رؤوس الضلال العلمانيّ، وما يحيط بهم من هالات الاحتفاء الإعلامي ودعايات الامتداح والاهتمام والإشادة، ثم ما يحيطون به أنفسهم من ادعاء العلم بشريعة الإسلام وتاريخ المسلمين، وما يقتطعونه من أقوال هنا وهناك مبثوثة في كتب العلم أو كتب التاريخ محاولين أن يثبتوا من خلالها أنهم إنّما يتكلمون عن علم بالدين والتاريخ، وأنهم من أهل ملة الإسلام، ثم إذا ترسخ هذا وثبت جاؤوا بالعلمانية في ثوب أدب وشعر ونقد، أو في ثوب ثقافة وفكر، أو في ثوب نظام ودستور، مؤكدين أنهم يحبون الإسلام وأهله، ويفهمون الشرع ومنهجه، وأن هذا الذي يقولونه ليس إلّا فهمًا صحيحًا أو عصريًا أو تنويريًا للدين الإسلامي!!!.
أمَّا إذا أردنا أن نسأل: لماذا يتلبس هؤلاء بكل هذه الألبسة؟ ولماذا يموّهون؛ أمورهم بكل هذا التمويه؟.
فإننا نجد الإجابة الصريحة الواضحة في قول اللَّه تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ. . .}(1).
(وفي هذه الآيات أنواع من العبر من الدلالة على ضلال من يحاكم إلى غير الكتاب والسنة وعلى نفاقه، وإن زعم أنه يريد التوفيق بين الأدلة الشرعية وبين ما يسميه هو عقليات، من الأمور المأخوذة عن بعض الطواغيت من المشركين وأهل الكتاب وغير ذلك من أنواع الاعتبار)(2).--------------------------------------------
(1) الآيات 60 - 64 من سورة النساء.
(2) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 3/ 317.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٧)
وهؤلاء المتبجحون بمعرفة الإسلام ومعرفة أحكامه وشرائعه والذين يشيرون في عباراتهم أو فحوى كلامهم إلى أنهم يحترمونه أو يقدسونه، وهم في الوقت ذاته يبطلون جملة كبيرة من أحكامه وشرائعه وينظرون إليه بمنظار التشكيك، ويقرأون تعاليمه وتاريخه بعين الغرب الماديّ، ويفهمون التدين بصيغته الأوروبية، يفهمونه على أنه مجرد علاقة بين الإنسان وربه ولا شأن له بالواقع من أي باب، باستثناء باب الأخلاق والفضائل عند بعضهم، أو باب العقائد المجردة التي لا لوازم لها عن البعض الآخر، أو من باب العبادات الشعائرية عند آخرين، ثم يسعون لتطويع الإسلام لفكر الشرق أو الغرب وتحويره ليوافق إلحاد الملحدين، وشذوذ الشاذين فكريًا أو خلقيًا، ويقولون كما قال أسلافهم: {إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقً}(1)، ويطلقون على عملهم هذا مصطلح "الاستنارة"، ويسمون أنفسهم أصحاب الإسلام المستنير، وغاية عملهم تتمثل في تقليص نطاق الشريعة إلى أقصى حد، وتطويع أحكام الإسلام بالحذف تحت شعارات "الاجتهاد المرن"، وإزاحة سيادته تحت لافتات "توسيع المصالح، واستبقاء المثل العليا" ونحو ذلك ليصلوا في النهاية إلى الانخلاع التام من الشريعة، وإبطال موازين الحلال والحرام، والتطويع والتوفيق بين انحلال الغرب وضلاله والإسلام وهدايته وأحكامه، هذا هو مسلك هؤلاء الذين جاسوا خلال ديار المسلمين فكان من آثارهم التخريبية ما كان، واللَّه المستعان.
قال بعض أهل العلم في وصف أحوال سلف هؤلاء في معرض استدلاله بآيات سورة النساء السالفة: (. . . كما ذم المدعين الإيمان بالكتب كلها وهم يتركون التحاكم إلى الكتاب والسنة ويتحاكمون إلى بعض الطواغيت المعظمة من دون اللَّه، كما يصيب ذلك كثيرًا ممن يدعي الإسلام وينتحله في تحاكمهم إلى مقالات الصابئة الفلاسفة أو غيرهم، أو إلى سياسة بعض الملوك الخارجين عن شريعة الإسلام من ملوك الترك وغيرهم، وإذا قيل لهم تعالوا إلى كتاب اللَّه وسنّة رسوله أعرضوا عن ذلك إعراضًا، وإذا أصابتهم مصيبة في عقولهم ودينهم ودنياهم بالشبهات--------------------------------------------
(1) الآية 62 من سورة النساء.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٨)
والشهوات أو في نفوسهم وأموالهم عقوبة على نفاقهم قالوا: إنّما أردنا أن نحسن بتحقيق العلم بالذوق، ونوفق بين الدلائل الشرعية والقواطع العقلية التي هي في الحقيقة ظنون وشبهات، أو الذوقية التي هي في الحقيقة أوهام وخيالات. . .)(1).
والمتأمل في الهمجية الحداثية العلمانية يجد أشباه هذه الكلمات ونظائر هذه الحجج الزائفة، فها هو كبير من كبرائهم يضع كتابًا يسميه "قبل السقوط" ويكتب على غلافه "حوار هادئ حول تطبيق الشريعة الإسلامية. . نعم للمصحف والدين. . لا للسيف والحكم"(2).
ويقول في أثنائه متدثرًا بحب الإسلام وفهم الإسلام والحرص على الدين وعلى المسلمين، "وبعد أن ذكر أن عصر الخلفاء الراشدين ليس سوى عصر فتن داخلية واغتيالات، وأنه ليس العصر المثاليّ ولا المجتمع المثاليّ، وأن الذين يقيسون على عصر الخلافة الراشدة إتما يقيسون على أحلام لا علاقة لها بالواقع.
بعد أن ذكر هذا كله قال ما نصه: (إن كل ما عرضته إنّما ينهض دليلًا على أن هناك فرقًا كبيرًا بين الإسلام الدين، والإسلام الدولة، وأن انتقاد الثاني لا يعني الكفر بالأول أو الخروج عليه، وأنك في الثاني سوف تجد كثيرًا يقال أو يعترض عليه حتى في أعظم أزمنته، بينما أنت في الأول لا تجد إلّا ما تنحني له تقديسًا وإجلالًا وإيمانًا خالصًا، وأنه إذا جاز أن يقال هذا في عهد الخلفاء الراشدين فإنه يجوز أن تقول ما هو أكثر وأكثر حين تتصدى بالتحليل والنقد لعصور لاحقة ارتفعت فيها رايات الحكم الدينيّ. . .)(3).
ويسترسل في بث شبهاته الممزوجة بإظهار المعرفة بالإسلام وتاريخه والإشفاق على أهله وذويه فيقول: (أنت هنا تملك أن تفصل بين الإسلام--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى 12/ 340.
(2) كتاب قبل السقوط لفرج فوده.
(3) المصدر السابق: ص 18.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٩)
الدين، والإسلام الدولة، حفاظًا على الأول حين تستنكر أن يكون الثاني نموذجًا للاتباع أو حين يعجزك أن تجد صلة واضحة بين هذا وذاك، فالأول رسالة والثاني دنيا، وقد أنزل اللَّه في الرسالة ما ينظم شؤون الدنيا في أبواب وترك للبشر أبوابًا دون أن يفرِّط في الكتاب من شيء، وإنّما يسع برحمته بشرًا هم أعلم بشؤون دنياهم من السلف، ويترك لهم أمورًا تختلف باختلاف الأزمنة لا يترك لهم فيها إلّا قواعد عامة، إن اتسع أفقهم أخذوا من غيرهم وتأقلموا مع زمانهم دون خروج على صحيح الدين أو كفر به. . .)(1).
بهذا المنظار وهذه الطريقة يتناولون تعاليم الإسلام وتاريخه، وعلى هذا المنهج يسير دعاة الحداثة والتغريب في الأدب والفكر، فالأسلوب واحد، والمواقف متعددة، وكلها تدور حول عزل أعمال الإنسان ومناشطه عن صراط اللَّه المستقيم وإفساح المجال له ليكون عبدًا في حكمه أو في فكره أو في نتاجه الأدبيّ لأي شيء إلّا الإسلام فقد اتخذوه وراءهم ظهريًا واستدبروا أحكامه.
ولا فرق في هذه المسألة بين من يطالب بإلغاء شريعة الإسلام من الحكم والأنظمة والدساتير والدول، ومن يطالب بإبعاد موازين الجلال والحرام والجائز والمحرم عن النتاج الأدبي والثقافي، إذ نهاية هذا القول وذاك تؤدي إلى اتهام دين اللَّه بالقصور، بل واتهام اللَّه -تعالى- بالجهل وعدم الحكمة، واتهام الرسول صلى الله عليه وسلم بالغفلة والسفه -قدسه اللَّه وأجله عما يقول العلمانيون والحداثيون-.
وفي الاستشهاد السابق بأقوال فرج فوده(2) تأسيس لفكرة هذا البحث الذي يدور حول الانحراف العقدي في الأدب الحديث، حيث تشترك أقلام--------------------------------------------
(1) المصدر السابق: ص 19.
(2) هو: فرج علي فودة أحد طواغيت العلمانية في مصر، له كتب عديدة يهاجم فيها الحكم الإسلامي، والمنادين بتطبيق الشريعة الإسلامية ويطعن في الإسلام وتاريخه، حتى قُتل في 18/ 12/ 1418 هـ - 8 يونيو 1992 م. انظر: ما كتبت عنه مجلة أدب ونقد في عددها الصادر بعنوان "فرج فودة شهيد العلمانية وحرية الفكر" عدد 83 يوليو 1992 م، محرم 1413 هـ.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٠)
وألسنة ومواقف العلمانيين من الذين امتهنوا الكتابة شعرًا أو قصة أو نقدًا أو دراسة أدبية مع الآخرين الذين امتهنوا السياسة ممارسة أو تفكيرًا، ولا تكاد عند التمعن والتأمل أن تجد فارقًا بين هؤلاء من حيث أصل المعتقد المنحرف القائم أصلًا على عزل الدين الإسلاميّ عن مناشط الإنسان أو عن بعض مناشطه، وإن وجدت الفوارق فهي في الشكل والأسلوب والموقع.
أمَّا الهدف النهائي لدى عصبة العلمنة والحداثة فهو تقليص أثر الإسلام في الواقع، وحصره في المسجد أو في المشاعر المقدسة، تمهيدًا للقضاء عليه بالكلية، ففي خطاب مشابه لخطاب فرج فوده يرد أحد كبار الحداثيين على كتاب "الحداثة في ميزان الإسلام" الذي ألفه الأخ الشيخ الدكتور عوض القرني وقدم له سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه اللَّه تعالى-، يرد هذا الحداثي بمقال طويل سماه "إسلام النفط والحداثة" أسقط من خلاله عقده النفسية والفكرية والخلقية، وكشف عن مقدار ما يعانيه عقله الكليل من تشوهات، وما ينوء به رأسه من انحرافات اعتقادية، تمثل صورة مكررة لانحرافات أساتذته من قبله وتلامذته من بعده، فيقول: (إن إسلام النفط يمتح من المخزون النقليّ "الاتباعيّ" الذي ظل معاديًا للحداثة طوال عصور التراث، ويؤسس علاقة متميزة بفكر الحنابلة الذي تمثله كتابات ابن الجوزي(1) وابن تيمية(2) بوجه خاص، وهي كتابات لها علاقاتها الأصولية التاريخية بالمذهب الوهابيّ، أهم المذاهب النقلية السائدة في منطقة--------------------------------------------
(1) هو: الشيخ الإمام العلامة الحافظ المفسر جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد، يصل نسبه إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، الحنبلي الواعظ، صاحب التصانيف الكثيرة، له عبادة ونسك وجمال طلعة وحسن معاشرة وطيب مظهر، توفي رحمه الله سنة 597 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء 21/ 365، والعبر 3/ 118، والبداية والنهاية 13/ 28.
(2) هو: شيخ الإسلام وعلم الأعلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، أشهر من أن يعرَّف، طبَّقت شهرته الآفاق، واتفق على سعة علمه وعمق فهمه الموافق والمخالف، وسارت مصنفاته وعلومه مسير الشمس، وكانت سيرته العملية في الدعوة والعلم والجهاد والجهر بالحق من أعجب السير، توفي رحمه الله وهو مسجون في قلعة دمشق سنة 728 هـ. انظر: شذرات الذهب 6/ 80، والعقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية لابن عبد الهادي، والأعلام العليّة في مناقب ابن تيمية.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤١)
الجزيرة العربية)(1).
إلى أن قال: (إسلام النفط يكرر الأصوات السابقة في التراث النقليّ)(2).
ثم يستشهد بمجموعة من الأحاديث والآثار الحاثة على الاعتصام بالكتاب والسنة وهدي السلف الصالح، وترك البدع والمحدثات، ويستخلص من هذه الأدلة أن الإسلام يغلق إعمال العقل التي يطلق عليها وصف البدعة، ثم يشرح هذا المعنى بعبارات طويلة مملة تتلخص في تصويره للإسلام "الاتباعيّ" -كما قال- بأنه رجعية وانحدار وهبوط، ولكنه صاغ ذلك بفلسفة "الخط الأفقي الدائريّ" فيقول: (أمّا المقولة الخاصة بالزمن فتقودنا إلى مفهوم التاريخ الذي يرتد إلى أصله، بالمعنى الذي يوقع التصور الخطيّ الأفقيّ للزمن على تصوره الدائريّ، حيث يتحول الزمن إلى حركة متكررة ثابتة، تقع على نقاط خط منحدر، هابط، بدايته الإيجاب المحض ونهايته السلب المطلق، فلا يغدو التاريخ حركة صاعدة توازي ارتقاء الإنسان وتطور وعيه الموازي لتطور فعله الصاعد على سلم التقدم، درجة درجة، مع التراكم الكميّ والكيفيّ للمعرفة التي يصوغها، والأفعال التي يصنعها، بل يغدو التاريخ حركة هابطة في الزمن الذي هو نفسه حركة دائرية متكررة على خط منحدر، ينحط دائمًا كلما مضينا صوب المستقبل، وتباعدنا عن الماضي الأول الذي هو نقطة البداية والمنهج والأصل والمثال)(3).
ثم يستشهد على نظريته هذه التي تصور الإسلام داعيًا إلى الهبوط والتخلف بما قاله صنوه في تلمود الحداثة كتاب "الثابت والمتحول" في أن أصل هذا الانحدار والتخلف والهبوط مستنتج من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"(4).--------------------------------------------
(1) و(2) الإسلام والحداثة ص 179. والكتاب عبارة عن ندوة لمجموعة من الحداثيين إقامتها مجلة مواقف ودار الساقي في لندن عام 1409 هـ - 1989 م وصدر الكتاب من دار الساقي 1410 هـ - 1990 م، وكأنه يريد في كلامه كتابات ابن قيم الجوزية فذكر ابن الجوزي جهلًا وتخليطًا.
(3) المصدر السابق: ص 181.
(4) أخرجه البخاري في كتاب الشهادات، باب: لا يشهد على شهادة جور إذا =
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٢)
ثم يعقد مقارنة حداثية علمانية فيقرر أن النقل والاتباع والتقليد هي أسباب النظرة المتخلفة والهابطة لدى المسلمين، النظرة المتهمة للمقابل الذي هو الإبداع والابتكار والحداثة التي هي خرق المعهود والخروج عن المألوف(1).
وخلاصة القول: إن رواد التطرف العلمانيّ والحداثيّ ينطلق انحرافهم وضلالهم الأدبيّ والفكريّ والسلوكيّ من قاعدة التمرد على شرع اللَّه، زعمًا منهم أن هذا الشرع الحنيف ليس شاملًا لكل أعمال الإنسان ومناشطه، وليس أهلًا لأن يحكم الناس أو يوجه أعمالهم، أو يقود مسيرة حياتهم نحو حياة أفضل وأسعد، وسوف أعرض في ثنايا البحث من دلائل هذه العقيدة المنحرفة ما يؤكد أن هذا التيار التغريبى يقود حركة ردة عن الإسلام بصورة لم يشهد لها تاريخ المسلمين مثيلًا.
وفي ذلك ما يوجب على العلماء والدعاة أن يبذلوا كل جهودهم في سبيل تثبيت العقيدة الصحيحة، وتفهيم التوحيد الحقيقيّ، وترسيخ مبدأ العبودية الشامل، وتوضيح المفهوم الحقيقيّ لكلمة المسلم والإسلام، فما أكثر جريانها على الألسنة ولكن كم من الناطقين بهما يشعر بما تتضمنان من معاني؟ وكم من السامعين يفهم منها تمام المفهوم الذي كان يفهمه الصحابة والتابعون؟.
إن إيضاح هذه المعاني وتجلية هذه الحقائق هو أهم ما يجب أن تشمر همم المسلمين لتحقيقه واقعًا حيًا معاشًا تندحر أمامه شبهات أهل الأهواء وضلالات أصحاب الضلال.
• • •--------------------------------------------
= أشهد 3/ 151، واللفظ له، وأحمد 1/ 378، 417، 234، 438، 442، 2/ 228، 410، 4/ 267، 5/ 350، وغيرها.
(1) انظر: الإسلام والحداثة: ص 181.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٣)
2 - علاقة الأدب بالاعتقاد
تقرر بالدليل العقليّ والنقليّ، وبمقتضيات الفطرة القويمة أن العبادة هي الوظيفة الأولى والأساسية للإنسان في هذه الحياة الدنيا، وأن الإسلام شمل بأحكامه جميع أعمال الإنسان ومناشطه، ويتضح بناء على ذلك أن أمر العبادة في حياة الإنسان ليس أمرًا هامشيًا أو وقتيًا، بل هو المبدأ الأول لوجوده، والغاية الأصلية لحياته، وعلى هذا الأساس انقسم الناس إلى قمسين -بحسب قبولهم وردهم لهذا المبدأ أو علمهم وجهلهم به- فقسم التزم بالعبودية وخضع لأمر إلهه فهؤلاء هم أهل النجاة وهم على درجات متفاوتة، وقسم أبى واستكبر وتعالى وتجبر فهؤلاء هم الهلكى وهم على دركات.
هذه هي النظرة الإجمالية للبشر من حيث صحة الاعتقاد والعمل وفسادهما، وبناء على ذلك تفرقوا طرائق قددًا، كل يتبع ما يعبده، ويسير على المنهج الذي يدين له.
ولا ريب أن أعمال الإنسان وسلوكه ومناشطه تتأثر بعقيدته ونظرته وفكره، يستوي في ذلك المسلم والكافر سواء كان منافقًا أو مرتدًا أو يهوديًا أو نصرانيًا أو وثنيًا.
والسلوك والعمل -في الغالب- هي حصيلة الاعتقاد، والأدب على وجه الخصوص هو مستودع شعوريّ كبير للأمة أو للفرد يحمل الخصائص الفكرية والتصورات الاعتقادية والحصيلة التاريخية، كما أن للأدب خصيصة أخرى وهي
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٤)
قدرته على تخطي الحدود وتجاوز عقبات الفوارق الجنسية واللغوية ولاسيما في عصرنا هذا الذي سهل فيه انتقال المعرفة والثقافة والآداب عبر أجهزة التقنية المتطورة وعبر الوسائل التقليدية كذلك(1)، فأصبح هو بذاته عقيدة عند الملتزمين بمذاهبه الفكرية الاعتقادية، وإن صُورت على أنها مدارس فنيه أو مناهج إبداعية، فهي في حقيقة الأمر عقائد عند أصحابها يسعون في نشرها، ويدافعون عنها، وباسمها يقبلون ويردون ويوالون ويعادون.
هذه قاعدة النظر في هذه المسألة التي يتضح من خلالها قوة العلاقة بين الأدب والاعتقاد من جهة النظر ومن جهة الممارسة.
والمتأمل في أي إنتاج أدبي يجد أن صاحبه لابد أنه ينطوي في قرارة نفسه على عقيدة معينة وتجول في عقله أفكار معينة، ومن المسلم به بداهة أن هذه العقيدة وهذه الأفكار هي المحضن الأساسيّ لما ينتجه الشاعر أو القاص أو الناقد، وأن ما يطلق عليه "الإبداع الفنيّ، أو التجربة الشعورية، أو الإلهام الشاعريّ" كل ذلك يمر بمراحل متداخلة في نفس الأديب ويعبر عبر قنوات متشابكة بعضها مبهم خفيّ وبعضها واضح جليّ، فأمّا المبهم الغامض فهو التكوين النفسي الذاتيّ لكل شخص والمتراكم من خلال خصائص الشخص النفسية الذاتية التي فُطر عليها ثم من خلال معايشته لأسرةٍ ومجتمع وأحداثٍ تتراكم في أغوار نفسه وتكون جزءًا من شخصيته ثم بالتبع جزءًا من تفكيره ومشاعره.
وأمَّا الواضح الجليّ من قنوات التأثير فأهمها الاعتقاد والأفكار المكتسبة، فإن لهذه من التأثير في الجوانب الخفية، والظاهرة والأعمال والممارسات والسلوك أبلغ الأثر وأظهره، وقد اهتم الدارسون المعاصرون بالجانب النفسانيّ واستعانوا بعلم النفس الحديث في قضايا النقد(2)، كما أنه توجد دراسات عديدة حديثة لآثار العقيدة والفكر والاتجاه السياسيّ--------------------------------------------
(1) انظر: الفصل المتميز في كتاب مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي والذي سماه مؤلفه "العقيدة ومحاضِن العمل الأدبي": ص 15 - 42.
(2) انظر -مثلًا-: كتاب الأسس النفسية للإبداع الفني للدكتور مصطفى سويف، وكتاب التفسير النفسي للأدب للدكتور عزّ الدين إسماعيل.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٥)
والاجتماعيّ على عملية النتاج الأدبي(1).
وقد اختلفت مصطلحات الدارسين لهذه الناحية المهمة فبعضهم يسميها "الموقف الفكريّ" وهناك من يطلق عليها مصطلح "القضية" أو "استيعاب القضية"(2)، وأكثر ما دار النقاش حول مصطلح "الالتزام" ومصطلح "أدلجة الأدب".
وحتى الذين يرفضون إدخال الأدب تحت سيطرة الأطر الفكرية والاعتقادية والسياسية، يمارسون هذه النظرة ضمن فكوة وعقيدة معينة، تسمى الحرية، أو غير ذلك من التسميات، فلا فكاك بين الأدب والاعتقاد إلّا إذا أمكن أن يكون هناك فكاك بين الإنسان الناطق ولسانه وشفتيه وحنجرته.
ولذلك عرفوا الالتزام بأنه (. . . اعتبار الكاتب فنه وسيلة لخدمة فكرة معينة عن الإنسان لا لمجرد تسلية غرضها الوحيد المتعة بالجمال. . .، وفي الفلسفة الوجودية ارتباط بتعديل الحاضر لبناء المستقبل ولا يتحقق إلّا بالحرية)(3).
وعرفه صاحب معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة بأنه: (قرار كاتب بالتزام كتابته تاريخ/ وضعية/ وعي ما)(4).
وحين تحدث عن علاقة اللغة بالفكر وتعرض للغة الأدبية قال: (فاللغة الأدبية ليست مجرد إشارات فلها وظيفة جمالية تفرض تنظيمًا متعمدًا إبداعيًا على مصادر اللغة اليومية، وليس من الصواب المبالغة في إبراز التضاد بين استخدامين للغة يقسمها إلى لغة فكر مقابل لغة الانفعال هي اللغة الأدبية،--------------------------------------------
(1) انظر: كتاب الأديب والالتزام، للدكتور نوري حمودي القيسي، ومجلة فصول بعنوان الأدب والايديولوجيا في جزأين، العدد الثالث والرابع عام 1405 هـ - 1985 م، وكتاب ما الأدب لسارتر ترجمة محمد غنيمي هلال، وكتاب الالتزام في الشعر العربي للدكتور أحمد أبو حاقة، وكتاب الالتزام الإسلامي في الشعر، تأليف: ناصر بن عبد الرحمن الخنين.
(2) انظر: الأديب والالتزام: ص 7.
(3) معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، لمجدي وهبه وكامل المهندس: ص 58.
(4) معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، للدكتور سعيد علوش: ص 195.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٦)
فالأدب له جانبه الفكريّ الخاص الذي لا يُمكن إغفاله. . .)(1).
فإذا كانت الوجودية وهي المتمردة على العقائد والقيم تعد الالتزام بالحرية أحد مبادئها، فإن نظيرتها في التفرع من شجرة المادية وهي "الذرائعية" هي كذلك تقوم على عقيدة وفكرة معينة: (. . . وقد كان للبرجماتية(2) بعض التأثير في تطوير الأدب ذي النزعة الطبيعية في العالم الذي يذهب إلى تصوير حياة بلا مبادئ)(3).
إذن فكل عمل أدبيّ فنيّ لابد أن ينشأ من عقيدة وينتج من فكر معين وفلسفة معينة للحياة والكون والإنسان والخالق سبحانه وتعالى، والعلاقة بين الخالق والمخلوق، ويستوي في ذلك الذي يستهدي بالوحي المعصوم والذي يستهدي بالفلسفات المادية المعاصرة أو الجاهليات والوثنيات القديمة أو الحديثة في كون كل منهم ينبثق في إنتاجه من العقيدة التي يؤمن بها، وذلك لأن الخبرات النظرية لأي إنسان عاقل هي مجموعة معلوماته الاعتقادية والفكرية والسياسية والفنية والاجتماعية إضافة إلى تجاربه وممارساته العملية، ومن خلال كل هذه المعطيات تتكون هذه الخبرات النظرية التي تنتج من خلال التجربة الشعورية أدبًا، أو من خلال التجربة الفكرية فكرًا وثقافة، وأهم مكونات هذه الخبرات النظرية، والدائرة التي تحيط بها وتضم كل مفرداتها هي "العقيدة" سواء كانت عقيدة صحيحة أو فاسدة.
إن الإنسان -أي إنسان- في القديم أو في الحديث لابد له من عقيدة تربطه وتحدد مساره وفكره وأعماله.
وحاجته إلى العقيدة حاجة فطرية ملازمة للإنسان في كل زمان ومكان، بغض النظر عن كون هذه العقيدة سماوية مما أوحاه اللَّه إلى الأنبياء، أو أرضية مادية من صنع الإنسان كألوان الفلسفات الإلحادية المعاصرة ذات الأسماء والمناهج المختلفة والمتعددة، فالملحد الماركسيّ الشيوعيّ -مثلًا---------------------------------------------
(1) المصدر السابق: ص 301 - 302.
(2) سيأتي في أثناء البحث شرح لمعنى البرجماتية، وتفصيل لأهم مدلولاتها.
(3) معجم المصطلحات الأدبية: ص 68.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٧)
يتبنى عقيدة تضع الطبيعة مكان الإله الخالق، والوجوديّ يتبنى عقيدة التعلق بالذات ومعاداة الآخر وتحدي الغيب واعتقاد عبثية الوجود كله، وهكذا سائر العقائد المنحرفة والضالة، والناظر في نتاج الأدباء القدماء والمعاصرين عربًا وغير عرب مسلمين وغير مسلمين يلحظ بيسر تأثير العقائد في نتاجهم الأدبيّ، ويرى أن العقيدة لها أثرها وبصماتها على النص الأدبيّ، في مضمونه أو في تعبيراته أو في صوره الفنية أو في رموزه.
ففي مصر القديمة، مصر الوثنية الفرعونية كانت النصوص الأدبية تخرج متأثرة بالمعتقدات السائدة لديهم، حتى لقد أكد بعض الباحثين في هذا الصدد (أن الفكرة الأدبية في مصر القديمة ازدهرت بين جدران المعابد وأن الجزء الأكبر من الأدب المصري كان قائمًا على أساس الدين)(1).
وفي عهد فلاسفة اليونان كانت العقائد والقيم لها مكانتها الأساسية في التوجيه ومعايير القبول والرد فأفلاطون(2) -مثلًا- كان (. . . لا يبيح الشعر في دولته إباحة مطلقة بل يقيدها بأن يكون ذلك الشعر الذي ينشد في الدولة هو الشعر الذي ينشد في تسبيح اللَّه وتمجيده، وفي مدح الصلاح، وفي التعرف على الحقيقة. . .)(3).
وقد سجل أفلاطون موقفه هذا في كتابه الجمهورية وبين أنه سيقبل الشعر بشرط أن يكون ضمن إطار القيم والعقائد في مجتمعهم فيقول: (إننا سنسمح لأنصاره الذين يحبونه -وإن لم يكونوا شعراء- بالدفاع عنه نثرًا ليثبتوا لنا أنه لا يقتصر على بعث الشرور في النفوس، بل إنه نافع للدولة--------------------------------------------
(1) قصة الأدب في العالم، لأحمد أمين وزكي نجيب محمود 1/ 22.
(2) ولد أفلاطون نحو عام 427 ق. م من أسرة أثينية، وكان والده من ملوك أثينا، يعتبر أعظم فيلسوف في العصور القديمة، وبقيت آثاره في الفلسفات والنظريات الأخلاقية والسياسية والاجتماعية واضحة حتى على النظريات والفلسفات المتناقضة، أسس جامعة سماها الأكاديمية، من كتبه الجمهورية والسياسي والقوانين وغيرها. انظر: موسوعة أعلام الفلسفة 1/ 97، ومعجم الفلاسفة: ص 64.
(3) النقد الأدبي عند اليونان، للدكتور بدوي طبانة: ص 59.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٨)
وللحياة البشرية، وسنستمع إليهم بصدر رحب، إذ أنه من المفيد لنا أن يثبتوا أنه يجمع بين بعث السرور في النفوس، وبين الفائدة العملية، أمَّا إذا لم يستطيعوا إثبات ذلك فسنردد أن مثل هذا الشعر لا يستحق أن يعد مقتربًا من الحقيقة. . . إن من واجبنا أن نقاوم إغراء الشعر مثلما نقاوم إغراء المال أو الجاه أو الشهرة)(1).
ومع ذلك فقد رحب أفلاطون في كتاب الجمهورية بالشعراء الذين (يمجدون الأبطال والقدرات الصالحة ويتغنون بالفضائل وأصحابها)(2).
وليس هذا سوى تعبير عن التلازم في نظرته وفلسفته بين الشعر والمنفعة الاجتماعية وفق عقيدة وفكرة يوجب الالتزام بها والسير وفق نسقها، بل يمضي في هذا الشوط إلى حد أبعد فيقول: (ينبغي أن نراقب الشعراء وأن نجعلهم يبرزون في إنتاجهم صورة الخلق الخير، وأن نمنعهم من إبراز الوضاعة)(3)، ففي هذا القول وأشباهه عند فلاسفة اليونان دليل على أن الشعر عندهم -وهو لديهم أرقى الأصناف الأدبية- له رسالة وهدف ومضمون يتفق مع عقائدهم وأفكارهم.
وأن قضية الالتزام في الأدب والثقافة، والتلازم بين الاعتقاد والأدب قضية قديمة.
وحتى "أرسطو"(4) جاء بفلسفة "التطهير" وهي وجه من أوجه الالتزام--------------------------------------------
(1) الجمهورية لأفلاطون، ترجمة ودراسة للدكتور فؤاد زكريا ص 566، 567.
(2) المصدر السابق: ص 928.
(3) المصدر السابق: ص 928.
(4) هو: أرسطوطاليس فيلسوف اليونان المولود سنة 384 ق. م، أمضى حوالي عشرين عامًا متتلمذًا على أفلاطون، يعتبر من كبار الفلاسفة الذين امتد تأثيرهم إلى عصور ومجتمعات كثيرة مما أتاح لمفكرين من اتجاهات متضادة ادعاء الانتساب إليه، فمن فلاسفة اليونان بعده إلى ابن سينا وابن رشد والفارابي، إلى فلاسفة التثليث النصراني، إلى فلاسفة المادية المعاصرة، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية في نقض المنطق تناقض المنطق الأرسطي، وقبله الغزالي في تهافت الفلاسفة. انظر: معجم الفلاسفة ص 47، وموسوعة أعلام الفلسفة 1/ 72.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٩)
الذي ينظر إلى العمل الأدبي بمنظار المنفعة، ويدور معناه حول معالجة أمراض الناس وعيوبهم الخلقية من خلال المأساة وإثارة مشاعر الخوف والقلق والرحمة(1).
ولا ريب أن كل ذلك ينبثق من العقيدة الوثنية القائمة على تعدد الآلهة.
والناظر في النتاج الأدبي عند الأمم يجد الترابط الوثيق الذي لا ينفصم بين الأدب ومعتقدات تلك الأمم، ومن أمثلة ذلك عند اليونان مسرحيات "سوفوكل" 495 ق. م و"أروبيد" 480 - 406 ق. م و"أريستوفان" القرن الخامس ق. م و"إلياذة هوميروس".
وعند الرومان "إلياذة فرجيل" 70 - 19 ق. م.
وعند الفرس "الشاهنامة" و"ظفرنامة" 321 - 411 هـ، 933 - 1021 م.
وعند الهنود "كليلة ودمنة" لبيدبا الفيلسوف.
وعند العرب "المعلقات" وغيرها من القصائد والأشعار.
ففي كل هذه وما يشابهها من آداب تلك الأمم نجد العقائد هي الموجِّه الأولى للمضامين والأفكار التي تتلون بألوان سياسية أو اجتماعية أو ذاتية تبعًا للأحوال والظروف التي تحيط بالأديب أو الشاعر.
وأمَّا الرومان فلم يكونوا سوى ورثة لليونان ونقلة لمعارفهم وفلسفاتهم، مع بعض الإضافات التي أضافوها وخاصة ما كتبه أكبر شعرائهم ونقادهم هوراس(2) الذي سطر في كتابه "فن الشعر" خلاصة آرائه الأدبية والفنية والفكرية.--------------------------------------------
(1) انظر: الالتزام في الشعر العربي، للدكتور أحمد أبو حاقة 18 - 19، والقيم الخلقية في النقد العربي إلى نهاية القرن الرابع الهجري، رسالة ماجستير، للأستاذ مطلق بن محمد بن شايع العسيري: ص 11 - 31.
(2) هوراس من أكبر شعراء اللاتين كان في القرن الأول قبل الميلاد، انتهى من كتابه الأول في الهجاء 35 ق. م، ثم أعقبه بكتاب فن الشعر، كان صديقًا لفرجيل، يعتبر أشهر أدباء عصره، بل أشهرهم بعد موت فرجيل، نجح في تصوير عصره تصويرًا حيًا وبرع في تصوير المناظر الإيطالية تصويرًا جميلًا. انظر: الموسوعة العربية الميسرة 2/ 1915.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٠)
وقد نصح هوراس شعراء الرومان بأن يلتزموا بالتقاليد السائدة وأن يحافظوا على تراث الأسلاف وتقديم ذلك في ثوب أدبي ممتع، فقال مخاطبًا الشاعر: (إن عليك أن تلتزم بالتقاليد، أو ترى أن ابتكاراتك ملائمة، ومن الأمن لك أن تلتزم بالتقاليد ومفخرتك ستكون أعظم إذا تناولت بأسلوب جديد أفكارًا استهلك استعمالها بدلًا من محاولة الابتكار، أولًا: لأن هناك إشباعًا في الأفكار القديمة، ثانيًا: لأن السحر الحقيقي للأدب ينبع من القدرة على رؤية الأشياء القديمة بأسلوب حديث. . .)(1).
ومن هذه المنطلقات عند اليونان والرومان انطلق الفكر الغربي الذي استدبر الأديان واستقبل الأوثان، فلا تجد فلسفة من الفلسفات المعاصرة ولا مذهبًا من المذاهب الأدبية إلّا وهي تتضمن عقيدة ما، وتعبر عن فكرة، وتهدف إلى غاية ما.
والمتتبع لحركة الأدب الإنسانيّ يجد أنه أحد أهم الوسائل المعبرة عن فكر ومعتقد صاحبه سواء كان هذا الأدب شعرًا أو نثرًا، رواية أو مقالة أو نقدًا، وحتى الذين يزعمون أنهم لايخدمون بأدبهم قضية ولا يلتزمون بعقيدة، ولا يهدفون إلى غاية، هم في حقيقة الأمر ملتزمون بهذه الفكرة ومنتمون إليها ويهدفون إلى نشرها، وهذا في حد ذاته اعتقاد ومضمون فكريّ.
إن دعاة الفن للفن، وأصحاب الوجودية الجديدة المسماة بـ "اللامنتمي" يناقضون أنفسهم غاية المناقضة حين يزعمون أنهم بلا عقيدة ولا غاية ولا هدف من أعمالهم الأدبية والتأليفية، ذلك أن هذه الفكرة في حد ذاتها عقيدة، شاؤوا ذلك أم أبوا.
وهم على كل الأحوال -في دعواهم هذه- يرسمون لأنفسهم صورة من التفاهة والنقص والجبن حين يستترون خلف شعار "الأدب لا عقيدة له"، وهم يكذبون على أنفسهم حين يقولون ذلك ويدعون إليه، فلو لم تكن هذه--------------------------------------------
(1) موجز تاريخ النقد الأدبي: ص 26، تأليف فيرنون هول، ترجمة: محمود شكري مصطفى وعبد الرحيم جبر.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥١)
القضية عقيدة لديهم لما دافعوا عنها ونافحوا وألفوا فيها ونشروا.
ومن هذا كله يتبين لنا أن التركيز على المصادر الفكرية للأدب من أوجب أولويات الدراسة الهادفة، فالحديث عن الجانب الفكريّ والاعتقاديّ مقدم عن الحديث عن الجانب الفنيّ والجماليّ في الأدب.
والأدب العربي المعاصر -وأعني الأدب الحداثي على وجه الخصوص- نموذج من نماذج التعبير عن العقائد الجديدة المستوردة من الغرب، وصورة من صور الغزو الثقافيّ والارتكاس الفكريّ، وإذا كان الأدب في الماضي لسانًا ناطقًا عن عقيدة ما، فإن أدب الحداثة أضحى عقيدة قائمة بذاتها، وإن كانت هذه العقيدة تضم لفيفًا من المعتقدات والتصورات، بدءًا بالوثنيات اليونانية وانتهاء بالمذاهب المادية المعاصرة.
إنه الصورة الأكثر وضوحًا وإيلامًا لحالة الانتكاس والاستلاب الذي تعيشه الأمة في هذا العصر، ولذلك نجد الأدباء حين يفزعون إلى أقلامهم معبرين عن هذه الحالة، يعبرون عن موقفهم الاعتقادي من هذا الوضع، وعن آمالهم المستقبلية.
فالأديب المسلم يستمد معاييره وأسس تفكيره من الوحي المعصوم، ويستند إلى تراث تاريخيّ وحضاريّ كبير، ويرى أنه لايصلح آخر هذه الأمة إلّا بما صلح به أولها، وينادي بالاستقلال الفكريّ والسياسيّ والاكتفاء المعيشيّ والتقنيّ، والبعد عن التبعية للأعداء، ولا يتجاهل العصر ومنجزاته بل يرى أن إسالة التقنية والمنجزات في أودية المسلمين من أعظم المشروعات، ولكنه يفرق بين مقتضيات العصر، وأهواء العصر.
أمَّا الأديب "اللاديني" العلماني فقد استورد أفكاره وعقائده من الغرب، واتخذ من دين الإسلام موقف الرفض أو التشكيك أو الإقصاء أو عدم المبالاة، وتقلب بين رذائل الإلحاد والشيوعية والاشتراكية والليبرالية.
وهذا لابد أن يكون رسول العقائد التي اعتنقها، وداعية المبادئ التي آمن بها، ومناضل الأفكار التي انتمى إليها، والذي يرى في ساحات الفن والثقافة اليوم أكبر شاهد على هذه القضية.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٢)
وبعض ما أوردته في هذا البحث كافٍ في الدلالة على هذه القضية، ومعظم المدارس الأدبية العربية الحديثة تقف على قدم المساواة في الدعوة إلى العقائد المادية والخرافية والدفاع عنها، قل ذلك عن المدرسة العلمانية الليبرالية أو القومية العلمانية، أو الماركسية، أو الإباحية التحللية، أو الصليبية، أو الوثنية التي تجتمع كلها رغم تباين منهاهجها واختلاف أساليبها تجتمع في جبهة عريضة معادية للدين والأخلاق والمجتمع تحت مسمى "الحداثة" التي تقوم أصولها على محاور اعتقادية وفكرية أهمها:
1 - دعوتهم إلى التعددية الوثنية، ومضادة التوحيد، وجعل التعددية الوثنية أساسًا للتعددية الفكرية والسياسية، وجعلهم توحيد اللَّه -تعالى- أساسًا للتعصب والتخلف والرجعية.
2 - زعمهم أنه ليس هناك حقائق مطلقة.
3 - دعوتهم إلى استباحة المحرمات والتحرر من الضوابط، وإسقاط موازين الحلال والحرام.
4 - دعوتهم إلى ترسيخ المفهومات الحداثية، وإيجاد مفهومات شمولية جذرية حديثة.
5 - الهجوم على التراث والثقافة الإسلامية خاصة.
6 - دعوتهم إلى الرفض والتمرد، والثورة على كل شيء، والانقلاب على الأصول والمفاهيم الكلية.
7 - تأليه الإنسان، والدعوة إلى الإنسانية مبدأ وغاية.
8 - ممارسة التعمية والغموض، ومضادة الإفهام والوضوح.
9 - الدعوة إلى الخروج عن المألوف، ونفي السائد ورفضه ومخالفته.
10 - إعادة النظر في كل شيء، وممارسة الشك في كل قضية أيًّا كانت.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٣)
11 - الدعوة إلى مقاطعة الماضي ومضادة مفاهيمه والانفصال عنه ومعارضته.
12 - القضاء على فكرة الثابت، والزعم بأن كل شيء متحول متطور، وأن أي فكرة أو قضية لها سمة الثبوت فهي تخلف ومهانة.
13 - الدعوة إلى تأليه العقل والعلم الماديّ، والادعاء بأن حرية العقل "بالمفهوم الحداثي" أساس كل نهضة وتقدم.
14 - الزعم بأنه لا حرية للإنسان إلّا بهدم الشريعة، والغيبيات والأخلاق.
15 - رفض العبادة للَّه تعالى، واعتبار الدين سببًا للتخلف والفشعل، والادعاء بأن النهضة لا تكون إلّا بفصل الدين عن الحياة، وعزله عن مناشط الإنسان، ونقل مركز الثقل من السماء إلى الأرض.
16 - تبني الهدم والفوضى، والخلخلة للأفكار والمعتقدات الراسخة، وتصريحهم أن التخريب حيويّ وهو أول الواجبات، ومن علاماته: الهذيان والعبث والجنون والفوضى والتمرد.
17 - الدعوة إلى إسقاط القداسة، واختراق المقدس وتدنيسه.
18 - إدانة العقل والوعي، وضوابط العلم والنظام والمنطق، وكل ما تعارف عليه الناس، وكل مؤسسيّ وثابت.
19 - تفكيك كل القيم والمعايير، وزعزعة كل الموازين الماضية.
20 - الترديد الدائم بأنه كما يجب أخذ التقنية عن الغرب فإنه يجب أخذ الأفكار والثقافة والفلسفات والمذاهب والقيم.
21 - التركيز على أن الحداثة رؤيا شاملة للحياة والوجود وأنها عقيدة ومضمون أبديّ، ومفهوم حضاريّ جديد كامل شامل.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٤)
هذه محاور الفكر الحداثي وأسس منطلقاته وهي -كما هو واضح- أسس اعتقادية قبل أي شيء، ولا يخلو شخص حداثيّ ولا مدرسة حداثية من القول بواحد أو أكثر من هذه الأسس، وبعضهم ممن له الزعامة والريادة في هذا المذهب يقول بها كلها، وسوف يرد في هذا البحث الشواهد الكثيرة على ذلك.
• • •
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٥)
3 - نبذة عن الانحرافات العقدية المعاصرة في مجال الثقافة والفن والأدب
مرت الأمة الإسلامية بمراحل عديدة، وتقلبات كثيرة، وتغيرات متنوعة، وكان أظهر تغير حصل فيها ما حدث في أخطر قضيتين هما: "المنهج" و"التطبيق".
فأمَّا "المنهج" فقد توجهت إليه سهام المبتدعة بالزيادة فيه والنقص منه، تارة من خلال النظر والكلام والمنطق والفلسفة، وتارة من خلال الذوق والزهد، ومن هؤلاء وهؤلاء خرج "الزنادقة" الذين لم يصبح لهم بالدين أية علاقة إلّا علاقة الانتساب الاسميّ لتغطية ما يريدون الوصول إليه من إفساد للدين والناس.
هذا على الصعيد الاعتقاديّ، أمَّا على الصمعيد الفقهيّ فقد تحول الفقه عند بعض الفقهاء وخصوصًا في العصور المتأخرة، إلى مجرد تقليد للمذهب، وتفريع على فروعه، وتحول الأمر عند بعضهم إلى اتباع المذهب قبل أو أكثر من اتباع الدليل، أضف إلى ذلك أن عزلة فرضت على العلماء قليلًا قليلًا، فانحاز بعضهم إلى الزهد والعزلة والانقطاع، وتحول بعضهم إلى فقه المذهب وفروعه وحواشيه، تاركين الحياة العامة في سيطرة أهل الأهواء والشهوات، الذين يقربون الموافق لهم، ويرسخون العزلة لمن اعتزل أو عزل.
نعم لم تخل الأرض من قائم للَّه بحجته، ومنافح عن دينه وشريعته وداع إلى
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٦)