الإسلام - لهذه الدولة الكافرة، التي يقوم حكم سلطانها الطاغية "هولاكو" على القوة والقسوة، والظلم والتسلط، والعداء للإسلام والمسلمين، ثم سلك نهجه في سياسته وحكمه من تولى الحكم بعده من أبنائه وأحفاده (1)، حتى تولى الحكم السلطان الخان (غازان بن أرغون بن أبغا بن هولاكو) في سنة (693 هـ). فتغير مجرى سياسة الدولة في عهده، بسبب دخوله في الإسلام، وإعلانه ذلك في مشهد كبير سنة (694 هـ) وتسمى بـ (محمود) وتلقب بـ (السلطان معز الدين)، ودعى إلى الإسلام ورغب في الدخول فيه، فأسلم بسبب إسلامه ودعوته إلى الإسلام كثير من الأمراء، وكبار رجالات الدولة المغولية، وانتشر الإسلام في أوساط الشعوب التتارية (2).
فكان إسلام هذا السلطان، وكثير من كبار رجالات الدولة المغولية مدعاة إلى تغيير مجرى السياسة المغولية التي كانت سائدة قبل ذلك، والاتجاه للعمل بالأحكام الإسلامية، وإظهار شعائر الإسلام دون غيره من الأديان (3)، كما كان مدعاة إلى أن يقطع السلطان صلته بالدولة المغولية العليا في الصين، ويمتنع من التبعية لها (4).
هذا، وعلى الرغم من هذا التحول في سياسة الدولة، والاتجاه بها إلى العمل بالأحكام الإسلامية، فإن علاقتها بدولة المماليك الإسلامية في مصر والشام لم يطرأ عليها أي تحسن، بل ظلت على عدائها السافر لدولة المماليك كما كانت في العصور السابقة، حيث شنت حملات عسكرية متكررة على بلاد الشام، وكان بعضها بقيادة السلطان نفسه، وقد انتصرت الجيوش المغولية في--------------------------------------------
(1) انظر: العبر في خبر من غبر، 3/ 372، تاريخ الدولة المغولية، ص، 212، العراق في التاريخ، ص، 552، العراق في عهد المغول الإيلخانيين، ص، 77.
(2) انظر: الدرر الكامنة، 3/ 213، النجوم الزاهرة، 8/ 212، تاريخ الدولة المغولية، ص، 190، تاريخ العراق بين احتلالين، 1/ 367.
(3) انظر: تاريخ الدولة المغولية، ص، 213، العراق في التاريخ، ص، 550.
(4) انظر: تاريخ الدولة المغولية، ص، 192، 212.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
بعض هذه الحملات (1)، بينما منيت بالهزيمة في البعض الآخر منها (2).
هذا وعلى الرغم مما وقع في دمشق من الفساد والخراب من الجيوش المغولية حين احتلالهم لها سنة (699 هـ)، فإنه لا يقاس بما وقع في بغداد عند سقوطها على يد الطاغية هولاكو، ولعل ذلك راجع إلى دخول المغول في الإسلام، وتأثيره فيهم (3).
وقد مات هذا السلطان في سنة (703 هـ) (4).
هذا، وما تقدم ذكره كان توطئة للحديث عن العصر الذي يليه، وهو العصر الذي عاش فيه المصنف، حيث عاش في بغداد، في العصور الإسلامية لهذه الدولة المغولية بعد تغير مجرى السياسة فيها، واستبدال الأحكام المغولية الجائرة بالأحكام الإسلامية العادلة، مما كان له الأثر البالغ على تحسن الأحوال في أنحاء الدولة، وخصوصًا العراق، وانتشار الأمن والعدل، والهدوء والاستقرار فترة من الزمان، أعقبه ضعف في الدولة، وتنازع على السلطة أدى إلى إنقسام هذه الدولة المغولية الإيلخانية إلى عدة دويلات، وقيام حكومة مستقلة بالعراق عرفت باسم (الدولة المغولية الجلائرية)، وقد عاصر المصنف عددًا من سلاطين هاتين الدولتين، سآتي على ذكرهم فيما يأتي، مشيرًا باختصار إلى الأحوال السياسية في عصورهم:--------------------------------------------
(1) كموقعة الخازندار سنة (699 هـ) حيث تم الاستيلاء على دمشق واحتلالها لبضعة أشهر.
انظر: الحوادث الجامعة، ص، 502، البداية والنهاية، 14/ 7، تاريخ الدولة المغولية، ص، 201، تاريخ العراق بين احتلالين، 1/ 386.
(2) كموقعة "مرج الصفر" وتعرف أيضًا بموقعة "شقحب" سنة (702 هـ) حيث هزم الجيش المغولي هزيمة نكراء، وكان لشيخ الإسلام ابن تيمية دور بارز في هذا الانتصار.
انظر: دول الإسلام، 2/ 209، البداية والنهاية، 14/ 22، تاريخ الدولة المغولية، ص، 210، تاريخ العراق بين احتلالين، 1/ 396.
(3) انظر: تاريخ الدولة المغولية، ص، 204، تاريخ العراق، 1/ 386.
(4) انظر: دول الإسلام، 2/ 211، الدرر الكامنة، 3/ 214، شذرات الذهب، 6/ 9.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
* السلطان محمد خدا بنده (1) بن أركون بن أبغا بن هولاكو (703 - 716 هـ):
تولى الحكم بعد أخيه المذكور قبله سنة (703 هـ) وكان حسن الإسلام، سليم المعتقد، ثم انتقل بعد بضع سنوات من توليه الحكم، وبتأثير من بعض علماء الشيعة إلى المذهب الشيعي، ودعا إليه في سائر أنحاء الدولة، وعادى أهل السنة، وأمر بعدم الترضي عن الخلفاء الراشدين الثلاثة في الخطبة، فأثار ذلك سخطًا وغضبًا عارمًا في أوساط الدولة؛ لأن الغالبية العظمى من
المسلمين من أهل السنة والجماعة مما أحس معه بالخطر على ملكه، فخفف من دعوته إلى المذهب الشيعي، وذكر بعض المؤرخين: أنه تراجع عنه في آخر سني حكمه، وأمر بالترضي عن الخلفاء الراشدين (2).
وعلى الرغم من هذه الأحداث، فقد شهد عهده بصفة عامة رخاءً واستقرارًا، فإن لم يخل من حركات مناوئة استطاع القضاء عليها (3).
وأما علاقته بدولة المماليك في مصر والشام، فقد ظلت كما هي عليه في عهد أسلافه - مما سبقت الإشارة إليه - حيث شن حملة كبيرة بقيادته لاحتلال بلاد الشام سنة (712 هـ)، لكن حملته هذه منيت بالهزيمة، فعاد أدراجه إلى بلاده (4).--------------------------------------------
(1) هكذا ذكره عدد من المؤرخين منهم ابن حجر في الدرر الكامنة، 3/ 378، وقال: "وعلى ألسنة العامة خربندا"، وكثير من المؤرخين يذكره أيضا بلفظ "خربندا" وقد أوضح في النجوم الزاهرة، 9/ 238: بأن سبب الاختلاف في ضبط اسمه: أن اسمه
الأصلي الذي سماه به أبوه هو "خربندا" بفتح الخاء المعجمة، وسكون الراء، وفتح الباء الموحدة، وسكون النون ومعناه: عبد الحمار، فلما تولى الملك غير اسمه وسمى نفسه بـ"خدابنده" بالدال المهملة بعدها ألف، ومعناه: عبد الله ونادى في مملكته بأن لا يسمى بغير هذا الاسم".
وقد ذكر بعض المؤرخين أسبابًا أخرى في سبب الاختلاف في اسمه، كما في رحلة ابن بطوطة، 1/ 169، تاريخ العراق بين احتلالين، 1/ 401.
(2) انظر: البداية والنهاية، 14/ 67، الدرر الكامنة، 3/ 378، تاريخ الدولة المغولية، ص، 214، تاريخ العراق بين احتلالين، 1/ 407.
(3) تاريخ الدولة المغولية، ص، 219، تاريخ العراق بين احتلالين، 1/ 401، 443.
(4) انظر: البداية والنهاية، 14/ 57، تاريخ الدولة المغولية، ص، 218، تاريخ العراق بين احتلالين، 1/ 425.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
وقد مات هذا السلطان في شهر رمضان سنة (716 هـ) (1).
* السلطان بوسعيد (2) بن محمد خدابنده. (716 - 736 هـ):
تولى الحكم بعد وفاة والده، وكان صغيرًا لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، فتولى بعض الأمراء تصريف شؤون الدولة حتى استطاع السلطان تولي الأمور بنفسه (3)، وكانت سيرة هذا السلطان سيرة حسنة، حيث كان حسن التوجه الديني، سار على مذهب أهل السنة والجماعة، وأظهر السنة، ورغب غير المسلمين في الدخول في الإسلام، وأقام العدل، وقضى على الكثير من
المنكرات التي كانت شائعة قبل توليه السلطة، وعاقب على ذلك عقوبات رادعة (4)، لكن مع هذا لم تكن الأوضاع الداخلية في البلاد مستقرة طوال فترة حكمه، كاستقرارها في عهود أسلافه، بل ظهر فيها اضطرابات، ونزاعات بين ذوي السلطة في البلاد، وحركات مناوئة للسلطان إلا أنها لم تؤثر كثيرًا على وحدة الدولة وتماسكها (5).
وأما علاقة الدولة في عهد هذا السلطان بدولة المماليك في مصر والشام--------------------------------------------
(1) انظر: دول الإسلام، 2/ 222، البداية والنهاية، 14/ 67، شذرات الذهب، 6/ 40.
(2) اسم، وليس بكنية، قال ابن حجر في الدرر الكامنة، 1/ 501: "قال الصفدي: الناس يقولون أبو سعيد بلفظ الكناية، لكن الذي ظهر لي أنه علم ليس في أوله ألف، فإني رأيته كذلك في المكاتبات التي كانت ترد منه إلى الناصر هكذا: بوسعيد".
وكذا قال في النجوم الزاهرة، 9/ 309: إنه اسم وليس بكنية، ولعل مما يؤيد كونه اسمًا وليس بكنية أن الذين ترجموا له فيما اطلعت عليه لم يذكروا له اسمًا حتى يكون هذا كنية، مع الإشارة إلى أن أكثر من ترجم له ذكره بلفظ الكنية "أبو سعيد" لا بلفظ
العلم، كدول الإسلام للذهبي، والبداية والنهاية، وشذرات الذهب، وتاريخ الدولة المغولية، وغيرها.
(3) انظر: البداية والنهاية، 14/ 67، تاريخ الدولة المغولية، ص، 220، تاريخ العراق بين احتلالين، 1/ 447.
(4) انظر: البداية والنهاية، 14/ 67، 86، الدرر الكامنة، 1/ 501، النجوم الزاهرة، 9/ 309، تاريخ الدولة المغولية، ص، 220، تاريخ العراق بين احتلالين، 1/ 473.
(5) انظر: البداية والنهاية، 14/ 81، تاريخ الدولة المغولية، ص، 222، تاريخ العراق بين احتلالين، 1/ 460.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
فقد تغيرت عما كانت عليه في العصور السابقة، وقامت بين الدولتين علاقات حسنة، تم عقد صلح بين الدولتين في سنة (720 هـ)، فتحت بموجبه الحدود بين الدولتين للتجارة وغيرها، كما تعهد الملك الناصر محمد بن قلاوون بحماية الحجاج العراقيين (1).
وقد توفي هذا السلطان سنة (736 هـ) بعد حكم دام عشرين عامًا، ويعد آخر ملوك الأسرة المغولية الإيلخانية الكبار (2).
* الأوضاع بعد وفاة السلطان بوسعيد:
لما أحسَّ السلطان (بوسعيد) بدنو أجله، أوصى وزيره (خواجه غياث الدين) بأن يتولى الحكم بعده الأمير (أربا خاوون بن سوسه) وهو من ذرية الأخ الأصغر لهولاكو، فلما توفي السلطان نفذ الوزير الوصية، وبويع الأمير (أربا خاوون) سلطانًا على البلاد، غير أن هذه البيعة لم تكن مقبولة لدى بعض الأمراء وكبار رجالات الدولة، بل قوبلت بالرفض والتسخط، واتفق عدد من
الأمراء وكبار رجالات الدولة بقيادة الأمير (علي باشا) حاكم بغداد على رفض البيعة، ومبايعة الأمير (موسى بن علي بن بايدوا) سلطانًا على البلاد (3)، بحجة أنه أصلح للسلطة، وأحق بالولاية؛ لأنه موصوف بالحصافة، والدهاء، والديانة والاستقامة (4)، على العكس من (أربا خاوون) فقد وصف بالظلم والتسلط حتى إنه اتهم بالكفر والضلال (5). فنشأ عن هذا الاختلاف والنزاع
قتال شديد بين الطرفين المتنازعين انتهى بالقبض على السلطان (أربا خاوون)--------------------------------------------
(1) انظر: السلوك للمقريزي، ج 2، قسم 1، ص 209، شذرات الذهب، 6/ 113، تاريخ الدولة المغولية، ص، 230، تاريخ العراق بين احتلالين، 1/ 470.
(2) انظر: دول الإسلام، 2/ 243، النجوم الزاهرة، 9/ 309، تاريخ الدولة المغولية، ص، 228.
(3) انظر: دول الإسلام، 2/ 243، الدرر الكامنة، 1/ 348، تاريخ الدولة المغولية، ص، 232، تاريخ العراق بين احتلالين، 1/ 522.
(4) انظر: الدرر الكامنة، 4/ 376.
(5) انظر: الدرر الكامنة، 1/ 348، السلوك للمقريزي، ج 2 قسم 2، ص، 406.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
في شهر رمضان سنة (736 هـ)، ثم قتل هو ووزيره (خواجه غياث الدين) في شهر شوال من نفس العام بعد ولاية لم تتجاوز ستة أشهر (1).
فاستقل السلطان (موسى بن علي) بعد ذلك بالأمر، وعين الأمير (علي باشا)، حاكم بغداد قائدًا للجيش، لكن الأحوال لم تصف لهذا السلطان، وقامت ضده حركات مناوئة بقيادة عدد من الأمراء الذين يطمعون في الوصول إلى عرش السلطنة، فاستطاعت بعض هذه الحركات المعادية للسلطان قتل قائد الجيش الأمير (علي باشا) في معركة عنيفة، ثم قبض على السلطان (موسى بن علي) بعد ذلك، وقتل في شهر ذي الحجة سنة (736 هـ)، بعد حكم لم يتجاوز ثلاثة أشهر (2).
ثم بويع الأمير (محمد خان بن يول قوتلق) سلطانًا على البلاد، لكنه هو الأخير أيضًا لم تصف له الأحوال، مما أدى إلى القضاء عليه سنة (738 هـ)، ثم ازدادت الأوضاع في البلاد سوءًا وتدهورًا، وكثرت النزاعات على السلطة، مما أدى إلى انقسام الدولة المغولية إلى عدة دويلات (3).
* السلطان حسن بزرك (الكبير) الجلائري. (738 - 757 هـ):
كان هذا السلطان نائبًا للسلطان السابق (محمد خان) فلما قتل السلطان (محمد خان) وكثرت النزاعات، واشتدت الخلافات بين المتنازعين على السلطة، واضطربت أحوال الدولة، استطاع هذا السلطان الاستيلاء على العراق، والاستقلال بحكمها في آخر سنة (738 هـ) وجعل بغداد عاصمة مملكته، فانتقل الحكم في العراق باستيلاء هذا السلطان عليه، والاستقلال بحكمه من الأسرة المغولية الإيلخانية إلى الأسرة المغولية الجلائرية، وأصبح--------------------------------------------
(1) انظر: البداية والنهاية، 14/ 151، الدرر الكامنة، 1/ 348، تاريخ الدولة المغولية، ص، 234 - 236، تاريخ العراق بين احتلالين، 1/ 526.
(2) انظر: دول الإسلام، 2/ 243، الدرر الكامنة، 4/ 376، تاريخ الدولة المغولية، ص، 238 - 240، تاريخ العراق بين احتلالين، 1/ 530.
(3) انظر: تاريخ العراق، 1/ 535، قصة الحضارة، 26/ 34.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
هذا السلطان مؤسس الدولة المغولية الجلائرية في العراق (1).
وكانت سياسة هذا السطان في مبدأ حكمه تتسم بالظلم والجور، وأصاب العراق في عهده غلاء وجوع، مما دعا كثيرًا من أهلها إلى النزوح عنها نحو الشام وغيره، فلما رأى السلطان كثرة النازحين عن العراق، وتظلم الرعية من الحكم، غيَّر سياسته، وأقام العدل، وحسنت سيرته، مما حمل كثيرًا من النازحين عن العراق على العودة إليها، وذلك في سنة (748 هـ)، واستمر هذا السلطان في حكم العراق حتى وفاته سنة (757 هـ) (2).--------------------------------------------
(1) انظر: تاريخ العراق بين احتلالين، 2/ 24، 77، العراق في التاريخ، ص، 552.
(2) انظر: الدرر الكامنة، 2/ 14، النجوم الزاهرة، 10/ 323، شذرات الذهب، 6/ 182، تاريخ العراق بين احتلالين، 2/ 79.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
المبحث الثاني الحالة الثقافية
ويشتمل على تمهيد، وثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: المراكز العلمية.
* المطلب الثاني: مشاهير العلماء ببغداد.
* المطلب الثالث: الصلات العلمية بين بغداد وغيرها من مدن الإسلام العلمية.
تمهيد:
على الرغم مما أصاب العراق، وبغداد على وجه الخصوص، من جراء الغزو التتاري من الدمار والخراب، مما نتج عنه قتل مئات الألوف من أهلها، وفيهم كبار العلماء، ورواد الثقافة والمعرفة، وهدم الكثير من المساجد، وتعطيل المعاهد والمدارس، ودور العلم، ومحي كثير منها، وأتلفت كتب علمية عظيمة، وألقي كثير منها في نهر دجلة حتى تغير الماء فيه من مادة الكتابة أيامًا، وقضي على الكثير من معالم الثقافة، وصروح المعرفة (1)، ومع ذلك فإن من العناية الإلهية، والألطاف الربانية أن ذلك لم يدم طويلًا، إذ بعد عام واحد تقريبًا من سقوط بغداد بدأت الحياة العلمية، والحركة الثقافية تعود إلى بغداد، بفضل الله تعالى، ثم بعناية (عماد الدين عمر القزويني) لما عين واليًا على العراق نيابة عن الأمير المغولي (قرابغا) فقام بعمارة ما انهدم من المساجد، والمدارس، والربط وترميم ما خرب منها، وشجع العلماء وطلاب--------------------------------------------
(1) سبقت الإشارة إلى ذلك موثقًا في الكلام على الحالة السياسية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
العلم على إحياء العلوم، ونشر الثقافة، وقرر لهم الرواتب، وأفاض عليهم العطايا، وكانت له في ذلك آثار حسنة، وأعمال جليلة (1). وفي هذا يقول العلامة المؤرخ ابن الفوطي الحنبلي (ت 723 هـ) في ترجمة الوالي المذكور: (لما أنفذ الله قضاءه وقدره، وقتل الخليفة، وخربت بغداد، وأحرق الجامع وعطلت بيوت العبادات، تداركهم الله بلطفه فأتاح لهم عناية (عماد الدين) فقدمها وعمَّر المساجد والمدارس، ورمم المشاهد والربط، وأجرى الجرايات في وقوفها للعلماء، والفقهاء، والصوفية، وأعاد رونق الإسلام بمدينة السلام، وفضَّ على الأئمة الخيرات) (2). وقال عن الوالي المذكور أيضًا (ثم فتح المدارس والربط، وأثبت الفقهاء، والصوفية، وأدر عليهم الأخباز والمشاهرات) (3)، وقد أثني على هذا الوالي ومدح كثيرًا، ومن ذلك ما قاله شمس الدين الهاشمي الكوفي في قصيدته التي نظمها بمدحه:
يا ذا العلا يا عمادالدين يا ملكًا … لعدله سيرة تسمو على السير
لما اصطفاك لهذا الدين منزله … جبرت منا ومنه كل منكسر
جمعت عدلًا ومعروفًا ومعرفة … والعدل ما زال منسوبًا إلى عمر (4)
ومما يؤكد عودة الحياة العلمية إلى بغداد بعد سنة من سقوطها، ما ذكره ابن الفوطي: أن الدراسة بالمدرسة المستنصرية - وهي أعظم مدارس بغداد - استؤنفت في عام (657 هـ) (5)، كما استؤنفت الدراسة بالمدرسة النظامية في شهر صفر من عام (658 هـ) (6)، واستؤنفت الدراسة في المدارس الأخرى بعد--------------------------------------------
(1) انظر: تاريخ علماء المستنصرية، 1/ 34، الحياة الفكرية في العراق، ص، 109.
(2) تلخيص مجمع الآداب، ج 4، قسم 2، ص، 801.
(3) الحوادث الجامعة، ص، 333.
(4) انظر: تلخيص مجمع الآداب، ج 4، قسم 2، ص، 801 - 802، تاريخ علماء المستنصرية، 1/ 34.
(5) انظر: تلخيص مجمع الآداب، ج 4، قسم 2، ص، 819، تاريخ علماء المستنصرية، 1/ 35.
(6) انظر: تلخيص مجمع الآداب، ج 4، قسم 1، ص، 314، تاريخ علماء المستنصرية، 1/ 35.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
ذلك (1)، فنشطت بذلك الحياة العلمية في بغداد، وبدأت في العودة إلى الحياة بعد الممات، وجدَّ العلماء، ونشط طلاب العلم في إحياء الحركة العلمية، وإعادتها إلى سالف عهدها، وساعدهم على ذلك أيضًا إسلام السلاطين المغول، وما حصل منهم من رعاية للعلم وتشجيع عليه (2)، يدل على ذلك أن السلطان (محمود غازان، ت 703 هـ) لما زار بغداد سنة (696 هـ) زار المدرسة المستنصرية، وتجول في أقسامها، واطلع على خزانتها، واحتفل به علماؤها (3)، ثم استمرت الحركة العلمية في نشاط وازدهار، ونمو واطراد، ولم ينقض القرن السابع حتى استعادت بغداد كثيرًا من مكانتها العلمية قبل السقوط، وكثرت فيها المساجد، والمدارس، والمعاهد، ودور العلم، التي ازدانت بالعلماء البارزين، وغصت بالطلاب والدارسين، فولد المصنف ونشأ في هذا الجو العلمي الذي يفيض حيوية ونشاطًا، يبدو ذلك واضحًا جليًا في الكلام على أهم الملامح الثقافية في ذلك العصر في المطالب التالية:
المطلب الأول المراكز العلمية
المراكز العلمية كثيرة ومتنوعة، وسأكتفي بالإشارة إلى أهمها، وبيان ما لها من أثر على الحركة الثقافية في ذلك العصر، فمن أهمها ما يأتي:
أولًا: المساجد:
كانت المساجد من أهم أماكن التعليم، ونشر الثقافة الإسلامية في--------------------------------------------
(1) انظر: تاريخ علماء المستنصرية، 1/ 35.
(2) انظر ذلك موضحًا في تراجم سلاطين الدولة المغولية الإيلخانية، المسلمين ابتداء من (السلطان محمود غازان ت 703 هـ) ثم أخيه من بعده (السلطان محمد خدابنده ت 716 هـ)، ثم ابنه من بعده (السلطان بوسعيد ت 736 هـ) في تاريخ الدولة المغولية، ص، 213، 220، 228، قصة الحضارة، 26/ 31.
(3) انظر: الحوادث الجامعة، ص، 492، تاريخ علماء المستنصرية، 1/ 34، 2/ 421، تاريخ العراق، 1/ 374.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
التاريخ الإسلامي منذ فجر الإسلام، حيث كان العلماء يعقدون بها حلقات دروسهم العلمية، وكانت بغداد - في ذلك العصر - عامرة بالمساجد الكثيرة، يدل على ذلك ما ذكره الرحالة ابن بطوطة: أنه كان في بغداد حين زيارته لها سنة (727 هـ) أحد عشر مسجدًا جامعًا تقام فيه الجمعة، وأن المساجد التي لا تقام فيها الجمعة كثيرة جدًا (1)، وقد كانت هذه المساجد أحد مراكز التعليم الرئيسية في بغداد، حيث تقام فيها الدروس العلمية، ويتصدى للتدريس فيها مشاهير العلماء، وأعيانهم، يدل على ذلك ما ذكره الرحالة ابن بطوطة أثناء زيارته لبغداد سنة (727 هـ) أنه قرأ مسند الدارمي على محدث العراق الحافظ الكبير العلامة عمر بن علي القزويني الشافعي (ت 750 هـ) في جامع الخليفة بالجانب الشرقي من بغداد (2)، كما ذكر العلامة أبن رجب أن محدث بغداد في زمنه: العلامة جمال الدين عبد الصمد بن خليل الخضري الحنبلي (ت 765 هـ)، كان يحدث بمسجد يانس، كما ذكر أيضًا: أنه خلفه في التحديث بالمسجد المذكور العلامة المحدث نور الدين محمد بن محمود الحنبلي (ت 766 هـ) (3)، كما ذكر مؤلف كتاب "الحياة الفكرية في العراق في القرن السابع" عددًا كثيرًا من المساجد التي كانت تعقد فيها دروس علمية في القرن السابع ببغداد، مشيرًا إلى أسماء بعض العلماء الذين كانوا يتولون التدريس فيها، ثم قال بعد ذلك: (واستمرت الحال على ذلك إلى نهاية القرن السابع الهجري وما بعده) (4).
ثانيًا: المدارس:
حفلت بغداد منذ أواسط القرن الخامس الهجري بعددٍ كبيرٍ من المدارس التي كان لها أثر كبير في نشاط الحركة الثقافية، وازدهار العلوم والمعارف بها، وأول ما أنشئت المدارس في بغداد سنة (459 هـ)، حيث أنشئ في هذا--------------------------------------------
(1) انظر: رحلة ابن بطوطة، 1/ 166.
(2) انظر: المصدر السابق، 1/ 168.
(3) انظر: ذيل طبقات الحنابلة، 2/ 413 - 414.
(4) الحياة الفكرية في العراق، ص، 207.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
العام مدرستان هما: مدرسة أبي حنيفة، والمدرسة النظامية (1)، ثم ازداد عدد المدارس بها حتى بلغت في عام (580 هـ) ثلاثين مدرسة، كما ذكر ذلك الرحالة ابن جبير عند زيارته لها في السنة المذكور بقوله: (والمدارس بها نحو الثلاثين، وهي كلها بالشرقية - الجهة الشرقية من بغداد - وما منها مدرسة إلا وهي يقصر القصر البديع عنها … ولهذه المدارس أوقاف عظيمة وعقارات محبسة، تتصير إلى الفقهاء المدرسين بها، ويجرون بها على الطلبة ما يقوم بهم، ولهذه البلاد في أمر هذه المدارس والمارستانات شرف عظيم، وفخر مخلد) (2).
وقد أنشئ ببغداد زمن الدولة العباسية (38) مدرسة (3)، وفي زمن الدولة المغولية (14) مدرسة (4)، هذا بالإضافة إلى دور العلم الكثيرة ببغداد، كدور القرآن، ودور الحديث (5) والكتاتيب، ومجالس المناظرات، والندوات الأدبية، وغير ذلك من المجالس العلمية (6).
وقد كان لهذه المدارس، ودور العلم أثر كبير في نشاط الحركة الثقافية ببغداد، وأزدهار العلوم والمعارف بها.--------------------------------------------
(1) انظر: الحياة الفكرية في العراق، ص، 214 - 215، المدارس الشرابية، ص، 117 - 118، العراق في التاريخ، 506 - 507.
(2) رحلة ابن جبير، ص، 205.
(3) انظر: تاريخ علماء المستنصرية، 2/ 390، المدارس الشرابية، ص، 117 وما بعدها، حيث أورد أسماء هذه المدارس وذكر نبذة يسيرة عن تاريخ كل مدرسة منها، وقد ذكر مؤلفا كتاب (دليل خارطة بغداد) ص، 247 (34) مدرسة فقط.
(4) وهي: المدرسة الإمامية، والعلائية، والمرجانية، والإيكجية، والمسعودية، والفازانية، والعصمتية، والإسماعيلية، والجمالية، والوفائية، ومدرسة ابن قاضي دقوق، وجمال الدين العاقولي، وبهاء الدين الدنجلي، ومجد الدين ابن الأثير.
انظر: دليل خارطة بغداد، ص، 248 - 249، وقد ذكر الأستاذ ناجي معروف في كتابه "المدارس الشرابية" إحدى عشرة مدرسة فقط.
(5) انظر أسماء كثيرة من دور القرآن والحديث ببغداد في: تاريخ علماء المستنصرية، 1/ 26، 2/ 551.
(6) انظر: المدارس الشرابية، ص، 111، والحياة الفكرية في العراق، ص، 193، وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
وكانت هذه المدارس تحظى بالاهتمام والرعاية من مختلف طبقات المجتمع، وعلى الخصوص من الخلفاء والأمراء والأثرياء، الذين كانوا يقومون بتشييد هذه المدارس، ويقيمون الاحتفالات الكبيرة عند افتتاحها، ويشاركون في حضورها، ويقومون بتعيين العلماء والمدرسين للتعليم بها، والموظفين لخدمتها، وترتيب الطلاب والدارسين بها، وتهيئة المساكن لهم، ورتبوا لكل أولئك رواتب شهرية، تضمن لهم قدرًا من الحياة الهنيئة، حتى ينصرفوا كلية إلى العلم، ولا ينشغلوا بغيره.
كما كانت توقف على هذه المدارس الأوقاف الكثيرة، لتكون موارد مالية ثابتة تريع عليها، مما يضمن لها الاستمرار في أداء رسالتها على الوجه الأكمل (1).
وسأشير هنا إلى بعض المدارس التي كانت الدراسة فيها قائمة زمن المصنف مع الإشارة إلى تاريخ إنشائها، وبعض من درَّس بها زمن المصنف، مما يستدل به على استمرار الدراسة بها في الزمن المذكور، وهي:
1 - المدرسة المستنصرية:
أنشأها الخليفة العباسي المستنصر بالله (ت 640 هـ) في سنة (625 هـ) وتم افتتاحها في سنة (631 هـ) في حفل كبير، حضره الخليفة والعلماء وكبار رجالات الدولة.
وتعد هذه المدرسة أكبر المدارس في بغداد، ومن أعظم المدارس في العالم الإسلامي، وكانت الدراسة فيها على المذاهب الفقهية الأربعة، وقد ألف الأستاذ/ ناجي معروف كتابًا حافلًا في تاريخ هذه المدرسة وعلمائها (2)، وقد ذكر: أن الدراسة فيها أستمرت حتى منتصف القرن الحادي عشر فيما--------------------------------------------
(1) انظر: العراق في التاريخ، ص، 505، 517.
(2) وقد طبع الكتاب عدة طبعات، وقد صنف في تاريخ هذه المدرسة مصنفات أخرى منها: كتاب "المدرسة المستنصرية ببغداد" للدكتور حسين أمين، وانظر الكلام عن هذه المدرسة أيضًا في: البداية والنهاية، 13/ 133 - 134.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
وقف عليه، كما أنه استطاع معرفة (250) شخصية علمية من رجالات العلم بها، جلهم في العهد المغولي (1).
2 - المدرسة النظامية:
أنشأها الوزير السلجوقي نظام الملك الحسن بن علي للشافعية، وتم افتتاحها سنة (459 هـ)، وهي من أكبر المدارس وأشهرها ببغداد (2)، وقد أشاد بذكرها الرحالة ابن بطوطة عند زيارته لبغداد سنة (727 هـ) (3).
وممن درَّس بها العلامة محيي الدين محمد بن عبد الله العاقولي الشافعي (704 - 768 هـ) (4).
3 - المدرسة المجاهدية:
أسسها مجاهد الدين أيبك بن عبد الله المستنصري، أمير الأمراء ببغداد سنة (637 هـ) للحنابلة، وكانت من كبار المدارس ببغداد، وأشهرها (5).
وممن درَّس بها العلامة صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق القطيعي الحنبلي (ت 739 هـ) (6)، قال عنه ابن رافع: درَّس بالمدرسة المجاهدية ببغداد، وهي أكبر مدارسها (7).
وممن درَّس بها العلامة شافع بن عمر الجيلي الحنبلي (ت 741 هـ) (8).--------------------------------------------
(1) انظر: تاريخ علماء المستنصرية، 1/ 33، 36.
(2) انظر: البداية والنهاية، 12/ 103، المدارس الشرابية، ص، 118، الحياة الفكرية في العراق، ص، 215، العراق في التاريخ، ص، 506، وقد أفاض الأستاذ ناجي معروف في الحديث عن هذه المدرسة وعلمائها في كتابه "علماء النظاميات ومدارس المشرق الإسلامي".
(3) انظر: رحلة ابن بطوطة، 1/ 167.
(4) انظر: تاريخ علماء المستنصرية، 1/ 141، 255.
(5) انظر: المدارس الشرابية، ص، 130.
(6) انظر: ذيل طبقات الحنابلة، 2/ 428.
(7) انظر: منتخب المختار، ص، 123.
(8) انظر: ذيل طبقات الحنابلة، 2/ 435.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
4 - المدرسة البشيرية:
أنشأتها جارية الخليفة المستعصم بالله المعروفة بـ (باب بشير)، وافتتحت بعد وفاتها سنة (653 هـ) وحضر الخليفة وأولاده افتتاحها، وكان التدريس بها على المذاهب الأربعة (1).
وممن درَّس بها العلامة تقي الدين عبد الله بن محمد الزريراني الحنبلي (ت 729 هـ) (2)، والعلامة جمال الدين عبد الله بن محمد العاقولي الشافعي (ت 728 هـ) (3)، والعلامة أبو الحسن حيدرة بن محمد العباسي الحنفي (ت 767 هـ) (4).
5 - المدرسة العصمتية:
أنشاتها السيدة عصمة الدين شاة المعروفة بأم رابعة (ت 678 هـ) - ورابعة حفيدة الخليفة المستعصم -، وافتتحت المدرسة سنة (671 هـ)، وكانت الدراسة فيها على المذاهب الأربعة (5).
وممن درَّس بها العلامة شرف الدين داود بن كوشيار الحنبلي (ت 699 هـ) (6)، والعلامة أحمد بن علي البابصري الحنبلي (ت 750 هـ) (7).--------------------------------------------
(1) انظر: المدارس الشرابية، ص، 130، دليل خارطة بغداد، ص، 191.
(2) انظر: ذيل طبقات الحنابلة، 2/ 410.
(3) انظر: تاريخ علماء المستنصرية، 1/ 140، المدارس الشرابية، ص، 130.
(4) انظر: تاريخ علماء المستنصرية، 1/ 96.
(5) انظر: الحوادث الجامعة، ص، 373، المدارس الشرابية، ص، 131، تاريخ العراق، 2/ 272.
(6) انظر: ذيل الطبقات، 2/ 344، وقال: توفي بعد (690 هـ)، وكذا في المقصد الأوشد، 1/ 382، وقال في شذرات الذهب، 5/ 447: توفي في حدود (699 هـ)، تاريخ علماء المستنصرية، 1/ 113، وقال: "ويذكر ابن وجب أنه درس بالمدرسة المستعصمية ويظهر أنها محرفة من العصمتية".
(7) انظر: ذيل الطبقات الحنابلة، 2/ 445.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
6 - المدرسة الشرابية:
أنشأها الأمير شرف الدين إقبال الشرابي العباسي، وافتتحت سنة (628 هـ) في حفل كبير حضره أعيان العلماء، وطلاب العلم ببغداد، وذكر الأستاذ/ ناجي معروف: أن الدراسة فيها كانت قائمة في حدود عام (723 هـ) فيما وقف عليه (1).
7 - المدرسة الشرفية (مدرسة أبي حنيفة):
أنشأها للحنفية شرف الملك محمد بن منصور الخوارزمي مستوفي المملكة للسلطان ألب أرسلان السلجوقي في سنة (459 هـ) (2).
وممن درَّس بها العلامة أحمد بن علي الهمداني الحنفي المعروف بابن الفصيح (ت 755 هـ) (3).
8 - المدرسة الغازانية:
نسبة إلى السلطان محمود غازان (ت 703 هـ) وقد أنشأها الوزير رشيد الدين فضل الله الهمداني (ت 718 هـ)، الذي كان وزيرًا لعدد من السلاطين المغول (4).
ثالثًا: المكتبات:
للمكتبات دورها الأساسي في نشر الثقافة العلمية، وإحياء الحركة الفكرية، وكانت بغداد في ذلك العصر حافلة بعدد كبير من المكتبات التي كانت تسمى بـ (دور العلم)، وبـ (خزائن الكتب) سواء ما كان منها خاصًا، كمكتبات العلماء، والأمراء والوجهاء، وطلاب العلم، ومن أشهر هذه--------------------------------------------
(1) انظر: المدارس الشرابية، ص، 145.
(2) انظر: البداية والنهاية، 12/ 103، المدارس الشرابية، ص، 117، الحياة الفكرية في العراق، ص، 215.
(3) انظر: تاريخ علماء المستنصرية، 2/ 297.
(4) انظر: المدارس الشرابية، ص، 132.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
المكتبات: مكتبة العلامة كمال الدين ابن الفوطي الحنبلي (ت 723 هـ) (1)، ومكتبة العلامة صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق القطيعي الحنبلي (ت 739 هـ) (2)، أو ما كان منها عامًا كخزائن الكتب في المدارس، والمساجد والربط وغيرها، حيث لا تكاد تخلو هذه الأمكنة العلمية من مكتبات (3)، تكون مرجعًا قريبًا من العلماء وطلاب العلم، (وكانت غالبية مساجد بغداد تشتمل على مكتبات يستفيد منها جمهور طالبي الكتب من رجال العلم وطلبته، وظلت كذلك إلى أواخر القرن الثامن الهجري) (4).
أما المكتبات في المدارس فيظهر أن العناية بها أجل، والاهتمام بها أكثر، وكان في كل مدرسة مكتبة (5)، قد يصل تعداد ما فيها من الكتب والمراجع إلى عشرات الآلاف، ومن أشهر مكتبات المدارس في بغداد على الإطلاق مكتبة المدرسة المستنصرية، حيث وصفت: بأنه لم يكن في الدنيا مثلها (6)، وبأنها (كانت في القرنين السابع والثامن الهجريين أعظم دور العلم العامة، وأشهرها في العلم لا سيما في العهد الذي كان ابن الفوطي خازنًا فيها) (7)، وقد بلغ عدد الكتب في هذه المكتبة ثمانين ألف مجلد (8).--------------------------------------------
(1) انظر: تاريخ علماء المستنصرية، 2/ 356، وقال عن هذه المكتبة: "وقد أنشأ لنفسه مكتبة تعتبر من المكتبات الثمينة في تلك الأيام".
(2) انظر: منتخب المختار، ص، 124، وذكر: أنه أوقفها على المدرسة المجاهدية.
(3) انظر: الحياة الفكرية في العراق، ص، 205، 208.
(4) الحياة الفكرية في العراق، ص، 211، نقلًا عن كتاب: خزائن الكتب القديمة في العراق، ص، 154، 157.
(5) ومن هذه المكتبات مكتبة المدرسة النظامية، وقد كانت تحتوي على عشرة آلاف مجلد. انظر: الحياة الفكرية في العراق، ص، 99.
ومن تلك أيضًا مكتبة المدرسة الشرابية، ومكتبة مدرسة أبي حنيفة وغيرها.
انظر: المدارس الشرابية، ص، 130، 148.
(6) وقد وصفها بهذا العلامة ابن الفوطي، وهو ممن تولى خزانتها والإشراف عليها.
انظر: تاريخ علماء المستنصرية، 2/ 329.
(7) تاريخ علماء المستنصرية، 2/ 329.
(8) انظر: تاريخ علماء المستنصرية، 2/ 329، الحياة الفكرية في العراق، ص، 99، =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
ومن مظاهر الاهتمام بهذه المكتبات والعناية بها: أنه كان يعين لها خُزَّان، ومشرفون، وغيرهم من الموظفين، يقومون على ترتيبها والعناية بها، وكان بعض هؤلاء من العلماء البارزين المشهورين (1)، ومن أشهر خُزَّان الكتب - في العصر المتحدث عنه - خازن مكتبة المدرسة المستنصرية العلامة أبو بكر التفتازاني الحنفي (ت بعد 701 هـ) (2)، وخازنها الآخر العلامة كمال الدين ابن
الفوطي الحنبلي (ت 723 هـ) (3)، كما تولى الإشراف على هذه الخزانة العلامة محيي الدين ابن العاقولي الشافعي (ت 768 هـ) (4).
هذا وقد كان في بغداد من المكتبات العامة المستقلة في زمن الدولة العباسية (19) مكتبة (5)، ويبدو أن الذي بقي منها، وسلم من التلف بعد سقوط بغداد استمر على ما هو عليه، حيث ورد تفويض أمر هذه الخزائن والعناية بها في زمن الدولة المغولية إلى ثلاثة من كبار الأدباء والمؤرخين في بغداد (6).
المطلب الثاني مشاهير العلماء ببغداد
حفلت بغداد - في عصر المصنف - بأعداد كثيرة من العلماء، وطلاب العلم في أنواع مختلفة من العلوم والفنون، وبرز فيها أئمة كبار، وعلماء مشاهير، تميزوا بمكانتهم العلمية العالية، وتبوَّؤا مكانًا عليًا بين علماء الأمة--------------------------------------------
= وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ، 4/ 1493 عن هذه الخزانة، وخزانة كتب الرصد: "وليس في البلاد أكثر من كتب هاتين الخزانتين" وكذا قاله ابن رجب في ذيل الطبقات، 2/ 374.
(1) انظر: الحياة الفكرية في العراق، ص، 205.
(2) انظر: تاريخ علماء المستنصرية، 2/ 359.
(3) انظر: تاريخ علماء المستنصرية، 2/ 342.
(4) انظر: تاريخ علماء المستنصرية، 2/ 360.
(5) انظر: دليل خارطة بغداد، ص، 254 - 255.
(6) انظر: الحياة الفكرية في العراق، ص 103 - 104.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
الإسلامية، حتى أصبحوا مقصدًا لطلاب العلم من مختلف المدن والأقطار الإسلامية.
وقد سجلت كتب التواريخ والتراجم (1) التي تعنى بالقرن الثامن الهجري أعدادًا كثيرة من علماء بغداد في ذلك العصر، ومما يدل على كثرة العلماء والمتعلمين في بغداد آنذاك ما ذكره الإمام الذهبي في ترجمة العلامة/ محمود بن علي الدقوقي الحنبلي (ت 733 هـ): أنه كان يحضر إقراءه للحديث بدار الحديث ببغداد خلق كثير، يبلغون عدة آلاف (2)، كما ذكر الإمام ابن
رجب في ترجمة العلامة جمال الدين الخضري (ت 765 هـ): أنه كان يحضر درسه بمسجد يانس ببغداد الخلق الكثير، منهم المدرسون والأكابر (3)، وقد ترجم في منتخب المختار (تاريخ علماء بغداد) لـ (201) من علماء بغداد، جلُّهم في القرن الثامن الهجري، كما ترجم ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة لحوالي (40) شخصية علمية من علماء الحنابلة ببغداد في ذلك العصر ممن نشأ فيها، أو قدمها للدراسة بها، بينما ذكر الأستاذ ناجي معروف (250) شخصية علمية من رجالات العلم بالمدرسة المستنصرية ببغداد جلُّهم في العهد المغولي، وكان كثير منهم من علماء العصر المذكور على وجه الخصوص.
هذا وأشير إلى أن العلماء في بغداد من مختلف المذاهب الأربعة كانوا فيها بأعداد كثيرة، إلا أن الغالبية منهم كانوا من علماء الحنابلة، ويبدو ذلك ظاهرًا من خلال الاطلاع على كتب التراجم التي تعنى بعلماء هذا العصر، وعلى الخصوص منها: كتاب منتخب المختار (تاريخ علماء بغداد)، وكتاب الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة.--------------------------------------------
(1) من هذه الكتب: منتخب المختار (تاريخ علماء بغداد)، تلخيص مجمع الآداب، المعجم المختص، البداية والنهاية، ذيل طبقات الحنابلة، الدرر الكامنة، شذرات الذهب، وغيرها.
(2) انظر: المعجم المختص، ص، 277، وكذا قاله ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة، 2/ 422.
(3) أنظر: ذيل طبقات الحنابلة، 2/ 413.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
ومما يدل أن علماء الحنابلة أكثر أهل العلم ببغداد آنذاك: أن علماء المدرسة المستنصرية الذين ورد ذكرهم في كتاب (تاريخ علماء المستنصرية) والذين بلغوا (250) عالمًا، غالبيتهم من علماء الحنابلة، ولإيضاح ذلك أكثر، فإن شيوخ الحديث بالمدرسة المذكورة الذين ذكروا في الكتاب المذكور بلغوا (22) عالمًا، نصفهم تقريبًا من علماء الحنابلة (1).
هذا ويبدو أن هذه الأعداد المشار إليها - مع قلتها - تعطي صورة واضحة عن وفرة العلماء وكثرتهم في بغداد - في العصر المتحدث عنه -، مما يدل دلالة جلية على نشاط الحركة العلمية، وازدهارها في ذلك العصر ازدهارًا ملموسًا.
وسأذكر هنا بعض مشاهير العلماء في عدد من الفنون والعلوم ممن تصدوا للتدريس أو التأليف، فتركوا آثارًا علمية جليلة، وخلفوا تراثًا علميًا أصيلًا.
أولًا: في القراءات:
1 - أبو بكر محمد بن عمر بن المشيع الجزري، المقصاتي (ت 713 هـ) من مشاهير القراء في زمنه. قال عنه الذهبي: (كان بصيرًا بالقراءات، قيمًا بمعرفتها، واقفًا على غوامضها …) وذكر في منتخب المختار: أنه واظب على الإقراء بالعراق أكثر من خمسين سنة (2).
2 - أبو محمد عبد الله بن عبد المؤمن بن الوجيه الواسطي (ت 741 هـ) كان شيخ القراء في العراق في زمنه، ومقرئ القرآن بالمدرسة المستنصرية ببغداد، صنف في القراءات: المختار، والكنز، والكفاية، وتحفة الإخوان في آيات القرآن، وغيرها (3).--------------------------------------------
(1) انظر: تاريخ علماء المستنصرية، 1/ 230.
(2) انظر: معرفة القراء الكبار، 2/ 725، منتخب المختار، ص، 197، الدرر الكامنة، 1/ 453.
(3) انظر: منتخب المختار، ص، 69، الدرر الكامنة، 2/ 270، غاية النهاية في طبقات =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)