Arabic source text

📘 আল-ইনহিরাফুল আকিদি ফী আদাবিল হাদাসা ওয়া ফিকরিহা (সাঈদ বিন নাসির আল-গামদী)

📘 الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها (سعيد بن ناصر الغامدي)

📘 আল-ইনহিরাফুল আকিদি ফী আদাবিল হাদাসা ওয়া ফিকরিহা (সাঈদ বিন নাসির আল-গামদী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
بعد الحداثة يجري استعمالها بورع طقوسي وجهل لكنهها وجوهرها وكيفية تحققها ككلمة الإبداع)(1).
وقد مر معنا قول حسن حنفي في أنه لا مجال للتحرر والعلمانية إلّا بإبطال العقيدة المثبتة لربوبية اللَّه أو ما يسميه الثنائية التي تقسم العالم إلى خالق ومخلوق(2).
وغير مستغرب هذا من رجل يعترف بأنه كافر وأنه ماركسيّ وضعيّ، وذلك في معرض رده على مناقش خشي عليه أن يكون "مؤمنًا" فأجابه قائلًا: (. . . فأنت تعني الإيمان السلفيّ التاريخيّ. . . إلخ والمتوارث عبر التاريخ وهو الشيء الذي تخافه عليّ؛ لذلك فإن إيماني يكفرني، كما أنه يكفرك أيضًا، وبالتالي فإن القضية بالنسبة لنا هي التحدي. . . وأعتقد أن الأخوة العلمانيين يستعجلون التقدم، إنهم يريدونه إيجابيًا فقط، وأنا أريد أولًا أن أمنع عوائق التقدم، أي أعمل للتقدم سلبًا إذا جاز التعبير، فإذا ما استطعت ذلك عندئذ أسلّم المجتمع العربي إلى الأخوة العلمانيين لكي يبنوه إيجابًا، ومن ثم أنا مقدم لهم، أنا ماركسي شاب وهم ماركسيون شيوخ هذا تقسيم لأدوار العمل. . . وفي ما يتعلق بمضمون الوحي وحادث الوحي، فكما بينت لكم، أنا مفكر وضعيّ، أقصد أنا وضعيّ منهجيّ ولست وضعيًا مذهبيًا، إن كل ما يخرج عن نطاق الحس والمادة والتحليل، أضعه بين قوسين. . .)(3).
إذن نحن أمام زمرة من الملاحدة الذين يعلنون بتبجح كامل كفرهم باللَّه ربًا وإلهًا وبالإسلام دينًا، وسيلتهم في ذلك التضليل والكذب، ومكابرة الحقائق وجحد البراهين، والتلبيس على أعشار المثقفين، واستجلابهم إلى وهدة الضلال بعبارات الجحود والشك، وزركشات الألفاظ الرنانة والدعاوى العريضة.--------------------------------------------
(1) قضايا الشعر الحديث لجهاد فاضل: ص 49.
(2) انظر: الإسلام والحداثة: ص 388.
(3) الإسلام والحداثة: ص 218 - 219.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٥٨)

جاؤوا لمحاربة الدين والتراث بدعوى عدم التقليد، فاجتروا الأفكار الأرضية وقلدوها، وتخمرت في عقولهم المستطرقة كل الأحقاد ضد الإسلام وأهله من النصارى واليهود والملاحدة والوثنيين، فالنصرانية يبشر بها الخال وخليل حاوي(1) وأنسي الحاج وأنطون سعادة(2)، وأمّا اليهود فيخدمهم سعيد عقل(3) في ملحمة بنت بفتاح، كما قال ذلك خليل حاوي وأنطون سعادة(4)، أمّا الملاحدة فقد مر الكثير عنهم في كلام أدونيس وحسن حنفي ونجيب محفوظ وعلاء حامد وغيرهم، أمّا الوثنيون فسيأتي ذكرهم في الفصل الرابع من هذا الباب بإذن اللَّه تعالى، وقد لوثت هذه البصمات الاعتقادية الضالة وجه الثقافة العربية المعاصرة، وصبغت أدبها الحديث--------------------------------------------
(1) خليل حاوي حداثيّ لبنانيّ نصرانيّ وجوديّ، حاز على الدكتوراه في الفلسفة، غامض الشعر، أسطوري المنزع، انضم إلى عصابة مجلة شعر، ثم تركهم وواصل في أسلوبه الرمزيّ الضبابيّ الغائم، وقلده مجموعة كبيرة من إمعات الحداثة، له ديوان نهر الرماد وبيادر الجوع والناي والريح وهي مليئة بالمضامين الحداثية المنحرفة، انتحر إثر دخول القوات اليهودية إلى بيروت عام 1402 هـ/ 1982 م. انظر: تاريخ الشعر العربي الحديث: ص 696، ورفاق سبقوا: ص 175 - 225.
(2) أنطون سعادة، ولد سنة 1322 هـ/ 1904 م لأسرة نصرانية مارونية، درس في البرازيل ونشأ هناك ثم عاد إلى لبنان سنة 1351 هـ/ 1932 م ليعمل مدرسًا في الجامعة الاْمريكية، وأنشأ الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ، حاول القيام بثورة فقتل سنة 1368 هـ/ 1946 م، مبشر بالنصرانية والفينيقية، وله أثر كبير في الحداثيين العرب وخاصة عصابة شعر الذين كانوا من أتباع الحزب السوريّ، ولكتابه الصراع الفكريّ في الأدب السوريّ أعظم التأثير فيهم وفي غيرهم، جعل الأساطير الوثنية محور فكرته وأساس دعوته، وربط الإبداع والنهضة بهذه التصورات وكون لنفسه هالة من التعظيم وخلب عقول أتباعه ومنهم أدونيس، وكان يرى نفسه نبيًا، وكانوا يرون فيه القوة المقدسة والمخلص والبطل والمنقذ. انظر: موسوعة السياسة 1/ 364، والموسوعة الميسرة في الأديان: ص 409، والحداثة الأولى: ص 119.
(3) سعيد عقل نصرانيّ لبنانيّ معروف، دعا إلى الفينقية الوثنية واللغة العامية وكتب بها، وحارب العربية الفصحى والتراث العربي، يشابه نزار قباني في الشعوبية والمفردات والألفاظ الجنسية والتكرارية. انظر: تاريخ الشعر العربي الحديث: ص 697، وأسئلة الشعر لمنير العكش: ص 11 - 22، وقضايا الشعر الحديث: ص 125.
(4) انظر: الحداثة الأولى لمحمد جمال باروت: ص 170.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٥٩)

بصباغ الانحراف والتضليل، وجعلت الإطار الأصولي لهذا الفكر ردة وابتعادًا عن دين الإسلام الحنيف، فقد سمحوا لكل فكر ومفكر أن يلج من أبوابهم إلّا إذا كان فكرًا مسلمًا، ولشد ما عادوا مصطلح الأدب الإسلامي لمجرد هذا الانتساب، في الوقت الذي فتحوا فيه عقولهم وقلوبهم لجميع الأسماء والانتماءات، الوجودية والسوريالية والواقعية، أمّا الإسلام والإيمان ونعت الأدب به فجرم ثقافيّ خطير، ومما يؤسف له أن بعض الأدباء من المسلمين انسحب في هذا المجرى ورد هذه التسمية بحجج أوهن من بيت العنكبوت {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ}(1).
وفي مجال نفي الربوبية، وجحد كون اللَّه تعالى خالقًا مدبرًا يقول أحدهم في تدليس متعمد، واستشهادٍ بهيجل(2):
(سفر الهجرات
"الإنسان أجمل ازدهارات الطبيعة"
هيجل)(3).
والمعنى نفسه يردده عبد الرحمن المنيف(4) فيقول: (. . . طبيعة--------------------------------------------
(1) الآية 47 من سورة التوبة.
(2) هو: جورج وليام فريدريك هيجل، ولد سنة 1183 هـ/ 1770 م، وتوفي سنة 1246 هـ/ 1831 م، من أكبر الفلاسفة الغربيين تأثيرًا في الحياة الغربية، ولا يُمكن عزل الوجودية والماركسية والبرجماتية عن فلسفة هيجل الألمانيّ ذات الأساس الماديّ، حيث كان لا يؤمن بإله، وذلك هو أساس فلسفة الموضوع والنقيض التي طرحها هيغل وأخذها بعد ذلك ماركس وطورها ليصل إلى الإلحاد صراحة. انظر: الموسوعة الفلسفية: ص 511، وموسوعة أعلام الفلسفة 2/ 569.
(3) غيم لأحلام الملك المخلوع، شعر محمد علي شمس الدين: ص 35.
(4) عبد الرحمن المنيف من أهل الجبيل، ومن قيادات حزب البعث في العراق، حداثي كبير، بل قدوة للحداثيين المحليين وصاحب أكبر رواية عربية وهي "مدن الملح"، تقلب في العلمانية من البعثية إلى الاشتراكية التي تلقاها في إحدى دول أوروبا الشرقية الشيوعية، وفيها اعتنق الفلسفة الماركسية، ثم استقر أخيرًا في الليبرالية الديمقراطية كما =

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٦٠)

الصحراء تجعل للأسماء أهمية تفوف غيرها، وهذه لم تخلق نتيجة الرغبة أو في لحظة من لحظات الجنون، وإنما خلقتها الطبيعة ذاتها وأعطتها من الأسماء ما يوازي أهميتها أو الصفات التي تحملها)(1).
ويقول وهو يتحدث عن ثروة البترول على لسان أحد شخصيات روايته: (الصدفة خلقت هذه الثروة والصدفة هي التي دفعتني إلى هنا. . .)(2).
ويكرر المعنى نفسه ناسبًا الخلق إلى الطبيعة والصدفة، وهذا يعني بدلالة الالتزام نفي كون اللَّه خالقًا ويعني بدلالة المطابقة نسبة الخلق إلى غير اللَّه تعالى يقول: (. . . إن المدن إذا خلت من المعالم التي تجعلها دائمة ومتميزة فإنها لا تستحق التوقف أو الإشارة، لا يهم أن تكون المعالم ما خلقته الطبيعة أو ما صنعه الإنسان)(3).
وبالجحود والتفسير الماديّ نفسه يتحدث علاء حامد فيقول في روايته مسافة في عقل رجل: (لماذا خلقنا أجنة فأطفال فشباب فكهول مثلنا مثل الحيوان والنبات والحشرات، ينسج التطور قانونه المحكم على كل صغيرة في حياة الأحياء، مرحلة تلو مرحلة لتعود من جديد إلى نفس المرحلة نقطة البداية)(4).
ويقول: (. . . الإنسان ليس سوى مخلوق أرضي جاء نتيجة تطور مذهل في عالم ماديّ عمره ملايين السنين نتيجة تفاعلات كيميائية منذ اللحظة التي انقسمت فيها خلية الأمبيا ليشملها التطور إلى الإنسان أرقى الحيونات)(5).--------------------------------------------
= في كتابه الأخير الديمقراطية أولًا الديمقراطية دائمًا، لا يرى في الإسلام أي حل واقعيّ عملي للحياة. انظر: رأيهم في الإسلام: ص 13 - 22.
(1) مدن الملح جـ 1 التيه - عبد الرحمن المنيف: ص 9 - 10.
(2) مدن الملح جـ 2 الأخدود - عبد الرحمن المنيف: ص 425.
(3) مدن الملح جـ 3 بادية الظلمات: ص 283.
(4) مسافة في عقل رجل: ص 9. والصواب فأطفالًا فشبابًا فكهولًا.
(5) مسافة في عقل رجل: ص 125.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٦١)

وهذا ليس سوى ترديد أبله لنظرية داروين، التي أثبت العلم الحديث بكافة فروعه زيفها وبطلانها، غير أن المأخوذين بنظريات الكفر والإلحاد سرعان ما يفرحون بما يظنون علمًا فرح الجعل بدحروجته.
ومن أوائل الحداثيين وطلائعهم بدر شاكر السياب(1) وقد قال بهذه النظرية في قصيدته مرتبة الآلهة:
(كأن الأميبيّ توأم وهو توأم لها فهو في منجًى من الموت قابع)
ثم قال في الهامش: (الأميبي حيوان ذو حجيرة واحدة، وهو خالد لا يموت لانعدام شخصيته)(2).
وعودة إلى هرطقات علاء حامد في نفيه لوجود اللَّه ونسبة الخلق إلى الخلية الواحدة والتمرغ في غبار نظرية دارون، يقول على لسان أحد أشخاص روايته رادًا على من يقول بخلق اللَّه للإنسان والكون: (ورواية الخلق التي تحدثت عنها ليست سوى تدخل مباشر من اللَّه لصنع الإنسان مع أن قانون التطور من الامبيا إلى الإنسان يسد مثل تلك الثغرات وهذا النقص)(3).
وإذا كان أتباع الحداثة قد أشربوا في قلوبهم عجل نظرية دارون المادية الإلحادية فإنهم بكل غباوة يعتنقون ما أثبت الغربيون الماديون الذين جاؤوا بعد دارون بطلانه وفساده، في حين أن المخدوعين من أبناء الشرق الضعيف--------------------------------------------
(1) بدر شاكر السياب أول من سن الحداثة الشعرية، ولد عام 1344 هـ/ 1926 م في قرية جيكور جنوب البصرة لأسرة شيعية، تخرج في دار المعلمين ودرس، وتقلب في عدة وظائف، انتمى للحزب الشيوعيّ العراقيّ ثم إلى زمرة الشعراء التموزيين، وعصابة شعر، وشارك في مؤتمر روما الذي أشرف عليه اليهود والمخابرات الأمريكية، أصيب بالشلل ومكث يستجدي زملاءه وأصدقاءه فلم يجيبوه حتى مات في الكويت عام 1383 هـ/ 1964 م، شعره مليء بالرموز الوثنية، والانحرافات الفكرية والسلوكية. انظر: تاريخ الشعر العربي الحديث: ص 655، والصراع بين القديم والجديد 2/ 1252، وكتاب بدر شاكر السياب لإحسان عباس.
(2) ديوان بدر شاكر السياب: ص 349.
(3) مسافة في عقل رجل: ص 126 - 127.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٦٢)

انبهروا بالنظرية والفلسفة التي أدت إلى ظهورها، وأثرت في تطبيقها بعد ظهورها، وخلب لبهم اسم "العلم التجريبي" فرضخوا للدعاوى الملبسة بهذا الاسم اعتقادًا منهم أنها حقائق نهائية لا مجال لمناقشتها فضلًا عن ردها والاعتراض عليها، وتوقفوا أمام هذا الصنم الكبير بكل خشوع وخضوع، ولم يعلم هؤلاء -أرقاء العقول- أن العلم التجريبيّ ما زال في طفولته رغم الاكتشافات الكثيرة، وما زال يتقدم فيصل إلى أشياء جديدة ويلغي ما كان يعد بالأمس أنه حقائق قاطعة، وأتباع الغرب من الشرقيين لاتصلهم الأنباء إلّا متأخرة، فنظرية دارون كتب عنها بعض أتباعها ما يؤكد أنها مجرد وهم(1)، حتى قال أحدهم: (إن نظرية النشوء والارتقاء غير ثابتة علميًا ولا سبيل إلى إثباتها بالبرهان، ونحن لا نؤمن بها إلّا لأن الخيار الوحيد بعد ذلك هو الإيمان بالخلق الخاص المباشر، وهذا ما لا يُمكن حتى التفكير فيه)(2).
وأثبتت الدراسات والتجارب المخبرية أن هذه النظرية زائفة وغير صحيحة، وخاصة الأبحاث التي تمت من قبل علماء الأحياء والتي قرروا فيها بعد تجارب كثيرة ومتنوعة أن المادة الميتة لا يُمكن أن تتحول ذاتيًا إلى مادة حية، وأن الحي لابد أن يتولد عن حي أو يشتق من حيّ(3).
أمّا الأدلة العقلية والبراهين المنطقية الهادمة لهذه النظرية وفروعها فأكثر من أن تحصى، ولكن أتباع الإلحاد لايفقهون، كما قال اللَّه تعالى فيهم: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ--------------------------------------------
(1) وهو جوليان هكسلي من علماء الداروينية الحديثة الذي ألف كتابًا بعنوان "الإنسان في العالم الحديث" وفيه أبطل جذور نظرية داروين فيما يخص الإنسان وأثبت أنه متفرد في كل شيء في نشأته وتكوينه. انظر: معجم الفلاسفة: ص 649، والموسوعة الفلسفية للحفني: ص 501 - 502، والإنسان بين المادية والإسلام لمحمد قطب: ص 20.
(2) هذا قول سير آرثر كيث وهو من المتمسكين ببعض شعب نظرية النشوء والارتقاء وهو ما يسميه مذهب التطور الذاتيّ. انظر: كواشف زيوف للميداني: ص 321.
(3) ممن قرر ذلك ونشره من علماء الأحياء "أغاسيز" والفرنسي الشهير "باستور" الذي تنسب إليه عملية التعقيم للأغذية المسماة "البسترة". انظر: كواشف زيوف: ص 325.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٦٣)

أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)}(1).

‌‌ثالثًا: نسبة الأبدية للمخلوق والقول بأزلية العالم والخلق:
هذا النوع من الإلحاد مترتب على ما مضى من جحد لوجود اللَّه ونفي كونه -تعالى- خالقًا مدبرًا ربأ لهذا الكون وما فيه، وهي مبنية على الاعتقاد الإلحاديّ القائل بأزلية المادة والمذهب الماديّ الذي يقرر بأنه لا وجود لأي جوهر غير المادة، فجميع الظواهر النفسية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية إنما يفسرها الوجود الماديّ، ويتضمن هذا المذهب أن العالم أبديّ(2).
ومن جذور هذا النوع من الإلحاد أيضًا ما يسمى بالمذهب الطبيعيّ وهو تفسير تطور المجتمع بقوانين الطبيعة، مثل الأحوال المناخية والبيئية والجغرافية والاختلافات العضوية والجنسية بين الشعوب، وكل ذلك يقوم على مركزية الإنسان في الكون وأنه نتاج أعلى للطبيعة(3)، وكل ذلك مبني على أزلية المادة التي منها الكون والعالم.
وهذه الادعاءات ومستلزماتها الفكرية والعملية الأخرى دعاوى أعطيت بهرجًا ونفخت فيها المهابة باسم العلم والتجربة، غير أنها لا تثبت على ميزان البحث العقليّ والعلميّ والتجريبيّ، وستنهار مع انهيار حجر زاوية هذه الفلسفة المادية وأعني به: "القول بأزلية المادة وكونها أساس الوجود".
وعقدة هذا القول أن أصحابه لا يؤمنون بشيء غير محسوس أو غائب عن الوعيّ البشريّ، ومن هنا بدأت هذه الخرافة في أدمغة الماديين، ولفك هذه العقدة يُمكن أن يقال لهم: ليس كل ما غاب عن الوعي الحسيّ أو الوعي البشريّ يعد معدومًا، فعدم العلم بالشيء لا يدل على العلم بعدمه،--------------------------------------------
(1) الآيتان 43 - 44 من سورة الفرقان.
(2) انظر: ما سبق عن المذهب الماديّ ومدارسه وأشهر شخصياته ص 108 - 110.
(3) انظر: ما سبق عن المذهب الطبيعيّ في ص 110.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٦٤)

وتوجد أشياء كثيرة مغيبة عن الوعي البشريّ وهي موجودة ولكن الوعي البشريّ لم يحط بها، وهناك فرق بين موجود مغيب ومعدوم غائب فالأول حقيقة غير منظورة، والثاني خرافة لن تنظر، وليس كل ما غاب عن وعينا يجب أن نتوقف فيه أو نجحده، وذلك لأننا نعيش اليوم حقائق علمية كانت بالأمس مغيبة، ونحس بآثار مغيبات أخرى، وتدلنا هذه الآثار قطعًا على وجود المغيبات المؤثرة مثل الأثير وطبقة الأوزون والغلاف الجويّ والضغط الجويّ وغيرها، وهناك مغيبات يجزم العقل والحس والوعي البشريّ بكذبها لكونها تجر إلى المحال أو تصادم الحقائق الثابتة كنظرية داروين(1) وكالنظرية القائلة بأزلية المادة وأبديتها، وأنها -حسب التعريف الإلحاديّ- "لا تفنى ولا تستحدث من العدم"، والمادة عند الماركسيين أشد الملاحدة الماديين ليست شيئًا أكثر من وجودها الخارجيّ المتمثل في ظاهراتها المتحركة المتغيرة(2).
وهذه كافية لقصم فقار هذه الافتراضية المؤلة للمادة العمياء فيقال لهم: إن ظاهرات المادة ليست أكثر من آثار وخصائص لها وتسميتها ظاهرات اعتراف منهم بهذا، وإذا كانت هذه الظاهرات آثارًا فلابد من اليقين بوجود المؤثر(3).
أمّا الزعم بالمادة الأولى والخلية الأولية للكائنات فزعم لا دليل من العقل ولا الحس ولا التجربة عليه مطلقًا، وعلى افتراض وجود هذه الخلية الأولى فالسؤال الحتميّ: من الذي أوجدها؟ فإن قالوا: أوجدت نفسها وقعوا في الخرافة، فليس في الوجود ولا في تصور العقل ولا في نتائج التجربة أن شيئًا يوجد نفسه؛ إذ لابد أن يكون مسبوقًا بالعدم وإلّا لزم التسلسل إلى ما لا نهاية في الماضي، وهذا محال في العقل، والعدم لا يفعل شيئًا باتفاق عقول جميع العقلاء مسلمهم وكافرهم، ولا يخالف في ذلك إلّا مجنون أو مكابر بسفسطة هي حجة عليه قبل أن تكون حجة على غيره.--------------------------------------------
(1) انظر: لن تلحد، لأبي عبد الرحمن بن عقيل: ص 209 - 211.
(2) و(3) انظر: نقض أوهام المادية الجدلية، لمحمد البوطي: ص 112.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٦٥)

إذن لابد لكل فعل من فاعل، ولكل مصنوع من صانع، ولكل موجود من موجد؛ لأن الشيء لا يُمكن أن يوجد نفسه؛ ولأن العدم لا يُمكن أن يوجد شيئًا، وهذه أوليات المحاجة، ومقدمات تزييف آرائهم الباطلة.
ثم يمكن الولوج بعد ذلك إلى ذكر قوانين العلية والسببية ودليل العناية ودليل التمانع، وغيرها من الأدلة الكاشفة لزيف دعاوى الملاحدة، والمثبتة أن اللَّه خالقٌ للكون وهو المتولي لتدبيره والتصرف فيه، كما أن في أدلة المكتشفات الحديثة والتجارب العلمية ما يؤكد هذه الحقيقة، وفي علوم الفيزياء الحديثة والأحياء والفلك ما يدل دلالة واضحة على أن الكون والإنسان والعالم كله من خلق اللَّه، أوجده بعد أن لم يكن موجودًا، ومن أراد أن ينكر كل هذه البراهين فليبطل دليل العلية والسببية، والعناية والتمانع، وليأت بالشمس من المغرب، وليمنع تعاقب الأوقات والفصول وليرفع أسباب الحياة المعيشية عن الأرض: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35)}(1).
إن الإيمان بخالق واحد أحد للكون حتمية عقلية حسية تجريبية؛ لأن الإيمان بتسلسل في الخلق لا ينتهي أمر لا يُمكن للعقول قبوله، في حين أن الإيمان بخالق، ينتهي به هذا المحال العقليّ، وذلك وفق دليل قطعيّ عقليّ هو قانون العلية، وأيهما أسلم وأصح في العقول الإيمان بشيء غير متصور عقلًا كالتسلسل وأزلية المادة، أم الإيمان بشيء حتميّ التصور والوقوع؟.
والعقل السليم لا يتصور تسلسل الخالقين إلى غير نهاية، على اعتبار أن المادة خالقة وسبب للوجود كما يقول الملاحدة، ولكنه مضطر إلى الإيمان بخالق لا أول له هو اللَّه الواحد الأحد الذي لم يلد ولم يولد وهو الأول الذي ليس قبله شيء.
وإذا نظر العاقل إلى مماحكات الملاحدة عمومًا، والملاحدة المقلدين من العرب خصوصًا يجد أن جدلياتهم تسير ضمن منهج من المغالطات والتقريرات والألفاظ التي تتصنع العقلية والمنطقية، وتتلبس بلبوس التقدم--------------------------------------------
(1) الآية 35 من سورة الطور.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٦٦)

العلمي زيفًا وافتراءًا، مع أن التقدم العلميّ في حقائقه لا في افتراضاته بعيد كل البعد عن دعم الإلحاد، وفي العلوم المادية والمكتشفات العلمية ما يدل بجلاء ووضوح على زيف الإلحاد ويقينية الإيمان باللَّه تعالى، غير أن الملاحدة يكثرون الادعاء، ويتبجحون بالعلم التجريبي ويتعاظمون بالتقدم العلمي، ويتسلقون على ظهور المكتشفات، وينتفشون بذكر الأسماء الأجنبية المعروفة في مجال العلوم والمعارف المادية، فيدلسون على ضعفاء العقول والإمعات وفاقدي الشخصية.
وهذه الأفكار المنحرفة لم تعش بقوة ذاتية فيها؛ لأن الوهن ملازم لكيانها، بل عاشت بقوة تحميها أو بطنطنة محترفين لها يدعون إليها أو ببهرج إعلام يزيف الحقيقة ويزين الفساد.
وإذا انتقلنا إلى الأدب العربي المعاصر -محل البحث- وما فيه من انحرافات من هذا القبيل، فإننا نجد ما يدل بجلاء على أن القوم استهدفوا دين الأمة وعقيدتها قبل أن يستهدفوا أي شيء آخر، فمنذ أن أعلن كاهن الحداثة في تلمود الحداثة الثابت والمتحول أنه ليس للخلق أول(1) والملأ من أتباعه على مسلكه يرددونه بصيغ أخرى ما قاله هناك وما قاله هنا من أن (. . . جوهر الإنسان ليس في كونه مخلوقًا بل في كونه خالقًا. . . وجوهر الإنسان في أنه كائن خلاق مغير، وجوهر الثقافة بالتالي هو إذن في الإبداع المغير)(2).
وهنا سر المسألة في ربط الإبداع بالكفر ومزجه بالاعتقاد القائل بأبديته وأزليته وأزلية العالم، مع أن إلجام الإبداع بالزيف قتل واغتيال له؛ ولذلك لم تستطع الشيوعية المادية الملحدة أن تهرب من الميتافيزيقيا في الفن والأدب، بل كانت مغرقة في ذلك وإن ربطتها بالحاجات الاقتصادية وصراع الطبقات.--------------------------------------------
(1) الثابت والمتحول 2 - تأصيل الأصول: ص 75.
(2) الثابت والمتحول 3 صدمة الحداثة: ص 248 وقد يقال بأن هذه الجملة ليست صريحة في الدلالة على المقصود، والناظر في سياق هذه الجملة وسباقها ولحاقها وخاصة ص 250 يجد أن هذا المعنى الخاسر هو المراد عند أدونيس.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٦٧)

لكن أدونيس وأتباعه يرون أنه لا إبداع إلّا بالإلحاد، زعمًا منهم أن حضارة القرن العشرين قامت على الإلحاد، وهذا كذب واضح، فإن العلوم التجريبية والمعارف التطبيقية وحقائق العلم البحتة قامت على جهود متدينين غير ملحدين من النصارى واليهود، أمّا خرافات الفلسفات المادية وهرطقات الإلحاد الفكريّ فجاءت على يد عاطلين فاشلين لا جهد لهم في التقدم الماديّ من أمثال ماركس وسارتر وهوبز ونيتشه.
وتبعًا لهذه النظرة الإلحادية عند أدونيس وربطها بالإبداع يقرر في صلف أبدية الشعر، فيقول: (. . . إن العمل الشعريّ لا ينتهي، الآلة وحدها تنتهي وهو لا ينتهي … إن وعي الشاعر لذاته لا يبدأ من التاريخ، أو من الماضي، بل يبدأ من ذاته نفسها، وذاته في يقظة دائمة، ففي كل لحظة يعيش ويفكر ويخلق كأنما للمرة الأولى. . .)(1) ويُفهم هذا المعنى إذا قرن قوله هذا بأقواله الأخرى الدالة على هذا المقصد عنده بل المبنية عليه، كما فصل ذلك في الجزء الثالث من الثابت والمتحول.
وفي مقطع من كلامه الذي يسمى شعرًا يصف النطفة بالخلق، وهو تصريح بأبدية الخلق وذاتيته والاستغناء عن الخالق سبحانه وتعالى فيقول:
(لم ترني عيناك
بكرًا كماء النطفة الخالقة
لم ترني أقبل من هناك
في موكب النذور
وفي خطابي العشب والصاعقة
غدًا غدًا في النار والربيع
تعريف أني حاضن البذور
غدًا غدًا توقن بي عيناك)(2).--------------------------------------------
(1) الأعمال الشعرية الكاملة لأدونيس 1/ 5.
(2) المصدر السابق 1/ 294.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٦٨)

والمقصود هنا هو مهيار، الذي رمز إليه كثيرًا في شعره، وامتدحه، وجعله نموذج التكوين الحداثيّ الآتي، ورمز المستقبل وعنصر الجدة والإبداع، وكثيرًا ما يرمز بمهيار لنفسه، على طريقة "القناع" وهو الأسلوب الحداثيّ المعبر عن شخصية يختفي خلفها الكاتب، ويعبر من خلال تلك الشخصية عن أفكاره وعقائده وآماله وغير ذلك(1). . . و"مهيار الدمشقيّ" هو كذلك بالنسبة لأدونيس، وهذا ما أكده جهاد فاضل(2) في كتابه قضايا الشعر الحديث حيث قال: (. . . أمّا مهيار الذي سمى نفسه به مضيفًا إليه الدمشقيّ أحيانًا كثيرة فهو مهيار الديلمي الشاعر الفارسيّ الشعوبيّ الذي يثير اسمه أعذب الذكريات لدى أدونيس، فلكثرة إعجاب أدونيس به سمى نفسه مهيار، وللتفريق بينهما أضاف الدمشقي، وهي كلمة ترمز إلى تلك المرحلة السورية السابقة للفتح العربيّ، والتي شهدت وجود شخصيات فكرية معروفة مثل يوحنا الدمشقي وسواه، وكل ذلك أمور لها دلالتها عند أدونيس وعند القارئ معًا)(3).
واتخاذ أدونيس لرمز مهيار -إضافة إلى ما ذكره جهاد فاضل- أن مهيار الديلميّ كان مجوسيًا ثم أسلم على يد الشريف الرضي(4) وهو شيعيّ--------------------------------------------
(1) القناع شخصية يتخذها الشاعر أو الروائيّ يختبئ وراءها ليعبر عن موقف يريده، أو قضية يطرحها أو فكرة يبثها. انظر: معجم المصطلحات الأدبية: ص 280، واتجاهات الشعر العربي المعاصر: ص 121 - 125.
(2) جهاد فاضل اسمه الحقيقي جوزيف فاضل، من أهل لبنان، ناقد حداثيّ، له مواقف نقدية قوية وصريحة ضد مجموعة من الحداثيين من منطلق قوميّ، نقد نزار قباني وأدونيس وغيرهما، وكشف أنواع الانحرافات والعمالة، بتشخيص موضوعيّ، وحصلت بينه وبين نزار قباني مراجعات كشف فيها بعض سوءات الحداثة. أنظر: فتافيت شاعر لجهاد فاضل، وقضايا الشعر الحديث له.
(3) قضايا الشعر الحديث، لجهاد فاضل: ص 139. وانظر: اتجاهات الشعر العربي لإحسان عباس: ص 121.
(4) هو: محمد بن الحسن بن موسى الرضي العلويّ الحسينيّ، أشعر الطالبيين، ونقيب الأشراف، شيعيّ المذهب، له كتب كثيرة منها خصائص أمير المؤمنين علي، وديوان شعر ومجاز القرآن، له شعر رائق، ولد وتوفي في بغداد 359 - 406 هـ. انظر: الأعلام 6/ 99.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٦٩)

معروف ودرس على يديه، وعليه تخرج في الشعر والأدب، وتشيع وغلا في تشيعه وسب الصحابة في شعره، وهنا وجه آخر من أوجه إعجاب أدونيس بمهيار وتغنيه به وامتداحه له(1).
وطالما تغنى أدونيس بمهيار ومجّده وتنبأ له بالمستقبل الباهر، وفي المقطع الذي نقلناه آنفًا شيء من ذلك فهو "النطفة الخالقة" إشارة إلى أبديته وأبدية شعره ومبادئه، وهو العشب والصاعقة، وهذا تعبير عن التدمير والثورة والنماء، وغده ومستقبله مركب من النار ذات الإحراق والإضاءة، والربيع رمز الحياة والتجدد، والبذور يريد بها الأفكار والأتباع الذين أُعدوا لبث الفكرة ونشر العقيدة الباطنية الإلحادية، والجذور الوثنية البابلية التي يقول عنها:
(أخلق بابل في الأجناس وفي الأنواع وأخلق بابل في
الصلوات وفي الشهوات وأخلق بابل في الأرحام
وفي الأكفان، وأخلق بابل بين الخالق والمخلوق
وأخلق بابل في الأصوات وفي الأسماء وفي الأشياء
وأظل اللهب الضارب في الأشياء
خارج هذا الورق الرملي ادشن أنحائي
بالضوء، برغبة أن أبقى
خارج هذا الملْك عصيًا)(2).--------------------------------------------
(1) مهيار الديلميّ هو مهيار بن مرزويه أبو الحسن الديلمي، كان مجوسيًا وأسلم سنة 394 هـ على يد الشريف الرضي وهو شيخه وعليه تخرج، تشيغ وغلا في تشيعه وسب الصحابة رضي الله عنهم، قال له ابن برهان: يا مهيار انتقلت من زاوية في النار إلى أخرى فيها، كنت مجوسيًا وأسلمت فصرت تسب الصحابة. انظر: البداية والنهاية 12/ 14، وتاريخ بغداد 13/ 276، ووفيات الأعيان 2/ 149، والأعلام 7/ 317.
(2) الأعمال الشعرية الكاملة 2/ 359.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٧٠)

المعاني نفسها مكررة هنا، إلّا أنه يضيف رغبته في إحياء بابل الوثنية، وإعادة تاريخها وعقائدها، متمثلًا وثنيتها ومتشبهًا بضلالها في نسبة الخلق إلى نفسه، كما كانت تفعل الوثنية البابلية في نسبتها الخلق إلى آلهتها، إنه بهذه يظهر نفسه في موطن تأليه نفسه، ناسبًا الأبدية للمخلوق الفاني الضعيف حيث يقول: (وأخلق بابل بين الخالق والمخلوق) وهو يعني بذلك أنه يؤصل المبادئ والعقائد التي يعتنقها، ويرسخ وجودها في الواقع من خلال التدمير والإحراق (وأظل اللهب الضارب في الأشياء).
تدمير وثورة على كل شيء في الواقع العربي، الدين والأخلاق والقيم والنظم والتراث التي عبّر عنها بالورق الرمليّ، ثم يصف نفسه بأنه يضيء نفسه بالضوء، وبالرغبة في البقاء خارج الأطر والقواعد العقدية والأخلاقية وغيرها، ولنا أن نسأل أي ضوء يريده هذا المظلم المتخبط في ظلمات الكفر والجهل والتبعية، ومن لم يجعل اللَّه له نورًا فما له من نور.
إن بابل التي يمهد أدونيس الطريق أمام وثنيتها، ويعلن انتماءه إليها لون من ألوان التقلب في الظلمات، من ظلمة الوثنية إلى ظلمة المادية الإلحادية إلى ظلمة الباطنية النصيرية إلى ظلمة النصرانية.
أمّا بابل التي يقدسها ويشيد بها، في الوقت الذي يدنس فيه المدن الإسلامية فإنه يضفي عليها صفات الربوبية، ويلحق نفسه بذلك حين يصفها بالأبدية، وهو يعني شعره وفكره وعقيدته وحداثته، يقول:
(تهجم بابل في طاووس أو جلاد
ويكون التاريخ هشيمًا
والقيم قيانًا
وتكون الأشجار سبايا
أحيانًا
بابل قبل

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٧١)

وبابل بعد
وبابل وجه للأحياء وللأموات
يولد في أسمائي
بشر
يزدحمون ويقتتلون/ خذيهم
دليهم واحتضنيهم
كوني طرقًا لهم وفتوحات، يا أسمائي
فأنا الأبد المتشرد خارج أسمائي
أبديًا)(1).
هذه الأبدية التي يصف بها نفسه وشعره وفكره هي الفرع الفنيّ والأدبيّ -إن صحت التسمية- للفكرة الإلحادية التي أصلها في تلمود الحداثة كتاب الثابت والمتحول، وذلك في معرض حديثه عن سلفه جبران خليل جبران الذي يعده طليعة الحداثة العربية المعاصرة بكل ما يحتويه جبران من وثنية يونانية ونصرانية ومادية حسب تعبير أدونيس في قوله: (. . . يشكل نتاج جبران خليل جبران ظاهرة من مستوى آخر تتمثل في تجاوز القديم العربيّ وصهره في قديم أشمل يونانيّ -مسيحي- كونيّ. . .)(2).
ويوجز أدونيس الدلالات الحداثية الأساسية التي أرساها جبران بشعره في نقاط عديدة، منها:
(أ - ليس العالم شيئًا مخلوقًا منتهيًا، وإنّما هو اندفاع متحرك لا ينتهي، إنه يولد باستمرار.
ب - رفض الشريعة أو القواعد المسبقة على جميع المستويات.--------------------------------------------
(1) الأعمال الشعرية الكاملة 2/ 361.
(2) الثابت والمتحول 3 - صدمة الحداثة: ص 156.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٧٢)

جـ - الإنسان كائن خلاق، يشارك في الخلق الإلهي، وليس الخلق الشعري إلّا صورة للخلق الكوني بكامله.
د - ليس الشعر مجرد انفعال أو تعقل وإنّما هو رؤيا شاملة للكون وبحث دائم عن المطلق.
هـ - الحداثة انفصال. . . انفصال على مستوى المطابقات بين المرئيّ واللامرئيّ. . .)(1).
ومن هذا النص نستخلص عدة أمور ذات أهمية بالغة في تصور الحداثة مبدأ ومسلكًا وهدفًا:
الأمر الأول: نسبة الأزلية إلى العالم ونفي كونه مخلوقًا للَّه تعالى، وما دام كذلك فهو متجدد تجدد المادة التي لا تفنى ولا تستحدث من العدم حسب المفهوم الإلحاديّ، وما دام الأمر كذلك فليس هناك ثوابت ملطقًا، ومن هذا المبدأ تولد المبدأ الحداثيّ المجمع عليه من سائر أتباع الحداثة حتى الذين يزعمون أنهم يحترمون الدين الإسلامي.
وهذا المبدأ هو: نفي الثبات مطلقًا، والمناداة بالصيرورة والتغير الدائمين.
وقد تفرع على هذا المبدأ الحداثي مبادئ أخرى منها القضاء على فكرة الخلود والثبات، واعتبار أن أي فكرة ثابتة فهي تخلف، ومنها السعي لتغيير كل مطلق ثابت، ومنها اعتقاد أبدية الإبداع.
الأمر الثاني: أن الحداثة بعد أن تأسست على الإلحاد واعتقاد أزلية وأبدية العالم، فهي تسعى إلى هدم الشريعة ورفض نظمها وقواعدها وأصولها ومقتضياتها.
الأمر الثالث: أن الشاعر والإنسان ليسا مخلوقين بل خالقين، وأن الحداثي في عمله الشعريّ ليس سوى خالق بالمعنى الكونيّ لهذه الكلمة،--------------------------------------------
(1) الثابت والمتحول 3 - صدمة الحداثة: ص 156 - 157.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٧٣)

وهذا تأليه للشاعر وتأليه للإنسان، وإعراض عن اللَّه تعالى، واستكبار إلحاديّ على ربوبيته وألوهيته سبحانه وتعالى، واعتبار أن الإنسان يخلق مثل اللَّه، أو يشارك اللَّه في الخلق هو مبدأ حداثيّ يعبرون عنه تارة بهذه العبارة الصريحة في الكفر والإلحاد، وتارة يرمزون لذلك بعبارات "التكوين" و"الإيجاد" و"كونية الشعر والشاعر" ونحو ذلك من الألفاظ.
الأمر الرابع: الحداثة ليست مجرد شعر وأدب وتحديث في الأشكال والأساليب بل هي رؤيا شاملة للكون والحياة والإنسان، وعقيدة شمولية مضادة للتوحيد والإيمان والإسلام والشرع والدين.
الأمر الخامس: الانفصال عن اللَّه وشرعه ودينه، والعقيدة التي جاء بها الإسلام، أو ما عبر عنه أدونيس بالانفصال بين المرئي واللامرئي.
وهذه الأمور التي طبعت الحداثة العربية بطابعها وكستها بكسوتها، هي التي وجهت المضامين الحداثية في دلالاتها التقريرية الواضحة أو في رموزها وإشاراتها، وهي التي صبغت التيار الحداثي بمختلف مدارسه بهذه الصبغة بصورة كلية أو جزئية، حسب جرأة الحداثي على إظهار مكنونات عقيدته أو تستره خلف الغموض والرموز، وقد شرحت خالدة سعيد(1) بعض كلام زوجها أدونيس فقالت: (والكتابة الإبداعية واحد من امتدادات الحضور الإنساني والفعالية التاريخية، لذلك تحتم أن يرى فيها المبدعون الحديثون خاصة لغة لكلية التجربة الإنسانية، ومن هنا كان غياب الأغراض في الشعر مثلًا، إذ صارت القصيدة لحظة كلية، تستوعب الوضعية الإنسانية في شموليتها، وهكذا تطلع الشعر والنص الإبداعي عامة إلى النهوض بالدور الفلسفي والفكريّ والاجتماعيّ، وبالديني أو الأسراريّ "وليس الدين"، وإذا كانت الحداثة -حركة تصدعات وانزياحات معرفية- قيمية فإن واحدًا من أهم الانزياحات وأبلغها هو نقل حقل المقدس والأسراريّ من مجال--------------------------------------------
(1) خالدة سعيد حداثية سورية باطنية الأصل، زوجة الحداثيّ النصيريّ أدونيس، وشارحة أقواله، ومتولية أمر الدعاية له، والمنافحة عنه، تنطوي على عداوة شديدة للإسلام كزوجها.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٧٤)

العلاقات والقيم الدينية والماضوية إلى مجال الإنسان والتجربة والمعيش، وإذا كان جبران يشكل إنجازًا مهمًا على هذا المستوى من حيث إقامة المصالحة بين الغيبيّ والإنسانيّ عبر تداخل الدلالات، واستعارة اللغة المقدسة للزمنيّ، فإن ديوان أغاني مهيار الدمشقيّ قد شكل أول انقلاب بين العالمين ونقل المقدس إلى الحقل الإنسانيّ، ولابد من القول في هذا المجال أن ديوان لن لأنسي الحاج قد أسهم في تجريح المقدس ورفع لواء العصيان البشريّ وإقامة لغة التجديف، غير أن مهيار يصوغ التجديف بلغة تبني الدينية الضدية، وترسم إله الدمار والتفكك وتؤسس لانقلاب القيم ومواقع المقدس.
هذا الانزياح علامة تاريخية كبرى. . . ومن هذا المنظور يمكننا أن نقرأ ديوان أمل دنقل(1) العهد الآتي، فهذا العهد الآتي هو عهد الإنساني، حيث الإنسان هو البدء)(2).
فإذا كانت الحداثة العربية بهذه المثابة فما مرادها من نفي الخلق عن اللَّه وإزاحة المقدس، والمفاخرة بالكفر والتجديف؟ إنها تبحث عن دين آخر غير الإسلام، وتتطلع -تلافيًا للخواء الذي انحطت فيه- إلى إله آخر تتعبد له، أو ما يعبرون عنه بالبحث عن المطلق حسب قول أدونيس: (. . . ليس الشعر مجرد انفعال أو تعقل وإنّما هو رؤيا شاملة للكون وبحث دأئم عن المطلق)(3).--------------------------------------------
(1) أمل دنقل ولد في صعيد مصر عام 1359 هـ/ 1940 في أسرة متدينة ونشأ على ذلك وكان يلقي خطب الجمعة ثم تحول إلى معجب بالماركسية والوجودية رافضًا يقينية الدين الإسلاميّ، متخبطًا في الأوهام والشكوك، عاش متسكعًا في المقاهي، متعاطيًا للخمور والحشيش، مقارفًا للموبقات، كان سليط اللسان، شديد القبح في منظره ومخبره، تشم رائحة الشيوعية منه عن بعد، وشعره مليء بالعقائد الضالة ومنها التهكم باللَّه تعالى والامتداح للشيطان، هلك بالسرطان عام 1402 هـ/ 1982 م. انظر سيرته وعقائده مفصلة في: كتاب الجنوبي لزوجته عبلة الروينيّ.
(2) قضايا وشهادات 3 شتاء 1991 م الموافق 1411 هـ: ص 84.
(3) الثابت والمتحول 3/ 157.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٧٥)

فما هو المطلق الذي وصلوا إليه؟.
يجيب أحدهم على هذا الأمر فيقول: (إن الوضعية المنطقية(1) التي هي الظل الفلسفيّ لكل تيارات الحداثة تتخلى في الوعي الحداثويّ العربيّ عن المنطق، ليبقى الوضع بمثابة المطلق الوحيد. . .)(2).
وهذا الادعاء الإلحاديّ في كون الوضعية أو الحداثة هي المطلق الوحيد، هو انجرار في نفس المجرى وانسياق في المسار الإلحاديّ القائم على جحد وجود اللَّه تعالى ونسبة الأبدية للمخلوق من الأعيان كالشاعر والإنسان والطبيعة والمادة، أو المعاني كالشعر والإبداع والحداثة والفكر ونحو ذلك، وهي قضية طالما دندن سدنة الحداثة والعلمانية حولها، فها هو محمد جمال باروت يتحدث في مقال بعنوان "تجربة الحداثة ومفهومها في مجلة شعر" فيقول: (العلمنة في معناها العميق انعطاف من الإله إلى الإنسان، ومن مملكة العرب إلى مملكة الإنسان، وبذلك لم يعد الإنسان يرى العالم نتاج "نظام إلهي أبدي"(3) بل "وجد نفسه أمام نظام من صنع يديه لا استئناف لأحكامه إلى سلطة عليا"(4) من هنا تغيرت نظرة الإنسان إلى العالم "تغيرًا جذريًا"(5) فـ "لا شيء محرم على العقل"(6) فـ "عوض عالم مستقر آمن قائم على قواعد ثابتة لا تتزعزع وجد الإنسان نفسه شيئًا فشيئًا في عالم لا قواعد ثابتة له، عالم على ساكنيه أن يعيدوا بناءه بأيديهم وعلى صورتهم ومثالهم، هكذا أصبح الإنسان أكثر من أي وقت مضى مقياس كل شيء"(7). . .)(8).
ثم يضيف مستشهدًا بكلام بعض الفلاسفة الغربيين قائلًا: (تصبح--------------------------------------------
(1) سبق تعريفها ص 110.
(2) قضايا وشهادات 2 صيف 1990 م الموافق 1410 هـ. مقال لعبد الرزاق عيد: ص 293.
(3) و(4) و(5) و(6) و(7) يشير باروت في الهامش إلى أن هذه العبارات منقولة عن الخال في مقال بعنوان "نحو أدب عربيّ حديث"، مجلة أدب - المجلد الثاني - العدد الأول شتاء 1963 م الموافق 1382 هـ: ص 9.
(8) قضايا وشهادات 2 صيف 1990 م: ص 258 من مقال لمحمد جمال باروت بعنوان "تجربة الحداثة".

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٧٦)

الحداثة في هذا السياق وبما هي "نظرة إلى الوجود" أو "عقلية" حسب تعبير الخال. . . أو نظامًا معرفيًا يجد مرجعه في "النزعة الإنسانية الطبيعية" أو "العلمية". . . -ثم يوجز هذه النزعة الإنسانية بكلام لأحد الغربيين-: (بأن الإنسان لا يحيا إلّا حياة واحدة، ولا تحتاج إلى ضمان أو دعامة من مصادر عالية على الطبيعة، وأن العالي على الطبيعة الذي يتصور عادة في شكل آلهة سماوية أو جنات مقيمة، ليس موجودًا على أية حال، ففلسفة النزعة الإنسانية تسعى على الدوام إلى تفكير الناس بأن مقرهم الوحيد هو هذه الحياة الدنيا، فلا جدوى من بحثنا في غيرها عن السعادة وتحقيق الذات، إذ ليس ثمة مكان غيرها نقصده، ولابد لنا نحن البشر من أن نجد مصيرنا وأرضنا الموعودة في عالمنا هذا الذي نعيش فيه، وإلّا فلن نجدهما على الإطلاق)(1).
بهذا المعنى فإن "المجتمع الحديث" الذي يعنيه الخال هو المجتمع الذي يقوم على "النظرة الإنسانية الطبيعية"(2) التي تؤدي إلى "مجتمع قائم على نظرة حديثة للحياة على العلم والتكنولوجيا"(3) على حد تعبير الخال. . . .
ويعبر الخال عن هذه الإشكالية بقوله: (وإذا فقد الإنسان سندًا له في نظام إلهي أبديّ يرئسه(4) إله عادل رحيم يحميه ويكافئه هنا أو في السموات، وجد نفسه أمام نظام من صنع يديه لا استئناف لأحكامه إلى "سلطة عليا"(5)، وبذلك يصبح "الإنسان مصدر القيم لا الآلهة"(6) على--------------------------------------------
(1) يشير باروت إلى أنه نقل هذا النص الإلحاديّ عن لامونت حسب ما أورده هنترميد.
(2) المقصود بالنظرة الإنسانية الطبيعية، الفلسفة التي سبق ذكرها وهي فلسفة تؤله الإنسان والطبيعة وتنفي كل شيء خارج الطبيعة.
(3) يشير باروت في الهامش إلى أن هذه العبارات منقولة عن الخال في مقال بعنوان "نحو أدب عربي حديث"، مجلة أدب - المجلد الثاني - العدد الأول شتاء 1963 م: ص 9.
(4) هكذا والصواب: يرأسه.
(5) و(6) (ينقل باروت هذا النص عن الخال من المقال المشار إلى موضعه في هامش سابقًا بعنوان "نحو أدب عربيّ حديث": ص 10.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٧٧)