لا غرو أن يكون أدونيس بهذا الشعور المتعالي وهو يرى أن التابعين له ينظرون إليه بهذه النظرة التقديسية الهائلة التي ما كان يحلم بها(1).
ولما استخف أتباعه فأطاعوه اعتلى به غروره وكبرياؤه فأعلن على رؤوسهم:
(أنا العالم مكتوبًا
وأهدابي تهيمن على الأرض
هكذا
أخرج قصائدي من طين خطواتي
أرجم الزمن بأحوالي
وأصرخ: أنا المعنى)(2).
ويخضع الأتباع في إذعان ومحاكاة صنمية عمياء على نحو ما قررته خالدة سعيد في مقالة لها عن أدونيس تتحدث فيها عن الشعراء الشباب قائلة: (. . . إنهم يكملون ما بدأه أدونيس، إنهم الباحثون عن الذات المستقبلية)، وتقسم الشعراء إلى فئتين: (فئة الذين يسقطون في لغة أدونيس ويصرّفون عبرها شوقهم الخاص، يضيعون صوتهم الخاص، وفئة الذين يحاورون أدونيس)(3).
ويصف أحد نقاد الحداثة هذه السوق الحداثية الأدونيسية بأنها (ساحة محكومة كسوها بقوانين عرض وطلب، وسوق تعامل ورساميل رمزية أو غير--------------------------------------------
(1) انظر على سبيل المثال كتاب "مسار التحولات قراءة في شعر أدونيس" لأسيمة درويش: ص 15 - 20، وبقية الكتاب في تبجيل أدونيس وإعلاء شأنه بصورة مباشرة أحيانًا وغير مباشرة في أحيان كثيرة؛ وذلك بتغليف إعجابها بأدونيس بغلاف النقد والدراسة لشعره.
(2) الأعمال الشعرية لأدونيس 2/ 249.
(3) مجلة الناقد، العدد الأول، يوليو 1988 م: ص 63.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢١٨)
رمزية وأصول تبادل ومجاملة وبروتوكولات تضامن وممالأة معروفة كلها للجميع)(1)، وهو يعني بهذه السوق الشبكة الدولية الحداثية المبتدئة من باريس ولندن وغيرها من مدن الإنتاج والمنتهية بالسوق العربية حيث الاستهلاك الأعمى، والاعتناق البدائي لأفكار وعقائد فلاسفة وأدباء مدن الإنتاج.
ويضيف هذا الكاتب أن أدونيس يعيش افتضاحًا فراغيًا خلال لغة صاخبة تفضي إلى أن (. . . يتساءل كثيرون عما يُمكن أن يفعلوا بهذه الآلة اللغوية البالغة الصخب التي تشكل كل شعر أدونيس أو تكاد.
وليس من المبالغة في شيء القول إن الكثيرين يجدون أنفسهم مجبرين على الإجابة بـ لا شيء أو لا شيء تقريبًا، إن هذا الشعر يبهر بعض القوم؛ لأنهم بالأساس باحثون عما يبهر، والحق أن أدونيس يبهر هؤلاء ويسدي لهم خدمة كبيرة، هي في الأوان ذاته أكبر إساءة وأكبر تمييع للشعر، إذ يمكنهم من توهم قول الشعر بأيسر التكاليف، وادعاء النبوة بأسهل السبل، والتشبه بالحداثة بفضل أبسط الألعاب اللغوية، لكل إن ينتطح للشعر بمجرد أن يتلاعب بخرز الكلام، ولكل مهما كان من فقر تجربته في الوجود ومغامرته في اللغة أن يعد نفسه رائيًا. . .)(2).
ثم يفسر هذا الناقد الحداثيّ بعض أسرار هذا الإعجاب والانبهار بأدونيس وأولها أنه صاغ من نفسه بطلًا وصور ذاته معلمًا من معالم التقدم والازدهار، فقال: (هو أولًا شعر مكرس منذ بداياته منذ "قصائد أولى"(3) و"أوراق في الريح"(4) و"مهيار"(5) بخاصة لانتظار البطل، بطل رومانسيّ، مخلص مأمول، تمنح له جميع الصفحات. . .
وهو ثانيًا شعر قائم على السرانية (من السر) سرانية تظل مع ذلك لفظية يصرح بها دون أن يمثل عليها. . . سرانية أو إخفاية تبلغ في بعض--------------------------------------------
(1) أدونيس متحلًا، لكاظم جهاد: ص 12.
(2) المصدر السابق: ص 13.
(3) و(4) و(5) أسماء لمقاطع يسميها أدونيس شعرًا.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢١٩)
القصائد حدود الكاركاتورية "أشرد في مغاور الكبريت" أعانق الأسرار، في غيمة البخور في أظافر العفريت"(1). . . .
وهو ثالثًا شعر الأنا المفحمة المنتفخة المتمركزة. . . هذه الأنا المضخمة التي ستكشف شيئًا فشيئًا عن فراغيتها تسود عمل أدونيس كله، تبدأ في مهيار بعمومية كونية. . . إلى هذيان مضجر حول الاسم الشخصي "كيف أسكن أسمائي. . . مشكل هذه الأنا الفراغية التي لا تجد خلاصًا. . . إلّا في مطالعة ذاتها في مرآة مفخمة مرآة الكون ومرآة الاسم. . . ولما كانت جميع الشواهد الشعرية تأتي لتثبت لنا أنه امتلاء كاذب وانتفاخ رنان فإن هذا ينتهي إلى شعر مُسقم لا عمق فيه ولا حداثة)(2).
هذه شهادات من داخل البيت الحداثيّ تؤكد أن ما ذكرناه في هذا الصدد حق، والحق ما شهدت به الأعداء.
ولا يفتأ أدونيس يكرر تفخيمه لنفسه كلما حانت له فرصة، ففي مقطع جنسيّ شهوانيّ طويل بعنوان "جسد" يتطاول في صلف وغرور قائلًا:
(. . . أتدحرج بين أنا الجمر وأنا الثلج
وبين
الياء
والألف
اتدلى
أخلق في اليوم يومًا آخر--------------------------------------------
(1) كلمات لأدونيس يستشهد بها كاظم جهاد على ما سماه "السرانية الإخفائية" وهي في الحقيقة نزعة باطضية أثرت في أعماله تأثيرًا كليًا بحكم نشأته النصيرية، وسوف يأتي تفصيل ذلك.
(2) أدونيس منتحلًا: ص 13 - 14.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٢٠)
وأربط بحبل الدقائق أهوائي. . .)(1).
وإنه لمن عجائب الأمور أن تجد الحداثيين يتمردون على اللَّه تعالى وشرعه ودينه، وعلى القيم والأخلاق والنظم والعقل، ثم ينخرطون في تبعية هذا المتعالي بنفسه، المنتفش بالجهل والكذب والانحراف والضلال، فإذا وصف نفسه بأنه رب أو إله أو ضوء أو نهار أو نهر فلا تجد من الأتباع إلّا الموافقة والتصفيق والإعجاب!!!.
ها هو يكتب عن نفسه أو عن فكرته ويرمز لها بالضوء، وينعته بالخلق فيقول:
(أيها الضوء
خلقت إلهًا ويرفضك الظلام
ألهذا كنت العين الوحيدة التي خلقت من أجل
أن تسكنها الظلمات
ألهذا كنت الخالق يلبس شكل الخليقة. . .)(2).
ومع ذلك لا تجد من أتباع أدونيس -وأكثر الحداثيين أتباع له- إلّا التصديق والانقياد والقبول؛ لأنه صور لهم أنهم سيكونون بمجرد اتباعهم له ومحاكاتهم لفكره وشعره في منزلة أعلى من البشر وأرفع من الإنسان، إنها منزلة "الربوبية" التي طالما خادعهم بأنهم سيرتقون إليها في مثل قوله: (الإنسان كائن خلاق -يشارك في الخلق الإلهي، وليس الخلق الشعريّ إلّا صورة للخلق الكونيّ بكامله. . .)(3).
لقد سولت لهم أنفسهم سوء أعمالهم وأضلهم "سامريّ الحداثة" فأخرجه لهم عجلًا جسدًا له خوار هو عجل الحداثة الذي ألهوه وعبدوه من--------------------------------------------
(1) الأعمال الشعرية لأدونيس 2/ 590 - 591.
(2) المصدر السابق 2/ 670 - 671.
(3) الثابت والمتحول 3 - صدمة الحداثة: ص 157، ونحوه في ص 248.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٢١)
دون اللَّه وقالوا لن نبرح عليه عاكفين قائلين: (ليس الشعر رسمًا بل خلق)(1) و (. . . الشاعر هو من يخلق أشياء العالم بطريقة جديدة)(2)، وإذا سألتهم من أنتم؟ أجابوا: (نحن هدامون وكل منا قائد اللوعة والرماد. . . هكذا نعلن أنفسنا غواة وخائنين، الهاوية تأتي معنا تعرف ذلك سنعمقها سنوسعها، سنصنع لها أجنحة من الريح والضوء)(3).
وإن استفسرت عن وسيلتهم في هذا الهدم والضلال قالوا: الحضور الشعريّ: (هذا الحضور الوحيد الفاجع المعزول، والذي هو مع ذلك الحضور البهي الصامد الباقي العنيد حتى الحجر وحتى الريح، هذا الحضور مطلق ينظم الواقع حوله، وفق اشعاعه، وبحسب دفعته، إنه معطٍ، خالق، وليس وارثًا، نحن نخلق ولا نرث)(4).
وفي سراديب ضلال وانحراف وإفساد يتقلب بهم كاهن الحداثة من عجل إلى صنم إلى وثن، متخذًا لهم آلهة وأربابًا من دون اللَّه، فبينما الشعر وسيلة هدم ونسف إذا به فجأة "المطلق والخالق" وإذا بهم ينقلبون فجأة كذلك من كونهم عبيدًا للحضور الشعريّ والإبداع إلى كونهم خالقين، ويصرخ بهم في تشجيع وتحفيز قائلًا لهم: (اللاتقليديّ، الرائد، إنسان الرفض المستبق الخالق السهم الراثي البكر النقيّ المغسول، إنسان البداية والنموذج أبدًا، هذا ما نتطلع إليه ونبشر به، هذا هو مجتمعنا وقارئنا وصديقنا هذا هو عالمنا)(5).
وأي صراحة أوضح من هذه على أن القوم يشقون لهم ديانة جديدة وملة حديثة، يدعون إليها ويبشرون، ملة تقوم على نفي وجود اللَّه تعالى ونسبة الخلق والإيجاد إلى غيره -جلَّ وعلا-، وتسمية غيره خالقًا، وإسناد--------------------------------------------
(1) زمن الشعر: ص 11.
(2) المصدر السابق: ص 17.
(3) المصدر السابق: ص 227.
(4) المصدر السابق: ص 228.
(5) المصدر السابق: ص 240.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٢٢)
الخلق والأمر إلى أي شيء سوى اللَّه تعالى، وتلقي الأوامر والتشريعات والنظم والمناهج من كل أحد سوى اللَّه -جلَّ وعلا-، أمّا من هو هذا السوى؟ فإن الحداثة العربية تجيبك بأنه كل إله يمكنهم اتخاذه شريطة ألا يكون هذا الإله هو اللَّه جل جلاله.
وهذا هو منطق الكفر منذ القدم كما أخبر اللَّه تعالى في كتابه العظيم: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45)}(1).
(والآية تصف واقعة حال على عهد النبي صلى الله عليه وسلم حين كان المشركون يهشون ويبشون إذا ذكرت آلهتهم، وينقبضون وينفرون إذا ذكرت كلمة التوحيد، ولكنها تصف حالة نفسية تتكرر في شتى البيئات والأزمان، فمن الناس من تشمئز قلوبهم وتنقبض نفوسهم كلما دعوا إلى اللَّه وحده إلهًا، وإلى شريعة اللَّه وحدها قانونًا، وإلى منهج اللَّه وحده نظامًا، حتى إذا ذكرت المناهج الأرضية والنظم الأرضية والشرائع الأرضية هشوا وبشوا ورحبوا بالحديث، وفتحوا صدورهم للأخذ والرد، هؤلاء هم بعينهم الذين يصور اللَّه نموذجًا منهم في هذه الآية، وهم بذاتهم في كل زمان ومكان، هم الممسوخو الفطرة، المنحرفو الطبيعة الضالون المضلون، مهما تنوعت البيئات والأزمنة، ومهما تنوعت الأجناس والأقوام)(2).
وإذا أردنا أن نستدل لهذه الحقيقة القرآنية التي بها تجلت نفسيات هؤلاء، وعقلياتهم القائمة على الصدود والإعراض عن اللَّه الملك الحق المبين، والاستكبار الواهن الضعيف على اللَّه القوي الشديد؛ فإننا نجد الكثير الوفير من أقوالهم ومواقفهم، وقد سبق منها جملة مفيدة في الدلالة على هذا الشأن، ولا بأس بالإثبات بجملة أخرى تؤكد أن هذا المعنى -في نسبة الخلق إلى غير اللَّه- وهو نوع من الانحراف في توحيد الربوبية -ليس--------------------------------------------
(1) الآية 45 من سورة الزمر.
(2) في ظلال القرآن، لسيد قطب 5/ 3055.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٢٣)
مختصًا بكاهنهم الرجيم أدونيس، وإنّما هو عند غيره من الكهنة وأتباعهم، وكيف لا يكونون كذلك وأستاذهم هو الذي قرر لهم بأن (الإبداع عمل إيجابيّ محض، وهو خلق ثان للكون. . .)(1)، وبأن (. . . الشاعر يعمل على إعادة خلق العالم ورسمه بخطوط وألوان مختلفة)(2).
وكيف لا يكونون كذلك؟ وهم وإياه رضعاء ثدي الحياة المادية الغربية الإلحادية، فلا غرو أن تتشابه أقوالهم؛ لأن قلوبهم قد تشابهت، ومواردهم تماثلت، ومقاصدهم تشابكت، فها هو أحدهم يقول مفتخرًا بجهله وضياعه: (لا ثقة لدي ولا يقين)(3) فماذا يعمل إذن هذا التائه؟ إنه يجيب بجواب لا يتفق مع عقيدة الشك والتيه، إنه يقفز ليقول بكل جراءة: (. . . يجب إذا متابعة التنفس -أخذًا وعطاءً- فنشارك الخالق في عمله الخارق. . .)(4).
سبحان اللَّه العظيم وبحمده، كيف تجرأ هذا الذي يصف نفسه ويفتخر بانعدام الثقة واليقين ليتطاول على مقام الربوبية العظيم؟!.
قال اللَّه تعالى: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4)}(5).
(ويا لها من نقلة ضخمة بين المبدأ والمصير، بين النطفة الساذجة والإنسان المخاصم المجادل الذي يخاصم خالقه فيكفر به ويجادل في وجوده أو في وحدانيته، وليس بين مبدئه من نطفة وصيرورته إلى الجدل والخصومة فارق ولا مهلة، فهكذا يصوره التعبير، ويختصر المسافة بين المبدأ والمصير لتبدو المفارقة كاملة والنقلة بعيدة، ويقف الإنسان بين مشهدين وعهدين متواجهين: مشهد النطفة المهينة الساذجة، ومشهد الإنسان الخصيم المبين. . .)(6).--------------------------------------------
(1) رأيهم في الإسلام: ص 33.
(2) المصدر السابق: ص 34.
(3) رأيهم في الإسلام: ص 57 في مقابلة مع رشيد الضعيف وهو نصراني من لبنان.
(4) المصدر السابق: ص 59.
(5) الآية 4 من سورة النحل.
(6) في ظلال القرآن 4/ 2160.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٢٤)
وهو دأب لجميع هؤلاء، لم يبرأ منه أحد منهم ولم يخلص، وفي التدليل على ذلك من الشواهد الشيء الكثير، غير أني أكتفي ببعض ذلك، مما يصور لنا عقائد القوم، يقول أحدهم:
(صار اللَّه رمادًا
صنمًا
رعبًا في كف الجلادين
أرضًا تتورم بالبترول
حقلًا ينبت سبحات وعمائم
بين الرب الأغنية الثورة
والرب القادم من هوليود
في أشرطة التسجيل
في رزم الدولارات
رب القهر الطبيعيّ
ماذا تختار؟
اختار اللَّه. . الأغنية الثورة)(1).
تعالى اللَّه عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا.
وعلى الرغم من وضوح دلالات هذه الكلمات وشدة انحرافها وضلالها إلّا أننا نجد كاتبًا حداثيًا يدافع عنها ويرد على مجلة الدعوة السعودية حين نقدتها، ويرد على الشيخ عوض القرني حين أشار إليها في كتاب (الحداثة في ميزان الإسلام)(2) وبين وجه الإلحاد والكفر والضلال فيها.--------------------------------------------
(1) الكتابة بسيف الثائر علي بن الفضل لعبد العزيز المقالح، مقطع بعنوان "الاختيار": ص 5 - 9.
(2) انظر: الحداثة في ميزان الإسلام، للشيخ عوض القرني: ص 86.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٢٥)
وينبري هذا الحداثيّ يدافع عن شريكه في العقيدة الإلحادية، وينافح عن هذه القصيدة المترعة بالكفر، ساكبًا أصباغ خداعه ومغالطته على القول وقائله فيقول: (. . . ثمة قصيدة نالت دون غيرها أكبر قدر من هذا الحراب ونال صاحبها أكبر قدر من الهجوم، بوصفه رمز الحداثة والتحديث البارز في هذه المنطقة، أعني الدكتور عبد العزيز المقالح، الشاعر اليمنيّ الذي تجاوز إبداعه أفق المنطقة، وصار أحد أعمدة الشعر العربيّ المعاصر)(1).
ثم ينفتل إلى الكلمات الإلحادية يؤولها ويحللها ويتحدث عنها بكلام اعتذاريّ تبريريّ هو أقرب إلى السفسطة منه إلى الحقيقة، وفيه من لطخات الانحراف مثل ما في الكلام المتصدّى له، يقول: (. . . وتتجاوب الدلالات الرأسية مع الأفقية ليبرز من الثنائية المتعارضة في طرفها الأول، الدال المنفيّ -"رب القهر الطبيعي"- الذي يغدو علامة على عصور يشيخ فيها الحب "الإنسان" والشعر "الإبداع" وسلاحًا يلازم سوط الجلادين ورعب المجلودين، وتبريرًا تأويليًا يضع الشرع في خدمة الحكم، فيتقلص الشرع إلى سبحات وعمائم ورزم من دولارات، تبرر كف الجلادين، وتبارك الرب القادم من هوليود، كيس يسرق أرضًا تتورم بالبترول، بين الأمس القاتل واليوم المقتول.
إن نفي الدال الذي ينطوي على "رب القهر الطبيعيّ" يبدأ بوضعه إزاء نقيضه "رب الأغنية - الثورة" والمدلول المراوغ الذي يومئ إلى منتجي صورة هذا "الرب" يعابثه الدال الذي يكشف -بالمجاورة- عن تلازم ما تخفيه "العمائم" أو تتجه إليه "سبحات" المسبحين من "رزم الدولارات" من ناحية، و"الرب القادم" في "أشرطة التسجيل" من "هوليود" من ناحية ثانية، وذلك تقابل يفرض نفسه على القارئ، كي يختار بدوره، في سياق الصراع الاجتماعيّ المكبوت، والنص الأوسع لما لايقال بين "رب القهر الطبيعيّ" في التأويل النقليّ الاتباعيّ و"رب العدل" الذي يتجلى مناقضًا للأمس القاتل واليوم المقتول، وقرين الأغنية التي تذيب جبال الحزن وتغسل بالأمطار--------------------------------------------
(1) الحداثة والإسلام: ص 195 من مقال لجابر عصور بعنوان "إسلام النفط والحداثة".
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٢٦)
الخضراء تجاعيد الأرض، ومباركًا الفعل الإنساني "الحب، الشعر" الذي تتولد منه شموس التكوين وأفعال الخلق، وإذ تقوم الحركة الأفقية للدوال على التقابل بعين هذا "الرب" وذاك فإن التقابل يسقط نفسه رأسيًا فيلازم "رب القهر" غياب الحب والخصب والإبداع. . .)(1).
ترى أي فرق من حيث الانحراف بين هذا النص المدافع والنص الذي يدافع عنه؟.
هذا القول حاشية شرح على المتن، والجامع بينهما السخرية من اللَّه تعالى، وإضافة الخلق إلى غير اللَّه، ووصف غيره من المخلوقين بصفات الربوبية، تعالى اللَّه ربنا عما يقول هؤلاء علوًا كبيرًا.
ويظل هذا الطرح من محاور الفكر والممارسة الحداثية إلى حد أصبح من المعتاد في كلامهم أن تقرأ أن (النقد الحقيقي هو النقد الخالق)(2).
وفي ابتهاجهم بعقائدهم واحتفالهم ببعضهم تقرأ مثلًا: (فلنرقص معًا للحياة أيها الكادح الخلاق)(3) و (الجهل الخلاق)(4)، والشاعر -عندهم- خلاق له كرامة وكبرياء (هنالك كرامة بل لا قل كبرياء لا تغادر الخلاق حتى في قعر انذلاله)(5).
وعلى مائدة الانحراف الاعتقاديّ تجد قول بعضهم:
(ما نحن إلّا نفضة رعناء من ريح سموم
أو منية حمقاء--------------------------------------------
(1) الحداثة والإسلام: ص 199 - 200 من مقال لجابر عصور بعنوان "إسلام النفط والحداثة".
(2) شخصيات وأدوار، لمحمد دكروب: ص 23. وانظر: شبيه ذلك في خواتم لأنسي الحاج: ص 109.
(3) المصدر السابق لمحمد دكروب وهو يخاطب حنامينه: ص 92.
(4) خواتم لأنسي الحاج: ص 112.
(5) المصدر السابق: ص 110.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٢٧)
والشيطان خالقنا ليجرح قدرة اللَّه العظيم)(1).
فأيّ انحراف أكبر من هذا؟ وأيّ مضادة لعقيدة الإسلام أوضح من هذه المضادة؟.
إذا لم يكن هذا هو الانحراف بعينه والإلحاد والكفر باللَّه تعالى فأين يا ترى يوجد الإلحاد؟.
وعندما تتجاوب قلوب وعقول الأتباع مشيدة بهذا الشاعر ممتدحة له فإن ذلك يؤكد سريان هذا الداء الإلحاديّ إلى حد أصبح فيه تآمر الفارغين -من الطائفيين والصليبيين والعلمانيين- على ديننا وعقيدتنا وشريعتنا هو عين الإبداع وقمة الريادة!!.
وليس هذا فحسب، بل هو تبجيل لثمار المؤامرة الدنيئة التي أنتجت هؤلاء، ومؤسسات "حوار" و"مواقف" و"الآداب" و"فصول" و"شعر" و"إبداع" و"أصوات" و"ألف" و"الناقد" وغيرها من صحف ومجلات الغثاء.
لقد ادعوا التحرر والانطلاق، والقدرة على التحويل والتغيير، فكان تحررهم هو الخروج عن الدين، وانطلاقهم هو الجري في ساحات الإلحاد، وتغييرهم هو التقلب في عرصات الجاهلية الوثنية القديمة والحديثة، ومن بعض شأنهم في هذه المضامير المظلمة "تأليههم للشعر والشاعر" فـ (الشعر فعل إيمان الحياة وفعل وحدة الكون. . . إنه ما قبل الإنسان وإنه الإنسان، وما وراءه وفوقه وبعده، وهو خالق الدين والفن والجمال والحب، هو بطانة الروح بل روحها، الشاعر ليس رائيًا فحسب، فهذه صفته السكونية، بل هو سيد آمر منشئ يلعب بالعالم ويداه آلتا تدمير ورحمتا تكوين. . . يظن بعض المؤلفين أن التفرد هو غاية الخلق في الأدب والفنون. . . غاية الخلق "إذا كان للخلق من غاية نعرفها" ليست هي التفرد، بل التفرد هو جزء طبيعيّ من الخلق وفي أساس تكوينه، الشاعر الفنان متفرد بالسليقة. . .)(2).--------------------------------------------
(1) ديوان صلاح عبد الصبور: ص 38.
(2) خواتم لأنسي الحاج 128 - 129.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٢٨)
وهكدا يسترسل هذا العبث الحداثيّ مرة بجحد وجود اللَّه، ومرة بجحد ربوبيته، وثالثة بمساواة الشاعر باللَّه تعالى في خصائص صفاته -جلَّ وعلا- كما قال أحدهم: (ولعل الشاعر الأول خلق القصيدة الأولى في سبعة أيام كما خلق اللَّه الكون في سبعة. . .)(1).
وفي الجملة نجد أن شعراء وكتاب الحداثة قد تمادوا في هذا النوع من الانحراف تماديًا يصح معه أن يقال بأن هذه أصبحت من ظواهر "إبداعهم" وهذه بعض الأمثلة على ذلك:
يقول نزار قباني:
(من ينتقي؟
لي من كروم المشرق
من قمر محترق
حُقًّا غريب العبق
آنية مسحورة خالقها لم يخلق. . .)(2).
ويقول:
(فاليوم أخلق منك إلهًا وأجعل نهدك قطعة من جوهر)(3)
ويقول:
(قد كان ثغرك مرة
ربي فأصبح خادمي)(4).
ويقول:--------------------------------------------
(1) ديوان سعدي يوسف، مقدمة طراد الكبيسي لهذا الديوان 1/ 21.
(2) الأعمال الشعرية الكاملة لنزار قباني 1/ 284.
(3) المصدر السابق 1/ 470.
(4) المصدر السابق 1/ 347.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٢٩)
(لا تخجلي مني فهذي فرصتي
لأكون ربًا أو أكون رسولًا)(1).
ويقول ساخرًا من الهلال رمز المسلمين:
(يا هلال أيها النبع الذي يمطر ماس
وحشيشًا ونعاس
أيها الرب الرخاميّ المعلق
أيها الشيء الذي ليس يصدق. . .)(2).
ويقول محمود درويش:
(طوبى لمن يعرف حدود سعادتي
طوبى للرب الذي يقرأ حريتي
طوبى للحارس الذتي يحبس طمأنينتي)(3).
ويقول:
(وسرحان يرسم شكلًا ويحذفه: طائرات ورب قديم)(4).
ويقول: (خريف جديد لامرأة النار: كوني كما خلقْتكِ الأساطير والشهوات. . . كوني ملائكتي أو خطيئة ساقين حولي. . .)(5).
ويقول معين بسيسو:
(باسمك تلك المومس--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 2/ 761.
(2) المصدر السابق 3/ 22 ونحو ذلك في 3/ 107.
(3) ديوان محمود درويش: ص 389.
(4) المصدر السابق: ص 451.
(5) ورد أقل: ص 87.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٣٠)
ترقص بقناع الرب
باسمك يتدحرج
رأس الرب)(1).
ويقول عبد العزيز المقالح(2) في وصف جريمة اعتداء مزين ومصفف شعور النساء على إحدى النساء اللاتي قام بتصفيف شعرها ثم اغتصبها وزنى فيتحدث عنه المقالح معتذرًا ومبررًا جريمته قائلًا:
(لا تصلبوه
الخالق الذي أحب ما خلق
بكفه سوى الجبين الذهبي والحدق
لا تصلبوه)(3).
ويقول محمد الفيتوري(4):
(لوددت لو أني سكبتك في دمي--------------------------------------------
(1) الأعمال الشعرية الكاملة لمعين بسيسو: ص 251.
(2) عبد العزيز المقالح حداثيّ يمانيّ، من كبار دعاة العلمنة والحداثة، صاحب ديوان الكتابة بسيف الثائر علي بن الفضل، الذي سخر فيه باللَّه تعالى وتجرأ بالشتم على مقام الألوهية المقدسة، غنى للشيوعية والشيوعيين، نال الدكتوراه عام 1397 هـ/ 1977 م في موضوع الشعر العاميّ في اليمن، وعمل مندوبًا لليمن في جامعة الدول العربية ودرس في جامعة صنعاء ورأس مركز الدراسات والبحوث اليمنية. انظر: هموم الثقافة العربية: ص 139، والحداثة في ميزان الإسلام: ص 86.
(3) ديوان عبد العزيز المقالح: ص 135.
(4) هو: محمد مفتاح الفيتوريّ، شاعر حداثيّ سودانيّ الأب، مصريّ الأم، ليبيّ الجنسية، أسود البشرة قصير القامة دميم الوجه، ألْر ذلك عليه نفسيًا فعاد بإحباط عليه وتعصب للزنجية وغنى للعنصر الأسود بعنصرية، ولد عام 1348 هـ/ 1930 م، درس في الكتاب وحفظ القرآن ودخل الأزهر، له ديوان شعر حداثيّ مليء بالعنصرية السوداء، ثم اليسارية الرعناء، يقال أنه تاب أخيرًا من الحداثة، واللَّه أعلم بحاله الآن. انظر: تاريخ الشعر العربي الحديث: ص 668 - 669.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٣١)
عرقًا إلهيًا وعطرًا
لوددت لو أني خلقتك
صورة، تنمحي دهرًا فدهرًا)(1).
ويقول:
(وكنت لا أعي
كنت أنا التمثال والأزميل والخالق)(2).
ويقول ممدوح عدوان(3):
(السفينة ربانها خالق قادر
كن
أكن
لا تكن
أترنح بين تلال من الماء والريح
بين رغائبه
ثم أذعن
هذي السفينة ربانها خالق قادر
يأمر القلب بالخفقان--------------------------------------------
(1) ديوان الفيتوريّ 1/ 404.
(2) المصدر السابق 1/ 480.
(3) ممدوح عدوان شاعر حداثيّ سوريّ، ولد عام 1360 هـ/ 1941 م، أصدر 12 مجموعة شعرية، يعتبر عند الحداثيين من أهم الشعراء العرب بعد جيل رواد الحداثيين، يعمل في الصحافة السورية، وله مشاركات في المؤتمرات الأدبية الحداثية. انظر: تاريخ الشعر العربي الحديث: ص 703، وغلاف ديوانه الأعمال الشعرية الكاملة.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٣٢)
ولأمر بالرجفان)(1).
وأشباه هذا الكلام كثير في نتاج هذه الفئة.
ومن مظاهر انحرافاتهم في هذا الباب:
سادسًا - نسبة الربوبية إلى غير اللَّه تعالى:
وهذا قد أغرقوا فيه وبالغوا فيه أبعد المبالغة، وحاكوا فيه أساتذتهم من الغربيين، وجروا في نفس منوالهم، والغربيون ساروا في هذا على وفق جذور عقائدهم ومرجعياتهم الفكرية، حيث يمدون أسبابهم إلى ثقافة الإغريق وفلسفته وعقائده، وهي الثقافة القائمة على تعدد الأرباب وتعدد الآلهة، ونسبة الخلق والإيجاد والتصريف إلى هذه الأوثان التي اتخذوها من دون اللَّه.
والأرباب المتخذة عند الإغريق أرباب أرضية، ولذلك اتجهوا بدياناتهم إلى الأرض، واعتقدوا أن آلهتهم تسكن الأرض وتصعد الجبال وذرى الأشجار، وتهبط إلى أعماق الأرض والآبار، والتصقوا بمسائل الفلاحة والزراعة، وقدسوا عناصر الخصب؛ ولذلك كله تعددت آلهتهم وأربابهم الباطلة التي اتخذوها من دون اللَّه، من آلهة الأرض إلى آلهة الخصب والنماء، ومن آلهة الطهر إلى آلهة العهر التي يباح معها ما أسموه بالدعارة المقدسة التي تستباح فيها الأعراض وتنتهك فيها المحرمات.
وهي آلهة وأرباب تتصارع وتتقاتل وتموت وتحيا، وتميت وتحيي وتضر وتنفع إلى آخر ما في تلك القائمة الوثنية من خرافات وضلالات(2)، ولقد استمدت أوروبا روح هذه الوثنيات الإغريقية، ومدت جذور فكرها إليها، وتأثرت بها في العصر الحاضر في ميادين عديدة اعتقادية وسلوكية--------------------------------------------
(1) الأعمال الشعرية الكاملة، لممدوح عدوان 2/ 73 من مقطوعات تحت عنوان "لابد من التفاصيل".
(2) انظر: الديانات والعقائد في مختلف العصور، لأحمد بن عبد الغفور عطار 1/ 226 - 235.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٣٣)
وفكرية وتطبيقية، ومن هذه الأجواء انبثقت الحداثة وتصاعدت نيرانها مرتكسة في تلك الوثنيات القديمة بأقوى ما يكون الارتكاس، متخذة من أساطير اليونان وأباطيل بابل وغيرها خلفية فكرية اعتقادية، تقوم على تعدد الأرباب، وتفتخر بأنواع الألوهيات وتعتمد على أصناف الشركيات، وتعد ذلك أساسًا للتحرر والانطلاق نحو آفاق إبداعيه مستقبلية {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ}(1).
ثم جاءت الحداثة العربية بتقليدها ومحاكاتها للحداثة الغربية، تردد الأفكار والعقائد ذاتها، ولقد (. . . كانت متشربة إلى أبعد حد بالنموذج الثقافيّ الشعريّ الغربيّ، حيث طرحت إشكالية الحداثة كتأصيل في الهوية الحضارية. . .)(2).
وحين كتب أدونيس قصيدته "أرواد يا أميرة الوهم" قال بأنه اعتمد فيها (على الأسلوب الشعريّ القديم في فينيقيا وما بين النهرين، وهو الأسلوب الذي ورثته التوراة في أروع أشكاله، وتأثر به كثير من شعراء أوروبا وطوروه. . . وآمل في استخدام هذا الأسلوب من التغيير الشعريّ، أن أضع مع زملائي الشعراء حجرة صغيرة في الجسر الذي يصلنا بجذورنا وبحاضر العالم)(3).
وإذا كانت مجلة شعر وعصابتها تعتبر عند الحداثيين الموافقين والمخالفين لها نموذجًا تقدميًا، والشعراء التموزيون على وجه الخصوص أكثر تقدمية من غيرهم، فإن شعر والتموزية كان لها أبلغ الأثر في الشعر الحديث المستعرب على دروب الانغماس الوثنيّ (لقد مضت حركة مجلة شعر بعيدًا في النفاذ إلى رموز التاريخ الثقافيّ الحضاريّ ما قبل الإسلاميّ (الوثنيّ) ممثلة في الأساطير الأكثر التصاقًا بطبيعة الرؤيا في الشعر)(4).--------------------------------------------
(1) الآية 24 من سورة النمل.
(2) الحداثة الأولى، لمحمد جمال باروت: ص 110.
(3) مجلة شعر، عدد 10، ربيع 1959 م/ 1378 هـ السنة الثالثة: ص 7 - 8.
(4) الحداثة الأولى: ص 111.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٣٤)
والتموزيون مصطلح أطلقه جبرا إبراهيم جبرا(1) على كل من أدونيس والخال والسياب وخليل حاوي وجميعهم كانوا من شعراء مجلة شعر(2).
وهؤلاء يشتركون في تصوير حاضر العرب المسلمين عقيدة وسلوكًا وقيمًا وانتماءً؛ تصويرًا مليئًا بالشتم والاستخفاف، يصورونها أرضًا خرابًا ماتت فيها القيم الإنسانية ومعالم الحضارة، ثم يلوحون بقيم جديدة وعقائد جديدة، ويرون أن بلوغ العالم الجديد الذي يتوقون إليه وينتمون عقديًا إليه لا يكون إلّا بالموت والهدم الذي يعقبه البعث والخصب أي بعث الآلهة تموز وأدونيس(3).
وفي محاولة لتعميق جذورهم في واقع المسلمين نجد محاولاتهم التضليلية التي تقوم على اعتبار أن وثن "تموز" ليس غريبًا على العرب بل هو موجود في عاداتهم ومعتقداتهم الشعبية، يقول جبرا عن الرمز التموزيّ بأنه (ليس بالرمز الجديد علينا كأمة ويها من العادات والمعتقدات الشعبية كثير من أسطورة تموز بأشكالها المتعددة)(4).
وحركة شعر وما استتبعها من نشاطات ليست إلّا شجرة نبتت بجذور مختلفة نصرانية صليبية، وغربية مادية، ويونانية وثنية.
يتضح ذلك بالتأمل في أسسها والتي منها "الحزب القوميّ السوريّ"(5)--------------------------------------------
(1) جبرا إبراهيم جبرا، شاعر وناقد حداثيّ نصرانيّ من فلسطين، رأس مجموعته الشعراء التموزيين، له ديوان "تموز في المدينة" وعالم بلا خرائط باشتراك مع عبد الرحمن منيف، وأحد أهم أعضاء عصابة مجلة شعر، تأثر بجيمس فريرز، وكتابه الغصن الذهبيّ، وترجم جزءًا منه باسم "أدونيس" وسعى في ترويج أفكار فريزر ونشرها، توفي من قريب. انظر: الحداثة الأولى: ص 112 - 115، وتاريخ الشعر العربي الحديث: ص 726، وكتابه البئر الأولى فصول من سيرة ذاتية.
(2) انظر: الحداثة الأولى: ص 112.
(3) انظر: المصدر السابق: ص 112 - 113.
(4) مجلة شعر، عدد 7 - 8، صيف 1958 مقال بعنوان "المفازة والبئر" و"اللَّه حول البئر المهجورة" ليوسف الخال: ص 57.
(5) انظر: إثبات ذلك في الحداثة الأولى: ص 114، 118، 119.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٣٥)
الذي أسسه أنطون سعادة الذي كان له فيهم أبلغ التأثير بنشاطاته وكتبه، وخاصة كتابه "الصراع الفكريّ في الأدب السوريّ" وقد أكد ذلك أدونيس حين تحدث عن هذا الكتاب قائلًا: (كان صاحب الأثر الأول في أفكاري وفي توجُّهي الشعريِّ؛ ولأنه بالإضافة إلى ذلك أثر تأثيرًا كبيرًا في جيل كامل من الشعراء، بدءًا من سعيد عقل وصلاح لبكي(1) ويوسف الخال وفؤاد سليمان(2)، وانتهاءً بخليل حاوي. . . وكان إلى ذلك ملهمًا لكثير من الأفكار والآراء الشعرية والنقدية في النقاش الذي دار حول مجلة شعر والمشكلات التي أثارتها)(3).
بل إن أكثر شعراء مجلة شعر الذين أسسوها كانوا ينتمون إلى الحركة القومية الاجتماعية التي أسسها وقادها أنطون سعادة، ولا يستثنى منهم سوى جبرا والسياب(4)، فما الذي أسسه أنطون سعادة في مجلة شعر؟، وما الذي استتبع ذلك من تأثيرات على مستوى الحداثة العربية جمعاء وعلى الاتباع الطيعون من التلامذة الجدد؟.
لقد أسس أنطون سعادة نظرة جديدة تتناول القضايا الكبرى في الحياة وأوجد رؤية اعتقادية حديثة، وكان يرى أن (الأدب والفن لا يُمكن أن يغيرا أو يتجددا إلّا بنشوء نظرة فلسفية جديدة يتناولان قضاياها الكبرى، أي قضايا الحياة والكون والفن التي تشتمل عليها هذه النظرة)(5)، وكان يسعى إلى--------------------------------------------
(1) صلاح لبكي، محام وأديب وشاعر لبنانيّ، والده نعوم لبكي سياسيّ نصرانيّ، ولد صلاح عام 1324 هـ/ 1906 م، وله مؤلفات عديدة ودواوين وكان رئيسًا لجمعية أهل القلم في بيروت وهي التي دعت إلى مؤتمر عام لجميع الأدباء العرب عام 1373 هـ/ 1954 م، توفي بعد ذلك بعام، كان من المتأثرين بدعوة أنطون سعادة. انظر: تاريخ الشعر العربي الحديث: ص 385.
(2) فؤاد سليمان، شاعر لبنانيّ، من أتباع أنطون سعادة وحزبه ومن المتأثرين به، له ديوان أغاني تموز. أنظر: تاريخ الشعر العربي الحديث: ص 738.
(3) مجلة الكفاح العربي، عدد 301، في 16/ 4/ 1984 م/ 1404 هـ: ص 51، مقال لأدونيس بعنوان "نحو فهم آخر للتجديد الشعري".
(4) انظر: الحداثة الأولى: ص 119.
(5) الصراع الفكري في الأدب السوريّ، لأنطون سعادة: ص 66.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٣٦)
(إنشاء أدب جديد فيه كل عوامل التجديد ودوافع البعث)(1).
ولكن ما الهوية التي يريد تشكيلها لهذا الاتجاه؟ بعد أن قرر بأن الأمة ضائعة الشخصية وهو يبحث لها عن هوية لكنها ليست قومية عربية من جهة العرق، وليست انتماءً دينيًا من حيث الاعتقاد (إنه لا يرى في العرق والدين مقومين من مقومات الأمة. . .، بل تغدو العروبة انتماءً لغويًا ثقافيًا حضاريًا تضرب جذوره في مرجعية أعمق وأبعد تاريخيًا، هي مرجعية الموروث "السومريّ، الكنعانيّ، الآراميّ، البابليّ" الذي يرى فيه سعادة الينبوع الحضاريّ الأول في العالم)(2).
ومن هذا المنطلق يدعو أنطون سعادة أتباعه (ولا ريب أن الحداثيين جميعًا تأثروا بأنطون سعادة بصورة مباشرة أو غير مباشرة)(3) يدعوهم إلى عبادة الآلهة الوثنية، فها هو يتوجه بنداء إلى (الأدباء الواعين أن يحجوا ويسبحوا إلى مقام الآلهة السورية فيعودوا من سياحتهم حاملين إلينا أدبًا يكتشف حقيقتنا النفسية ضمن قضايا الحياة الكبرى التي تناولها تفكيرنا من قبل في أساطيرنا التي لها منزلة في الفكر والشعور الإنسانيين، تسمو على كل ما عرف ويعرف من قضايا الفكر والشعور)(4).
وبهذا التنظير الوثنيّ وأشباهه أصبحت الأسطورة الوثنية إحدى مقومات الشعر الحديث عامة، والشعر العربيّ المعاصر خاصة (وهكذا ارتفعت الأسطورة إلى أعلى مقام. . . وثمة أسباب كثيرة ربما كان في أولها -وإن لم يكن أقواها- التقليد للشعر الغربي الذي اتخذ الأسطورة -منذ القديم- سداه ولحمته. . . أضف إلى ذلك كله أن للأسطورة جاذبية خاصة. . . وهي من ناحية فنية تسعف الشاعر على الربط بين أحلام العقل الباطن ونشاط العقل الظاهر. . . لهذه الأسباب ولغيرها ذهب الشاعر الحديث -في توق--------------------------------------------
(1) المصدر السابق: ص 62.
(2) الحداثة الأولى: ص 123.
(3) سوف يأتي إثبات ذلك -إن شاء اللَّه- في الفصل الرابع من الباب الأول.
(4) الصراع الفكريّ في الأدب السوريّ: ص 86.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٣٧)