ويقرر أدونيس أن إبداع جبران يأتي من سخريته بالقيم الدينية والاجتماعية، وقدرته العالية على هدم الأفكار والمعتقدات الراسخة، والإتيان بآفاق العدمية، وذلك من خلال إعلانه -حسب قول أدونيس- قَتْل اللَّه -تعالى اللَّه وتقدس عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا- الذي فتح المجال لحركة الإبداع الطويلة المدى(1).
وقد أثبتُّ في مواضع مختلفة من البحث نقولات عديدة من كلام أدونيس عن جبران الذي أطال فيه القول إطالة متعمدة لكونه يلتقي معه في المبدأ الإلحاديّ والمشروع التخريبيّ والردة الجاهلية والعمالة للأعداء(2).
6 - شعراء المهجر، وهؤلاء كانوا رأس حربة للغزو الفكريّ، والاستقطاب الاعتقاديّ لصالح الغرب، وقد انطلقوا في مواقفهم العدائية للأمة، من منطلق عقائدهم النصرانية، حيث كانوا وما زالوا يحملون أحقادًا صليبية متجذرة في نفوسهم، وكانوا وما زالوا ينتمون إلى بني ملتهم في الغرب.
وإذا كنت قد ذكرت جبران وحده، وهو أحد أعلام المدرسة المهجرية، فإن ذلك لا يعني أن بقية المهجريين كانوا عكسه، نعم كان جبران أخطر وأثره في الانحراف أعمق.
وكذلك بقية أدباء المهجر، وخاصة "الرابطة القلمية" التي ظهرت عام 1338 هـ/ 1920 م في نيويورك على يد مجموعة من نصارى لبنان(3)، وأصدرت مجموعة من المجلات والنشرات والكتب، وكان من أهم سماتها كما قال أدونيس: (الاقتلاع المادي والمعنوي، وما يرافق هذا الاقتلاع من هزات انفعالية وفكرية. . .)(4).--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 3/ 176 - 179.
(2) المصدر السابق 3/ 161 - 211.
(3) أسس هذه الرابطة عبد المسيح حداد، ومن أعضائها جبران خليل جبران، ومخائيل نعيمة، وندره حداد، وألياس عطا اللَّه، ووليم كاتسفليس، ونسيب عريضة، ورشيد أيوب، وإيليا أبو ماضي، ووديع باحوط. انظر: الثابت والمتحول 3/ 162.
(4) انظر: المصدر السابق 3/ 162.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٧٧)
وكان جبران رائد هذه الرابطة وكبير المؤثرين فيها ولا يُمكن بطبيعة الحال نسيان شخصية "أمين الريحاني"(1) صاحب الجولات المريبة في بلاد المشرق العربي، وما نسب إليه من علاقة استخباراتية بالحكومة الأمريكية.
كما أنه لا يُمكن نسيان التجمعات والروابط والجمعيات القومية التي أقامها المهجريون في أوروبا وأمريكا والبرازيل وأستراليا، وارتباط هذه التجمعات بسياسة الدول الغربية، والمنظمات الماسونية، وأثر كل ذلك في ازدياد وطأة الانحرافات في بلاد المسلمين(2).
7 - الحداثة العربية، تولدت من كل تلك المقدمات ما يسمى بالحداثة العربية وهي في الحقيقة غربية الأصل والنشأة والتوجه والأهداف، ولكنها مترجمة إلى العربية ومنقولة إليها بأحرف عربية الحرف أجنبية الولاء.
انفجرت شرارتها من العراق وانطلق صخبها من هناك ليصل إلى جميع البلاد العربية، وفي البحث تفصيل هذا الانحراف.
• • •--------------------------------------------
(1) ستأتي ترجمته.
(2) انظر: عن هذه الجمعيات والمنظمات كتاب فكرة القومية العربية على ضوء الإسلام لصالح العبود ص 142 - 211.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٧٨)
الباب الأول الانحرافات المتعلقة باللَّه سبحانه وتعالى
- ويشمل الآتي:
توطئة
الفصل الأول: الانحرافات المتعلقة بالربوبية.
الفصل الثاني: الانحرافات المتعلقة بالألوهية.
الفصل الثالث: الانحرافات المتعلقة بالأسماء والصفات.
الفصل الرابع: التصورات المتأثرة بالوثنيات والديانات المحرفة.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٧٩)
الباب الأول الانحرافات المتعلقة باللَّه سبحانه وتعالى
توطئة:
إن الإيمان باللَّه -جَلَّ وَعَلَا- هو أساس العقيدة الإسلامية، وأصل كل الأصول وقاعدة كل صغير وكبير في هذا الدين القويم، وهو الركن الأول من أركان الإيمان الستة، ولا يكون الإنسان مسلمًا إلّا بإيمانه الخالص بهذا الركن ومقتضياته بحيث لا يخالطه في إيمانه شك ولا يمازحه ريب.
إن الإسلام جاء -ابتداءً- ليؤسس عقيدة توحيد اللَّه رب العالمين في مقابل عقائد الشرك والكفر والوثنية والإلحاد، فلا غرو أن تكون أول قضية من قضاياه هي قضية الإيمان باللَّه تعالى؛ وذلك لأن البشرية بعد انطماس معالم النبوات السابقة ارتكست في الجاهلية وانتكست مفاهيمها واختلطت عقائدها وأصابها الغبش والضلال والفساد والانحراف، وانجرفت في أودية الجهالات في معتقداتها وتصوراتها ومفاهيمها ومشاعرها وشعائرها، وتردت في عبوديات هابطة فاسدة من عبودية الأهواء البشرية، وعبودية الناس بعضهم لبعض متمثلة في الحكم والتشريع، وعبودية الأوثان والأعراف الجاهلية والأوضاع القبلية والعشائرية وغير ذلك.
فجاء دين الإسلام ليغير هذا الواقع المتردي الذي انحطت فيه البشرية وينشئ واقعًا آخر غير واقع الجاهلية الذي كانت تعيش فيه، أو الذي يمكن أن ترتد إليه البشرية في أي مرحلة من مراحلها؛ وذلك لأن الجاهلية ليست فترة تاريخية محدودة بزمن ما قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، بل الجاهليّة نعت لأي وضع ينحرف عن دين اللَّه الذي ارتضاه، وحالة من حالات الحياة حينما تبتعد عن منهج اللَّه وشرع اللَّه في الاعتقاد أو في التشريع أو في الحكم أو في الفكر أو في الأدب، أو في أي نشاط من نشاط الإنسان.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٨١)
ولما جاء الإسلام لتغيير واقع الجاهلية الفاسد المنحرف جاء في صفة نظام شامل متكامل، كلياته وأجزاؤه وأصوله وفروعه متلاحمة غير منفصلة، مترابطة غير منفصمة، فلا يمكن أن تفهم قضية من قضاياه الجزئية بمعزل عن أصولها العلمية الاعتقادية أو العملية التعبدية.
وسبب ذلك أن الإسلام في عقائده وشعائره وشرائعه وأخلاقه يندرج ضمن نظام واحد، أساسه الأول توحيد اللَّه سبحانه وتعالى في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، ثم ما يتفرع عن هذا الأساس العظيم من أصول وفروع وكليات وجزئيات.
وعندما أقول: إن الإسلام نظام واحد مترابط فإنه يجب أن يفهم بأن هذا النظام المتكامل له خصائص متميزة في مصدره وفي تلقيه وفي فهمه وفي تطبيقه وفي أحكامه وفي أخباره.
خصائص تقوم على البرهان والدليل والحجة، وتتوافق مع العقل السليم والفطرة القويمة، وتتجاوب مع حاجات البشرية أفرادًا وجماعات وأممًا، وهذا القول ليس مجرد ادعاء وعاطفة بل هو الحقيقة المؤيدة ببراهين العقل وحجج المنطق ونتاج الواقع المادي في شتى صنوفه التجريبية، حيث لا توجد حقيقة تجريبية ثابتة تعارض حقيقة علمية شرعية ولو اجتمع من في أقطارها لإثبات تعارض؛ وسبب هذا التأكيد الجازم، اليقين بأن خالق الحقيقة التجريبية هو منزل الحقيتة الشرعية، كما أن خالق العقل هو مصدر النقل؛ ولذلك لا يُمكن أن يحصل بين قطعياتهما تعارض مطلقًا، وإن توهم متوهم التعارض فإنّما هو في ذهنه وليس في حقيقة الأمر.
إن مجموعة الحقائق الاعتقادية الأساسية التي يجب أن يحتويها قلب المسلم هي أركان الإيمان الستة، وركن هذه الأركان وأساس هذه الأسس هو الركن الأول "الإيمان باللَّه تعالى" كما جاء في حديث جبريل عليه السلام حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم ما الإيمان؟ قال: "أن تؤمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره"(1).--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب الإيمان والإسلام والإحسان 1/ 36، والترمذي في كتاب الإيمان، باب: ما جاء في وصف جبريل للنبي الإيمان والإسلام 5/ 6، وأبو داود في كتاب السنة، باب: في القدر 5/ 69.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٨٢)
ثم كل ما يتفرع عن هذه الأركان العلمية الخبرية والأركان العملية التطبيقية كل ذلك يعود إلى هذا الأصل العظيم، ولا يُمكن فصله عنه بأية حال من الأحوال، إلّا إذا أمكن فصل فروع شجرة يرجى ثمرها أو ظلها عن جذورها، وما أظن أن هذه المسألة تحتاج إلى كثير بسط وبيان؛ لأنها من المسلمات الشرعية والعقلية، ولا يماري فيها مسلم ولا مرتد، فها هم أصحاب الردة الحداثية يسعون بكل قوتهم لهدم هذا الركن العظيم؛ لأنهم يوقنون أنه هو جذر الإسلام عقيدة وشريعة، فإذا تمكنوا من إزالته -وما هم بقادرين أبدًا- فإنه سوف يتحقق لهم إزالة كل قضايا الإسلام، وقد صرحوا بذلك وسوف يأتي ذكر ذلك في موضعه في فصول هذا الباب إن شاء اللَّه تعالى.
غير أن القضية التي يُمكن أن تلتبس على بعض المصابين بمرض الشبهة من المصغين للمرتدين والكافرين والمنافقين، والمدمنين على قراءة نتاجهم؛ هي قضية أن الإسلام نظام للحياة البشرية يقوم على أساس تحكيم شريعة اللَّه تعالى وحدها في كل أوضاع الحياة وكل أعمال الإنسان، وأن هذا التحكيم هو مقتضى الإيمان باللَّه وشهادة أن لا إلَه إلّا اللَّه وأنه لا يُمكن بحال من الأحوال إخراج أي نشاط بشري عن هذا المدلول؛ وذلك لأن أول خصائص الألوهية هي حق تعبيد الناس لرب الناس وتطويعهم لشرائعه، وحق إقامة المعايير والنظم والمناهج وإلزام الناس بها، كما أنه من خصائص العبودية الالتزام بذلك في كل الأحوال والأوضاع.
وما تحاوله الجاهلية المعاصرة هو إبطال حق اللَّه تعالى في الهيمنة على أعمال الإنسان، وتأليه الإنسان ليضع النظم والمناهج والقيم والموازين من تلقاء هواه.
فها نحن نسمع ونرى من يجحد حق اللَّه تعالى في الحكم والنظام ومن يجحد حقه تعالى في الفكر والآداب ومن يجحد حقه في القيم والأخلاق، ونسمع ونرى من ينادي جهارًا بألوهية الإنسان وأحقيته المطلقة في وضع ما يناسبه من نظم ومعايير ومناهج وسلوكيات.
ولا ريب أن هذا مناقض تمام المناقضة للإيمان باللَّه ولشهادة أن لا إلَه إلّا اللَّه، وهي صورة مكررة للتناقض القائم بين الإسلام والجاهلية من عهد نوح عليه الصلاة والسلام إلى عهد محمد صلى الله عليه وسلم إلى زماننا هذا وإلى أن تقوم الساعة، وأساس تكرار هذه الصورة من التناقض بين التوحيد والوثنية والإسلام
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٨٣)
والجاهلية هو أن هناك تصوران أساسيان متناقضان عند البشرية في القديم والحديث في جميع أنحاء الأرض وفي جميع الأزمنة والأمكنة:
التصور الأول: يقوم على إقرار اللَّه بالألوهية والربوبية والأسماء والصفات وينبني عليه قيام نظام للحياة يتجرد فيه البشر من خصائص الألوهية والربوبية ويفردون اللَّه وحده بها، ويذعنون له بالعبودية فيتلقون ما جاء عنه بالقبول والتسليم في الأمور الاعتقادية وفي القيم الإنسانية والاجتماعية والأخلاقية وفي المناهج والنظم والشرائع والقوانين التي تحكم الأحياء وأعمالهم والحياة وأرجاءها ولا يتلقون عن أحد سواه، وبذلك يشهدون أن لا إلَه إلّا اللَّه.
التصور الثاني: يقوم على رفض ألوهية اللَّه تعالى وربوبيته وجحد أسمائه وصفاته أو جحد مقتضياتها، وهذا الرفض والجحود إمّا بصورة كلية كما هو حال الملاحدة الذين ينكرون وجود اللَّه سبحانه وتعالى، وإمّا بصورة أخرى تتمثل في رفض ألوهية اللَّه تعالى في شؤون الحياة أو في بعض شؤون الحياة، في نظام المجتمع مثلًا أو في شرائعه وقوانينه أو في خلقه وسلوكه أو في فكره وأدبه.
وهذا التصور -إضافة إلى رفضه ألوهية اللَّه- يدّعي أن لأحد من البشر فردًا أو جماعة هيئة أو فئة أو طبقة أن يزاول -من دون اللَّه أو مع اللَّه تعالى- خصائص الألوهية، سواء كانت دعواه بلسان المقال كما هو حال كثير منهم أو بلسان الحال عند من يغمغم ولا يفهم ويلوّح ولا يصرح، وبذلك لا يكون الناس الذين تقوم حياتهم على هذا التصور قد آمنوا باللَّه تعالى أو شهدوا أن لا إله إلّا اللَّه.
هذان التصوران المتناقضان لا يُمكن أن يلتقيان مطلقًا؛ لأن أحدهما هو التوحيد والإيمان والإسلام، واللآخر هو الشرك والكفر والجاهلية، بغض النظر عن الأسماء واللافتات والعناوين والنعوت والألقاب التي يطلقها أصحابها على هذا التصور الجاهلي وفروعه ومقتضياته، ثقافة أو فنونًا أو حداثة أو آدابًا أو فكرًا تقدميًا أو معاصرًا أو طليعيًا أو واقعيًا أو بنيويًا أو تنويريًا أو ديمقراطيًا أو علمانيًا أو عقلانيًا إلى آخر تلك الأسماء والألقاب التي تلتقي كلها في هذا التصور الضال في رفض ألوهية اللَّه تعالى وتأليه غيره -جَلَّ وَعَلَا-.
إن تنوع الأسماء والأشكال ليست ذات عبرة ما دامت متحدة في قاعدة واحدة ومشتركة في أصل واحد وأساس واحد اعتبار -أي عمل أو نظام أو وضع أو تصور أو فكر أو أدب- متصفًا بكونه إسلاميًا أو غير إسلامي هو
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٨٤)
الجهة التي يصدر عنها، فإن كان صادرًا عن اللَّه تعالى ونبيه صلى الله عليه وسلم وشرعه ودينه فهو إيماني إسلامي، وإن كان صادرًا عن غير هذا فهو جاهلي.
هذا هو محور الخلاف بين الإسلام وأهله والكفر والنفاق والزندقة وأهلها، وهو خلاف يؤثر في التناول والطرح والتفكير والمعالجة عند الطرفين المتقابلين، كما يؤثر في الأعمال والأحكام والتصرفات؛ لأنه لا مجال للالتقاء بين الكفر والإيمان والردة الإسلام {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)}(1).
ومن هنا جاءت إشكالية الصراع بين الحداثة والإسلام والعلمانية والإسلام، وسوف تبقى هذه الإشكالية، ويزداد أوار الصراع حتى يقضي اللَّه بنصرة أوليائه.
وليست المشكلة بين هذين الاتجاهين ما تصوره بعض الأقلام المريضة أو الجاهلة، أنها مشكلة صراع بين قديم وجديد، وتقدم وتخلف، وشرق وغرب، إلى غير ذلك من الدعاوى والتوصيفات الساذجة أو المغرضة.
الحقيقة كل الحقيقة، أن أساس الصراع وميدانه هو التناقض الموجود بين هذين الاتجاهين في أصل التصور والتلقي والفهم، وكل ما يتبع ذلك من مفردات فهو فرع عن هذا الأصل، فالمسلم الذي يحاكم نصًا حداثيًا يسخر من السنة أو الصحابة أو الشعائر أو يدعو للرذائل الخلقية أو ينادي بالتحرر النسوي الداعر أو يبرر الانحراف السياسي أو الاقتصادي؛ يحاكمه المسلم على أساس أن هذا انحراف عن دين اللَّه وعن شهادة أن لا إله إلّا اللَّه، في حين أن العلماني أو الحداثي يمارس كل هذه الانحرافات على أساس أنه ليس للَّه -جَلَّ وَعَلَا- أي حق في الحكم على هذه الأمور أو ضبطها.
فمن هنا نلاحظ أن القضية هي قضية تصادم وتناقض بين منهجين وتصورين وعقيدتين، وليست القضية قضية تجديد وتقليد، أو تراث--------------------------------------------
(1) الآيات 1 - 6 من سورة الكافرون.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٨٥)
ومعاصرة، وسموف يتبين ذلك -إن شاء اللَّه- من خلال هذا البحث، ابتداءً من هذا الباب الذي يتحدث عن الانحرافات الحداثية المتعلقة باللَّه سبحانه وتعالى، حيث يتناول الفصل الأول الانحرافات المتعلقة بربوبية اللَّه سبحانه وتعالى، والفصل الثاني عن الانحرافات المتعلقة بالألوهية، والفصل الثالث عن الانحرافات المتعلقة بالأسماء والصفات، أمّا الفصل الرابع فهو عن التصورات المتأثرة بالوثنيات والديانات المحرفة.
فالفصول الثلاثة الأولى عن توحيد اللَّه -جَلَّ وَعَلَا-، الذي هو مصدر وحد يوحد أي: العلم بأن الشيء واحد، وهو على وزن تفعيل للنسبة، كالتصديق والتكذيب لا للجعل، أي: أن معنى وحدت اللَّه تعالى أي: نسبت إليه الوحدانية واعتقدت أنه واحد أحد، وليس معناه جعلت اللَّه واحدًا؛ لأن وحدانية اللَّه تعالى ذاتية وليست بجعل جاعل(1).
والمراد بالتوحيد في اصطلاح علماء الإسلام: إفراد اللَّه تعالى بالعبادة مع الجزم بانفراده في ذاته وصفاته وأفعاله فلا نظير له ولا شبيه.
وهذا هو المراد بالتوحيد في هذا الباب، وهو تعريف للتوحيد باعتباره عَلمًا مفردًا، وهذا يجمع أنواع توحيد اللَّه الثلاثة، الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، ومدارها على اعتقاد العبد وإيمانه الجازم بتفرد الرب بصفات الكمال وإفراده بأنواع العبادة(2).
أمّا تعريف التوحيد باعتباره مركبًا إضافيًا "علم التوحيد" فهو: علم يقتدر به على إثبات العقائد الدينية من أدلتها اليقينية، وهو بهذا الاعتبار يتناول كل قضايا الاعتقاد وكل أركان الإيمان ومسائله وفرعياته.
• • •--------------------------------------------
(1) انظر: لوامع الأنوار البهية للسفاريني 1/ 56 - 57.
(2) انظر: الفتاوى السعدية للشيخ عبد الرحمن بن سعدي ص 7.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٨٦)
الفصل الأول الانحرافات المتعلقة بالربوبية
توحيد الربوبية يقوم على ثلاثة أسس، هي الاعتقاد الجازم بأن اللَّه هو الخالق المالك المتصرف، فهو سبحانه وتعالى خالق كل شيء وحده ولا خالق سواه، كما قال سبحانه وتعالى: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ}(1)، {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}(2)، وكل شيء سوى اللَّه مخلوق من عدم، موجود أوجده اللَّه بعد أن لم يكن، وخَلْقه سبحانه يشمل ما يقع من مفعولاته وما يقع من مفعولات خلقه.
وهو سبحانه المالك الملك المطلق العام الشامل، وكل شيء في ملكه سبحانه وتعالى، قال-جَلَّ وَعَلَا-: {قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ. . .}(3)، وقال سبحانه وتعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)}(4)، وأمّا غير اللَّه فإن مَلَكَ فإن ملكه قاصر مقيد غير شامل، فهو وما يَملك مملوك للَّه سبحانه وتعالى.
وهو سبحانه المنفرد بالتصرف في خلقه وملكه، وله التدبير الشامل الذي لا يحول دونه شيء ولا يعارضه شيء، كما قال -جَلَّ وَعَلَا- عن نفسه: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2)}(5)، وقال سبحانه: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا--------------------------------------------
(1) الآية 3 من سورة فاطر.
(2) الآية 16 من سورة الرعد.
(3) الآية 88 من سورة المؤمنون.
(4) الآية 1 من سورة الملك.
(5) الآية 2 من سورة الرعد.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٨٧)
مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (3)}(1).
ويتفرع على هذه الأمور الثلاثة كل ما يتعلق بتوحيد اللَّه بأفعاله -جَلَّ وَعَلا(2) -، ومن جحد أو شك في شيء من هذا فهو كافر لا حَظَّ له في الإسلام.
وهذا القسم من أقسام التوحيد لم ينازع في أصله أحد من بني آدم، إلّا ما حصل في بعض تفاصيله فى الأقدمين من مجوس وثنوية ودهرية وأمثالهم من ضلال المتفلسفة والمعتزلة(3).
أمّا مشركوا العرب فكانوا يقرون بتوحيد الربوبية، كما أخبر عن ذلك اللَّه العظيم في كتابه الكريم: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ. . .}(4)، ولكن هذا لم ينفعهم لأنهم كانوا يشركون غير اللَّه مع اللَّه في العبادة والانقياد.
أمّا ملاحدة هذا العصر فهم ينكرون وجود اللَّه أصلًا ويجحدون تبعًا لذلك كل قضايا الربوبية من خلق وملك وتدبير، وما يتفرع عنها، كما سوف يأتي من كلامهم في هذا الشأن.
ومما يتعلق بتوحيد الربوبية قضية وجود اللَّه سبحانه وتعالى وهو أمر مركوز في الفِطَر والأدلة على وجوده سبحانه وتعالى لا تحصى، وعددها كعدد المخلوقات؛ إذ كل مخلوق يحمل أدلة تدلنا على خالقه وموجده وبعض صفاته، وأول شيء يقال هنا بأن العدم لا يوجد شيئًا، ومن المستحيل أن يفعل العدم شيئًا؛ لأنه لا وجود للعدم، وثانيًا إذا نظرنا في المفعولات وجدناها مرآة لبعض قدرة الفاعل وبعض صفاته، وهناك علاقة محكمة بين المصنوع والصانع والفعل والفاعل، إذ لا يُمكن أن يكون شيء في المصنوع أو الفعل إذا كان الصانع أو الفاعل لا يَملك قدرة أو صفة تمكنه من فعل ذلك الشيء في مصنوعه أو فعله.
ولا يستطيع أحد أن يزعم أن حيوانًا لا يعقل أطلق قصرًا صناعيًا يدور--------------------------------------------
(1) الآية 3 من سورة يونس.
(2) انظر: مجموع الفتاوى 13/ 14، 37، والفتاوى السعدية: ص 8 - 9، وعلم التوحيد للربيعة: ص 7، والإيمان لمحمد نعيم ياسين: ص 7، والمجموع الثمين من فتاوى ابن عثيمين 1/ 16 و 8/ 2 - 11، والكليات لأبي البقاء الكفوي: ص 466، وتفسير الطبري 1/ 141.
(3) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 1/ 38.
(4) الآية 25 من سورة لقمان.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٨٨)
حول الأرض؛ لأن الحيوان لا يَملك القدرة على إطلاق ذلك القمر.
فإذا طبقنا مبدأ أن العدم لا يخلق شيئًا وشاهدنا ملايين الملايين من المخلوقات والأحداث التي تحدث كل يوم في هذا الكون جزمت عقولنا بأن لكل فعل منها فاعلًا؛ لأن العدم لا يخلق شيئًا، وإذا طبقنا مبدأ أن الفعل مرآة لبعض قدرة فاعله وبعض صفاته وجدنا أن المخلوقات والأحداث التي تحدث في الكون محكمة في نظامها تشهد أنها من صنع حكيمٍ، موجهة في سيرها تشهد أنها من صنعِ مريدٍ، متناسقة في أعمالها تشهد أنها من صنعِ عليمٍ واحدٍ أحدٍ، خاضعة لنظام موحد تشهد أنها من صنع حاكم مهيمن، فتجزم العقول بأن خالق هذه المخلوقات موجود متصف بالإرادة والعلم والحكمة وغير ذلك من صفات الكمال، وإذا نظرنا في المخلوقات كالسماوات والأرض والشمس والقمر وغيرها مما يدركه الحس نجد أنه لا شيء منها يتصف بأنه واحد أحد حاكم مهيمن، له إرادة مطلقة، ومشيئة نافذة وحكم مستمر وحكمة عامة وعلم شامل، إذن الذي خلقها وأوجدها هو وحده الذي يتصف بذلك(1)، وليست الطبيعة الخاضعة المخلوقة البائدة، قال تعالى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185)}(2)، وقال -جَلَّ وَعَلَا-: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)}(3).
وإذا كانت قضية وجود اللَّه من المسائل المسلم بها فيما مضى، فإن العصر الحاضر غلب فيه الإلحاد على أهل الكفر المعاصرين، أمّا في الزمان الغابر فقد كان الانحراف يتمثل في الشرك، والمشرك يعرف أن هناك إلهًا خالقًا لهذا الكون ولكنه يشرك به في العبادة، فيتوجه إلى آلهة أخرى مع اللَّه أو من دون اللَّه فيقدم لها العبادة والعداء، أو يتبع أمرها بالطاعة أو بالمحبة والولاء.
أمّا الملحد -كما في الاصطلاح المعاصر- فهو ينكر وجود اللَّه تعالى، وهذا الذي غلب على كثير من أصحاب المذاهب الفلسفية والسياسية والأدبية--------------------------------------------
(1) انظر: توحيد الخالق لعبد المجيد الزنداني 1/ 20 - 25، وكتاب الإيمان للزنداني أيضًا: ص 23 - 26.
(2) الآية 185 من سورة الأعراف.
(3) الآية 24 من سورة الحشر.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٨٩)
والفكرية المعاصرين؛ وسبب ذلك غلبة الصادية فكرًا وحياة وممارسة على هؤلاء، وانحصارهم في دائرة المحسوس، وتمادي الغفلة والجهالات الفكرية بهم إلى الحد الذي أنكروا فيه ما وراء الحس إنكارًا تامًا، وزعموا أن كل ما كان خارج الحس فهو غير موجود، وهذا انطماس غير عادي في البصيرة والعقل، يؤدي إلى تأليه المحسوس وحده، ونفي وجود اللَّه وسائر الغيبيات.
ومن أسبابه ذلك الدور الخطير الذي قامت به الكنيسة في إفساد دين النصرانية المنزل من عند اللَّه، حيث ألهت البشر وجعلت الإله ثلاثة، وأبطلت حكم اللَّه وشريعته، وكانت هذه الأفاعيل من الكنيسة مقدمة للإلحاد والخروج عن الدين بكامله في أوربا، ثم ما قامت به الكنيسة -التي أصبحت منارًا للشرك والجهالات- من حربٍ للعلم والعقل والتجربة وذلك لخوفها على مكانتها عند الناس الذين سيكتشفون أن هناك حقائق غير الذي تقوله الكنيسة.
ثم لأن العلوم التجريبية جاءت من احتكاك الأوروبيين بالمسلمين فكان العلم المنافس للكنيسة علم المسلمين، وهذا محل خطورة على الكنيسة من الإسلام نفسه الذي سوف ينتشر في أوروبا مع الحركة العلمية المنقولة عن المسلمين؛ لذلك قامت بحرب شرسة ضد العلماء الأوروبيين المتأثرين بالمسلمين، وهذا سبب آخر بُذرت به بذور العداوة بين العلم التجريبيّ والدين، وما لبثت هذه البذور تنمو حتى أثمرت على مر العصور قطيعة تامة مع الدين، ومحاربة له وخروجًا عليه بالكلية، حتى أنهم وصلوا إلى أن البحث العلميّ يجب أن يخلو من أي ذكر للَّه تعالى؛ لأن مجرد ذكر اسمه تعالى في البحث العلميّ يفقد هذا البحث طابعه العلميّ حسب زعمهم الماديّ.
إضافة إلى ما فعلته الكنيسة من إفساد لدين اللَّه المنزل على عيسى عليه الصلاة والسلام وموقفها العدائي للعلم والتجريب، فقد مارست أنواعًا من الطغيان، وأفسد رجال الدين النصرانيّ بعسفهم وظلمهم وتعديهم على عقول الناس وأموالهم وأجسادهم وحقوقهم فسادًا عظيمًا كان سببًا في ظاهرة الإلحاد المتزايدة اليوم في أوروبا والغرب.
فقد فرضت الكنيسة ورجال الدين النصرانيّ على الناس أموالًا يقدمونها للكنيسة إلزامًا ليأخذها الرهبان -الذين يدّعون الزهد والنسك!! - خالصة لأنفسهم ليعيشوا بها في بذخ لا يحلم به المترفون، وفرضت الكنيسة على الناس العمل مسخرين في فلاحة الأراضي التي تملكها الكنيسة يومًا في كل أسبوع سُخْرة بغير
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٩٠)
أجر ولا ثَمن، وفرضت الكنيسة ورجال الدين على الناس الخضوع والتذلل للرهبان، فإذا مر أحدهم وجب على الناس أن ينحنوا حتى تلتصق جباههم بالأرض ولو كانوا في الطين والوحل، وألزمت الناس بأفكار محددة عن الكون، مخالفة للحقائق العلمية الثابتة، وحكمت بكفر وإلحاد من خالف هذه الأفكار.
أمّا احتكارها لحق الصلة بين الإنسان وربه فكان من أبشع الممارسات التي جعلت الناس فيما بعد يثورون على الكنيسة ورجال الدين بل على الدين كله.
فكانت جلسة الاعتراف أمام الكاهن هي الطريق الوحيد للتوبة ونيل رضوان اللَّه، ولا خلاص من الذنوب إلّا بهذا العمل، ولا يُمكن للإنسان أن يدعو ربه أو يعبده إلّا من خلال هذه الواسطة التي احتكرها رجال الدين النصرانيّ لأنفسهم، فاستعبدوا الناس وأذلوهم وحطموا مقومات الشخصية الإنسانية فيهم، ومارسوا عليهم المهزلة المهينة المسماة بصكوك الغفران، مقابل أموال ينالونها من الناس، ثم جاءت قاصمة الظهر حين قام الناس في أوروبا في العصور الحديثة بالمطالبة بحقوقهم التي سلبها الأباطرة والإقطاعيون والملوك، فوقفت الكنائس ورجال الدين إلى جانب الظالمين والمستبدين، وأصدروا الفتاوى الدينية في حق من تمرد على الاستعباد وطالب بالحقوق، بأنه قد مرق من الدين واستحق غضب اللَّه، فكانت غضبة الجماهير عاصفة قوية ونفورهم من الكنيسة ورجالها وبالتالي من الدين وما يتصل به نفورًا قويًا، قاد إلى الإلحاد والمادية والشهوات البهيمية التي انحطت فيها أوروبا والغرب اليوم.
هذه بعض الأسباب التي أدت إلى الإلحاد الذي انتشر اليوم، وقامت على فكرته الضالة سياساتٌ ودولٌ ومدارسُ ومناهجُ وجامعاتٌ تقوم على تدريسه وتأصيله ونشره، وتلقاه بعض أبناء المسلمين وتأثروا به فنقلوه في كتاباتهم وأفكارهم وممارساتهم وسعوا في بثه والدفاع عنه، مع أن واقع المسلمين في دينهم منهجًا وعملًا مخالف تمام المخالفة لما كانت عليه أوروبا في دينها وحياتها الاجتماعية والسياسية، ومع ذلك فقد تلقى هؤلاء الأتباع هذا الإلحاد بحماس أشد من حماس أصحابه الأصليين، وطفقوا
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٩١)
يبثونه ويدعون إليه ويدافعون عنه، وهذا ما سوف يأتي عرضه في هذا الفصل من الانحرافات المتعلقة بالربوبية في الأدب العربي المعاصر.
غير أنه قبل استعراض هذه الانحرافات الموجودة في أدب الحداثة العربي ينبغي أن أذكر أن هذه الضلالات التي يقوم على تأصيلها ونشرها والدفاع عنها أدباء الحداثة؛ ليست إلّا نقولات مترجمة من أفكار ومناهج الغربيين إلى اللغة العربية بأقلام هذه الوسائط الفكرية والأدبية، التي ليست سوى أقلام عربية الحرف أجنبية الفكر والاعتقاد والولاء.
وفي الحقيقة إن ما أطلقوا عليه تقدمًا ومعاصرة ليس إلّا تعبيرًا عن الإلحاق بالقوة في المجال الثقافيّ والفنيّ، تبعأ للإلحاقات الاستعمارية السابقة العسكرية والسياسية والاقتصادية، فقد انغمس المثقف العربي الحداثيّ في التبعية الاعتقادية والفكرية إلى حد كبير جدًا حتى وهو ينادي بالوطنية والقومية ويتشدق بالحرص على الأمة والمجتمع، فها هو لويس عوض(1) في محاضرة له بعنوان "أسباب عدم عالمية الفكر العربي" يذكر أن السبب في التخلف هو انشغال الفكر العربيّ بقضايا تجاوزتها أوروبا منذ زمن طويل(2).
ويقول في جريدة الأهرام: (إن سياسة الباب المفتوح عندما تمتد من مجال السلع والخدمات المستوردة إلى مجال الاقتصاد والقيم المستوردة سوف تبعث في مصر على وجه اليقين ذلك التراث الإنسانيّ العظيم من التواصل الثقافيّ مع بقية بني الإنسان)(3).--------------------------------------------
(1) كاتب وناقد وشاعر حداثيّ مصريّ نصرانيّ، ولد سنة 1333 هـ/ 1915 م، يزعم أنه أول من ابتدع الحداثة الشعرية في "برتولاند"، تخرج من جامعة القاهرة في الأدب الإنجليزي، أكمل دراسته في جامعات لندن، ثم عاد مدرسًا في الجامعة في مصر وعمل في الصحافة، وفي منصب مستشار في جريدة الأهرام، تشبع بالفكر الاشتراكي ودعا إليه، حارب التراث الإسلامي بتعصب صليبيّ ظاهر، واندفع نحو تغريب المجتمع المسلم وهدم عقيدته وقيمه الأخلاقية في حقد ظاهر وضغينة لا يخفيها تجاه الإسلام والمسلمين وعمالة وولاء لأعداء الإسلام. انظر: الصراع بين القديم والجديد 2/ 1263، ورأيهم في الإسلام: ص 107، ورحلة في عقول مصرية: ص 397.
(2) انظر: مجلة الطليعة الكويتية الصادرة في 5/ 4/ 1976 م، الموافق 4/ 1396 هـ.
(3) الأهرام، مقال بعنوان (تأملات في الثقافة المصرية) في 24/ 5/ 1981 م، الموافق 6/ 1401 هـ.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٩٢)
وها هى مجلة (شعر) التي تعد أبرز حركة حداثية وأعمقها تأثيرًا في مسيرة الفكر الحداثيّ تعلن بصراحة اندماجها الكامل في النموذج الثقافيّ الفكريّ الغربي، في محاولة مكشوفة وصريحة لأوربة الشعر الحديث(1)، في مضامينه وأفكاره وعقائده، تمهيدًا لإنزال ذلك في سائر نواحي الحياة، وقد استوعبت مجلة (شعر) النموذج الغربيّ أعمق استيعاب، ثم جاءت به منقولًا بكامله لغرسه في أحشاء الحياة العربية، على أساس أن العودة إلى أوروبا والغرب هي عودة إلى الأصول التاريخية والثقافية في فينيقيا وما بين النهرين(2).
يقول محمد جمال باروت(3) -وهو حداثي كبير شهير- في معرض حديثه عن مجلة (شعر) ومجموعة الشعراء التموزيين(4): (أن لكل منهم دمّله وأزماته وأحلامه، ولكل منهم في الآن ذاته وعيه وحساسيته وموهبته، وعانوا جميعًا من تعدد الانتماءات، وأسهمت في تكون وعيهم أصول ايديولوجية مختلفة ومتناقضة وكانوا جميعًا يتوقون إلى المعاصرة، ولأن يلتحقوا بركب الحضارة وينخرطوا في سلك الشعراء العالميين، ويقولون بعمق العلمنة والتحديث وبلبرالية(5) الفكر والحوار، وبالالتصاق بالتيارات الأكثر طليعية في--------------------------------------------
(1) و(2) انظر: الحداثة الأولى، لمحمد جمال باروت: ص 110.
(3) محمد جمال باروت، ناقد من سورية، يعمل مدرسًا للغة الفرنسية فى حلب، ويكتب في النقد الأدبيّ، من وجهة نظر حداثية، مطلع على الحداثه العربية وتاريخها ومدارسها، مؤيد لها منافح عنها، لا يخلو كلامه من غمز في الإسلام واستخفاف به، ومناقضة لقضاياه. انظر: مجلة الناقد، العدد العاشر 1989 م.
(4) نسبة إلى (تموز) وهو وثن آشوريّ بابليّ كانوا يعتقدون أنه رب المحاصيل والإنبات وأنه يموت كل شتاء ويولد في كل ربيع، وأنه كان زوجًا لعشتار أو عشيقها. انظر: معجم الأساطير: ص 236، وقد شغف الحداثيون بهذا الرمز الوثني ومثلت أسطورته المثل الأعلى لهم فانتسبوا إليه وجعلوه مثالًا للحضارة والتجدد والانبعاث وتظهر هذه الأسطورة لديهم في رموز وثنية أخرى منها: عشتار وأدونيس وأفروديت وأوزيريس وايزيس والبعل. انظر: الحداثة الأولى: ص 163 - 164.
(5) الليبرالية مذهب رأسمالي ينادي بالحرية المطلقة في السياسة والاقتصاد، وينادي بالقبول بأفكار الغير وأفعاله حتى ولو كانت متعارضة مع أفكار المذهب وأفعاله شرط المعاملة بالمثل، والليبرالية السياسية تقوم على التعددية الإيديولوجية والتنظيمية الحزبية، =
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٩٣)
الغرب. . . تعرفوا جميعًا على الأرض اليباب لأليوت(1) وقرأوا بنهم عجيب ادونيس أو تموز لجميس فرايزر(2). . . وعلى صفحات مجلة شعر انخرطوا جميعهم في أواخر الخمسينات في النشيد التموزي مجتمعين، حتى كأنهم جماعة المصلين وقد اشتركوا في طقوس عبادة مفروضة)(3).
هذه العبادة الوثنية التموزية التي استغرقت هؤلاء ليست إلّا محاكاة فجة وتافهة للغربيين الملحدين، وما سارت بها مجلات ما يسمى بعصر النهضة مثل مجلة المقتطف والهلال (والتي وجدت "روح العصر" في أوروبا--------------------------------------------
= والليبرالية الفكرية تقوم على حرية الاعتقاد "أي حرية الإلحاد" وحرية السلوك "حرية الدعارة والفجور"، وعلى الرغم من مناداة الغرب بالليبرالية والديمقراطية إلّا أنهم يتصرفون ضد حريات الأفراد والشعوب في علاقاتهم الدولية والفكرية، وما موقفهم من الكيان اليهوديّ في فلسطين، وموقفهم من قيام دولة إسلامية تحكم بالشريعة الإسلامية، وموقفهم من حقوق المسلمين إلّا لبعض الأدلة على كذب دعواهم. انظر: الموسوعة السياسية 5/ 566.
(1) هو: توماس ستيرنش أليوت، ولد سنة 1305 هـ/ 1888 م، شاعر وناقد إنجليزي من أصل أمريكي، درس في هارفرد والسوربون واكسفورد، وحصل على جائزة نوبل للآداب 1367 هـ/ 1948 م، تأثر به الحداثيون العرب كما لم يتأثروا بأي شاعر آخر، وخاصمة في قصيدته الأرض اليباب، يستند أليوت إلى ثقافة نصرانية يرى فيها المستقبل، ويسعى لاقتحام الآخرين ماديًا وفكريًا. انظر: ألف شخصية عظيمة: ص 380، والموسوعة العربية الميسرة 1/ 214، وفي النقد الحديث: ص 199 - 201.
(2) هو: جميس فريزر، اسكتلندي إنجليزي، ولد عام 1270 هـ/ 1854 م،. وتوفي عام 1360 هـ/ 1941 م، يعد في الغرب من علماء الدراسات الإنسانية الكبار، صاحب كتاب الغصن الذهبي المكون من اثني عشر مجلدًا، وموضوعه دراسة السحر والدين والأساطير، حاول فيه أن يثبت شرعية الأسطورة ويعترف أن قوله يفتقر إلى البرهان ولا يتجاوز درجة الاحتمال، ولكن المتأثرين به وخاصة الحداثيين العرب أخذوا كلامه بقطعية تامة، وترجم جبرا جزء أدونيس من الغصن الذهبي، وقد أثر جيمس فريزر في الحداثيين العرب تأثيرًا كبيرًا، فاتجهوا نحو الأسطورة وجعلوها أساسًا لمنطلقاتهم الفكرية، كذبوا بالحق لما جاءهم، وآمنوا بالأكاذيب. انظر: فوضى الحداثة للدكتور عبد الحامد: ص 192 - 195، والموسوعة العربية الميسرة 2/ 1298.
(3) الحداثة الأولى: ص 128.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٩٤)
الليبرالية العقلانية، أوروبا الديكارتية(1) الدارونية(2)، وأوروبا روسو(3) والثورة البورجوازية(4) الفرنسية والعلمية، فقد كانت الهلال تربط عصرية النهضة بمدى قدرتها على تمثل هذه الروح، أو بما كان يسميه جورجي زيدان(5)--------------------------------------------
(1) الديكارتية نسبة الى ديكارت وفلسفته التي سار عليها أتباعها من بعده، حيث ادعى أنه قد شملته نشوة علمية غريبة فحلم حلمًا عجيبًا ولم يشك أنه الوحي نزل عليه حسب زعمه. حيث رأى فيه نفسه، وقد اكتشف أسس علم يرد العلوم كلها إليه ويؤلف بينها ويقيمها على الرياضيات، وشرع يؤلف "قواعد لهداية العقل" ورفض أن يكون للعلم أساس سوى اليقين المطلق، ومن هنا نشأت فلسفة الشك التي عممها على كل شيء حيث أعلن أنه ينوي الشك ما استطاع إلى الشك سبيلًا حتى يرى ما الذي يُمكن أن يصمد للشك، فما بقي فهو اليقين، ويبدأ بشكه في حواسه وعقله ثم في وجود اللَّه تعالى والماضي وقوانين الحياة، وقد أخذ الحداثيون والعلمانيون الديكارتية ليطبقوها على الدين وقضاياه وتاريخ الإسلام والتراث العربي كما فعل طه حسين. انظر: الموسوعة الفلسفية: ص 189.
(2) الداروينية نسبة إلى عالم الطبيعة الإنجليزي داروين صاحب نظرية النشوء والارتقاء والاصطفاء الطبيعيّ، التي قرر فيها أن الإنسان نشأ بلا خالق، بل تكون من خلية وحيدة تطورت حتى وصل في مرحلة إلى القرد، ثم تطور ليصبح إنسانًا، وقد نالت هذه الخرافة مكانة كبيرة في الفكر والحياة الغربية ولمن سار على منوالها. انظر: تاريخ الفكر الأوروبي الحديث: ص 715، والموسوعة الفلسفية: ص 177.
(3) هو: جان جاك روسو، ولد في جنيف عام 1124 هـ/ 1712 م، نشأ في بؤس انعكس على نفسيته فكان سيء الظن بالناس دائم التشهير بهم، شديد الكبرياء، كان بروتستنتيًا فتحول إلى الكاثوليكية، ربط نفسه بخادمة أنجبت منه خمسة أطفال دخلوا جميعًا ملجأ اللقطاء، صاحب العقد الاجتماعيّ والكتاب التربويّ أميل، وتقوم فلسفته على أساس ماديّ، وجعل العقد الاجتماعيّ هو الدين المدنيّ اللازم للمجتمع، وتوفي سنة 1192 هـ/ 1778 م بعد أن ترك أثرًا كبيرًا في الحياة الاجتماعية الغربية، وسيأتي تفصيل ذلك في ص 2091 من هذا البحث. انظر: الموسوعة الفلسفية: ص 216، ومعجم الفلاسفة: ص 299.
(4) البرجوازية ينعت بها سكان المدن الحديثة، وهي ترمز إلى الطبقية المتوسطة والثرية وأصحاب المهن الحرة، ويضادها العمال أي البروليتاريا حسب مصطلح الماركسية، وحكومة البورجوازية حكومة رأسمالية، واليساريون هم أكثر من يطلق هذا اللفظ. انظر: المعجم الفلسفي: ص 33، ومعجم العلوم السياسية اليسر: ص 52، والموسوعة العربية الميسرة 1/ 429.
(5) هو: جورجي زيدان، ولد في بيروت سنة 1277 هـ/ 1861 م لأسرة نصرانية، رحل=
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٩٥)
بمدى قدرة العربي على تحدي الغرب وإثبات الاحتذاء به وتمثله.
كان ذلك يعني على المستوى الثقافيّ الشعريّ القول بـ "الشعر العصريّ" وإذا كان هذا القول يستمد معاييره من الغرب، فإن هذا يعود أساسًا إلى أنه كان محكومًا بالوعي البورجوازيّ الناشئ الذي رأى "الحداثة" و"العصرية" عبر أوروبا، والذي نجد له تمثيلًا نموذجيًا واضحًا في كل من "الهلال" و"المقتطف". . .
لا شك أن هذا الوعي كان يستجيب لتفكيك العلاقات الإقطاعية وانحلالها، ويدعم تقويضها ايديولوجيًا في النزوع إلى بنية اجتماعية ثقافية جديدة، تقوم على الحداثة والعلمنة، وعلى التحول من اللاهوت إلى العقل، ومن الذهنية التقديسية إلى الذهنية التاريخية، ومن الذهنية الدينية إلى الذهنية العقلانية الديكارتية والدارونية. . .)(1). فهذا هو المستند الاعتقاديّ القائم على التبعية الكاملة للغرب هو الذي أودى بالأتباع المحاكين للغرب في مهاوي الإلحاد والكفر والضلال.
وهذا التحول الذي يشير إليه النص السابق هو أساس الانحراف الاعتقاديّ، وثمرة التبعية والمحاكاة للغرب، وكونهم يتحولون من اللاهوت إلى العقل ومن الذهنية التقديسية إلى الذهنية التاريخية ومن الذهنية الدينية إلى الذهنية العقلانية، كل ذلك يعني أنهم لا يطّرحون الدين الإسلامي جانبًا فحسب بل ويطّرحون -تبعًا لأساتذتهم- كل أسس الاعتقاد الدينيّ الإسلاميّ من إثبات لوجود اللَّه وتوحيده وربوبيته والرسل والمعاد والغيبيات.--------------------------------------------
= إلى مصر واشتغل بالصحافة وفي سنة 1309 هـ/ 1892 م أسس مجلة الهلال التي لعبت دورًا كبيرًا في نشر التغريب والعلمانية الفكرية والسياسية، كما أسس دار الهلال للطباعة والنشر وما زالتا تقومان بما أسست عليه، توفي في القاهرة 1332 هـ/ 1914 م عن 53 سنة، له مؤلفات كثيرة في تاريخ آداب اللغة وسلسلة من الروايات التاريخية تزيد عن العشرين ملأها بالدس والتزوير والكذب على تاريخ الإسلام، يعتبره الحداثيون والعلمانيون أحد مؤسسي النهضة الصحفية والأدبية في البلاد العربية. انظر: المرشد لتراجم الكتاب والأدباء: ص 84، والصراع بين القديم والجديد 2/ 1250.
(1) الحداثة الأولى: ص 148.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٩٦)
علمًا بأن أدباء الحداثة لا ينفون مطلقًا التبعية للغرب، والانتماء إليه فكريًا وثقافيًا واعتقاديًا، وهذا ما يقرره محمد مندور(1) في مقدمة الأدب ومذاهبه، يقول: (لا شك أن الأدب العربيّ الحديث قد تأثر بالآداب الغربية تأثيرًا يفوق تأثره بالآداب العربية القديمة، وذلك منذ أن أخذ العرب يتصلون بالعالم الغربيّ سواء بواسطة المبشرين والمحتلين ورجال المال والتجارة الذين وفدوا إلى بلاد العرب، أو بواسطة البعثات العلمية التي أرسلتها البلاد العربية إلى البلاد الغربية، وكان هذا التأثير إمّا عن طريق الترجمة وإمّا عن طريق القراءة في اللغات الأصلية للآداب الغربية)(2).
ويقول في موضع آخر: (. . . إن كل حركات التجديد التي نشأت في الأدب العربي المعاصر إنّما تستمد في الغالب وحيها من الآداب الأجنبية. . .)(3).
وهذا الاستمداد من الآداب الغربية ليس مقصورًا على الأنماط والأشكال والأساليب كما يتوهم بعض التلفيقيين، بل هو ممتد إلى الأفكار والعقائد والمضامين، بل إن هذه هى أولى ما بدأ النَقَلَة العرب المعاصرون باعتناقه ونقله ونشره، وهم يعرفون ذلك ويؤكدون حصوله، ويعترفون بأن ما يقومون به ليس إلّا انعكاسًا كليًا لمرآة الحداثة الغربية، وأنه انقياد وامّحاء كلي أمام نماذج الغرب(4).--------------------------------------------
(1) هو: كاتب وناقد مصريّ وأستاذ جامعيّ متخصص في الأدب والنقد، ولد سنة 1325 هـ/ 1907 م، وتوفي سنة 1384 هـ/ 1965 م أكمل دراسته العليا في فرنسا، رأس تحرير جريدة المصريّ والوفد المصريّ وصوت الأمة وانتخب في البرلمان المصريّ، كان مهتمًا بالمسرح، ملمًا باللغة اليونانية، غزير الثقافة، غربيّ النزعة، ومدافعًا عن أهل الانحراف مثل لويس عوض وأشباهه، تعاون مع المنظمة العالية لحرية الثقافة. انظر: الصراع بين القديم والجديد 2/ 1278، وأباطيل وأسمار: ص 464 - 481، وتوفيق صايغ سيرة شاعر ومنفى: ص 140.
(2) الأدب ومذاهبه - محمد مندور: ص 30.
(3) المصدر السابق: ص 4.
(4) انظر: كتاب قضايا وشهادات: الحداثة ص 2، الوطني الاختلاف حداثة الآخر 3 شتاء 1991 م/ الموافق 1411 هـ ص: 215. =
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٩٧)