، إنه ما ينبغي أن نلجأ إليه في نهاية التحليل لتقرر ما الذي يتحتم استبعاده أو عدم استبعاده أو لا يتحتم استبعاده من منظومة اعتقادات المسلم الدينية، ومعيار الاستبعاد أو عدم الاستبعاد هو معيار منطقيّ في المقام الأول)(1).
إلى أن يقول: (ولكن أي اعتقادات المسلم هو الاعتقاد المؤهل لاحتلال هذا الوضع الابستمولوجيّ(2) الفريد في المنظومة الاعتقادية للمسلم؟، إنه لا شك الاعتقاد بوجود خالق أزليّ كليّ الحضور واحد أحد لكل شيء، خالق واجب الوجود، وكليّ العلم، وكليّ الخير، وذي حرية تامة ومصدر للإلزام الأخلاقي، إن أي اعتقاد آخر يتعارض معه مستبعد بالضرورة من المنظومة الاعتقادية للمسلم. . .)(3).
وبعد سفسطات سخيفة يقول: (هل يُمكن أن يكون اللَّه ذر الطبيعة المسندة إليه من قبل الإسلام كائنًا يُمكن أن يأمر البشر بأن يقيموا دولتهم على أسس معينة لا سواها بغض النظر عن ظروفهم الزمانية والمكانية؟ هل يُمكن لكائن له طبيعة اللَّه أن يفرض على المؤمنين في كل عصورهم وأممهم ألا يفصلوا بين دينهم والسياسة؟. . .)(4).--------------------------------------------
(1) الحداثة والإسلام من مقال للبناني عادل ظاهر بعنوان (الإسلام والعلمانية): ص 74 - 75.
(2) لفظ مركب من لفظين يونانيين هما ابستمي أي المعرفة والعلم ولوفوس أي النظرية والدراسة، فمعنى الابستمولوجيا إذن نظرية العلوم وفلسفة العلوم، وتعنى بدراسة مبادئ العلوم وفرضياتها ومناهجها ونتائجها دراسة نقدية ترمي إلى إبراز بناها ومنطقها وقيمتها الموضوعية. معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية: ص 13.
(3) الحداثة والإسلام من مقال للبناني عادل ظاهر بعنوان (الإسلام والعلمانية): ص 74 - 75.
(4) المصدر السابق: ص 76.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٣٣)
فها هو بعد التشكيك في اللَّه تعالى، وبعد نظرية الاستبعاد التي ذكرها، يتهكم باللَّه تعالى ويعتبره صاحب طبيعة مسندة إليه من قبل الإسلام؟ أي أنه تعالى ليس له حقيقة وإن افتُرض أنه موجود فوجوده ليس إلّا وصفًا مخترعًا من قبل الدين الإسلاميّ، ثم يوغل في التهكم فيصف اللَّه بأنه "كائن".
وبعضهم قد تجاوز هذا الحد في التهكم والسخرية والإلحاد وتلفظ بكلام عظيم في حق اللَّه تعالى، ولولا أن هذا البحث يتمحور حول إثبات الانحرافات الاعتقادية لدى أصحاب الأدب المعاصر لما جرى نقل هذا الكلام السخيف، على أن ناقل الكفر ليس بكافر، أسأل اللَّه العفو والغفران.
وكما حاول العلماني السالف الذكر أن يربط بين العلمانية ونفي وجود اللَّه، فإن الحداثي -وهو علماني بالتبع- يحاول أن يربط بين ما يسميه الإبداع والإلحاد، ويؤكد أنه لا حداثة ولا إبداع إلّا مع نفي وجود اللَّه -جلَّ وعلا- أو "قتل اللَّه" -سبحانه وتعالى عما يقولون- كما يعبر عن ذلك أدونيس ممتدحًا جبران خليل جبران(1) في كتابه الهدام "المجنون" فيقول: (قلت: إن كتاب جبران هدمي، وهو لذلك يضعنا في مناخ العدمية، نشعر أن الأخلاق والقيم الدينية تهدمت في العالم الذي يسكنه المجنون، لم تعد ثمة غاية ولا اتجاه، ولم يعد ثمة نور يضيء ولا طريق. .--------------------------------------------
(1) هو: جبران بن خليل جبران بن ميخائيل، ولد عام 1313 هـ/ 1895 م لأسرة لبنانية مارونية، وسافر من صغره إلى بوسطن في أمريكا، وتعرف على ماري هاسكل، فغيرت مجرى حياته، وسافر إلى باريس لتعلّم الرسم على نفقتها، شارك في تأسيس الرابطة القلمية عام 1338 هـ/ 1920 م في أمريكا وهي التي روجت لكتبه، مات في نيويورك عام 1349 هـ/ 1931 م، يعتبره الحداثيون القائد الأول للاتجاه الحداثيّ بسبب ما لديه من عقائد إلحادية، وشكية، وانحرافات سلوكية مثل الشذوذ الجنسيّ، إضافة إلى غرور شيطانيّ ركبه كان يعتقد معه أنه نبيّ مخلص، ويعتقد أيضًا عقيدة التناسخ، إضافة إلى أنه عند وفاته طلب الكاهن الخوراسغف فرنسيس واكيم راعي كنيسة القديس يوسف المارونية في نيويورك ليموت بين يديه، وجبران مجمع لعقائد متناقضة منحرفة ونموذج للغزو الفكريّ والخلقيّ الموجه ضد البلاد العربية. انظر: تاريخ الشعر العربي الحديث: ص 295، وأحاديث عن جبران لرياض حنين، وأضواء جديدة على جبران لتوفيق صايغ، والمرشد لتراجم الكتاب والأدباء: ص 46.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٣٤)
كل نقد جذريّ للدين والفلسفة والأخلاق يتضمن العدمية ويؤدي إليها، وهذا ما عبر عنه نيتشه بعبارة "موت اللَّه"، وقد رأينا أن جبران قتل اللَّه هو كذلك -على طريقته- حين قتل النظرة الدينية التقليدية، وحين دعا إلى ابتكار قيم تتجاوز الملاك والشيطان، أو الخير والشر، والواقع أننا بعد أن ننتهي من قراءة "المجنون" نشعر أن ثمة تاريخًا من القيم ينتهي.
ومن الواضح أن جبران لا يحلل تحليلًا فلسفيًا أو علميًا القيم التي يهدمها وإنّما يعرضها بشكل يجعلها مشبوهة، فمتهمة فمرفوضة، إنه يحاول بتعبير آخر أن يظهر خطأ التفسيرات التي تقدمها الأديان والأخلاق التقليدية للعالم والإنسان فيما يدعو إلى محو المذهبية القيمية، ويؤكد على فاعلية الحياة والإنسان الذي يبتكر القيم الجديدة، الأخلاق التقليدية هي التي تعيش الخوف من اللَّه، وتنبع من هذا الخوف، الأخلاق التي يدعو إليها جبران هي التي تعيش موت اللَّه، وتنبع من ولادة إله جديد، إنه إذن يهدم الأخلاق التي تضعف الإنسان وتستعبده، ويبشر بالأخلاق التي تنميه وتحرره، إنه يهدم الأخلاق السلبية الانفعالية التي تتقبل الراهن الموروث من القيم، ويبشر بالأخلاق الإيجابية الفعالة التي تخلق هي نفسها القيم، إنه يريد بالتالي أن يحل محل الفكر المأخوذ بأخلاق المستقبل محل الفكر المأخوذ بأخلاق الماضي؛ ولهذا فإن كتاب "المجنون" دعوة لقلب نظام القيم)(1).
فأدونيس يثبت هنا إلحاده وإلحاد جبران وهم في ذلك ليسوا إلّا تبعًا لنيتشه(2) الفيلسوف الألمانيّ الملحد، ويؤكد أن هذا الإلحاد هو عنصر الإيجابية والفعالية والإبداع والابتكار والتجديد، وهذا محور أساسي من محاور فكر أستاذ الحداثة الكبير وقدوة الحداثيين وأشباههم، فهو لا يفتأ يكرر مثل هذه المعاني داعيًا إلى تأليه الإنسان وجحد الخالق البارئ العظيم سبحانه وتعالى، فها هو يقول: (. . . إن جوهر الإنسان ليس في كونه مشروطًا بل في كونه يفلت من الشروط كلها، ليس في كونه مخلوقًا بل في--------------------------------------------
(1) الثابت والمتحول 3 - صدمة الحداثة: ص 178 - 179.
(2) سبقت ترجمته وذكر طرف من إلحادياته ص 121.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٣٥)
كونه خالقًا، فجوهر الإنسان هو في أنه كائن خلاق مغير، وجوهر الثقافة بالتالي هو إذن في الإبداع المغير)(1).
ويبحث أدرنيس عن جذور له في الفكر العربيّ فلايجد إلّا ابن الراونديّ(2) وأضرابه من الزنادقة الملاحدة، فينقل كلامه في معرض تأصيل للحداثة وفي سياق تبجيل وتمجيد للأفكار المتحررة حسب زعمه، ويأتي بأقواله في التهكم بالنبوة والسخرية بالمعجزات والنيل من الملائكة -عليهم الصلاة والسلام- ثم يقول بعد ذلك: (وابن الراونديّ هنا لا ينتقد المعجزة بذاتها وحسب وإنما ينتقد كذلك المنطق الداخلي المتهافت الكيفيّ لدى القائلين بها. . . وينتهي ابن الراونديّ إلى القول بأن العقل يناقض النبوة، فمن جهة أولى ليس "للخلق أول" والكلام الإنساني حادث، ولا يرجع في أصله إلى الأنبياء، والإنسان هو الذي ابتكر بعقله كل شيء دون حاجة إلى الأنبياء يقول مثلًا: "إن الكلام مستملى عن الوالدين صاعدًا قرنًا فقرنًا إلى ما لا نهاية له فليس للخلق أول)(3).
ثم يمزج أدونيس إلحاده في خليط خبيث بين الصوفية الفلسفية والسورياليّة(4) فيقول: (. . . فمن الصحيح القول ليس للَّه بالمعنى الدينيّ--------------------------------------------
(1) الثابت والمتحول 3 - صدمة الحداثة: ص 248.
(2) هو: أبو الحسن أحمد بن يحيى بن إسحاق الراونديّ، من سكان بغداد وأصله من أصبهان، قيل: كان والده يهوديًا فأسلم، فيلسوف مجاهر بالإلحاد، جاحد للنبوة والمعاد، أحد مشاهير الزنادقة الذين أولع بهم أهل الحداثة وخاصة أدونيس في كتابه الثابت والمتحول 1/ 74 - 77، 235، لما جاهر ابن الراونديّ بإلحاده طلبه السلطان في زمانه فهرب ولجأ إلى ابن لاوي اليهوديّ في الأهواز وصنف له كتاب الدامغ للقرآن، ووضع كتبًا في نفي وجود اللَّه وتصحيح مذهب الدهرية، قيل مات، وقيل صلبه أحد السلاطين في بغداد سنة 298 هـ. انظر: الأعلام 1/ 267، وسير أعلام النبلاء 14/ 59.
(3) الثابت والمتحول 2 - تأصيل الأصول أدونيس: ص 75. والكلام بين الأقواس الداخلية نقله أدونيس من كلام صنوه ابن الراونديّ.
(4) السوريالية مذهب في الفن والأدب يذهب إلى ما فوق الواقع، ويعول على إبراز الأحوال اللاشعورية، ويؤكد على الجوانب اللاعقلية في الوجود الإنسانيّ، وتعنى فوق =
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٣٦)
التقليديّ أي حضور في التجربة السوريالية. . . لكن ليس له كذلك، بالمعنى الدينيّ التقليديّ أي حضور في التجربة الصوفية، أو لنقل أن حضوره فيها ليس حضور انفصال وتجريد عن الوجود كما هو الشأن في النظرة الدينية التقليدية، وإنّما هو حضور اتصال بالوجود، حضور اتحاد ووحدة، "اللَّه" صوفيًا ليس الواحد - إلّا لأنه الكتير، إنه من الوجود "النقطة العليا" كما يقول بريتون(1): النقطة التي يتوحد فيها ما نسميه المادة وما نسميه الروح وتزول التناقضات فهو ليس الواحد الذي يخلق الوجود من خارج ودون اتصال به، وإنّما هو الوجود نفسه في حركيته ولا نهايته، ليس في السماء وليس في الأرض، بل هو السماء والأرض معًا متحدين. . . واللانهاية ليست خارج المادة بل هي داخل المادة، اللانهائي الإنسان نفسه والمادة نفسها)(2).
ويشرح أدونيس هذه الخرافات في مواضع عديدة في كتابه الصوفية والسوريالية ويؤكد أنهما وجهان لعملة واحدة وأن ما يسميه التلاقي في الطريق المعرفيّ يجمع بينهما، غير أنه لم يشر إلى أن تلاقيه هو الآخر مع الصوفية والسوريالية آت من عقيدته الأصلية الباطنية النصيرية، إلّا أنه في موضع من مقدمة هذا الكتاب ألمح إلى هذا دون أن يصرح بنصيريته فقال: (. . . أبادر إلى القول أن غايتي من هذا البحث ليس القول إن الصوفية والسوريالية شيء واحد، أو إن الأولى بوضعها تجربة متقدمة زمنيًا أثرت على الثانية بشكل--------------------------------------------
= أو ما وراء الواقع، وهي تمجد الجنون والغيبوبة والمخدرات والأحلام والعبث وتعتبرها أساسًا للفن والإبداع. انظر: المعجم الفلسفي: ص 97، ومعجم المصطلحات الأدبية لإبراهيم فتحي: ص 204، وموسوعة السوفييت: ص 244، والصوفية 101 والسوريالية: ص 34 - 35.
(1) هو: أندريه بريتون، أحد أعلام السوريالية، ومن الداعين إلى العبث والعصاب والجنون باعتبارها وسائل تحقق أصالة الحياة النفسية الشخصية حسب رأيه الأرعن، وقد تبعه في ذلك أدونيس في كتابه عن السوريالية. انظر: الصوفية والسوريالية لأدونيس: ص 46 - 53.
(2) الصوفية والسوريالية لأدونيس، دار الساقي: ص 10.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٣٧)