Arabic source text

📘 আল-ইনহিরাফুল আকিদি ফী আদাবিল হাদাসা ওয়া ফিকরিহা (সাঈদ বিন নাসির আল-গামদী)

📘 الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها (سعيد بن ناصر الغامدي)

📘 আল-ইনহিরাফুল আকিদি ফী আদাবিল হাদাসা ওয়া ফিকরিহা (সাঈদ বিন নাসির আল-গামদী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
مباشر، أو مداور، إن غايتي هي التوكيد على أن في الوجود جانبًا باطنًا لا مرئيًا مجهولًا، وأن معرفته لا تتم بالطرق المنطقية العقلانية، وأن الإنسان دونه محاولة الوصول إليه كائن ناقص الوجود والمعرفة وأن الطرق إليه خاصة وشخصية، وأننا نجد استنادًا إلى ذلك قرابات وتآلفات بين جميع الاتجاهات التي تحاول أن تستشرف هذا الغيب. . .)(1).
ولم يبق لأدونيس إلّا أن يكشف السجف الرقيق المتبقي خلف هذه العبارات ويقول صراحة بباطنيته ونصيريته، ولولا خشية الاستطراد والخروج عن حدود هذا الفصل لذكرت بتفصيل موثق أن أدونيس في حداثته باطني وفي علمانيته نصيريّ، وفي إبداعه قرمطيّ، وأنه لا يعدو قدره وإن تطاول.
أمّا ما أشار إليه في النص السابق من أن اللَّه تعالى ليس الواحد الذي يخلق الوجود من خارج وإنّما هو الوجود نفسه، فهو مذهب وحدة الوجود بمضمونه الغربيّ، وهو مضمون إلحاديّ بحت، وقد جاء تفسيره في المعاجم الفلسفية بأنه: (. . . تغليب فكرة العالم فلا يسلم إلّا بوجوده ويرد كل شيء إلى المادة فهي حية بذاتها، وعنها نشأت الكائنات جميعها، وهذه وحدة مادية. . . ولم يخل هذا المذهب من نقد لما فيه من إلحاد. . .)(2).
ومذهب وحدة الوجود: (تعاليم فلسفية تذهب إلى أن اللَّه مبدأ لا شخصي ليس خارج الطبيعة ولكنه متوحد معها، ومذهب وحدة الوجود يبث اللَّه في الطبيعة ويرفض العنصر الخارق للطبيعة. . .)(3).
وحين نتعقب كلام أدونيس في كتاب الصوفية والسوريالية فإننا نجده يدور حول هذه المفاهيم بخلفية باطنية وشكوك إلحادية.
فها هو يبتهج بالنتيجة الهائلة التي وصل إليها؛ لأنها تطابق معتقده وتوافق مقصده في هدم الدين، وذلك حين يقول في معرض التوافق--------------------------------------------
(1) المصدر السابق: ص 15.
(2) المعجم الفلسفي من إصدار مجمع اللغة العربية في مصر: ص 212، وفيه أن من شخصيات هذا المذهب ديدرو وهولباخ.
(3) الموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص 580، وفيه أن من فلاسفة هذا المذهب برونو، وبصفة خاصة سبينوزا.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٣٨)

المنهجيّ بين الصوفية والسوريالية (. . . فالمنهج واحد وفي تطبيق هذا المنهج مشابهات كثيرة تدفع إلى القول بأن السوريالية صوفية وثنية أو بلا إله، وغايتها التماهي مع المطلق، وبأن الصوفية سوريالية تقوم على البحث عن المطلق والتماهي هي أيضًا معه)(1).
ثم يتحدث عن الوحدة العميقة بين الصوفية والسوريالية، ويؤكد أن الحقيقة لديهم: (لا تجنى من خارج، من الكتاب أو الشرع أو القانون أو الأفكار والتعاليم وإنّما تجيء من داخل من التجربة الحية من الحب من التواصل الحي مع الأشياء والكون ويتجلى له أن الإنسان طاش أبدًا إلى أن يجسد ويتجسد).
ثم يعقب ذلك بكلام يشكك به في وجود اللَّه تعالى، فيقول: (ويوقن أن اللَّه إن كان خارج الوجود ولا اتصال له بالوجود إلّا اتصال التكوين والهيمنة فإن هذا العالم لن يكون أكثر من كرة من الغبار لا يستحق أن يوجد، ولا يستحق بالأحرى أن يعيش فيه هذا الكائن العظيم: الإنسان، وسيكون هذا المخلوق مع ذلك أكثر أهمية من الخالق. . .)(2).
فقد بدأ بوحدة الوجود - بالمفهوم الغربيّ الإلحاديّ المتضمن لنفي وجود اللَّه تعالى، ثم انثنى يشكك ويقولى كأنه يتنزل مع خصومه تنزلًا: (إن اللَّه إن كان خارج الوجود) ثم عقب بعد كل ذلك بأن المخلوق أكثر أهمية من الخالق، وهذا الرجل له في سوق الحداثة قدم راسخ، وله بيق أتباعها كلمة مسموعة، وراية متبوعة، وحتى الذين يدعون أنهم لم يكفروا ولم يلحدوا في حداثتهم يتخذونه إمامًا ومتبوعًا فبئس التابع والمتبوع.
هذا العدو اللدود لدين الإسلام يسعى جاهدًا لهدم كل أسسه بدءًا بتوحيد الربوبية وإثبات وجود اللَّه، وقد مر معنا من قبل امتداحه لجبران خليل جبران في إلحاده ويصفه بأنه قد "قتل اللَّه" تعالى اللَّه وتقدس، ثم يكرر هذا المعنى الإلحاديّ في موضع آخر من كتابه الصوفية والسوريالية--------------------------------------------
(1) الصوفية والسوريالية: ص 16.
(2) المصدر السابق: ص 16 - 17.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٣٩)

وهو يصف الانخطاف السورياليّ عند بعض السورياليين أسياده وأساتذته يقول: (. . . ففي النشوة ينعدم كل شيء حتى اللَّه)(1).
وفي غمرة الانبهار بالغرب والتبعية لأطروحاته العقيدية والفكرية تجد الأقاويل الفاسدة الباطلة تتسلل في ثياب زائفة مرة باسم الموضوعية ومرة باسم النقاش الحر، ويدخلون في ذلك كل شيء، ويخضعون مسألة وجود اللَّه تعالى وربوبيته وألوهيته لمناقشاتهم السوفسطائية، بل ويعدون تحرز المسلم من الخوض في مستنقعاتهم الفكرية تخلفًا وجمودًا وأصولية كما يحلو لمحمد أركون(2) أن يعبر تبعًا لتعبيرات معلميه في فرنسا وغيرها، ففي سياق انتقاده للغة العربية ووصفه لها بأنها منغلقة ونائمة ومتخشبة، وامتداحه للغة وفكر الغرب يتساءل بعد إيراده للفظ فرنسي إلحاديّ يقول: (. . . فكيف نعبر عنه باللغة العربية؟ هل نقول: مشكل اللَّه أو مشكلة اللَّه. . .)(3).
ثم يعقب بأن هذا التعبير يقابل بالاندهاش والاستنكار عند العرب في حين أنه تعبير عاديّ في اللغة الأوروبية الحديثة(4).
فمن التبعية المطلقة للغرب فكرًا ولغة وعقيدة يتجرجر هذا التعيس في أودية الإلحاد ولا يكتفي بذلك بل يريد أن يعممه على مستوى الأمة التي ارتبطت لغتها بدينها وتشابكت حياتها مع عقيدتها، وتواصلت ممارساتها بشريعتها؛ ولذلك يقول عن اللَّه تعالى بأنه مشكلة، ويعتبر عدم خوضهم في--------------------------------------------
(1) الصوفية والسوريالية: ص 55.
(2) ولد محمد أركون في منطقة القبائل في الجزائر، يقال أنه يهودي الأصل، وأنه كان يعرف بعركون، درس في السوربون وأصبح أستاذًا فيها بعد نيله الدكتوراه منها، له كتب عديدة تنضح ببغضاء شديدة ضد اللغة العربية التي ينادي بتفجيرها، ويرى أن اللَّه تعالى وتقدس مشكلة، ويسخر من المؤمنين بأن اللَّه خالق العالم يستخدم مصطلح التاريخية والتاريخانية بتقديس كامل، ويمجد كل معارض للإسلام مشكك فيه من مسكويه والتوحيديّ حتى خلف اللَّه، وينتقد من يثني على شيء في الإسلام مثل نقده لموريس بوكاي، وبالجملة فهو من عتاة أعداء الإسلام وممن تولى كبر المحاربة له. انظر: الإسلام والحداثة: ص 418، ورأيهم في الإسلام: ص 145.
(3) الإسلام والحداثة: ص 343.
(4) انظر: المصدر السابق: ص 343.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٤٠)

\هذا المجال دليل قصور وتخشب في اللغة ممارسة وفي الفكر عقيدة، ويضرب لذلك مثلًا أخر وهو فقدان اللغة لمصطلح "الأرثوذوكسية"(1) فيقول: (فهذا المصطلح لا وجود له في اللغة العربية، ومجرد عدم وجوده دليل صارخ على مدى تخلف الفكر والتفكير بهذه اللغة في المرحلة الحالية)(2).
ثم ينسل إلى مقصده الرئيسيّ الذي ذكره سابقًا فيما يتعلق باللَّه تعالى، فيقول عن العربيّ: (. . . لا يُمكن أن يتصور إمكانية طرح مشكلة فكرية حول اللَّه أو مناقشة فكرية حول وجود اللَّه، والسبب هو أن الخطاب القرآنيّ يملأ مشاعره كمسلم أو كعربيّ بوجود اللَّه، إنه يملأ أقطار وعيه ومشاعره إلى درجة أنه لا يبقى في وعيه أية مساحة لإثارة مناقشة فكرية حول وجود اللَّه)(3).
هذه المنهجية الإلحادية التي يحاول رواد وقادة الحداثة ترويجها بين المسلمين ليصلوا إلى ما يسمونه عفوية التأويل الإلحاديّ كما يقول أحدهم: (. . . إن عفوية النقد الماضويّ تذكرنا بعفوية التأويل الإلحاديّ الأول والقائل: "إذا لم يكن اللَّه موجودًا فكل شيء مباح")(4).
إنه الانفراط العقديّ، والتيه الفكريّ، والضياع المترتب على ذلك، وهو كل المراد من هذه المقولات الإلحادية، الداعية إلى الخروج عن المألوف، وتجاوز السائد والمقصود به بالطبع في مجتمعات المسلمين دينهم وعقيدتهم.--------------------------------------------
(1) الأرثوذكسية فرقة من فرق النصارى ومذهب تعتنقه جل الكنائس الشرقية، قام هذا المذهب كرد فعل لعقيدة نسطور بطريرك الاسكندرية الذي قال سنة 431 م أن مريم لم تلد إلّا إنسانًا هي أم له وليست أمًّا لإله، فعقد في مدينة أفسيس في الأناضول مؤتمر في تلك السنة وافقوا فيه على عقيدة البابا كيرنس بطريرك الاسكندرية والتي تقضي بأن للمسيح طبيعة واحدة ومشيئة واحدة. انظر: الديانات والعقائد في مختلف العصور 3/ 500، والموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة: ص 503.
(2) و(3) الإسلام والحداثة: ص 344.
(4) مجلة الناقد عدد 13 في تموز يوليو 1989 م الموافق ذو الحجة/ 1409 هـ: ص 41 من مقال لأمينة غصن بعنوان (النقد الحديث قراءة الصيرورة لا الحداثة).

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٤١)

وعندما نكرر القول بأن التبعية الغربية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معاني هي المنطلق الأساسي للحداثيين فلا نكون قد خالفنا الصواب قيد أنملة، وذلك أن دلالة الحال والمقال من هؤلاء المرتمين تؤكد هذا المعنى.
ولنأخذ على ذلك مثالًا فيما نحن بصدده في مسألة الربوبية كلمات سوريالية هائمة للنصرانيّ الملحد أنسي الحاج(1)، مجنون قصيدة النثر، وداعية التحرر التام، والتبعية التامة، يقول في كتابه "خواتم" الذي أصدرته مجلة الناقد: (أنت لا تشك في وجود اللَّه بل وجودك أنت، ولا تجد فاعلية بل على حظك، وبصياحك "اللَّه مات" لا تعني أنه اللَّه مات بل إنك تستفزه من قاع خوفك البهيم. . . لو استطاع الإنسان التخلص من الندم على الماضي ومن الأمل بمستقبل ما يلي الموت، هل كان يستغني عن فكرة اللَّه؟. . . العدم حقيقة حقًا: إنه فراغي أنا، عدمي الداخليّ. . .، ومع ذلك لا أستطيع إلّا أن أعجب أيضًا بمن ينكرك يا إلهي، كأني أمل بأن تشتبكا أمامي، أو كأنه هو أنا الآخر الذي ما زال رغم الإيمان ينتظر السانحة ليعلن استقلاله المطلق ويستأصل كل مخاوفه.
وأمضى فأصل إلى النتيجة: إعجابي بثورة الملحد وتجديفه سببه حريته المطلقة، التي في نكرانه التام للمسؤول الأكبر ولا مبالاته الناجزة بالثواب والعقاب بات يجني ثمارها دون أشواكها. . .)(2).
هذا الهذيان الإلحاديّ المتنقل بين عفونة الشك إلى قذارة العدمية والعبث إلى الإعجاب الشديد بالإلحاد وأهله يصدر من إنسان غرق في العمالة للغرب حتى الآذان، وارتبط بالمخابرات الأمريكية من خلال "منظمة--------------------------------------------
(1) أنسي الحاج حداثيّ لبنانيّ من أصل نصرانيّ، يجاهر بإلحاده وشذوذه الفكريّ وانحلاله، ويدعو إلى التخريب والهدم الذي يسميه التخريب الحيويّ، من أعمدة مجلة شعر، ومن السائرين على أهدافها حتى بعد إغلاقها، ركيك العبارة، سقيم الأسلوب، له ديوان سماه "لن" مليء بكل أصناف الضلال، ومثله كتابه خواتم، وكتاباته في مجلة الناقد من هذا الجنس المظلم. انظر: قضايا الشعر الحديث: ص 316.
(2) خواتم: ص 74 - 75.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٤٢)

حرية الثقافة" التي يدير فعالياتها الأمريكان واليهود الصهاينة(1).
وها هو يعترف في كتابه "خواتم" بذلك ويقول: (. . . خنقوني مرة بحرير حرية تعبيري، ومرة بصدق هذا التعبير، كمنوا في الجب والبئر يحرضونني على الظهور ويغرقون في خنادق خبثهم)(2).
ومع كل هذا الوضوح في اعترافه بأنه أداة تنفيذ، ومع صراحة الوقائع المثبتة لعمالته إلّا أنه ما زال يعد عند المفتونين بسراب الحداثة من القمم التي لا تطال!!!.
ومن هذياناته في باب الربوبية قوله: (يموت الخلاق إن لم يكن من جهل العالم له فمن علمه به)(3)، وسواء أراد بالخلاق الرب سبحانه وتعالى، أم أراد به الحداثيّ المبدع فإن ذلك كله من الانحراف الذي يسعى هو وأضرابه إلى جعله واقعًا في حياة المسلمين من خلال الجحد والشك والجراءة والاستخفاف بكل ما يتعلق باللَّه تعالى.
لا غرابة إذا وجدت احتفاء بعضهم ببعض، وثناء بعضهم على بعض في انحطاطهم وهدمهم، فها هو أدونيس في خطبة حماسية، وبيان يشبه البيانات العسكرية يشيد بأنسي الحاج ويحرضه على رفض الموروث والمستنقعات المقدسة -حسب تعبيره- ويدعوه للرفض والثورة والتمرد ويعدها أساسًا لكل تغيير ثم يحثه على الجد في الهدم(4)، ثم يختم كل ذلك بقوله: (أحييك يا أنسي، أيتها القصيدة المارقة، أيها الشيطان الأصفر، يا صديقي، يا أخي)(5).
ولا عجب أن يبتهج أدونيس بمروق صاحبه وشيطانيته؛ لأنهما معًا--------------------------------------------
(1) انظر: مصداق ذلك في كتاب أفق الحداثة وحداثة النمط لسامي مهدي: ص 55، 56، 57، وقضايا الشعر الحديث لجهاد فاضل: ص 305، وبحثًا عن الحداثة: ص 41 - 42، 48، 59، 90، 91.
(2) خواتم: ص 153.
(3) المصدر السابق: ص 109.
(4) انظر: زمن الشعر لأدونيس: ص 228 - 230.
(5) زمن الشعر: ص 231.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٤٣)

يعتزان بهذه الدركات الكفرية، ويبذلان في سبيل نشرها غاية البذل.
أمّا لماذا كل هذا التبجح بالإلحاد؟ فأمر يجيب عليه أحد نقاد الحداثة قائلًا: (لعل إشكالية الحداثة هي الأكثر لبسًا بين الإشكالات الفكرية والثقافية والفنية التي شهدتها لوحة الثقافة العربية الراهنة.
ويبدو أن هذا اللبس والغموض المحيط بها ليس سمة الحداثة في حقل تداولها الاصطلاحيّ والدلاليّ العربيّ فحسب، بل هي ولدت في سياقها الغربيّ متلبسة باللبس والشك والقلق، والعقل المزدحم بتمزقاته وانشراخه. . . حيث لا أفق سوى العدمية والاستلاب بعد إعلان نيتشه موت اللَّه وموت الجمال معه، والفن لم يعد يعوض عن الحياة بل يساهم في تعميق الاستلاب نحوها، فسيموت الفن تاركًا إيّانا في العراء. . .
إن الباحث وهو يجهد لاكتشاف خصائص ومميزات الحداثة وسط العوالم القاحلة والعراء الروحيّ إلّا من الشمس السوداء، وقمر الكارثة الشاحب، لابد أن يقر بصعوبة الإحاطة بكليتها عبر تناقضاتها وتفتت رؤيتها لذاتها وللعالم. . . وهي إذ تطمح لإلغاء الطبيعة عبر تشييئها التقنيّ(1) لا تلبث أن تنتحب حنينًا إلى فردوس الطبيعة المفقود، فقد اغتالت اللَّه والجمال والأخلاق والفن وراحت تندب وترثي ما اجترحته يداها. . .
إنها وعي المتاهة إذ تغدو المتاهة هي الحقيقة الواقعية الوحيدة بعد أن مات الإنسان بموت اللَّه عبر قرون من تلاشيه التدريجيّ. . .)(2).
وهذه الإجابة تتضمن حقائق ثابتة عن الحداثة المحاربة للثبات، وأول هذه الحقائق أنها تجحد وجود اللَّه، وتسعى في إبطال الإيمان به، وإبعاد البشر عنه، وثانيها أن هذا المسعى جر على الحداثة وأتباعها المزيد من التمزق والشتات والضياع والتيه، وصدق اللَّه العظيم: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي--------------------------------------------
(1) أي: جعلها أشياء ومنتجات تقنية.
(2) قضايا وشهادات 2/ 275 - 276 من مقال لعبد الرزاق عيد بعنوان (الحداثة: عقيدة الأفاعي)، وفيه ثناء وإطراء للماركسية والزعم أنها أبدية وأنها العقلانية الوحيدة، ويتوقع مستقبلًا زاهرًا لها ويثني على الحداثة ورموزها وطموحاتها.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٤٤)

هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا}(1).
إن نزعات العداء لدين اللَّه والمحاربة لكل ما يمت إليه بصلة من أهم مشاريع وإنجازات الحداثة العربية، حتى أصبح التغني بالإلحاد إبداعًا والتدنيس للدين تقدمًا، يقول نزار قباني(2):
(حين يصير العدل في مدينةٍ
سفينة يركبها قرصان
ويصبح الإنسان في سريره
محاصرًا بالخوف والأحزان
حين يصير الدمع في مدينة
أكبر من مساحة الأجفان
يسقط كل شيء
الشمس والنجوم والجبال والوديان
والليل والنهار والبحار والشطآن
واللَّه والإنسان
حين تصير خوذة
كالرب في السماء--------------------------------------------
(1) الآيتان 123، 124 من سورة طه.
(2) نزار قباني شاعر سوريّ، ولد سنة 1341 هـ/ 1923 م، درس الحقوق وتخرج سنة 1364 هـ/ 1945 م، وعمل في بعثة دبلوماسية في القاهرة ثم تركيا ثم لندن وبكين، من رواد الحداثة، اشتهر بأنه شاعر المرأة، حيث جعل منها مجرد جسد، وأناء لتفريغ الشهوة الجنسية، يركز على أعضاء الجنس، والملابس الداخلية للنساء، ويأتي بعبارات صارخة مكشوفة جنسيًا، ويجاهر بالإلحاد، والتهكم باللَّه ورسوله والدين والشريعة، ويبغض العرب لفرط شعوبيته. انظر: الصراع بين القديم والجديد 2/ 1269، وتاريخ الشعر العربي الحديث: ص 635.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٤٥)

تصنع بالعباد ما تشاء
تمعسهم تهرسهم تميتهم تبعثهم
تصنع بالعباد ما تشاء)(1).
ويقول معين بسيسو(2):
(باسمك تلك المومس
ترقص بقناع الرب
باسمك يتدحرج
رأس الرب)(3).
أمّا الملحد علاء حامد(4) الذي نال من الشهرة -رغم تأخره في إظهار كفره- ما لم ينله من سبقه، وحصل له من حماية الدولة وصيانتها وحراستها لشخصيته وتأمينها لحياته المعيشية ما لم يحصل عليه إلّا كبار رجالات الدولة ومسؤوليها.
هذا الملحد الجريء في إلحاده، الضعيف في حجته، سجل تهافتاته الفكرية الكفرية في رواية "مسافة في عقل رجل" وأعلن فيها الكفر صراحة، وتبجح بالردة أقصى درجات التبجح.--------------------------------------------
(1) الأعمال السياسية الكاملة لنزار قباني 3/ 105 - 107.
(2) معين بسيسو ولد في غزة عام 1345 هـ/ 1927، شاعر حداثيّ فلسطينيّ، شيوعيّ ماركسيّ اتخذ سب اللَّه تعالى والتهكم بالإسلام قاعدة لأعماله الشعرية، تخرج من الجامعة الأمريكية عام 1371 هـ/ 1952، وعمل رئيسًا للقسم الثقافي في جريدة الأهرام القاهرية، ثم تولى رئاسة تحرير الطبعة العربية لمجلة "اللوتس" التي تصدر عن اتحاد كتاب آسيا وافريقيا، هلك عام 1404 هـ/ 1984 م. انظر: رفاق سبقوا: ص 173، وتاريخ الشعر العربي الحديث: ص 629.
(3) الأعمال الشعرية الكاملة لمعين يسيسو: ص 1، 2.
(4) علاء حامد الروائيّ الحداثيّ المصريّ الملحد، صاحب رواية "مسافة في عقل رجل" المليئة بأبشع أنواع الإلحاد والكفر باللَّه والتهكم بالدين وكل مايتعلق به، نال حظوة كبيرة عند الحداثيين، وحماية قوية من الدولة العلمانية، ورعاية وتأييدًا، ورغم مطالبات أهل الإسلام بمحاكمته إلّا أنه في منعة وحصانة.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٤٦)

فتارة يصف الأديان بأنها عجزت عن إيجاد تفسير علميّ مقنع لخلق الإنسان ويسأل: (ماذا كان الإنسان وكيف خلق؟! لقد عجزت الأديان عن تفسير علمي مقنع لتلك الأسئلة الخالدة. . . وأذابت العقل الإنسانيّ في محلول حمضيّ مركز من الخرافات. . .)(1).
وفي مقطع من مقاطع هذا الكتاب النجس بالكفر والردة يتلخص كل فكر علاء حامد حيث يقول: (. . . الإنسان ليس سوى نظرية مادية بحتة، وجد بالصدفة وسيموت بالصدفة، وبموته يصبح مجرد ذكرى في أروقة الحياة، فلا إله ولا ثواب ولا عقاب ولا جنة ولا نار، ولا جن أزرق أو أحمر ولا ملائكة بيضاء أو خضراء تهفهف بأجنحتها، والرسل ليسو سوى مجموعة من الدجالين، والأديان صيغ بشرية ذكية، والإنسان ابن الطبيعة، خالق نفسه، هو الأوحد والأقوى والأفضل والجبار والمتكبر، وبالتالي فقد وجد بالصدفة، وسيفنى جنسه البشري أيضًا بالصدفة، وعلى البشرية في هذه الحالة الأخيرة أن تبدأ للمرة الثانية من نقطة الصفر، أي من نقطة البداية، وقد يختلف شكل المخلوق القادم عن الإنسان المندثر بعد فناء العالم)(2).
ثم يتحدث بهذا الأسلوب المتهافت وهذه الطريقة الإنشائية الخالية من أي نظر أو حتى شبهة تأمل عقليّ، فيأتي بما يسميه "افتراضية أن الإنسان مخلوق للَّه تعالى"، ثم يهاجم هذه الحقيقة بالأسلوب الادعائيّ الهجائيّ، العريّ من البراهين، المرتمي بسخافة اتباعية في أحضان أساتذته الماديين، إذ هو في الحقيقة ليس إلّا مسخًا مشوهًا للماركسية البائدة، وصدًى متهالكًا للشكوك والريب المادية.
علمًا بأن الشك والتكذيب الذين ملأ بهما كتابه ليسا في الحقيقة من أبواب الفكر والعلم والبرهان؟ لأن الشاك -في أحسن أحواله- متوقف لأنه لا علم عنده، أو لأن الأدلة والبراهين عنده متكافئة، وهذا الملحد يصطنع--------------------------------------------
(1) مسافة في عقل رجل: ص 9.
(2) المصدر السابق: ص 125.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٤٧)

الشك ويدعيه تقليدًا لديكارت وغيره، ويزعم أن الشك هو الوسيلة الوحيدة للبحث ثم للحكم، بل ويتخذ الشك عقيدة، وهذا كله سفه في العقل، وغمط للحق والبرهان، وحَيْدة عن الدليل الساطع، وإهدار لليقين، وهذا كله مضاد للعقل والعلم والبرهان، وتكذيب بالحقائق، والتكذيب ليس شجاعة كما يصور هذا المادي الملحد وأضرابه، بل الشجاعة والامتياز هو في التصديق بالحق والتكذيب بالباطل.
وعلاء حامد في كل كتابه لا يعدو أن يكون صاحب دعاوى مجردة يلقيها ثم يرش عليها من مسوح شكه وتكذيبه وتلفيقه بعبارات استفزازية يناقض بها حقائق الكون وقطعيات العقول، ويزيف كل ذلك بأهواء هابطة في عبارات مزركشة على متنِ تناقضٍ فاضح.
ومن أمثلة الدعاوى المجردة التي دأب عليها في هذه الرواية الإلحادية قوله في معرض رده على من يقول بأن الخلق خلقُ الباري سبحانه وتعالى: (ورواية الخلق بهذه الصورة تعني أمر واحد(1) فقط، عقل بشريّ حاول أن يجد لنشوء الخلق أسبابًا مقنعة. . . فانتزعها من عادات وتقاليد وأساطير وخرافات شعوب سبقته بمئات السنين ثم عاد ليؤكدها بدعوة ألبسها ثوب إلهي(2) حتى يصدقها الناس)(3).
فأين هو البرهان العقليّ أو الحسيّ الذي يشهد له بأن العقل البشريّ هو الذي اخترع هذه القضية؟ ثم أين هو الدليل على أن قضية الخلق كانت من عادات وتقاليد وأساطير وخرافات شعوب سابقة؟.
إنها دعاوى تدل على طفولة عقل صاحبها، والعاقل يستحيي أن يواجه حقائق كالشمس، براهينها كعدد الخلق بمثل هذه التهويمات، ومتى كان الباطل المموه بالأدلة متحديًا للحق ذي البرهان، فضلًا عن الباطل العري عن حجة أو دليل؟.--------------------------------------------
(1) هكذا كتب والصحيح أمرًا واحدًا، والكتاب مليء بهذا النوع من الأخطاء.
(2) هكذا كتب والصحيح ثوبًا إلهيًا.
(3) مسافة في عقل رجل: ص 127.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٤٨)

ولست هنا في صدد الرد المفصل على هذه الأقوال الادعائية، إذ المقصود بيان أوجه الانحراف الاعتقاديّ في أدب الحداثة، ومقولات هذا الملحد المغالط في قضية نفي وجود اللَّه تعالى والتشكيك في ذلك عديدة أترع بها كتابه، فمرة يجحد بصراحة، ومرة يوهم ويشكك، ومرة يجعل اللَّه تعالى شيئًا من الأشياء المخلوقة، فإنه بعد أن قرر أن الإنسان وجد صدفة ويموت صدفة وسيفنى الجنس البشري صدفة ويوجد جنس بشري آخر(1)، تناقض وصرح بأنه لابد من وجود قانون كلي يرتبط به الكون وجودًا وعدمًا فقال: (. . . إذا كان لا يوجد خلاف حول وجود قانون يحكم الكون بدقة شديدة وأن خلف هذا القانون إرادة منظمة امتزجت به يُمكن القول أن القانون هو اللَّه واللَّه هو القانون، وأن البديل لغياب هذا القانون هو الفوضى. . .)(2).
وهذا هو القول نفسه الذي سبقت الإشارة إليه عند الكلام عن وحدة الوجود بالمفهوم الغربيّ الإلحاديّ، حيث جعل علاء حامد ما يسميه -ادعاءً أيضًا- القانون الكليّ، جعله هو اللَّه تعالى، فإذا كان هذا قانونًا فمن الذي قنّنه؟، ولا مجال للشك في أن القانون الذي يتحدث عنه هو شيء مخلوق، فمن الذي خلقه ومن الذي جعله كليًا؟.
إلى غير ذلك من الإيرادات التي تبين زيف هذا القول الذي يهدف في آخر مغزاه إلى إنكار وجود اللَّه تعالى وربوبيته.
ويواصل هذا الملحد تخبطاته فيقول: (قبل أن نخوض في تعريف محدد للَّه، ماهيته وجوهره، نقول: إن الأكوان منظورة أو غير منظورة تحكمها أنماط معينة من القوانين التي تنظم سيرها ومسيرتها وحركتها، من هذه القوانين الثابتة على مر الدهور والأزمان أن لكل شيء سببًا، ولو شبهنا اللَّه بخلية أبدية لا تفنى، وأن مخلوقاته ليست سوى انقسام لهذه الخلية الأبدية ولكن بعد إضافة مواد أخرى كيمائية (مواد بشرية) اكتسبت بها--------------------------------------------
(1) انظر: مسافة في عقل رجل: ص 125.
(2) المصدر السابق: ص 128، ونحوه في ص 157، وص 160، وص 163.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٤٩)

خواص جديدة ظاهرية بالإضافة إلى خواص الخلية الأبدية، إذا قلنا بذلك فنحن لم نبتعد عن جادة الصواب ولكننا في نفس الوقت لم نقترب كثيرًا من الحقيقة)(1).
ثم يضيف: (اللَّه هو تلك الخلية الأبدية وكذلك مخلوقاته من إنسان وحيوان ونبات وجماد لا فرق في ذلك بين الشمس والبقرة والقمر والشجرة والنجم الثاقب والطفل الخائب، كلها مخلوقات للَّه انقسمت من الخلية الأبدية بعد أن ارتدت ثوبها الماديّ. . .، يا صديقي اللدود إذا أردت رؤية اللَّه مجسمًا فتأمل الشمس والنجوم والحيوان والإنسان والنبات، أمّا القول بأن اللَّه يجلس على عرش، وأن له مكانًا محددًا يجلس فيه يُمكن التحدث معه بلسان طليق، فهذه أوهام صنعت بمهارة وصدقتها عقول تعيش في دروب الجهالة المفرطة، ولكن إذا أردت معرفة اللَّه فليس أمامك سوى أن تعرف كل القوانين التي تحكم الكون)(2).
ثم يستطرد في حوار شخصيات روايته الشيطانية ويسأل بشك: (إن كلامك يدور حول ماهية اللَّه، ولكن أما كان من الأجدى أن نبحث عن وجود اللَّه قبل أن نبحث عن ماهيته، فهل حقًا يوجد إله ينظم هذا الكون، أم أن هذا الكون ينظم نفسه ذاتيًا دون ما حاجة لقوة منظمة متحكمة)(3). ثم يجيب: (. . . ليس في جعبتنا أمام هذا التاريخ الطويل أدلة مادية ملموسة على وجود الإله. . .)(4).
ثم عاد يدندن حول القانون الكليّ الكونيّ وأنه هو اللَّه(5)، ويتهكم بصفات اللَّه وأسمائه، تعالى اللَّه عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا.--------------------------------------------
(1) المصدر السابق: ص 148.
(2) مسافة في عقل رجل: ص 149 - 150.
(3) المصدر السابق: ص 150.
(4) المصدر السابق: ص 150 - 151.
(5) انظر: المصدر السابق: ص 152، 153، 156، 157، 191.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٥٠)

وإذا كان هذه اعتقادات شخص هو من آخر أذيال الحداثة فهل كان سلفه على هذا المنوال؟.
سبق أن نقلنا كلام أدونيس وأركون ونزار قباني وهنا نذكر بعض أقوال نجيب محفوظ(1) الذي ابتهج به العرب عندما منح جائزة نوبل ذات الاتجاه الصهيونيّ، وعدّوه من أعلام الأمة ونبلائها!!، وقد كشف الدكتور السيد أحمد فرج أنواع انحرافاته الاعتقادية والسلوكية في كتابه النادر "أدب نجيب محفوظ وإشكالية الصراع بين الإسلام والتغريب"، ومن ذلك -مما له علاقة بهذا الباب- تشكيك نجيب محفوظ في وجود اللَّه تعالى، ففي رواية الحب تحت المطر يُجري حوارًا بين شخصين وفيه قال أحدهم: (. . حدثني أحد الكبار (الشيوخ) فقال: إنه كان يوجد على أيامهم بغاء رسميّ.
- زماننا أفضل فالجنس فيه كالهواء والماء.
- لا أهمية لذلك، المهم هل اللَّه موجود؟.
- ولم تريد أن تعرف؟.
- إذا قدر لليهود أن يخرجوا فمن سيخرجهم غيرنا.
- من يقتل كل يوم غيرنا!
- من قتل عام 1956 من قتل في اليمن من قتل في عام 1967!
- لا أحد يريد أن يجيبني أهو موجود؟.--------------------------------------------
(1) نجيب محفوظ عبد العزيز إبراهيم أحمد الباشا، ولد عام 1329 هـ/ 1911 م، عمل سكرتيرًا لوزير الأوقاف مصطفى عبد الرزاق ثم تقلب في أعمال وظيفية آخرها أنه عمل مستشارًا لوزير الثقافة ثم صحفيًا في جريدة الأهرام، منح جائزة نوبل لمواقفه الموالية لليهود وأعماله التغريبية، وحصل على جائزة رابطة التضامن الفرنسية العربية، له روايات كثيرة مليئة بالمضامين المنحرفة فكرًا وخلقًا. انظر: حول الدين والديمقراطية: ص 223 - 225، وأدب نجيب محفوظ وإشكالية الصراع بين الإسلام والتغريب.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٥١)

- إذا حكمنا بالفوضى الضارية في كل مكان، فلا يجوز أن يوجد)(1).
ويعقب الدكتور سيد أحمد فرج على هذا النص فيقول: (إن الكاتب ونأسف له -يمارس في هذا الحوار- مجاملة لليهود وبغضًا للعرب، وإنكارًا لوجود اللَّه. . .)(2).

‌‌ثانيًا: نفي كون اللَّه -جلَّ وعلا- خالقًا مدبرًا ونفي توحيد الربوبية:
وهذا من الانحرافات الاعتقادية عند أدباء الحداثة العربية وهو شائع في نتاجهم الأدبيّ والنقديّ والفكريّ، إبحارًا من الانحراف الإلحاديّ السابق، واستعادة لدروس أساتذتهم الماديين، وترديدًا أجوفًا وشقشقة عمياء، وتجاويف فكرية خاوبة على عروشها، من جنس قول الطائفي المحترق أدونيس:
(أعرف الآن
أين يكون الليل إذا جاء النهار
والنهار إذا جاء الليل
أعرف أن جنس الربوبية يتأصل في أحشاء الأرض ويتناسل
أعرف الأرض بالأرض
والسماء بنور الأرض
هكذا أظهر في قميصي الجديد)(3).
وهكذا في كلمات مفلسة شائنة -من طائفيّ يراد له أن يكون رائدًا وموجهًا ومعلمًا وأستاذًا لجيل- تتحدر هذه الكلمات الجوفاء، فاسدة التركيب ضالة المعنى، فالليل -كما يظهر لي من النص- رمز الظلام--------------------------------------------
(1) الحب تحت المطر: ص 38 - 39 نقلًا عن كتاب أدب نجيب محفوظ وإشكالية الصراع بين الإسلام والتغريب د/ سيد أحمد فرج: ص 70.
(2) أدب نجيب محفوظ د/ سيد أحمد فرج: ص 70.
(3) الأعمال الشعرية الكاملة 1/ 292.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٥٢)

والتخلف والانحطاط يريد به الإسلام وأهله وتاريخه وحضارته، والنهار رمز التقدم والإبداع هو الأجنبي وفكره وفلسفته المادية وأخلاقه الرعناء، وجحده وإلحاده وتكبره على خالقه -جل وعلا-، وها هو يستف من غبار مناهج الإلحاد فينفي كون اللَّه تعالى ربًا خالقًا مدبرًا مالكًا بيده ملكوت كل شيء، ويندفع في باطنية حاقدة، وإلحاد ماديّ متمرد، ليعلن أنه لا ربوبية خارج الأرض وأهل الأرض، بل فيها تأصلت الربوبية وتناسلت وهي خالقة نفسها -حسب خرافات المادية- التي أُوقع في فخاخها بعضٌ من أبناء المسلمين، مرة بأسلوب البحث العلمي الموضوعيّ المتجرد، حسب زعمه أو حسب انكسار ومهانة أتباعه بين يديه، ومرة بهيبة الحداثة التي صنعت ونشرت بين أبناء المسلمين وأعطيت مكانة وثنية جعلت ضعفاء العقول والإيمان يلوذون بها لئلا يوصفوا بالتخلف والرجعية وإن لم يفهموا منها شيئًا ولم يفقهوا من مراداتها إلّا النزر القليل.
كل ذلك لكي ترتكس الأمة في الإذعان الفكريّ والاعتقاديّ مثلما ارتكست في غيره من فخاخ السياسة والاقتصاد، غير أنه مع تباشير إصباحيات الصحوة الإسلامية المباركة الراسخة سيضمحل ليل الضياع والفراغ بإذن اللَّه تعالى.
وعودة إلى الباطنيّ أدونيس الذي يقول:
(مسافر تركت وجهي على
زجاج قنديلي
خريطتي أرض بلا خالق
والرفض انجيلي)(1).
بهذا ينشئ التمرد على اللَّه وعلى دينه، ويتلقى الأتباع هذا على أنه تحرر وإبداع، وتقدم وحياة جديدة، تحذلق لفظيّ يزين الكفر ويشجع على التمرد--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 1/ 336.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٥٣)

والرفض، فيزعم أن أرضه الحقيقية أو المجازية "كناية عن الفكر والثقافة والفن والأدب" لا تخضع لخالق ولا تدين لإله، ولا تتعبد لغير الرفض الإبليسيّ.
وتنجرف الأذهان العاجزة الكسيحة في الإعجاب والاقتداء بهذا الحاقد الطائفيّ، وتأخذ أقواله بتلقائية عجفاء وتلقينية باردة، في الوقت الذي ينتقدون فيه على المسلمين الأصلاء أنهم نصوصيون يأخذون علمهم بالحفظ والتلقين، ويعدون ذلك عيبًا ومعرة، مع أنهم يملأون أدمغتهم بالهدى بحفظ كلام اللَّه تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء الفارغون يسدون فراغ عقولهم بكلام وثنيّ طائفيّ ماديّ نجس تلقاه أستاذهم -أدونيس- عن أساتذته من الباطنيين حيث النشأة والمنبت، والماديين حيث الهوى والقبلة، فحين تقرأ له:
(واللَّه في البيوت
يموت كالبحيرة)(1).
لا تجد إلّا نيتشه في زيّ آخر، وقد سبق له أن امتدح عبارته الخبيثة "موت اللَّه" وأثنى على مقتضياتها عند جبران(2).
واستطرادًا مع مقصده الهابط من جحد ربوبية اللَّه تعالى يتناول مسألة التقدم والتخلف، معتبرًا أن الأمة متخلفة بسبب المحراب والصلاة وإيمانها باللَّه وشرعه ودينه، معتبرًا ذلك أغلالًا وخندقًا مسدودًا لا باب له، ورملًا وقشًا، وغير ذلك من العبارات التي يرمز بها إلى التخلف، فيقول:
(الأمة استراحت
في عسل الرباب والمحراب
حصنها الخالق مثل خندقٍ
وسدّة
لا أحد يعرف أين الباب--------------------------------------------
(1) الأعمال الشعرية الكاملة لأدونيس 2/ 163.
(2) انظر: الثابت والمتحول 3 - صدمة الحداثة: ص 178.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٥٤)

لا أحد يسأل أين الباب)(1).
ويقول:
(نادر أن ينطق البحر ولكن
نطق البحر يبسنا
يبس التاريخ من تكراره
في طواحين الهواء
سقط الخالق في تابوته
سقط المخلوق في تابوته
والنساء ارتحن في مقصورة
ينتشلن الليل من آباره)(2).
وهكذا تتشابك المفاهيم الإلحادية في هذا الطرح البليد، فمن البحر الذي هو عنده رمز الغرب والتقدم والحركة والإبداع، والأمل المرتجى والثورة المرتقبة يستمد قوته ومجده وحضارته ضد حضارة الإسلام وتاريخه وعقائده التي تبدأ من الإيمان بالخالق البارئ سبحانه وتعالى ثم ضد الممارسات الاجتماعية المتمثلة في عفة المرأة وحجابها.
وفي عبارات أخرى غامضة ملتوية التواء العقيدة الباطنية يقول:
(العمل يصعد
من الأرض إلى اليد من اليد إلى التاريخ
من التاريخ إلى هباء البدايات)(3).
هذا هو جوهر الحداثة: ممارسة الشك في اللَّه تعالى، وبث العدمية--------------------------------------------
(1) الأعمال الشعرية الكاملة لأدونيس 2/ 273.
(2) و(3) الأعمال الشعرية لأدونيس 2/ 283.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٥٥)

ونشر الدهرية، فما دامت البدايات هباء فكل شيء ضياع وعدم وانفلات، هكذا حسب المفهوم الأدونيسي الإبلبيسيّ.
وليس هذا مقصورًا عليه فعصابة الحداثة ملة واحدة وإن اختلفت بينهم الطرائق وتباعدت البلدان، فها هو حداثي آخر من المغرب العربي يردد نفس المعنى الذي قاله أدونيس تحت عنوان (النقد أساس الإبداع)(1).
وقد يظن القارئ لأول وهلة أن المراد هو النقد الأدبيّ البحت أو الفنيّ أو اللغويّ لارتباط كلمة الإبداع بالأدب والفن واللغة، ولكن الحداثيّ يفسر هذا العنوان العريض ويبين مراده بالنقد الذي هو أساس الإبداع فيقول: (أول ما يجب أن يتجه إليه النقد هو المتعاليات بمختلف تجلياتها، ليس الغائب الذي هو يخلق الحاضر والمستقبل، بل الإنسان هو خالق حاضره ومستقبله، لا تستصغروا المتعاليات، إنها المتحكمة في وعينا ولا وعينا. . . إن المتعاليات كمجال معرفيّ تعتمد قناعة أساسًا، وهي أن الإنسان موجود بغيره لا بنفسه، شبح عابر في دنياه، صورة لمثال، مصيره فوقه لا بين يديه تغطيه السماء بحنينها مرة، وتحتفظ له الظلمات بالردع هنا أو هناك)(2).
إنها محاولة لهدم الدين باسم النقد، ومحو الإسلام باسم الإبداع.
وهذا هو دأب الهدامين من المتفرنجين المقتدمين بملاحدة الافرنج، تقديسُ الكفر باسم الإبداع، ونقد الإسلام وعقيدته باسم التحديث والتطوير الأدبيّ والفكريّ.
فهل صعب على هذه العقول الكليلة أن تبدع إلّا على أساس الكفر باللَّه وجحد ربوبيته ونقد "المتعاليات" والمقصود بها اللَّه تعالى ودينه ونبيه وسائر الغيبيات؟، فالإنسان -عندهم- موجود بنفسه، وهو خالق حاضره ومستقبله، هكذا ادعاءً ووقاحة وجراءة على الباطل، وكأن شرط الإبداع أن--------------------------------------------
(1) الأعمال الشعرية لأدونيس 2/ 541.
(2) حداثة السؤال بخصوص الحداثة العربية في الشعر والثقافة، لمحمد بنيس: ص 19.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٥٦)

يبدع أحدهم في نطاق الإلحاد والكفر والرذيلة الخلقية والكذب الفكريّ وإلّا فليس مبدعًا ولا أديبًا!!.
إنهم في الحقيقة تمردوا على اللَّه تعالى ودينه فسقطوا في كهنوت الحداثة ووثنيتها كما اعترف بعضهم قائلًا: (. . . تأثر النقد الماركسي العربي بالكهنوتية في بداية الخمسينات من هذا القرن -كما يقول غالي شكري(1) - وما أن بدأ يتخلص من التبسيط المخل والنظرة الآحادية الجانب والاختزال الايديولوجيّ بل السياسيّ للفنون، ومن ثم المصطلحات الغامضة الاستعلائية، حتى هبت رياح الحداثة في السبعينات وقد تلبستها طقوس الكهنوت وأسراره المقدسة، أي: أن التخلف المعرفي ظل ساري المفعول داخل أكثر الأفكار عقلانية ولكنه ترك الماركسية وغزا الحداثة، لم يكن انتقال الوباء من المصادفات. . .)(2).
نعم إنهم كذلك ولابد؛ إذ لا ينفك الإنسان من عبودية وتأليه، فأمّا المسلم فإنه يعبد ربه الخالق الواحد الأحد، وأمّا الكافر فإنه يعبد هواه وشهوته، وشياطين الجن والإنس الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا.
فها هم بشهادة أحدهم يمارسون طقوس العبادة الوثنية الكهنوتية للحداثة، وشهادة الواقع أكبر دليل على ذلك فإن الناظر في كتاباتهم يرى بوضوح كيف تغلي مراجلهم حماسة وولهًا لنحلتهم الجديدة، ويلحظ بجلاء أنهم يخضعون باستكانة أمام شعارات الحداثة إلى حد التقديس والورع العباديّ، وهذا أيضًا ما شهد به بعضهم حين قال: (ما من كلمة--------------------------------------------
(1) غالي شكري حداثيّ مصريّ نصرانيّ الأصل قبطيّ الهوى، يساريّ الانتماء، من نقاد الحداثة ومنظريها وكبار عتاتها، له كتب كثيرة منها الأقباط في وطن متغير، وديكتاتورية التخلف العربيّ، وإنهم يرقصون ليلة رأس السنة، وذكريات الجيل الضائع، وشعرنا الحديث إلى أين، وغيرها.
(2) قضايا وشهادات 3 شتاء 1991 م من مقال للماركسيّ اللبناني محمد دكروب بعنوان محنة الشعر العربي الحديث في العلاقة بين الشاعر والناقد والقراء: ص 220.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٥٧)