Arabic source text

📘 আল-ইনহিরাফুল আকিদি ফী আদাবিল হাদাসা ওয়া ফিকরিহা (সাঈদ বিন নাসির আল-গামদী)

📘 الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها (سعيد بن ناصر الغامدي)

📘 আল-ইনহিরাফুল আকিদি ফী আদাবিল হাদাসা ওয়া ফিকরিহা (সাঈদ বিন নাসির আল-গামদী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
السابقة إلّا مرتين في مكانين متقاربين وزمانين متباعدين، المرة الأولى تجلت الحداثة في اليونان القديمة وأطلقنا عليها الحداثة الزراعية وكان ذلك قبل الميلاد بعدة قرون، والمرة الثانية تجلت الحداثة في القارة الأوروبية، وكان ذلك بعد الميلاد بكثير من القرون وأطلقنا عليها الحداثة الصناعية. . .)(1).
ثم عاد يتحدث عن الحداثة اليونانية قائلًا: (إنهم لأول مرة في التاريخ وقفوا في وجه فوضى الأسطورة، فجعلوا لها منطقًا خاصًا من جهة، ومنحى إنسانيًا من جهة ثانية، كانوا يأتون بالإله الشرقيّ ويجردونه من مظاهر الحيوانية ويعيدون إليه المحيا البشريّ والجسد الإنسانيّ. . . وقد جعلوا العلاقات بين الآلهة كالعلاقات بين البشر تقوم على التآلف والتخالف والتفرقة والتحالف والرضا والغضب، وكما تجد العلاقات بين الناس تجدها بين الآلهة فهم يأكلون ويشربون ويعربدون ويخونون زوجاتهم. . . فإدخال المنطق في الأسطورة فعل حداثيّ كبير جعل دراسة الأساطير لا تختلف عن دراسة الناس ونفسياتهم، والصيغة التي أدت إلى فعل الحداثة هي الصيغة الوثنية القائمة على التعدد والحرية. . . هذا الوضع. . . أدى إلى قيام الصيغة الوثنية التي أسقطت القداسة عن الملوك والآلهة ففتحت بذلك باب حرية الفكر، في حين لم تستكمل الوثنية صيغتها في الشرق. . . وقد ظهرت الوحدانيات الشرقية قبل أن تستكمل الوثنية صيغتها فاعتمدت على المقدس والمدنس في الدرجة الأولى وظهرت قوائم التحريم والتحليل. . .)(2).
ثم ينعطف على ذكر الفلسفة الإغريقية فيقول: (لو نظرنا في مذاهبهم الفلسفية والأدبية لتبين لنا أن الصيغة الوثنية هي صيغة تعددية ظهرت فيها كل المذاهب. . . هذا النشاط الذي قام به الإغريق سميناه الحداثة الأولى أو الحداثة الزراعية ومازلنا حتى الآن نلجأ إلى استلهامها ولم نستطع أن نتجاوز الحدود التي وصلت إليها طبعًا في الأدب والمسرح والفلسفة والشعر. . .--------------------------------------------
(1) و(2) مجلة الناقد، العدد الثامن، فبراير 1989 م / 1409 هـ: ص 32 - 34 من مقال بعنوان "مقاربة الحداثة" لحنا عبود.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٩٨)

استمرت الحداثة الأولى في فعلها طوال بضعة قرون تقريبًا إلى أن ظهرت الوحدانية المسيحية في الشرق، وما كانت الوحدانية أن تظهر إلّا في المشرق حيث لم تستكمل الوثنية صيغتها ولم تتخذ كامل أبعادها كما لدى الإغريق، وقد تمكنت هذه الوحدانية من التسرب إلى الغرب والانتشار في الطبقات الدنيا من عبيد وجنود وخدم وحراس قصور، حتى أن الامبراطور قسطنطين وجد نفسه يقود جيشًا من الوحدانيين المسيحيين فأعلنها ديانة رسمية، وبذلك تحولت الدولة إلى مؤسسة تخدم وتستخدم الوحدانية المسيحية فتفرضها فرضًا، مما جعل القداسة والدناسة دستورًا واحدًا تحظر مخالفته، ومما جعل الصيغة الوثنية تتراجع تراجعًا شبه نهائي في أواخر القرن الخامس، وحلت محلها الصيغة الوحدانية المسيحية التي دشنت فاتحة العصر الوسيط في حوض البحر المتوسط، عصر سيادة الوحدانيات، وهو العصر الذي بات رمزًا لكل ما هو جامد ومتخلف، ولم تقدم الوحدانية أي مظهر من مظاهر الحداثة، بعد أن عملت على سيادة الإيمانية والتسليمية. . . من أهم مفردات الوحدانية التقديس والتدنيس والتحليل والتحريم وهي مفرزات إيمانية بعد أن تحول التقديس إلى عصمة وتحول التدنيس إلى إدانة، فدخل حوض البحر الأبيض المتوسط في عصر المحظورات والممنوعات المادية والمعنوية)(1).
ثم يستدرك على نفسه مبينًا أن الوثنية انتشرت من جديد وأنها هي التي ورثت للدنيا العالم الحديث فيقول: (والحقيقة أن الصيغة الوثنية وجدت لها ملجأ في بيزنطة، فكمنت فيها مع ما بقي من آثارها، وقد كان لها نشاط إلى هذه الدرجة أو تلك، ولولا بيزنطة لما كان هناك ما نطلق عليه العالم الحديث فقد احتفظت بالمؤلفات والآثار الوثنية ولكن بيزنطة كانت محاوطة بالوحدانية المتشددة شرقًا وغربًا مما أجهض كل المحاولات الساعية إلى إعادة الصيغة الوثنية)(2).--------------------------------------------
(1) و(2) مجلة الناقد، العدد الثامن، فبراير 1989 م/ 1409 هـ: ص 32 - 34 من مقال بعنوان "مقاربة الحداثة" لحنا عبود.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ١٩٩)

ثم يتحدث عن وحدانية الإسلام ودور المسلمين عند فتحهم للقسطنطينية فيقول: (وظلت الحداثة مغيبة عن حوض البحر الأبيض المتوسط طوال العصور الوسطى، وعندما استطاعت الوحدانية التركية أن تدك حصون القسطنطينية وجهت ضربة أليمة إلى بيزنطة، ولكن بيزنطة المنكوبة قدمت للعالم الأوربي أعظم هدية يعرفها التاريخ وهي مؤلفات اليونان والرومان وتراثهم الوثنيّ الذي حمله علماء بيزنطة المهاجرون إلى الأقطار المجاورة وإيطاليا على وجه الخصوص هربًا من الوحدانية التركية المنتصرة.
ليس غريبًا أن تبدأ النهضة الإيطالية ثم منها الأوربية في أعقاب سقوط القسطنطينية فقد كان التراث اليونانيّ أشبه بلمسة سحرية أيقظت العقول والنفوس، وهنا يُمكن أن نسأل: لماذا لم يستطع التراث الوحدانيّ أن يفعل ما فعل التراث اليونانيّ مع أن الأول أنتج من الآثار الشيء الكثير؟)(1).
ثم يجيب على هذا السؤال بقوله: (إن كل الدعوة الوحدانية المسيحية تنحصر في تحرير الجسد وتلبية مطالبه ولكن في عالم غير هذا العالم الذي ختمت عليه بالإدانة وبأنه عالم الفساد والشرور، وأن على الإنسان أن يتألم ويزهد في هذا العالم ليحيا في العالم الآخر حياة النعمة. . . فالوحدانية تتناقض كل التناقض مع الحرية، إن وحدانيتها تحول دون تحقيق وعودها فلا حرية مع الوحدانية. . . لذلك نجد النهضة الأوربية حاولت إعادة الصيغة الوثنية التعددية، فقد وجدت فيها التعبير الأكمل لحرية الإنسان فكرًا وجسدًا وهنا تبدأ الحداثة الثانية. . .، ويُمكن تلخيص مطالب الحداثة الصناعية بمطلب واحد هو تحرير الإنسان ليس فقط من الوحدانية بل أيضًا من المشاريع الكبرى التي تبين أنها مشاريع ساحقة للإنسان. . . وقد كانت الدعوة إلى الصيغة الوثنية واضحة كل الوضوح لدى رجال النهضة. . . إن الظروف الصناعية عدلت الكثير من الصيغة الوثنية للحداثة الزراعية ولكنها أبقت على نواتها الأساسية، أمّا النواة الأساسية التي أبقت عليها فهي إسقاط--------------------------------------------
(1) مجلة الناقد، العدد الثامن، فبراير 1989 م/ 1409 هـ: ص 32 - 34 من مقال بعنوان "مقاربة الحداثة" لحنا عبود. وانظر له أبشع من هذا الكلام وأخطر في كتابه "الحداثة عبر التاريخ مدخل إلى نظرية": ص 196 - 201.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٠٠)

القداسة عن كل شيء، لم يعد هناك شيء خالد قدسيّ أبديّ لا في عالم الفكر ولا في عالم المادة. . .
وعلى هذا يُمكن القول: أن الحداثة الصناعية أو الحداثة المعاصرة هي محاولة استعادة الصيغة الوثنية للحداثة الزراعية. . . أمّا القاسم المشترك فهو إسقاط القداسة عن كل شيء فلا العروض ولا القوافي والأوزان والإيقاعات والكلمات والتصريحات، ولا العقائد والأفكار والمذاهب والآراء والعادات والتقاليد والطقوس والممارسات، ولا الأحزاب والكتل والفئات والمجموعات والأفراد، ولا الأنظمة والقوانين والدساتير، ولا المكان والزمان والشهور تحظى بأي قدسية. . .
ومن هنا كان تشديدنا وتأكيدنا أن الحداثة ليست مذهبًا أو عقيدة أو مدرسة واحدة، ولا يُمكن أن تنحصر في مذهب أو عقيدة أو مدرسة، الحداثة هي الوضع المناقض تمامًا للوحدانية، أي وحدانية أدبية كانت أو غير أدبية، عقائدية أو غير عقائدية. . .)(1).
وقد نقلت هذا الكلام بطوله لأهميته في تصور الحداثة ومعرفتها على وجه الحقيقة، بعيدًا عن شبهة المعاداة لها أو التحامل عليها كما يدعي المنبهرون بالحداثة والمتعلقون برموزها، ويتضمن هذا النص عدة أمور حقيقية وعدة مغالطات، وهي:
1 - ربط الحداثة الفكرية بالحداثة الزراعية والصناعية في العهدين القديم والحديث مغالطة واضحة، وافتئات على الحقيقة، ومراده الرفع من شأن الحداثة وجعلها أساس كل تقدم وازدهار، وهذه مجازفة ادعائية وكذب صريح فإن جهد الإنسانية في هذا المجال مشترك، والجهد البشريّ في الإنتاج الماديّ غير خاضع للعقائد والديانات(2) بقدر خضوعه لإرادة دنيوية--------------------------------------------
(1) المصدر السابق نفسه.
(2) المراد هنا أصل النشاط الإنساني والانتاجية، أما ما يصحب ذلك من بركة أو محق، وما يثمره ذلك الإنتاج من خير أو ضر، وسعادة أو شقاوة؛ فهو رهن الإيمان كما قال اللَّه تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٠١)

كما قال اللَّه تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18)}(1)، وقال -جلَّ وعلا-: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20)}(2).
2 - المزج بين الحداثة الإنتاجية والحداثة الفكرية مغالطة أخرى طالما كررها أتباع الحداثة وجعلوا ذلك ذريعة للوصول إلى مآربهم غشًا وتدليسًا، فإنه قد يوجد الإنتاج من مؤمن وكافر، وليس من شرطه لا عقلًا ولا واقعًا أنه لايصدر إلّا من كافر ملحد (بل قامت حضارة القرن العشرين في العلوم التطبيقية وفي العلوم البحتة على أكتاف متدينين -غير ملحدين- من المسيحيين واليهود)(3).
3 - جعله تعدد الآلهة والأرباب كما كانت عليه الوثنية اليونانية سببًا في التقدم والتحرر، وهذه مغالطة، فإن الإنسان مفطور على التعبد لشيء والخضوع لإله مّا، وهؤلاء الوثنيون الذين يشيد بتعدد آلهتهم ليسوا في الحقيقة إلّا قطيعًا من الأنعام أو الأناسيّ المرضى في عقولهم، فإنهم عوضًا عن التعبد لإله واحد أحد فرد صمد، تشعبت عبودياتهم وانفصمت عقولهم ونفسياتهم، وتناقضت حياتهم كما هو معروف من سيرهم وفلسفاتهم؛ وذلك لتناقض الأرباب التي اتخذوها من دون اللَّه {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا}(4).
4 - قوله بأن اليونان جعلوا العلاقات مع أربابهم وآلهتهم مثل العلاقة بين البشر، هذه حقيقة، ولكنه أراد أن يخلص منها إلى الاقتداء بجهالات أهل الجاهلية ووثنيات أهل الخرافة فنعامل الإله الحق العظيم سبحانه وتعالى معاملة الملاحدة لأوثانهم التي ابتكروها من عند أنفسهم، وشتان بين من يتعجد لرب مالك متصرف إله عظيم تشهد بوجوده ووحدانيته وألوهيته كل الحقائق العقلية والحسية--------------------------------------------
(1) الآية 18 من سورة الإسراء.
(2) الآية 20 من سورة الشورى.
(3) لن تلحد، لأبي عبد الرحمن بن عقيل: ص 212، وكان الأولى أن يقول: نصارى كما سماهم القرآن بدلًا من نسبتهم إلى المسيح عليه الصلاة والسلام.
(4) الآية 29 من سورة الزمر.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٠٢)

والتجريبية، ومن يتعبد لإله اخترعه من عقله الكاسد وذهنه الفاسد.
5 - قوله بأن المنطق دخل الأسطورة وحولها إلى فعل حداثيّ، هذه حقيقة من حيث وصف محاولة اليونان إضفاء المنطق والعقل على وثنياتهم وجاهلياتهم لتسويغها وتبريرها، أمّا كون المنطق العقلي السليم يتفق مع الأساطير والأرباب، فهذا باطل وكذب فكري صريح.
6 - قوله بأن الصيغة الوثنية أسقطت القداسة عن الملوك والآلهة ففتحت بذلك باب حرية الفكر عكس الحقيقة، فقد كان اليونان يقدسون أربابهم المتخذة من دون اللَّه ويؤلهونها ويخضعون لسلطانها وكانوا أرقاء لهذه الآلهة.
7 - يحتوي كلامه تمجيدًا وإطراءً للوثنيات المختلفة، وذمًا وتدنيسًا للتوحيد، وهذا من مقتضيات فكره الوثني الإلحاديّ، ومن لوازم الكفر الماديّ الحداثيّ الذي يريد نصرته وإيجاد الأرضية القبلية له.
8 - قوله بظهور الوحدانيات في الشرق إثر الوثنيات التي كانت موجودة في اليونان قول مخالف للحقيقة؛ فإن الإنسان الأول آدم عليه الصلاة والسلام وذريته كانوا مؤمنين موحدين ثم طرأ الكفر على أجيال لاحقة، ثم تتالت الأنبياء بدعوات التوحيد، وكلما انحرفت البشرية وتمادت في الغواية بعث اللَّه لها رسولًا يعيدها إلى توحيد اللَّه، فالوثنية طارئة والتوحيد هو الأصل في البشرية.
9 - قوله بتأثير التعددية الوثنية "الشرك" في الفلسفات اليونانية حق.
10 - قوله بأن الحداثة الثانية ويقصد المعاصرة ما زالت تستلهم التعددية الوثنية اليونانية حق، وهذا هو محور الاهتمام والصراع والمعارك المتجددة بين الإسلام والحداثة، وهذا القول شهادة كبرى من أحد رواد الحداثة على أن الحداثة المعاصرة في عقيدتها وفكرها جاهلية وثنية ذات امتداد وثني وجذور إلحادية وأعماق كفرية منحرفة.
11 - الزعم بأن كل وثنيّ هو تعدديّ تحرريّ منفتح، وكل وحدانية فهي ركود وجمود وتخلف، مغالطة وتوثب واجتراء على معاكسة الحقائق، وتعميم يحتوي من البطلان على قدر عموميته؛ لأن في حقائق التاريخ

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٠٣)

ومعايير الأخلاق وبراهين العقول ما يثقل كاهل هذا المغالط إذا كان يريد أن يتكلم ببرهان وليس بالدعاوى العريضة، ومن يطلع على تاريخ البشرية وتاريخ الأديان يجد أن الإنسان كلما قرب من الدين الحق كانت معاني الرقي العقليّ والخلقيّ فيه أكبر وأظهر، وكلما ارتكس في الوثنية والإلحاد كلما انعدمت فيه المعاني الراقية وأخلد إلى الأرض يتبع هواه ويسير على عمى وضلال، وليس دليلًا أظهر على هذا من حال الغربيين اليوم، فهم على ما وصلوا إليه من تقدم ماديّ محسوس، إلّا أنهم انحدروا في أخلاقهم وعقائدهم ونظم حياتهم إلى أهبط المستويات باعترافهم هم(1).
12 - تسمية الإسلام بالوحدانية التركية مغالطة دليل مفضوحة فإنه يستحيل -بيقين- أن تند عن ذهن هذا الكاتب الذي يتظاهر بالعلم والمعرفة والفلسفة أن يعلم أن الأتراك الذين فتحوا القسطنطينية كانوا مسلمين موحدين معتزين بذلك منتمين إليه فوق كل انتماء، وجهادهم لفتح القسطنطينية كان بالإسلام وللإسلام وليس للعرق التركي أو غيره.
13 - وصفه الحياة الغربية المعاصرة أو ما أسماه بالنهضة الأوروبية، بالوثنية والارتباط بالوثنية اليونانية، وأن الدعوة إلى الصيغة الوثنية واضحة كل الوضوح لدى رجال النهضة، هذا صحيح في مجمله وينقصه أن التصور الوثنيّ اليونانيّ ضارعه عند الغربيين التصور النصرانيّ والمشروع اليهوديّ.
14 - قوله بأن النواة الأساسية للحداثة المعاصرة إسقاط القداسة عن كل شيء، هذا صحيح وواقع.--------------------------------------------
(1) انظر على سبيل المثال: رواية ضياع في سوهو لكولن ولسن، وله أيضًا سقوط الحضارة: ص 6، وص 9، وص 10، وص 14، وص 25، وص 27، وص 29، وص 35، وص 42، وص 61، وص 64، وص 67، وص 152، وغيرها كثير. وانظر له أيضًا: كتابه "رحلة نحو البداية" مليء بالشواهد في هذا الموضوع، وانظر: رواية "أنا" وهو للبرتو مورافيا، و"العجوز والبحر" لأرنست همنغواي، و"جولة في عالم التيه والضياع" لنجيب عبد اللَّه الرفاعي. وسيأتي في الفصل المختص بالأخلاق شواهد من هذه الكتب وغيرها.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٠٤)

وخلاصه القول في كل ما سبق: إن قضية نسبة الخلق إلى غير اللَّه وتسمية غير اللَّه خالقًا ما هو إلّا اقتباس من الوثنيات اليونانية الإغريقية، التي قامت على تعدد الأرباب، وهؤلاء الذين يزعمون الانعتاق من التقليدية والنمطية والماضوية "حسب تعبيراتهم" نجدهم بكل صراحة يرتمون في تقليد الهوس الوثنيّ والخبال الأسطوريّ، ثم يزعمون بعد ذلك أنهم قد قطعوا شوطًا في التقدم والارتقاء، وذلك بـ (إحلال التنوع والتمايز مكان الواحدية وإحلال المتغيرات مكان الثوابت وفك الاشتباك بين الطبقات والمؤسسات والعقائد)(1).
فلا غرابة حينئذٍ أن تجد هؤلاء التلاميذ البررة للفكر الغربىّ يرددون مقولات أساتذتهم وينقلونها نقلًا مترجمًا إلى لغة العرب.
ومن هذا المنطلق تجدهم يحاربون الوحدانية ويشيدون بالوثنية ويعتبرون اعتقاد التوحيد والوحدانية في خلق العالم وفي نظام الحياة سببًا للتردي والضعف والخمول والرجعية، ويعدون التعدد الإلهيّ الوثنيّ سببًا للتقدم والازدهار(2).
وعلى هذه القاعدة الإلحادية الجوفاء سار الحداثيون في التنظير والممارسة، وسوف أسرد فيما يلي بعض الشواهد على هذه القضية:
ولتكن البداية مع كاهن الحداثة "أدونيس" القائل في وصف ثورة أهل الهدم الحداثيّ:
(بلى في بلادي خالقون
وساع كآفاقها الواسعة
نقيون كالشمس في عريها
فتيون كالأنجم الطالعة. . .--------------------------------------------
(1) مجلة الناقد، عدد 9، مارس 1989 م/ الموافق 5/ 8/ 1405 هـ: ص 17.
(2) انظر في هذا: حداثة السؤال، لمحمد بنيس: ص 44، 64.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٠٥)

بلى في بلادي أنا خالقون
بنبض شرايينها عمروها
محو عثمة اليأس واليائسين بأجفانهم
بفرحتهم لامتلاك الوجود بأحزانهم
هنا دفقوا دمهم في الزمان
هنا اختصروا عمرهم في ثواني
هنا ملأوا كل شيء يقينا)(1).
هذه الكلمات من ضمن مقطع أطلق عليه اسم "الفراغ" يتحدث فيه عن أرض المسلمين أرض العرب بتهكم وازدراء ويصفها بالتخلف والرجعية ويرمز لذلك (بالشبح والسراب والرمل واليبس والدكنة والمحل والملل والمقابر والأنين والمجازر والحقد والصقيع)(2)، ثم يتحدث عن ماضي المسلمين دينًا وتاريخًا فيرسل سيل شتائمه المكرورة (فالدين أساطير مغلقة، وأجفان مخيطة بالغبار، وأص المسلمين فراغ وانطفاء وضياع، أحرق البلدان وبذر بذور الموت وخرب الأعمار)(3)، فانحطت البلاد في فراغ وتلويث ويأس، ثم يسأل أسئلة المستنكر:
(لمن جيلنا يحرق البخور لمن يسجد
وأي إله ترى يعبد؟
لمن ينتمي ويشد يديه اعتدادا
ويحيا له صحة وجهادا)(4).--------------------------------------------
(1) الأعمال الشعرية لأدونيس 1/ 134 - 135.
(2) انظر: المصدر السابق 1/ 129.
(3) انظر: المصدر السابق 1/ 130.
(4) الأعمال الشعرية لأدونيس 1/ 132.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٠٦)

وهي لهجة استنكار على أن الجيل المعاصر ما زال رغم المحاولات المارقة لأدونيس وأضرابه يسجد ويعبد اللَّه تعالى.
ثم ينادي بثورة حداثية عارمة ضد هذا:
(فراغ فراغ ألا ثورة
تشيد لنا بيتنا
وتجري معاصرها زيتنا
وتملأ بالحاصدين الحقولا
وتملأ بالخلق بالثورة العقولا
ألا ثورة في الصميم تنشئنا من جديد
وتمحق فينا هوان العبيد؟)(1).
ثم يتحدث عن هذه الثورة وأعمالها وأوصافها وأوصاف القائمين بها، والمقصود بها الثورة الحداثية القائمة على الإلحاد والانحراف، ووصف الثورة بالخلق ووصف أتباعها بالخالقين وامتلاك الوجود، وقدرتهم على أن يملأوا كل شيء يقينا!!.
وكيف يرجى من النار بارد الماء؟، وكيف يطلب من حفرة الحش ماء طهورًا؟، وكيف يرجى من ثوار الحداثة المرتابين المنحرفين أن يملأوا كل شيء يقينا؟.
وهذه الكلمات التي غصت بالمديح والخطابية والثناء المفرد للحداثة، والهجاء المقذع لما سواها والتوقعات الكثيرة والآمال الكبيرة للحداثة وأهلها، وهي قضايا طالما انتقدها الحداثيون في الشعر القديم، غير أنهم إذا لزم الأمر تجردوا من مبادئهم وارتدوا ثياب غيرهم التي ما انفكوا ينتقدونها في كل مناسبة، ثم يختم أدونيس هذا المقطع بدعوى انتفاشية صارخة فيقول:--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 1/ 333.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٠٧)

(بلى في بلادي لكل الزمان لكل المصير اكتناه
وإن شوهوه
وفيها لخلق لصيرورة الحياة إله
وإن أنكروه. . .)(1).
هنا مربط الحداثة الفكريّ: تأليهها ووصفها بالقدرة الخارقة على الخلق ليس للحياة فحسب بل ولخلق صيرورة الحياة ومستقبلها؛ وذلك لكونها "إله" وإن أنكره المنكرون، إنها ديانة وثنية يتعبد لها هؤلاء، وإله الحداثة الخالق -بزعمهم- للحياة وصيرورتها إله موجود لا يضره إنكار المنكرين له.
وفي الحقيقة أن أدونيس لم يتجاوز الحقيقة في وصفه "للملة الحداثية" ولم يخطئ حين بين أنهم عبيد لهذا الإله المزعوم "إله الثورة الحداثية"، ولا عجب من إقراره بهذا الواقع بل العجب من إنكار بعض الناس هذه الحقيقة واستماتتهم في الدفاع عن هذه "الملة"!!.
وفي مقطع آخر بعنوان "الثائر" يكرر أدونيس نفس المعاني، ممتدحًا ومبجلًا وغارقًا في ألفاظ الفخر والمديح أشد ما يكون الغرق وهو الذي طالما انتقد أغراض الشعر القديم، يقول أدونيس:
(زندك المتعب يجري نهرًا يرفع بيتًا
وهو في قنديلنا الشاحب يسّاقط زيتًا
هاهنا يسبح غيمة
وتعاريش وخيمة
أنت صليت عليها وانحنيت:
زند يا متعب يا خالق من أين أتيت؟)(2).--------------------------------------------
(1) الأعمال الشعرية لأدونيس 1/ 136.
(2) المصدر نفسه 1/ 147 - 148.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٠٨)

فهو لم يكتف أن أضحى "الثائر الحداثي" عنده رمزًا للحياة والمجد والبقاء والضياء، بل تجاوز قدر كل هذه المدائح الفارغة ليصبح خالقًا ويناديه في عبودية خاضعة وابتهاج طفوليّ بقوله: (يا خالق) وهو الذي سبق له أن صلى وانحنى للغيمة والخيمة، هذه الطقوس الحداثية الجديدة مجال التقديس والإجلال العباديّ.
كل هذا يؤكد أن هذا الاتجاه الذي يحاول أدونيس غرسه في دروب المسلمين ليس إلّا نحلة وثنية جديدة تتستر بالتحديث والتجديد ودعاوى التقدم والحضارة، إلّا أن ألفاظ ومصطلحات التعبد والتأله ولوازم التدين الوثني تأبى إلّا أن تبرز حقيقة هؤلاء.
ومن هذه اللوازم أنه يتصور نفسه وهو يبشر بدينه الحداثيّ يعيش في غربة وحصار وتفرد، متشبهًا في ذلك بأصحاب العقائد والأديان الذين يعيشون المشاعر نفسها ويصورون معاناة الغربة ويأخذون منها زادًا معنويًا لاستمرارهم.
أدونيس يتمثل هذه المعاناة وهو يقوم بدور الداعية الإلحاديّ الوثنيّ فيقول تحت عنوان "نشيد الغربة" مخاطبًا "فينيق(1) ":
(غربتك التي تميتُ غربتي
غربتك التي تحب تنتشي
غربتك التي تموت هلعًا لغيرها
غربتك التي تموت ولعًا بغيرها--------------------------------------------
(1) فينيق طائر أسطوريّ موطنه بعلبك، تقول الأكذوبة بأنه يحترق كلما أدركه الهرم، لينبعث فتيًا من رماده، ومن هنا أخذ الحداثيون هذه الأسطورة وطاروا بها اعتزازًا وانتماءً، والفينقيون قوم يتكلمون السامية سكنوا الشاطئ الشرقيّ من البحر المتوسط، واستقروا في فينيقيا وكانت أكبر مدنهم صور وصيدًا، وكانت لهم ثقافة وفلسفة ونظام دولة، ويعود الأوروبيون اليوم بجذورهم الفكرية والفلسفية إلى هؤلاء. انظر: الموسوعة العربية 2/ 1356، والديانات والعقائد 1/ 226، والحداثة الأولى: ص 148 - 152.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٠٩)

غربتك الوحيد فيها غربتي
غربة كل خالق يحترق
يولد فيها الأفق)(1).
يصف الغربة التي يعيشها "فينيق" والتي يعيشها السائر على دربه "أدونيس" بأنواع من الأوصاف ذات الأبعاد الدينية، ثم يضفي على فينيق وعلى نفسه صفة الخلق ويشبهه ويشبه نفسه بالخالق ولكن في صورة تدنيسية "غربة كل خالق يحترق" وفي مضمون وثني بحت يقوم على التصورات الإغريقية الوثنية البدائية.
وإذا كنت أقول بأن أدونيس يمارس ديانة إلحادية يبذل جهده من أجل نشرها وتوزيع أفكارها على الناس، وعلى المسلمين خاصة، فإن هذا القول ليس مجرد دعوى أو رمي بالظنون، بل هو ما تثبته كتابات أدونيس النثرية والشعرية، وقد سبق في هذا البحث ذكر مقاطع عديدة تدل بوضوح على هذا الذي قلناه، وسوف يأتي -إن شاء اللَّه- من الدلائل ما يؤكد هذا المعنى.
بيد أنه من المناسب أن أذكر هنا كلمات لأدونيس فيها تلخيص لعقيدته وموجز لملته التي يدعو إليها ويدور فكره وشعره ونثره حولها، قال:
(أسير في الدرب التي توصلُ اللَّه.
إلى الستائر المسدلة
لعلني أقدر أن أبدله)(2).
وإذا سأل سائل عن هذا البديل الذي يريده "أدونيس" فإنه يجد الجواب واضحًا في الخليط الاعتقاديّ الذي يرتكز على الكفر باللَّه ورسله ودينه وشرعه.--------------------------------------------
(1) الأعمال الشعرية لأدونيس 1/ 157 - 158.
(2) الأعمال الشعرية لأدونيس 1/ 105.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢١٠)

فلا تناقض عنده أن يكون إغريقيًا نصرانيًا باطنيًا شيوعيًا سورياليًا ليبراليًا ما دامت كل هذه المذاهب في صف آخر غير صف الحق والدين القويم، ولا ضير عنده أن يجحد وجود اللَّه وربويته، لينتسب إلى جاهلية الحداثة التي يؤله من خلالها غير اللَّه تعالى وينسب إلى غيره الخلق والتصرف، وينطرح عبدًا يؤدي طقوس العبادة لآلهة وأرباب غير اللَّه تعالى.
نقرأ له وهو يمارس الترتيل التعبديّ لفينيق ويصفه بالخلق، وسواء أراد بهذا فينيق الوثن الإغريقيّ، أو أراد به المرموز عنه: "الثائر، الرافض، الحداثيّ، العلمانيّ" فإن الأمر لا يختلف كثيرًا من حيث أن كلا المرادين انحراف وضلال.
يقول في مقطوعة بعنوان "ترتيلة البعث":
(فينيق فينيق
يا طائر الحنين والحريق
يا ريشة
ساحبة وراءها الظلام والبريق
مسافر خطاك عمر زهرة
لفتتك انخطافة وناظراك منجم
مسافر زمانك الغد الذي خلقته
زمانك الغد الحضور السرمديّ في الغد
لموعد:
به تصير خالقًا، به تصير طينة
تتحد السماء فيك والثرى. . .)(1).--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 1/ 165.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢١١)

وينتقل أدونيس من وصف فينيق أو مثاله المعاصر بالخلق إلى وصف زوجته بذلك فيقول:
(أسأل ماذا أُنشد
لزوجتي، لهذه الوالهة الخالقة الحب على مثالها)(1).
أمّا إذا تحول إلى مهيار فإنه ينغمس في مديح وتمجيد غير معهودين حتى عند شعراء البلاط المستجدين بشعرهم، بل إنه يستغرق في ثناء عبوديّ صوفيّ وتهالك منقطع النظير، ففي مقطع بعنوان "البربريّ القديس" يقول:
(ذاك مهيار قديسك البربريّ
يا بلاد الرؤى والحنين
حامل جبهتي لابس شفتي
ضد هذا الزمان الصغير على التائهين
ذاك مهيار قديسك البربريّ
تحت أظفاره دم وإله
إنه الخالق الشقيّ. . .)(2).
ومهيار هو القناع الحداثيّ لأدونيس الباطنيّ وأفكاره وعقائده الوثنية، فهو المراد بالقول السابق وهو المراد بقوله: (أحمل هاويتي وأمشي أطمس الدروب التي تتناهى، أفتح الدروب الطويلة كالهواء والتراب - خالقًا من خطواتي أعداءً لي، أعداءً في مستواي، وسادتي الهاوية والخرائب شفيعتي. . .
ولا شريان عندي لهذا العصر - إنني مبعثر ولا شيء
يجمعني.--------------------------------------------
(1) الأعمال الشعرية لأدونيس 1/ 202.
(2) المصدر نفسه 1/ 274.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢١٢)

أخلق شهوة كلمات التنين. . . .
إنني نبي وشكاك. . .
إنني حجة ضد العصر. . .)(1).
ويقول ممتدحًا نفسه ومفتخرًا بمبادئه:
(أفتح بابًا على الأرض أشغل نار الحضور
في الغيوم التي تتعاكس أو تتوالى
في المحيط وأمواجه العاشقة
في الجبال وغاباتها، في الصخور
خالقًا لليالي الحبالى
وطنًا من رماد الجذور
من حقول الأغاني من الرعد والصاعقة
حارقًا مومياء العصور)(2).
إنه لون جديد وتعبير معاصر يماثل التعبير الجاهلي القديم القائل: "لنا العُزى ولا عُرى لكم"(3)، افتخار بالباطل والإثم والضلال، حين يرمز لها "بالباب والنار والحضور والغيوم والليالي الحبالى والحقول" ومضادة للخير والحق والفضيلة حين يرمز لها "بالرماد ومومياء العصور".--------------------------------------------
(1) المصدر نفسه 1/ 277 - 278.
(2) الأعمال الشعرية لأدونيس 1/ 296.
(3) من أقوال أبي سفيان بن حرب لما كان قائدًا للمشركين في أحد، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيبه المسلمون فقال: "قولوا: اللَّه مولانا ولا مولى لكم". أخرجه البخاري 7/ 269، 272 في كتاب المغازي، باب: إذ تصعدون ولا تلوون على أحد، وباب: غزوة أحد، وفي كتاب الجهاد، باب: ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب، وأخرجه أحمد في المسند 4/ 293 من حديث البراء رضي الله عنه 1/ 287 و 463 من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢١٣)

وينتقل أدونيس إلى حقل التفلسف التمرديّ، فيخاطب الأرض على أنها خلقت في سبعة أيام ثم أنها قامت بخلق غيرها من الموج والأفق، وقد يُظن لأول وهلة أن أدونيس لا يجحد أن اللَّه هو الخالق للأرض، فعلى ما في قوله من كذب في زعمه أن خلق الأرض تم في سبعة أيام أضاف بأن هذا القول كله لغز وأحجية وليس من الحقيقة في شيء، كل هذا في قوله تحت عنوان "الأيام السبعة":
(أيها الأمة التي تسخر
من حبي ومقتي
أنت في سبعة أيام خُلقت
فخلقت الموج والأفق
وريش الأغنية
وأنا أيامي السبعة جرح وغراب
فلماذا الأحجية
وأنا مثلك ريح وتراب)(1).
ونتيجة ذلك أنه يخلق مثلما الأرض خلقت غيرها -حسب قوله- وقد صرح بهذا في مقطع واضح الدلالة بعتوان "أخلق أرضًا" حيث يقول:
(أخلق أرضًا تثور معي وتخون
أخلق أرضًا تحسستها بعروقي
ورسمت سماواتها برعدي
وزينتها ببروقي
حدها صاعق وموج--------------------------------------------
(1) الأعمال الشعرية لأدونيس 1/ 297.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢١٤)

وراياتها الجفون)(1).
فكما هو الواضح في هذا القول الرديء أنه ينسب إلى غير اللَّه الخلق وينعت نفسه بالخلق، ولا يغيب عن البال أنه لا يريد الخلق الإنشائي للأرض فذلك مما يعجز عنه أهل الأرض جميعًا ولكنه يقصد بخلق الأرض إنشاء أرض جديدة وأناس جديدون يثورون على ماضيهم ويهدمون تراثهم ويحرقون تاريخهم وينقلبون على كل معاني الحق والهدى والرشاد، لينتج بهم وبأفكارهم أرضًا جديدة تقوم على الإلحاد باللَّه والشرك به والجحد بالنبوة والمعاد.
وأيًّا كان الأمر في ظاهر اللفظ أو مقصده فإن الذي يهمنا في هذا الصدد أن أدونيس استخدم عبارة الخلق استخدامًا منحرفًا كان له أثره البالغ على أتباع الحدائة حتى استهانوا بصفة "الخلق" واسم "الخالق" ودنسوها باستعمالاتهم الباطلة.
وفي موطن آخر يتطاول الباطنيّ على مقام الربوبية فيقول: (أخلق للريح صدرًا وخاصرة وأسند قامتي عليها، أخلق وجهًا للرفض وأقارن بينه وبين وجهي. . .، كالهواء أنا لا شرائع لي -أخلق مناخًا تتقاطع فيه الجحيم والجنة أخترع شياطين أخرى وأدخل معها في سباق وفي رهان. . . أطلق سراح الأرض وأسجن السماء. . .)(2).
هذا الهراء الذي كتبه أدونيس نثرًا وبقي هكذا عنده وعند أتباعه ثم طرأ له بعد عام 1384 هـ - 1965 م أن يعتبره شعرًا(3)، فصار شعرًا عنده وعند المقلدين له!!.
وهذا نفسه حصل في موضع آخر من "الأعمال الشعرية الكاملة" في مقطع بعنوان "تحولات العاشق" حيث اعتبرها مزيجًا من الشعر والنثر مع غلبة--------------------------------------------
(1) الأعمال الشعرية لأدونيس 1/ 343.
(2) المصدر نفسه 1/ 405.
(3) انظر: المصدر نفسه 1/ 6.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢١٥)

النثر(1)، وهذا المقطع عبارة عن أوصاف جنسية، وتفاصيل للعملية الجنسية، ورموز جنسية عن عورات الرجال والنساء، وأوصاف لجسد المرأة واعتبارها مجرد متعة وموضع لتفريغ الطاقة الجنسية، وهذه هي حقيقة الدعوة التحررية التي ينادي بها العلمانيون والحداثيون، وفي هذا المقطع الجنسيّ يقول:
(يا امرأة
كما خلقتك اشتهيني
كما شئتك انسكبت فيّ
تدخلين في إيقاعي
تدهنين ثدييك بكلماتي وتغرقين في قرارة الحب)(2).
ولا يحتاج أدونيس إلى تبرير أو تفسير أقواله هذه وأشباهها؛ لأنه تجاوز حد النقد بما وضعه من قواعد وأصول تقوم على اعتبار أن الإبداع فوق المناقشة والمحاكمة.
ولذلك نجده في أحد المقاطع يعود إلى جذوره الاعتقادية الوثنية، إلى "بابل" الوثنية مريدًا إحياءها وإنعاشها وبث روح الحياة في عظامها النخرة، وما من شيء يدعوه لذلك وهو الذي يتبرأ من العقائد كل العقائد كما يزعم ويتخلص من كل الثوابت كما يدعي.
والتفسير الوحيد لهذا أنه لما تصدى لمشروع كبير اسمه الحداثة وجد أن في طريقه عوائق تعترض قدرته على ترسيخ هذا المشروع ونشره، وأضخم وأثبت هذه العوائق هو الإسلام العظيم، فلجأ إلى نقائضه الوثنية القديمة والحديثة لعله يستطيع أن يتقوى بها، ولكنه كما قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ--------------------------------------------
(1) انظر: المصدر نفسه 1/ 7.
(2) الأعمال الشعرية لأدونيس 1/ 525.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢١٦)

أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43)}(1).
والمقطع الذي أشرت إليه هو قوله:
(لا أعطي لغتي إلا للجذر، وعادة صوتي
أن يتبطن شمس الرغبة - بابل، عادة صوتي
أن يخلق بابل كي يتغير هذا الزمن
أن يخلق بابل كي يتبرأ هذا الوطن
أخلق بابل في الأجناس وفي الأنواع وأخلق بابل في
الصلوات وفي الشهوات وأخلق بابل في الأرحام
وفي الأكفان، وأخلق بابل بين الخالق والمخلوق
وأخلق بابل في الأصوات وفي الأسماء وفي الأشياء
وأظل اللهب الضارب في الأشياء
خارج هذا الورق الرملي أدشن أنحائي. . .)(2).
ويعتز أدونيس بموقعه ومشاريعه الإلحادية، ويفتخر بأتباعه الذين ينظرون إليه باعتباره "خالقًا" فيقول:
(أجمل ما تكون أن تخلخل المدى. . .
والآخرون - بعضهم يرى إليك زبدًا
وبعضهم يرى إليك خالقًا. . .)(3).--------------------------------------------
(1) الآيات 41 - 43 من سورة العنكبوت.
(2) الأعمال الشعرية لأدونيس 2/ 359.
(3) المصدر نفسه 2/ 456.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢١٧)