Arabic source text

📘 আল-ইনহিরাফুল আকিদি ফী আদাবিল হাদাসা ওয়া ফিকরিহা (সাঈদ বিন নাসির আল-গামদী)

📘 الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها (سعيد بن ناصر الغامدي)

📘 আল-ইনহিরাফুল আকিদি ফী আদাবিল হাদাসা ওয়া ফিকরিহা (সাঈদ বিন নাসির আল-গামদী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وقد اعترف بعضهم بالسذاجة لهذه التبعية العمياء للغرب، فقال: (لقد كان التحديث -ويا لسذاجتنا نحن التقدميين- شعارًا شافًا وأحيانًا شفافًا لإنجاز التبعية الكاملة للغرب. . . وكلما ازدادت هذه الحداثات وكلما كانت حداثتها أحدث، ازددنا تبعية للرأسمالية العالمية. . . إن الحداثة في مثل هذه البلاد ليست ظل الثورة الممكنة والمضاعة فقط، بل إنها عنصر قمع وتطويق لأي إمكانية ثورية لم يخنقها القنوط بعد، هذه الحداثة هي أداة للاستبداد وامتداد له، وهي أيضًا أداة للآخر المستعمر الملحد الماديّ وامتداد له. . .)(1).
وهذا الاعتراف الخطير من أحد أعلام الحداثة المنافحين عنها والمقاتلين في سبيلها، يؤكد ما سبق ذكره من أن الحداثة العربية ليست إلّا نسخة مترجمة عن الحداثة المادية الغربية الملحدة، ثم نسمع بعد ذلك كيف ترتفع عقائر هؤلاء في مدافعة هزلية عن أنفسهم ومذاهبهم الباطلة التي لم يكن لهم فيها أي دور إلّا دور الذبابة الناقلة للجراثيم.
ومما لا مجال للريب فيه أنهم ينظرون إلى الحداثة على اعتبار أنها نظرية شاملة ومنظومة متكاملة (لا تخص الشعر وحده بل تشمل مختلف حقول النشاط الإنسانيّ)(2)، ويعتبرون الغرب هو المحضن الأساسي والمرجع الحضاريّ والعقديّ لفكرة الحداثة.
وإذا أخذنا يوسف الخال(3) -وهو نصراني لبناني- نموذجًا لهذا--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 2 صيف 1990 م: ص 22 من مقال لسعد اللَّه ونوس بعنوان (الحداثة والتحديث).
(2) الحداثة في الشعر، ليوسف الخال: ص 17، دار الطليعة بيروت - الطبعة الأولى 1398 هـ/ 1978 م.
(3) يوسف الخال ولد في قرية عمار الحصن في وادي النصارى غرب سوريا عام 1338 هـ/ 1920، وتعلم الفلسفة في الجامعة الأمريكية ببيروت، هاجر إلى أمريكا وسكن نيويورك، ثم عاد إلى لبنان وفتح دارًا للنشر سماها دار "مجلة شعر" وبعد عودته من أمريكا بسنتين وذلك في عام 1376 هـ/ 1957 م أصدر بيان الشعر الذي اعتبره الحداثيون العلامة البعيدة لوعي مغاير، وكانت مجلة شعر تمول من قبل منظمة =

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٩٨)

الاتجاه الاتباعيّ للغرب، وهو مؤسس كبير من مؤسسي الحداثة في البلاد العربية فإنا نجده كما قال عنه الحداثي الآخر محمد جمال باروت (ينظر الخال إلى "الحداثة" عبر "الغرب اللبراليّ" إذ يحضر الغرب في هذه النظر بوصفه عالميًا كونيًا شاملًا، ويعود ذلك بالنسبة للخال إلى أن "الغرب" نتاج العقل الذي يتميز بكونية وشمولية قوانينه. . .)(1).
ثم ينقل باروت نصًا ليوسف الخال يؤكد هذه النظرة الارتمائية وفيه يقول: (الحضارة الغربية هي حضارتنا نحن بقدر ما هي حضارة الفرنسيّ والألمانيّ والروسيّ. . . إلخ، ونحن لا قيمة لنا في العالم العربي إن بقينا خارجها، ولم نتبنها من جديد ونتفاعل ونفعل بها أن هذه الحضارة هي نحن بقدر ما هي هم)(2).
وفي الحقيقة أن هذه النظرة التي صرح بها الخال وكان جريئًا في طرحها هي النظرة نفسها التي ارتمى فيها معظم الحداثيين، والفرق أنه صرح وبعضهم يلمح، في حين أنهم أجمعين يرون جوهر النهضة هو في الغرب فكرًا وعقيدة وسلوكًا ونظمًا ومذاهبًا، وفي قراءتي المتنوعة لأدب الحداثة وفكرها لم أجد من خرج منهم عن هذه النظرة، وإن كان بعضهم ينتقد المسارعة في الارتماء، والإغراق في التصريح بذلك، غير أن الجميع عن منهل واحد يرجعون بكل ما في هذا المنهل من أخلاط وأوشاب، وحول موائد الغرب يطوفون في ذلة وخضوع.
وليس هذا الذي يقوله الحداثيون اليوم إلّا ثمرة لبذور قديمة بثها من--------------------------------------------
= تابعة للمخابرات الأمريكية وقامت هذه المجلة وأصحابها وعلى رأسهم الخال وأدونيس وأنسي الحاج بدور كبير في ترسيخ الانحرافات العقدية والسياسية والاجتماعية، وكانوا يحملون حقدًا شديدًا على الإسلام واللغة العربية، وينادون بإلحاق بلاد العرب بالغرب، كما أن يوسف الخال لم يتخل عن نصرانيته، هلك وما زال أتباعه يقتفون أثره ومنهم رياض نجيب الريس صاحب مجلة الناقد. انظر: تاريخ الشعر العربي الحديث ص 307، ورأيهم في الإسلام: ص 23، وأسئلة الشعر: ص 147.
(1) قضايا وشهادات 2 صيف 1990/ الموافق 1410 هـ: ص 254.
(2) المصدر نفسه: ص 255، والنص مأخوذ من شعر عدد 15: ص 138 - 139.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٩٩)

قبل طه حسين(1) ولطفي السيد(2)، القائل في جريدة "الجريدة" التي كان يصدرها في مصر إبان الاحتلال الإنجليزي: (إن الإنجليز هم أولياء أمورنا في الوقت الحاضر، ولا ينبغي أن نحاربهم ونقاومهم، إنّما واجبنا أن نتعلم منهم، ثم نتفاهم معهم بعد ذلك تصفية ما بيننا من خلافات)(3).
وهو المعنى نفسه الذي دعا إليه طه حسين في كتابه مستقبل الثقافة في مصر فالطريق عنده (واحدة فذة ليس لها تعدد، وهي أن نسير مسيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم؛ لنكون لهم أندادًا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة خيرها وشرها حلوها ومرها وما يجب منها وما يكره. . . ومن زعم لنا غير ذلك فهو خادع أو مخدوع)(4).
ويشير أحد الحداثيين إلى هذه التهمة الموجه إلى طه حسين وإلى غيره من الحداثيين بشيء من التفصيل النظريّ التسامحيّ التبريريّ فيقول: (ومن التهم التي رددها رشيد رضا(5). . . . . .--------------------------------------------
(1) الكاتب والمفكر العلمانيّ المشهور، تخرج من الجامعة المصرية ثم درس في السوربون في باريس حيث عاد بالمناهج الغربية ليقوم ببثها في بلاد المسلمين، تولى عمادة كلية آداب القاهرة، ثم وزارة التعليم، ألف كتبًا عديدة من أشهرها "مستقبل الثقافة في مصر" الذي نفى فيه أن تكون مصر جزءًا من البلاد العربية بل هي عنده جزء من أوروبا، وكتابه في "الشعر الجاهلي" الذي أثار ضجة كبيرة، ورد عليه جملة من المسلمين، عرف عنه شغفه باليونان وبالحياة الغربية وسعيه الشديد في إلحاق بلاد المسلمين بالغرب، توفي في القاهرة سنة 1393 هـ. أنظر: الأعلام 3/ 231.
(2) حقوقي وكاتب صحافي وسياسيّ مصريّ، ولد سنة 1288 هـ/ 1872 م، اشتهر بلقب أستاذ الجيل، شغل رئاسة مجمع اللغة العربية في القاهرة، وقبل ذلك رئاسة الجامعة المصرية، من أوائل دعاة التغريب وطلائع شداة العلمانية. انظر: الصراع بين القديم والجديد 2/ 1252.
(3) نقلًا عن كتاب واقعنا المعاصر لمحمد قطب: ص 307.
(4) مستقبل الثقافة في مصر: ص 54، نقلًا عن مقال لبها طاهر بعنوان صورة الغرب في أدب طه حسين في كتاب قضايا وشهادات 1/ 181، وهو مقال مسخر للدفاع عن طه حسين وهذا الطرح المهين وأمثاله.
(5) هو: محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين القلموني البغدادي الأصل الحسيني النسب، ولد سنة 1282 هـ، وتوفي سنة 1354 هـ، صاحب مجلة المنار، =

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٠٠)

ومصطفى صادق الرافعي(1) بتبعية طه حسين للغرب، وأنا لا أبريه من شيء من ذلك لا سيما في شبابه، وهو كداعية حداثة لابد أن يتأثر بالثقافة الغربية ويضعها في مركز القدوة، ولا إشكال في ذلك، لولا أن الكثير من الحداثيين لا يفرقون بين الثقافة الغربية والايديولوجيا الغربية، بين المثقف الغربيّ بنزعته العلمية وأفقه الإنسانيّ الحضاريّ الواسع، وبين المؤدلج الغربيّ الملحق بماكينة الاستعمار،. . . ولم يكن لطه حسين من الوعي السياسيّ ما يمكنه من إدراك هذا الفرق الدقيق بين الايديولوجيا والثقافة في الموقف من أوروبا، ومما يعقد الحال انتماؤه في ذلك الوقت إلى حزب الأحرار الدستوريين وهو حزب موالٍ للإنجليز كان يضم في نفس الوقت عدد(2) من المثقفين العصريين ممن تعذر عليهم أن يفهموا طبيعة الاستعمار وأهداف الإنجليز في مصر بسبب تعلقهم الساذج بالثقافة الغربية)(3).
وعلى الرغم مما في هذا النص من مغالطات واضحة، إلّا أن المهم فيه إثبات ما سبق ذكره من أن التبعية الثقافية لدى تلامذة الغرب ليست فقط في المجال الثقافيّ أو النظريّ، بل كان حتى في الجانب الاعتقاديّ--------------------------------------------
= انتقل من القلمون من أعمال طرابلس الشام إلى مصر سنة 1315 هـ، ولازم محمد عبده وتتلمذ عليه، بث آراءًا إصلاحية وأصبح مرجع الفتيا، واهتم بالتوفيق بين الشريعة والأوضاع العصرية، ألف تفسيرًا للقرآن ولم يكمله والوحي المحمدي وغيرهما. انظر: الأعلام 6/ 126.
(1) هو: مصطفى صادق بن عبدالرزاق بن سعيد بن أحمد الرافعي، أديب العربية غير منازع، ورأس بلغاء العصر، ومقدم المنافحين عن الإسلام إزاء المنحرفين من الأدباء والكتاب، ولد سنة 1298 هـ/ 1880 م لأسرة مشهورة بالقضاء في مصر، وأصله من طرابلس الشام، شاعر وناثر ونثره أجود من شعره، له مواقف قوية ضد طه حسين وأعداء اللغة والدين، على هنات في بعض كتاباته وسلوكياته، إلّا أنه كان لا يساوم على مبدأ الدين ولا على قضية اللغة العربية، له كتب كثيرة شهيرة كلها تدل على طول باع في اللغة وقدرة عالية على جودة الإنشاء، توفي رحمه الله سنة 1356 هـ. انظر: الأعلام 7/ 235، وتاريخ الشعر العربي الحديث: ص 104.
(2) هكذا والصواب: في الوقت نفسه، وعددًا بالنصب.
(3) من مقال بعنوان (طه حسين والتعصب الديني) قضايا وشهادات 1/ 330 لهادي العلوي.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٠١)

"الايديولوجيّ"(1) حسب تعبير النص السابق، بل وحتى في الجانب العمليّ السياسيّ، وذلك من طبائع الأمور، فإن من اعتقد عقيدة قوم فلابد أن يحبهم ويجلهم ويعظمهم ويواليهم، وينتمي إليهم عضويًا في السياسة والعمل والنظام، وهذا ما حدث فعلًا عند أتباع الغرب من أبناء المسلمين، فها هو الطهطاوي ركيزة الانطراح الأول والتبعية الأولى كان (إبان احتال الجزائر يقيم في فرنسا، ولم يعتقد أن هناك معنى للقول بأن أوروبا خطر سياسيّ، ذلك أن فرنسا وأوروبا لم تسعيا في نظره وراء القوة السياسية والتوسع بل وراء العلم والتقدم الماديّ. . . فكتب عنها بإعجاب. . . وحين احتلت الجزائر كان الطهطاوي هناك، فلم ينل الحدث إهتمامه وأوجز رؤيته لاحتلال الجزائر بالقول: إن الحرب بين الفرنساوية وأهالي الجزائر إنّما هو مجرد أمور سياسية ومشاحنات تجارات ومعاملات ومشاجرات ومجادلات منشؤها التكبر والتعاظم(2)،
وأغرب ما في الأمر أن بعض الحداثيين الذين أحسوا بفضاعة الارتماء في أحضان الغرب وخطورة الذوبان وانطماس الهوية الذاتية مع شعورهم هذا وتوصيفهم لهذه المشكلة يصرون أيضًا -في الوقت ذاته- على ضرورة الأخذ عن الغرب، ويهاجمون بشدة ما يسمونه التيار التقليدي السلفيّ، فها هو أحدهم يقول: (إن الاقتحام الاحتلالي للغرب بنظامه الرأسماليّ يفترض تقويض الأبنية من فكرية وسلوكية ومعمارية، ويفترض تهميشًا للوجود الذي تم اقتحامه واكتشافه والتعرف عليه، وسينسب هذا الوجود منذ ذلك الحين بكل ظواهره إلى المركز الغربيّ، وسيمتد معقوليته أو عدم معقوليته من وجهة نظر هذا المركز لا من تركيب داخلي لتاريخه الخاص، لقد انتهك--------------------------------------------
(1) الايديولوجي نسبة إلى الايديولوجيا، وهي الأحكام والاعتقادات الخاصة بمجتمع ما في لحظة ما، وهي نظام يمتلك منطقه وصرامته ومعاييره وأحكامه، وعلم الايديولوجيا هو علم الأفكار وموضوعه دراسة الأفكار والمعاني وخصائصها وقوانينها والبحث عن أصولها. انظر: المعجم الفلسفي: ص 29، والمفاهيم والألفاظ في الفلسفة الحديثة: ص 113، ومعجم المصطلحات الأدبية المعاصرة: ص 41.
(2) بحثًا عن الحداثة، لمحمد الأسعد: ص 106.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٠٢)

تاريخه وأعيد تركيبه ليلائم حاجات المشروع الاقتحاميّ، وهنا سيتحقق شيء ظل خافيًا أمدًا طويلًا على أذهان المقاومين العرب من إحيائيين وليبراليين ودعاة تقنية، وهو أن الغرب لم تكن وجهته أن يركّب الوجود العربيّ على غرار صورته، وإنما أن يخلق تركيبًا جديدًا. . . إن طموحه هو أن يقيم عالمًا ثالثًا، عالمًا آخر هو غير الغرب وغير الشرق في آن واحد، ومعنى ذلك تأسيس شروط هوية جديدة للجسد المستعمر، هي من صنع هذا الغرب ذاته ولكنها ليست هو. . .)(1).
وهذا الكاتب نفسه يقول في موضع آخر من كتابه عن أسباب النهضة ومقوماتها وأنها (تتمحور حول انفصال لا يقبل الجدل بين قيمتين: القيمة الروحية والقيمة العلمية، أو القيم الايديولوجية والقيم التقنية، فأتيح بهذا الانفصال للمصلح النهضويّ المجال لكي يتحدث عن أسباب التقدم الصناعيّ والتحديث)(2).
فهذا القول ليس إلّا تقمصًا مزريًا وتقليدًا مكشوفًا للغرب في عقيدته اللادينية التي تفصل الدين عن الدنيا والتحضر والنظم، ولهذا نجد هذا الكاتب يثرب على المسلمين الملتزمين بدينهم تفسيرهم الدينيّ للتخلف والتقدم، ويعتبر ذلك تفسيرًا خارجًا عن المشكلة(3)، بل لقد اعتبر الإيمان بالقدر خرافة(4)، والغيبيات من آليات الثقافة الخرافية(5)، وأن أساسيات الثقافة الموروثة تقف أمام التحرر وتؤدي إلى افتقاد الإنسان حريته وهذه الأساسيات هي اللَّه تعالى والقدر والنظام الإسلامي والحاكم بهذا النظام، والوحي المنزل من اللَّه(6)، إلى آخر أقاويله الفاسدة.
فإذا كان هذا هو حال من تكشّف له الانحراف الارتمائيّ في أحضان--------------------------------------------
(1) المصدر السابق: ص 128.
(2) المصدر السابق: ص 11.
(3) انظر: بحثًا عن الحداثة: ص 63.
(4) انظر: بحثًا عن الحداثة: ص 66.
(5) و(6) انظر: المصدر السابق: ص 66 - 67.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٠٣)

الغرب، وهو مع ذلك يردد عقائد الغرب وأفكار الغرب وينادي بالإلحاد ويعتبر يقينيات الدين خرافة، فما بالك بمن ارتمى وهو متشبع بمحبة الغرب ومنجذب إلى كل شيء فيه ببلاهة عمياء؟! لابد أنه سيقول ما قاله يوسف الخال في قصيدة بعنوان شعاع ويقصد به الغرب:
(بزغت فكان أروع ما تجلى
على لبنان من أمدٍ وهلَّا
يعيد إلى ربانا الغرب كهلَّا
يعلمنا - وعلمناه طفلا
فبدد عن شواطئنا الليالي
وعاد بنا على الدنيا مطلا
شعاع الغرب أين وطأت سهلًا
وأين نزلت في لبنان أهلا
شعاع الغرب أي شعاع خير
له في كل جارحة مصلى
مددت يدًا نصافحها وفاءً
فأنت أحق من يوفي وأولى)(1).
وعلى هذا النحو من التبجيل للغرب والارتماء الواله به وبما لديه سارت قوافل الأتباع تحاكي وتنقل إلى بلاد المسلمين فضائح انحطاطها وعبوديتها للغرب، إلى حد أنهم زعموا أنه لا يوجد شيء اسمه الغزو الفكريّ، وبعضهم يقر بوجود غزوِ ولكنه يقول: (يجب ألّا نقاوم أي غزو ثقافي أكان أمريكيًا أو حتى إسرائيليًا)(2).--------------------------------------------
(1) الأعمال الشعرية الكاملة ليوسف الخال: ص 86 - 88، وهي أبيات من ذات الشطرين ولكنها في ديوانه مطبوعة على هيئة شعر التفعيلة.
(2) القائل يوسف إدريس في كتاب رأيهم في الإسلام: ص 96.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٠٤)

وفي سبيل تسويغ الأخذ عن الغرب تجري شبهات التبرير المتعددة، والتي منها على سبيل المثال لا الحصر: المزج بين التقنية والفكر، والقول بأننا إذا أخذنا التقنية الغربية وجب علينا أن نأخذ معها العقائد والأفكار، وهذا ما يؤكده كثير من الحداثيين، ومن ذلك -مثلًا- قول أدونيس(1): (إننا اليوم نمارس الحداثة الغربية على مستوى تحسين الحياة اليومية ووسائله، لكننا نرفضها على مستوى تحسين الفكر والعقل، ووسائل هذا التحسين، أي أننا نأخذ المنجزات ونرفض المبادئ العقلية التي أدت إلى ابتكارها، إنه التلفيق الذي ينخر الإنسان العربي من الداخل)(2).
ولست هنا بصدد الرد على هذه المغالطة الواضحة في الخلط بين التقنية والعقائد، ولكن فلننظر ما الذي أخذه أدونيس وسائر الحداثيين من الغرب فيما يخص ما نحن بصدده في هذا الفصل وهو توحيد الربوبية.
لقد قام الفكر الغربي الحديث في جانب كبير منه على إنكار وجود اللَّه سبحانه وتعالى، وخضوعًا لمذاهب فلسفية تقدس الحس وتعلي شأنه--------------------------------------------
(1) أدونيس، علي أحمد سعيد أسبر النصيريّ الباطنيّ الملحد، ولد سنة 1349 هـ/ 1930 م في جبال العلويين في سوريا، تسمى بأدونيس نسبة إلى وثن الخصب اليونانيّ، سماه بذلك أنطون سعادة زعيم الحزب القوميّ السوريّ، الذي كان أدونيس أحد أعضائه، شارك في تأسيس مجلة شعر، ورأس تحريرها ثم أسس مجلة مواقف، عمل أستاذًا للأدب العربي في الجامعة اللبنانية، وما زال، نال شهادة الدكتوراه من جامعة القديس يوسف في بيروت، وكانت أطروحته بعنوان "الثابت والمتحول" وهو تلمود الحداثة، اهتم فيه بتهديم الدين الإسلاميّ واللغة العربية، يعتبر أدونيس أستاذًا للحداثيين وقدوة لهم، وكبيرًا من كبرائهم، يحتذون أثره، ويتبعونه في تقديس وإجلال كبيرين، عقيدته خليط من أصله النصيريّ، وحاله الماديّ الإلحاديّ، مغرم بكل عدو للإسلام، ومبغض بحقد طافح لدين اللَّه وكل ما يتعلق به من قضايا، مجاهر بذلك غير مستتر به، ويرى أن الحداثة لا تقوم إلّا على هذه الأسس وهو باختصار أكبر طواغيت هذا الزمن، وأشهر عتاة الإلحاد وأظهر عداة الدين والإيمان، وقد انتحل مجموعة من الأعمال الغربية ونسبها لنفسه. انظر: تاريخ الشعر العربي الحديث: ص 698، والإسلام والحداثة: ص 415، ورأيهم في الإسلام: ص 31، والصراع بيت القديم والجديد: 2/ 1233، وأدونيس منتحلًا لكاظم جهاد.
(2) الثابت والمتحول 3/ 268.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٠٥)

وتقدمه على كل المعارف اليقينية العقلية والمعنوية، بل إن بعضها يلغي تمامًا أي شيء عدا المعرفة الحسية الظاهرية المنقولة بالحواس الخمس، أمّا ملكات العقل وضروراته ولوازمه ومعطياته فإنهم يؤمنون منها بما يخدم المذهب الحسيّ الظاهريّ مثل قدرة العقل على تسجيل الظواهر وخزنها في الذاكرة واختبارها بالتجربة ونحو ذلك، وما عدا ذلك -وهو كثير- لا يوقنون به، مع أن (المعرفة البشرية:
1 - معرفة اضطرارية لا تفتقر إلى برهان، ولها ثلاثة مصادر: الحس، وأوائل العقل التي لا تفتقر إلى الحس، والإلهام.
2 - ومعرفة تكتسب بالبرهان، وهذه مصدرها الحس وأوائل التمييز؛ لأنها تستمد برهانها منهما أو من أحدهما، وهذه المعرفة يتوصل إليها بالبرهان وهو شاهدة الأثر والاستدلال به، مع ضرورة صدق الناقل، وهي على قسمين من جهة الحكم والتصديق عقلية وهي ما أقنع العقل من حس وخبر واستدلال، وغير عقلية وهي ما لم يقنع العقل من حس خاطئ وشرع مدسوس، وإشراقة كاذبة)(1).
والماديون والملاحدة ينكرون الأديان ووجود اللَّه تعالى والكتب المنزلة مع أن إثباتها ضرورة عقلية اضطرارية ونفيها سفسطة، ويوجد من معارفهم ما يناقض دعاواهم الإلحادية، (فإن الماديين من التجريبيين والوضعيين الذين يقولون لا نؤمن بإله غير منظور ولا ملموس ولا مذوق إلى آخر كلامهم محجوجون: بأن الأثير يملأ الفضاء ويبلغنا الضياء ويحمل الأصوات من وراء الجدار وهو غير ملموس ولا منظور ولا مذوق ولا مشموم ولا مسموع والمادة غير محسوسة، وكذلك الموت والروح كل ذلك غير محسوس بالحواس الخمس ومع هذا فلم تهدر حقيقتها، وإن من ينكر حقيقة ما ذكرنا علمًا ضروريًا، ونقول لهؤلاء: ما أدركتموه هل له حقيقة أم لا؟ فإن قالوا: له حقيقة نقضوا أصلهم إذ آمنوا بما لم تدركه حواسهم، وإن قالوا: لا حقيقة--------------------------------------------
(1) لن تلحد، لأبي عبد الرحمن الظاهري: ص 33 - 34 بتصرف يسير.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٠٦)

له كذبوا إذ بينت حواسهم أن له حقيقة)(1).
أصبح الإلحاد ظاهرة مرضية منتشرة بين الناس، وخاصة بعد أن قامت دول بتبنيه وتعليمه ونشره والدعاية له والقتال من أجله مثل دولة الاتحاد السوفيتي البائدة، ومن سار في فلكها من دول شرق أوروبا، ومخيرها من دول ما يسمى بالعالم الثالث، ودولة الصين والمنظمات والأحزاب الشيوعية التابعة لكل من السوفييت والصين، أمّا في أوروبا الغربية وأمريكا فإن الإلحاد يتمثل في مدارس فكرية ومناهج فلسفية ومذاهب أدبية وفلاسفة ومفكرين، وكتاب وإعلاميين، وكثير من المثقفين الذين تأثروا بظاهرة الإلحاد الوبائية التي ساعد في انتشارها الإعلام بأجهزته المختلفة، من خلال الترويج لأفكار الملاحدة وإعطائهم بريقًا وجاذبية، وإضفاء صفات الإجلال والإكبار عليهم وإلباس أقاويلهم الباطلة سرابيل الحقائق العلمية والبراهين العقلية دجلًا وخداعًا، في مجتمعات يشكل الإعلام فيها عقليات الناس تشكيلًا عجيبًا، وهكذا سقطت أوروبا النصرانية في معظم بلدانها في شرك الإلحاد باسم العقلانية والعلمانية، وساعد في ذلك قوة وإحكام المكر اليهودي الذي وصف اللَّه أصحابه بأنهم {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا}(2).
إضافة إلى ما سبق ذكره من أسباب جاءت من جهة فساد الكنيسة واستجدادها، وطغيان رجال الدين النصراني وانحرافهم في العلم والعمل والسلوك.
ومع توجه العالم الأوروبيّ وتحركهم ضد العالم الإسلامي في عمليات الاستلاب والانتهاك للمسلمين عسكريًا وسياسيًا وفكريًا، ركزوا جهودهم لسلخ المسلمين عن دينهم، وإبعادهم عن عقيدتهم تحت شعارات التحرر والتحديث والعقلنة والتمدن والحضارة، واستطاعوا أن يجدوا من أبناء المسلمين من يؤمن بالإلحاد وينادي بالكفر، ورأى الغرب في هؤلاء خير وسيلة لمحاربة المسلمين ودينهم بأقوام من بني جلدتهم ويتكلمون بألسنتهم،--------------------------------------------
(1) المصدر السابق: ص 58 - 99.
(2) الآية 64 من سورة المائدة.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٠٧)

أذلة على الكافرين أشداء على المسلمين، عقولهم مسترقة، وأفئدتهم مستعبدة، وأفكارهم مستوردة، أطوع في أيدي الأعداء من الأجهزة المبرمجة، وأسرع في تنفيذ مخططاتهم، وأكثر تلونًا ومكرًا وكيدًا لأمة الإسلام من الأعداء الأصليين.
الحداثيون الملاحدة -محل البحث هنا- أكبر مثال على هذا، وعند التأمل في أقوالهم واعتقاداتهم لا نجد أنهم بارحوا أئمة المادية الإلحادية، وإذا أردنا بحق أن نعرف خلفيات الانحرافات الاعتقادية والفكرية والسلوكية عند هؤلاء فإننا لابد أن نطلع على المذاهب والعقائد والفلسفات الغربية لنجد أن أتباعهم من أبناء المسلمين ليسوا إلّا مسخًا عربيًا لأئمة الانحرافات الغربية.
فمثلًا في قضية وجود اللَّه -جل وعلا- وربوبيته تعالى لا يخرج ملاحدة الحداثة العربية عن دائرة المذاهب الشكية(1) واللاأدرية(2) والمادية(3)--------------------------------------------
(1) الشكيّة: تصور فلسفيّ قريب من اللاأدرية، والشكية كعقيدة فلسفية انبعثت خلال أزمة المجتمع القديم. . . وكانت هناك اتجاهات شكية مختلفة في الفلسفة الغربية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وبصفة عامة لعبت النزعة الشكية دورًا هامًا في دحض العقائد القطعية. . .، ومن ثم مهدت الأرض لاعتناق المادية.
والشكية الريبية الحديثة (المذهب الوضعي والمذهب العلمانيّ) تتمثل في التصديق بما تنقله الحواس، وفي إثبات حقيقة العالم الماديّ لا غير، وفي الشك في وجود اللَّه. انظر: الموسوعة الفلسفية من وضع لجنة من الأكاديميين السوفييت، ترجمة: سمير كرم: ص 264، ومعجم المصطلحات والشواهد الفلسفية لجلال الدين سعيد: ص 258 - 260، والموسوعة الفلسفية للحنفي: ص 433 - 434.
(2) اللاأدرية: مذهب فلسفي مشتق من كلمة لا أدري، ويسمى اللاعرفانية، ويقوم على الإنكار الكلي أو الجزئي لإمكان معرفة حقيقة الأشياء أو البت في المسائل الماورائية كوجود اللَّه ونهاية الكون، وظهرت هذه النزعة مع بيرون والسوفسطائيين، واللاأدرية بمعناها العام هي وجهة النظر التي تنكر إمكان التأكد من وجود اللَّه تعالى، ويقولون بأن إثبات وجود اللَّه تعالى أو إنكاره مستحيل، يعتبر الإنجليزي توماس هكسلي 1240 هـ - 1312 هـ/ 1825 م - 1895 م أول من صاغ أصطلاحات اللاأدرية، واستُخدم هذا المذهب بشكل واسع في فلسفة القرن التاسع عشر. انظر: معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية ص 387، والموسوعة الفلسفية لجماعة من علماء السوفييت: ص 402، والموسوعة الفلسفية لعبد المنعم الحنفي: ص 390، 426.
(3) المادية: اتجاه فلسفيّ وضعيّ يقرر بأن لا وجود لأي جوهر غير المادة، فجميع =

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٠٨)

بجوانبها العديدة وأوجهها المتنوعة: المادية الاقتصادية(1)، والمادية التاريخية(2)، والمادية الجدلية(3)، وكل ما انبثق عن هذه الشجرة--------------------------------------------
= الظواهر النفسية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية إنّما يفسرها الوجود الماديّ، ويتضمن المذهب الماديّ أن هذا العالم أبديّ، وأنه لا محدود في الزمان والمكان، والمادية تذهب إلى أن الوعي نتاج للمادة وانعكاس للعالم الخارجيّ، ظهرت المادية في عدة مدارس وفلسفات وتوجهات في الغرب منذ ما يسمى عصر النهضة ثم تطورت المادية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، واحتلت الفلسفة المادية الفرنسية الدور الأكبر على يد لامتري وديدرو وهلفيتوس وهولباخ، والتزموا بالمفهوم الآليّ للحركة على اعتبار أنها صفة كلية غير قابلة للتعبير، وكانت الرابطة العضوية قائمة بين كل أنواع المادية والإلحادية وبلغت الذروة في فلسفة فيورباخ القائلة بالمذهب الطبيعي ثم وصلت أقصى حد لها في المادية الماركسية المادية الجدلية القائمة على الإلحاد وجحد وجود اللَّه تعالى. انظر: معجم المصطلحات: ص 405، والموسوعة الفسلفية: ص 429 - 431.
(1) المادية الاقتصادية: فرع من الفلسفية المادية، ويقوم على اعتبار الاقتصاد القوة الوحيدة في التطور الاجتماعي، وتعتبر الماركسية أظهر أنصار المادية الاقتصادية. انظر: الموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص 431.
(2) المادية التاريخية: فلسفة التاريخ التي تقول بها الماركسية، وهي جانب تطبيقي للمادية الجدلية في مجال دراسة المجتمعات، وترد حركة التاريخ إلى تطور قوى وعلاقات الإنتاج في المجتمع وتاريخ التطور الاجتماعيّ هو تاريخ الإنتاج الماديّ، وتاريخ منتجي الحوائج المادية وتاريخ الجماهير العاملة، والمادية التاريخية جزء مكون للفلسفة الماركسية اللينينية، ويعتبرونه العلم الذي يدرس القوانين العامة للتطور الاجتماعيّ وأشكال تحققه في نشاط الناس التاريخيّ، على أساس ماديّ بحت وليس لأي قوة خارج المادة أي أثر في ذلك مطلقًا. انظر: الموسوعة الفلسفية لعبد المنعم الحنفي: ص 407، والموسوعة الفلسفية للسوفييت: ص 431، ومعجم المصطلحات والشواهد: ص 405.
(3) المادية الجدلية: النظرية العامة للماركسية اللينينية صاغها ماركس وإنجلز ولينين، أمّا ماوتس تونج فماركسيّ المذهب قليل البضاعة في الفلسفة، وقد أخذ ماركس وإنجلز المادية عن فيورباخ والجدل عن هيجل، واعتبر الفكر انعكاسًا للواقع وليس العكس، وفي التفكير الماديّ الجدليّ إن الوجود كله وحدة متماسكة تترابط فيه الأشياء والأحداث ارتباطًا عضويًا وفي حالة حركة وتجدد دائمين، فهناك باستمرار شيء يولد ويتطور، ولا تعتبر المادية الجدلية مجرد نظرية بل دعوة ومنهاج وبرنامج عمل وعقيدة؛ ولذلك فالماديّ الجدليّ بالضرورة اشتراكيّ ملتزم بالنضال الصريح والعنيف ضد العقائد =

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٠٩)

الخبيثة من آداب وأفكار ومذاهب أدبية، ومدارس نقدية ومناهج فكرية وممارسات عملية، كما أنهم تأثروا بالمذهب الطبيعي بشتى اتجاهاته(1)، والمذهب العقلاني المؤله للعقل والمستبعد لما وراء الطبيعة أو تفسيرها تفسيرًا عقليًا ماديًا(2)، وانساقوا وراء الوضعية بتياراتها المختلفة الوضعية الجديدة أو الوضعية المنطقية، والوضعية المنطقية الأخلاقية(3).--------------------------------------------
= الأخرى وخاصة الأديان وكل الغيبيات، وتقوم عقائده أصلًا على جحد وجود اللَّه تعالى. انظر: الموسوعة الفلسفية لعبد المنعم الحنفي: ص 407 - 408، والموسوعة الفلسفية للسوفييت: ص 433 - 434، ومعجم المصطلحات والشواهد: ص 405.
(1) المذهب الطبيعيّ في الفلسفة هو: تفسير تطور المجتمع بقوانين الطبيعة مثل الأحوال المناخية والبيئية والجغرافية والاختلافات البيولوجية "وظائف الأعضاء" والاختلافات الجنسية بين الشعوب، ويقوم هذا المذهب على مركزية الإنسان في الكون، وقام بدور كبير في القرنين السابع عشر والثامن عشر ضد النزعة الروحية، ومن فروعه: المذهب الطبيعي الأخلاقيّ وهو اسم عام يطلق على نظرياته في الأخلاق واللذة يوحد بينها مبدأ يقول بأن مفهوم الخير يتحدد عن طريق نوع من المفهوم الطبيعيّ مثل اللذة أو التطور البيولوجي، ومن فروعه المذهب الطبيعي في دراسة الإنسان، وهو مذهب ماديّ سبق الماركسية وأعد لها الأجواء، يعتبر الإنسان النتاج الأعلى للطبيعة، ويفسر كل الملامح والصفات الخاصة بالإنسان من منظور طبيعي "نسبة إلى الطبيعة" ويوْكد وحدة الإنسان والطبيعة ومضاد لمفهوم أن الإنسان روح وجسد. انظر: الموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص 470 - 472.
(2) المذهب العقلانيّ: يقوم على الإيمان بالعقل وقدرته، وأنه يصل إلى تحصيل الحقائق من العالم بدون مقدمات تجريبية، ولا تُستمد المعرفة عندهم من الخبرة الحسية، وأهم فلاسفة هذا المذهب ديكارت وسيبنوزا ولايبنتس، وكان دالمبير وفولتير وكندوروسيه أبرز المفكرين الذين ذهبوا إلى إعلاء العقل كنقيض للخرافة والإيمان حسب قولهم، ويريدون بذلك الإيمان باللَّه ربوبية وألوهية، والمعاد وسائر الغيبيات. انظر: الموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص 472 - 473، والموسوعة الفلسفية للحنفي: ص 431.
(3) الوضعية: مذهب فلسفيّ يرى أن الفكر الإنسانيّ لا يدرك سوى الظواهر الواقعة والمحسوسة وما بينها من علاقات أو قوانين، والعلوم التجريبية هي المثل الأعلى =

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١١٠)

أمّا المذهب الكفريّ الذي أغرقوا في محبته واتباعه وتغنوا بأفكاره--------------------------------------------
= لليقين، وتسمى الوضعية أحيانًا: الإيجابية وهي قبل كل شيء موقف معاد لكل الأبحاث الماورائية أي: كل ما هو خارج نطاق المحسوس، ويشمل ذلك كل الغيبيات وأول شيء فيها وجود اللَّه تعالى، ويعتبرها الوضعيون عديمة الفائدة وأمارة تأخر في الذهن، وأبرز فلاسفتها أوجست كونت وهو المؤسس لهذا المذهب.
والوضعية المنطقية: اتجاه منبثق من الوضعية، ويعول أساسًا على التجربة تحقيقًا للدقة والتحليل المنطقيّ للغة، ثم تحولت إلى دراسة تحليلية منطقية للغة لتحقيق وحدة مشتركة بين فروع العلوم المختلفة، وتقول الوضعية المنطقية: إنه لا يمكن قيام فلسفة علمية أصيلة إلّا بواسطة التحليل المنطقيّ للعلم.
ووظيفة هذا التحليل المنطقي هي أولًا: التخلص من الميتافيزيقيا، أي: كل ما وراء الطبيعة وهو ما سبق شرحه عند ذكر الماورائية، وتسمى الوضعية المنطقية: الوضعية الجديدة، وقد تولد منها وضعيات أخرى مثل الوضعية المنطقية في علم الأخلاق والسياسة الوضعية، وأساس ذلك عندهم إقامة نظام أخلاق واجتماعي ملائم للعصر الصناعيّ، وأن الخير والشر ليس لها معنى على الإطلاق وأنها ليست سوى أشباه مفاهيم، وتعتبر الوضعية المنطقية وتطبيقاتها ديانة وضعية، ديانة إنسانية تزدري الميتافيزيقيا.
وأظهر فلاسفتها بعد كونت براتراند راسل الفيلسوف الإنجليزيّ الملحد المنادي بحقوق اليهود والتحرر الجنسيّ، ولودفيج فتجنشتاين وهو يهوديّ، وفلاسفة حلقة فينا هانزهان وأوتونويراث وفيليب فرانك وارنست ماخ وفريدريش فايزمان وفيلكس كلوفمان وردولف كارناب اليهوديّ الألماني، وقد ذاع بأن هذه الحلقة تجمع يهوديّ وأن نواة دعوتها صهيونية، وقد ذاعت دعوتها وانشد إليها الكثير من الفلاسفة في أوربا وأمريكا، وكان أبرزهم الفريدتارمسكي وجيلبرت رايل وألفريد اير، وقد تأثرت بالوضعية عدة فلسفات معاصرة مثل البرغماتية "الذرائعية".
وخلاصة القول: إن الوضعية تناهض الميتافيزيقيا وكل ما وراء الحس بدعوى أنها تبحث في موضوعات لا معنى لها طالما أنها موضوعات تتجاوز الخبرة، ولا يُمكن من صدقها عمليًا. انظر: الموسوعة الفلسفية للحفني: ص 526 - 528، 362، والمفاهيم والألفاظ في الفلسفة الحديثة: ص 166، ومعجم المصطلحات والشواهد: ص 487 - 489، والموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص 582 - 585، والمعجم الفلسفي: ص 214.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١١١)

وفلسفاته وشخصياته فهو المذهب الوجوديّ(1) القائم على الإلحاد وإنكار الإله -جل وعلا-.
وبشكل عام يتلقى رواد الحداثة العربية المنكرون لوجود اللَّه وربوبيته المذهب الإلحاديّ(2)، وكافة فروعه العلمية والعملية بوَلَهٍ ومحبة واعتناق.--------------------------------------------
(1) الوجودية: مذهب فلسفي يقوم على إبراز الوجود وخصائصه، وجعله سابقًا على الماهية، فالإنسان عندهم وجود لا ماهية، ومعنى ذلك أن الإنسان يوجد أولًا ثم تتحدد ماهيته باختياراته ومواقفه، ويقولون بالحرية المطلقة للفرد بحيث يملأ وجوده بالنحو الذي يلائمه، وتعتبر الوجودية تيارًا فلسفيًا يضم جملة من الاتجاهات والأفكار المتباينة تقوم على الكفر باللَّه ورسله وكتبه وبكل الغيبيات وكل ما جاءت به الأديان، ويعدونها عوائق أمام حرية الإنسان ومستقبله، ويعتبر الإلحاد أحد أهم مبادئ الوجودية ومن خلاله توصلوا إلى ما يتبع ذلك من نتائج مدمرة، ومن ذلك أنه لا وجود لقيم ثابتة توجه سلوك الإنسان وتضبطه، وإنّما كل إنسان يفعل ما يريد، وليس لأحد أن يفرض قيمًا أو أخلاقًا معينة على الآخرين؛ ولذلك دعت الوجودية إلى الفوضى الخلقية والإباحية الجنسية، والوجوديّ الحق عندهم هو الذي لا يقبل توجيهًا من خارج ذاته، وإنّما يسير نفسه بنفسه ويلبي نداء شهواته وغرائزه دون قيود ولا حدود، ومن مظاهر الوجودية التمرد والفوضى والحرب على التراث والأخلاق وجميع الضوابط القانونية والعرفية والشرعية واطراح الماضي.
ومن أبرز فلاسفة الوجودية مؤسسها كيركغارد وهيدغر وكامو وجان بول سارتر الملحد نصير الصهيونية وكارل جاسبرز، وقد أثرت الوجودية تأثيرًا كبيرًا في الأدب الحديث خاصة في الرواية والمسرح، وبرز في ذلك سارتر وألبيركامو ودستويفسكي وغيرهم. انظر: الموسوعة الفلسفية للحفني: ص 525 - 526، ومعجم المصطلحات والشواهد: ص 485، والموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة من إعداد الندوة العالمية للشباب الإسلامي - الرياض: ص 543 - 545، والموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص 579، والمعجم الفلسفي: ص 211.
(2) المذهب الإلحاديّ: مجموعة من الآراء والفلسفات التي تنكر وجود اللَّه والبعث والحساب والخلود والنبوات وسائر الغيبيات، وتقول بإمكان وجود أخلاق ونظام ومجتمع بدون أي أساس دينيّ، ويقول الملحد: إن لفظة اللَّه بلا مدلول، ويضم هذا المذهب اللاأدريين ومنهم توماس هنري هكسلي وليزلي ستيفن، وكلارينس دارو، وصرحاء الإلحاد مثل هولباخ وبوخنر وفيورباخ وماركس =

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١١٢)

وتجد أسماء أكابر مجرمي الإلحاد تتردد في كتبهم، وتتحول عندهم إلى رموز مقدسة وشخصيات متبعة، وأظهر أئمة الإلحاد الذين ظهر صدى إلحادهم في كتابات ملاحدة الحداثة هم:
1 - توماس هوبز 997 - 1090 هـ/ 1588 - 1679 م وهو فيلسوف إنجليزيّ، ومن أوائل الماديين المحدثين وأحد كبارهم، ألف كتاب مبادئ القانون الطبيعي والسياسي، ونشره سنة 1049 هـ/ 1640 م، ويعتبر ناقلًا لأفكار الماديين اليونان ديموقريطس(1) وأبيقور(2) الذين هم جذور الإلحاد الفلسفيّ الغربي المعاصر، كان هوبز يحمل عداءً شديدًا للدين والكنيسة ورجال الدين، وليس في فلسفته ما هو جديد على أفكار الماديين اليونان إلّا ما قام به من إحياء لهذه المادية والدعوة--------------------------------------------
= وشوبنهاور ونيتشه وسارتر وتوماس هوبز ودافيد هيوم وسبنسر وبرتراند راسل، وهؤلاء هم أئمة المادية الغربية الملاحدة، وأظهر صورة برز بها المذهب الإلحاديّ في مجال الحياة العامة في الماركسية وفي مجال الفكر والأدب في الوجودية. انظر: الموسوعة الفلسفية للحفني: ص 426 - 427، والموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص 467.
(1) هو: ديموقريطس الأبديري نحو 460 ق. م - 361 ق. م، وتقوم فلسفته على أن الوجود واحد وهو ينقسم إلى عدد غير متناه من الوحدات غير المتجانسة وغير المدركة بالحس والواحد منها هو الجوهر الفرد، وهذه الواحدات قديمة أزلية، وعنه أخذ الماديون المعاصرون فكرة أزلية المادة، وأن وجود الكون ثمرة حركة مادة الكون الأولى، ثم تتحرك بوجود آلية الحركة الذاتية للوحدات غير المتجانسة التي يتألف منها الوجود، وهذا الذي يعرف بالمذهب الذريّ، وخلاصته: أن كل شيء يترابط بفعل حتمية ميكانيكية ذاتية في المادة والأجسام تتولد من انصهارات الذرات وتختفي بانفصالها، وهذا نفي لكون الخلق محدثًا من عدم، وأن له ربًا خالقًا مدبرًا، وقد أثنى لينين على ديموقريطس وأفكاره. انظر: موسوعة أعلام الفلسفة 1/ 455 - 456، ومعجم الفلاسفة: ص 279 - 280.
(2) أبيقور هو: فيلسوف يونانيّ ماديّ عاش ما بين 341 - 270 ق. م، وقد تتلمذ على أفكار ديموقريطس وخاصة المذهب الذريّ، والابيقوريون يهاجمون الدين ويعتبرونه الشر الذي ما بعده شر، وينكرون ظاهرة العناية الإلهية التي هي إحدى أدلة المثبتين لوجود اللَّه ثعالى. انظر: أعلام الفلسفة 1/ 52، ومعجم الفلاسفة: ص 37 - 39.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١١٣)

إليها، فيعد بسبب ذلك أول الماديين المحدثين(1).
2 - ديفيد هيوم (1123 - 1190 هـ/ 1711 - 1776 م): وهو فيلسوف ومؤرخ واقتصاديّ اسكتلندي ملحد، آراؤه الفلسفية مبنية على إنكاره لوجود اللَّه تعالى، وإنكاره لأسس الأخلاق وفكرة السببية بين الأشياء، انتقل من عداوته للميثافيزيقيا إلى الدين ذاته، ولكي يهدم أصول الأخلاق ذكر بأن سلوك الإنسان عمل آليّ محض، ولا يوجد في الإنسان ما يسمى الإرادة الحرة، وزعم أن الدافع الأساسي لسلوك الإنسان اللذة والألم فقط، انتهج المنهج الشكي وقال به، وأدخل المنهج التجريبيّ إلى حقل العلوم الأخلاقية(2).
3 - ديني ديدرو (1125 - 1198 هـ/ 1713 - 1784 م): وهو فيلسوف ومفكر فرنسيّ، من مفكري حركة التنوير، أصله ألمانيّ، قرن بين الأدب والفلسفة، مرَّ في ماديته وإلحاده بعدة مراحل: كان ماديًا، ثم وصل إلى اعتناق مبدأ وحدة الوجود(3)، وناظر رجال الدين من منطلق عقلانيّ ماديّ مناهض لرجال الدين، ثم انتقل إلى المذهب الربوبيّ(4)، ثم انتقل إلى الإلحاد وتأثر بالنزعة الإلحادية الجريئة عند هولباخ، وعنده أن التجربة--------------------------------------------
(1) انظر عن توماس هوبز: معجم الفلاسفة: ص 653 - 655، وتاريخ الفكر الأوروبي الحديث لرونالدسترو مبرج ترجمة أحمد الشيباني 2/ 22، وموسوعة أعلام الفلسفة 2/ 549، وكواشف زيوف: ص 428.
(2) انظر عن ديفيد هيوم الموسوعة الفلسفية للحفني: ص 518 - 520، وموسوعة أعلام الفلسفة 2/ 574، ومعجم الفلاسفة: ص 669 - 670 وفيه أنه أصيب بانهيار عصبي ولم يشف إلّا بعد عدة سنوات، واتهم بالهرطقة لعدائه للدين وأدرجت الكنيسة جميع كتبه في لائحة الكتب الممنوعة، وكان صديقًا لجان جاك روسو وآواه روسو ودبر له ملاذًا وفي نوبة هذيان لروسو ظن بهيوم الظنون بأنه يدبر مؤامرة ضده وراح يشيع عن خيانة هيوم له، فتأمل كيف اتخذ الغرب هؤلاء المجانين علماء وموجهين!!. وانظر: كواشف زيوف للميداني: ص 429 - 432.
(3) سيأتي بيان معنى وحدة الوجود بمفهومه الغربي ص 139.
(4) سيأتي شرحه ص 129.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١١٤)

والملاحظة هما وسائل ودليل المعرفة وعن طريقهما يتمكن الفكر من إحراز المعرفة، وقد أثنى الماركسيون على أعمال ديدرو وتعاليمه وامتدحها إنجلز ولينين، وكانوا يلقبونه في عصره بالرسول والموحى إليه {شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا}(1)، وكان يعرف ديدرو بأنه صاحب طابع أنثويّ(2).
4 - هولباخ - بول هنري ديتريش (1135 - 1203 هـ/ 1723 - 1789 م): كاتب وفيلسوف فرنسي من أصل ألماني، أبرز فلاسفة المادية الملحدة في القرن الثامن عشر، وأشد فلاسفة حركة التنوير إنكارًا للدين وتهجمًا عليه، ويطرح في كتبه كل ذلك بمضادة شديدة للدين، ويعد كتابه "نظام الطبيعة أو قوانين العالم الفيزيائيّ والعالم الأخلاقي" مرجعًا لتاريخ المادية الملحدة، هاجم الكنيسة والدولة والإقطاع وسلط أسلحته كلها على الدين، اهتم بترجمة الأدب الملحد من اللغات الأخرى إلى الفرنسية، تقوم فلسفته المادية الملحدة على أن الإنسان ابن الطبيعة وأنه لا وجود لشيء اسمه الروح، وأن الطبيعة مادة وحركة والعالم الماديّ من صنع نفسه، والتغير في الأشياء تغير في الجزئيات المكونة لها، دعا إلى الفلسفة الداعية لحكم الأخلاق حيث إن الأخلاق والأفكار عنده مصدرها الأحاسيس، ودعا إلى فصل الدين عن الدولة، متعصب لإلحاده، وكان في حياته يذم على صفاقة ذهنه(3).
5 - شوبنهاور - آرثر (1252 - 1276 هـ/ 1788 - 1860 م): فيلسوف ألماني ملحد، تشاؤمي، ولد من أبوين أسرتهما مشهورتان بحالات أمراض عقلية، فقد مات والده منتحرًا، وكانت والدته أديبة روائية لها صالون أدبيّ--------------------------------------------
(1) الآية 112 من سورة الأنعام.
(2) انظر ترجمته في: موسوعة أعلام الفلسفة 1/ 445 - 447، ومعجم الفلاسفة: ص 267 - 269، والموسوعة الفلسفية للحفني: ص 188 - 189، والموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص 206 - 207.
(3) الموسوعة الفلسفية لعبد المنعم الحفني: ص 510 - 511، والموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص 564، ومعجم الفلاسفة: ص 659 - 661.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١١٥)

وكانت متسلطة عليه فكرهها وهجرها إلى أن ماتت، وانعكس علاقته بأمه على نفسه فصب مقته على النساء، وكان سليط اللسان، سفه أحلام معاصريه من الفلاسفة بكلام همجي ووصفهم بالدجل والثرثرة، كان شديد التشاؤم معقد النفس، مغترًا بنفسه، ممتلئًا بالمخاوف والقلق، ينام ومسدسه المحشو بالذخيرة تحت وسادته، يخاف من المرض ويتحرز منه بشدة وهلوسة، فإذا كان سليمًا معافى شك أنه ربّما كان مريضًا بشيء لا يعيه، منهمك في محبة الطعام والخمر والنساء رغم ادعائه أنه يمقتهن.
تقوم آراؤه الفلسفية على إنكاره لوجود الرب الخالق العظيم سبحانه وتعالى، وعلل الوجود بأنه إرادة عمياء، وجعل الدافع الجنسي إرادة عمياء وأعضاء التناسل هي بؤرة هذه الإرادة وهي المركز الذي يقابله المخ، وأعضاء الجنس عنده هي أساس الحياة؛ لأنها تحفظها، وتتضمن حياة لا تنتهي، ومن أجل ذلك -في رأيه- عبدها اليونان واليهود، ويرى أن العلاقة الجنسية هي المحور المركزيّ لكل عمل وسلوك وهي تتجلى في كل شيء رغم محاولة سترها(1)، ويعتبر الغريزة الجنسية روح شجرة النوع الذي تنمو عليها حياة الفرد، وبسب تشاؤمه قرر أن العالم شرّ، وجره كفره باللَّه واليوم الآخر إلى هذه الفلسفة، وإلى حياة الشقاء التي عانى منها {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا}(2).
دعا إلى الفن والأدب والجمالية التي تحتقر الواقع، وتكون بمنأى عن المصالح الحيوية للناس(3)، وقد شكلت فلسفته وآراؤه الأساس الاعتقادي لفلسفة نيتشه(4).--------------------------------------------
(1) أفكار شوبنهاور في الجنس هي نفسها التي أخذها فرويد فيما بعد ونشرها بأن جعل الجنس هو الدافع الوحيد الموجه لسلوك الإنسان.
(2) الآية 124 من سورة طه.
(3) سيأتي في هذا البحث -إن شاء اللَّه- إثبات أن هذه الفكرة تعد من أصول الحداثة العربية.
(4) انظر ترجمته في: الموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص 266، والموسوعة الفلسفية لعبد المنعم الحفني: ص 255 - 259، وموسوعة أعلام الفلسفة 2/ 42، ومعجم الفلاسفة: ص 659 - 661، وكواشف زيوف: ص 432 - 439.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١١٦)

6 - فيورباخ - لودفيج اندرياس (1218 - 1288 هـ/ 1804 - 1872 م): فيلسوف ماديّ ألمانيّ ملحد، اشتهر بنقده للنصرانية والدين عامة وتنحى فلسفته إلى تأليه الإنسان(1)، له كتب مادية ملحدة مثل ماهية المسيحية وماهية الدين، ونظرية نشأة الكون، أخذ أفكار هيجل وانحدر معها نحو الإلحاد، وكان المضمون الأساسي لفلسفته إعلان المادية والدفاع عنها، وهنا تبدى المذهب الطبيعيّ(2) في دراسة الإنسان، ويعتبِر الدين استلابًا للسمات الإنسانية، ويعتبَر فيورباخ السلف المباشر للماركسية، وبأفكاره وفلسفاته تأثر كل من إنجلز وماركس، وبتأثيره الحاسم في أفكارهما يعتبر بمثابة الأساس للماركسية الملحدة(3).
7 - داروين (1224 - 1299 هـ/ 1859 - 1882 م): عالم أحياء إنجليزيّ، ثم تفلسف في قضية الوجود فكانت فلسفته مادية إلحادية، صاحب نظرية الانتخاب الطبيعيّ التي يزعم فيها أن الكائنات الحية تنزع إلى الابتعاد في سماتها عن أصولها وتتطور، ويدعي أن الحياة يحكمها قانون الانتخاب الطبيعيّ، وأنه يحدث بالصدفة ويتأكد بالوراثة، وليس فيه قصد ولا نظام ولا يدل على علة تحدثه.
رفض داروين الأديان وجميع مضامينها وخاصة عن وجود الإنسان، بعضهم يصفه باللاأدرية وبعضهم يصفه بأنه ملحد صريح الإلحاد، وتقوم نظريته نظرية النشوء والارتقاء على فرضية أن أصل الكائنات العضوية ذات ملايين الملايين من الخلايا كائن حقير ذو خلية واحدة منها نشأت الحياة ثم تطورت وارتفعت من الأدنى إلى الأرقى، وأن الطبيعة وهبت الأنواع القوية عوامل البقاء والنمو والتكيف، وتدرجت في الرقي إلى أنواع راقية جديدة--------------------------------------------
(1) سياتي في ثنايا البحث -إن شاء اللَّه تعالى- أن ذلك من أساسيات الحداثة العربية.
(2) سبق بيانه: ص 110.
(3) انظر ترجمته في: الموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت: ص 365 - 366، ومعجم الفلاسفة: ص 455 - 456، والموسوعة الفلسفية للحفني: ص 350 - 351.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١١٧)