فمن وهب ومتى ولد وما رأى علماء الجرح التعديل فيه
…
فمن وهب؟ ومتى ولد؟ وما رأي علماء الجرح والتعديل فيه؟
إنه: وهب بن منبه بن كامل اليماني الصنعاني، ولد آخر خلافة عثمان سنة أربع وثلاثين، فلقي كثيرا من الصحابة، وروى عنهم كأبي هريرة وابن عباس وابن عمر وابن عمرو وجابر وأنس.
وروى عن التابعين؛ كعمرو بن شعيب، وأبي خليفة البصري، وهمام بن منبه أخي وهب.
وروى عنه ابناه: عبد الله وعبد الرحمن، وابنا أخيه: عبد الصمد وعقيل ابنا معقل، وعمرو بن دينار، وروى هو أيضا عنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
كان وهب من أبناء فارس الذين حسن إسلامهم؛ لذا قال العجلي: تابعي ثقة، وكان على قضاء صنعاء، ووثقه أبو زرعة، والنسائي، ابن حبان، وكان أبوه منبه من أهل هراة، فأخرجه كسرى غلى اليمن، فأسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وحسن إسلامه، وسكن وولده بلاد اليمن.
وكان وهب عف اللسان، ذكر أنه مكث أربعين سنةً لم يسبَّ شيئا فيه الروح، وكان عابدا يقوم الليل، ذكر أنه لبث عشرين سنة لم يجعل بين العشاء والصبح وُضوء.
قال الإمام أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق عن أبيه: حج عامة الفقهاء سنة مائة، فحج وهب فلما صلوا العشاء، أتاه نفر فيهم عطاء والحسن، وهم يريدون أن يذاكروه القدر، قال: فأمعن في باب من الحمد، فما زال فيه، حتى طلع الفجر، فافترقوا ولم يسألوه عن شيء، قال أحمد: وكان يتهم بشيء من القدر، ثم رجع. قال حماد بن سلمة عن أبي سنان: سمعت وهب بن منبه يقول: كنت أقول بالقدر حتى قرأت بضعة وسبعين كتابا من كتب الأنبياء، كلها من جعل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر، فتركت قولي.
وقال الجوزجاني: كان وهب كتب كتابا في القدر، ثم حدثت أنه ندم عليه. وقال ابن عيينة عن عمرو بن دينار: دخلت على وهب داره بصنعاء فأطعمني جوزا من جوزه في داره، فقلت له: وددت أنك لم تكن كتبت في القدر، فقال: أنا والله وددت ذلك. ومن أقواله: العلم خليل المؤمن والحلم وزيره والعقل دليله والصبر أمير جنوده والرفق أبوه واللين أخوه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
وتوفي وهب سنة عشر ومائة، وقيل: سنة ثلاث عشرة أو أربع عشرة أو ست عشرة ومائة.
وهو ثقة عند عامتهم، ولم يضعفه إلا ابن علي الفلاس.
روى له البخاري حديثا واحدا من روايته عن أخيه، عن أبي هريرة: ليس أحدًا أكثر حديثا مني إلا عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه كان يكتب ولا أكتب1.
وبعد فقد أطلنا الكلام عن كعب ووهب عمدًا؛ لرد ما أثير حولهما من شبهة حول الرواية عنهما كذلك.
وكان حقهما أن يذكرا في التابعين، فلا صحبة لهما لكن كعبا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، وروى عنه كثيرون من الصحابة، واتخذ البعض من ذلك وسيلة للغمز واللمز في حملة الوحي ونقلته الأُوَل.
وأما وهب فتابعي روى عن الصحابة، ولم يذكر أن صحابيا روى عنه.
ومع ذلك آثرنا ذكر ترجمته هنا، وبيان حاله؛ لاقترانه بكعب وابن سلام في الوصمة التي أريد أن يوصم بها الصحابة رضوان الله عليهم، وهي الأخذ عن الإسرائيليات، وتناقلها مما يفضي إلى عدم الاستيثاق بمروياتهم، والطعن في عدالتهم، وهيهات أن تتحقق هذه الأماني الكاذبة، أو أن يصدق على الأيام حلم من يريدون النيل من الإسلام من خلال التطاول على أصله الثاني--------------------------------------------
1 تهذيب التهذيب ج11، ص166-168، وميزان الاعتدال ج4، ص352-353.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)
والتشكيك فيه {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} 1.
نعم يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المستشرقون، أو صنائعهم المستعربون، الذين لا يروقهم إلا الوافد، ولا يعجبهم إلا الفكر المستورد، فذرهم يأكلون ويتمتعون ويلههم الأمل، فسوف يعلمون.
ونمضي مع الحق فنتعرف على دور التابعين في تبليغ السنة وخدمتها والمصاعب التي واجهتهم.--------------------------------------------
1 سورة التوبة: 32، 33.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)
المبحث الثالث: التابعون والحديث إلى نهاية القرن
مدخل
…
المبحث الثالث: التابعون والحديث: إلى نهاية القرن الأول
الصحبة درجة شريفة، ومنزلة منيفة، مَنّ بها البر الكريم سبحانه وتعالى على أفضل خلقه بعد رسوله صلى الله عليه وسلم.
وليس يماري عاقل في فضل الصحابي ومنزلته، والتابعي يلي الصحابي في الدرجة والفضل، وقد أشارت إلى ذلك نصوص كثيرة منها: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} 1.
وقوله بعد بيان نصيب الفقراء من المهاجرين والأنصار من الفيء والثناء عليهم وتعديد مناقبهم: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} 2.
ولا يقال: ليس في الآية مدح أو ثناء، وإنما هي حكاية لما صدر عنهم--------------------------------------------
1 سورة التوبة:100.
2 سورة الحشر: 10.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)
من التضرع والدعاء؛ لأن الآية مصدرة بواو العطف المقتضية التشريك في الحكم، فهم داخلون في عموم المدح والثناء، وتضرعهم بهذا الدعاء برهان تمكنهم في الفضل.
وجاء في الصحيح أيضا: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" 1.
فأشعر هذا بامتداد الفضل وتتابعه، ومما يشعر بذلك أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: "طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن رأى من رآني" 2.
ومما يشعر بمكانتهم وضرورة الاستماع منهم والأخذ عنهم قوله صلى الله عليه وسلم: "تسمعون ويُسمع منكم، ويُسمع ممن يَسمع منكم" 3.
وليس هناك حد زمني يفصل الصحابة عن التابعين، وبعبارة أخرى ليست هناك حقبة زمنية يمكن اختصاص هؤلاء أو أولئك بها، فقد يدرك التابعين زمن النبي صلى الله عليه وسلم لكن لا يلقاه، أو لا يؤمن به إلا بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، فلا يعد صحابيا، وإنما يقال له: تابعي، ويوصف بأنه مخضرم.
وعليه فالتابعون يلتقون مع الصحابة في بكرة الأمر، وأيضا يعايش--------------------------------------------
1 أخرجه البخاري في فضائل الصحابة ج8 ص5،6 بهامش فتح الباري وأخرجه في كتاب الرقاق.
2 رواه الإمام أحمد المسند في عدة مواضع ج3 ص71، ج5 ص248.
3 رواه أبو داود في سننه ج3، ص338، والحاكم في معرفة علم الحديث ص27، وفي المستدرك ج1، ص95، وابن عبد البر في جامع بيان العلم ج1، ص43.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)
الصحابة التابعين إلى نهاية القرن الهجري الأول، بل وربما فاتحة القرن الثاني كما حدث "مع أبي الطفيل عامر بن واثلة الليثي "مات سنة مائة" من الهجرة. قاله مسلم في صحيحه، ورواه الحاكم في المستدرك عن خليفة بن خياط.
وقال خليفة في غير رواية الحاكم: إنه تأخر بعد المائة. وقيل: مات سنة اثنتين ومائة. قاله مصعب بن عبد الله الزبيري، وجزم ابن حبان وابن قانع وأبو زكريا بن منده أنه مات سنة سبع ومائة.
وقال وهب بن جرير بن حازم عن أبيه: كنت بمكة سنة عشر ومائة، فرأيت جِنازة، فسألت عنها، فقالوا: هذا أبو الطفيل. وصحح الذهبي أنه سنة عشر.
وأما كونه آخر الصحابة موتا مطلقا، فجزم به مسلم ومصعب الزبيري وابن منده والمزي في آخرين. وفي صحيح مسلم عن أبي الطفيل: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما على وجه الأرض رجل رآه غيري.
قال العراقي: وما حكاه بعض المتأخرين عن ابن دريد من أن عكراش بن ذؤيب تأخر بعد ذلك، وأنه عاش بعد الجمل مائة سنة، فهذا باطل لا أصل له والذي أوقع ابن دريد في ذلك ابن قتيبة، فقد سبقه إلى ذلك، وهو إما باطل أو مؤول بأنه استكمل المائة بعد الجمل، لا أنه بقي بعدها مائة سنة.
وأما قول جرير بن حازم: إن آخرهم موتا سهل بن سعد، فالظاهر أنه أراد بالمدينة، وأخذه من قول سهل: لو مت لم تسمعوا أحدًا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. إنما كان خطابه بهذا لأهل المدينة، وآخرهم موتا قبله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)
أنس بن مالك مات بالبصرة سنة ثلاث وتسعين، وقيل: اثنتين، وقيل: إحدى، وقيل: تسعين، وهو آخر من مات بها.
قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا مات بعده ممن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أبا الطفيل. قال العراقي: بل مات بعده محمود بن الربيع بلا خلاف في سنة تسع وتسعين، وقد رآه وحدث عنه كما في صحيح البخاري، وكذا تأخر بعده عبد الله بن بسر المازني في قول من قال: وفاته سنة ست وتسعين"1.
هكذا يمتد وجود الصحابة إلى أول القرن الثاني، وربما شاركهم التابعون بعض حياته صلى الله عليه وسلم، فلا سبيل إلى تمايز بين الصحابة والتابعين من حيث الزمن، وإن كان التمايز محققا من حيث تحديد المراد بالصحابي والتابعي، ويبقى اعتبار الكثرة لمن اعتبر.
فإذا كان النبي قد انتقل إلى الرفيق الأعلى ومن رآه صلى الله عليه وسلم يزيد على مائة ألف وأربعة عشر ألفا كما قال أبو زرعة، فإننا باعتبار الكثرة، ومراعاة الأغلبية نستطيع أن نطلق على فترة الخلافة الراشدة "زمن الصحابة"، وننسب إليهم التحكم في أكثر الأحاديث، والإمساك بأَزِمّة الأمور، لكن بعد أن يرى كل واحد من الصحابة آخرين عديدين، فنفس المنطق يحتم علينا أن نسمي الزمن "زمن التابعين" وأن نضيف الأحدث إليهم، وإذا كنا قد عرفنا أن الصحابي هو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به، ومات على إسلامه، فمن هو التابعي؟--------------------------------------------
1 تدريب الراوي ج2، ص228-230.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)
من هم التابعون؟:
التابعون جمع تابعي، أو جمع تابع، اسم فاعل من تبع، والنسبة إليه: تابعي، وتبعه بمعنى: قفا أثره، ونهج نهجه، وجاء بعده، ولعل مأخذه من قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} .
والتابعي في اصطلاح المحدثين هو: "من لقي الصحابي، وإن لم تطل صحبته"، وهو رأي الحاكم وابن حجر وغيرهما، وقيل: "من صحب الصحابي، ولا يكتفى فيه بمجرد اللقى، بل لا بد من طول الصحبة، وتحقق اللقاء، ومعرفته بالرواية عنه".
قال ابن الصلاح: "قال الخطيب الحافظ: التابعي من صحب الصحابيَّ. قلت: ومطلقه مخصوص بالتابعي بإحسان، ويقال للواحد منهم: تابع وتابعي. وكلام الحاكم أبي عبد الله وغيره مشعر بأنه يكفي فيه أن يسمع من الصحابي، أو يلقاه، وإن لم توجد الصحبة العرفية، والاكتفاء في هذا بمجرد اللقاء والرؤية أقرب منه في الصحابة نظرا إلى مقتضى اللفظين فيهما"، وقال الحافظ العراقي متعقبا كلامه "وفيه أمور؛ أحدها: أن تقديم المصنف كلام الخطيب في حد التابعي على كلام الحاكم وغيره، وتصديره به كلامه ربما يوهم في ترجيحه على القول الذي بعده، وليس كذلك، بل الراجح الذي عليه العمل قول الحاكم وغيره في الاكتفاء بمجرد الرؤية دون اشتراط الصحبة، وعليه يدل عمل أئمة الحديث: مسلم بن الحجاج وأبي حاتم بن حبان وأبي عبد الله الحاكم وعبد الغني بن سعيد وغيرهم.
وقد ذكر مسلم بن الحجاج في كتاب الطبقات سليمان بن مهران الأعمش
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)
في طبقة التابعين، كذلك ذكره ابن حبان فيهم، وقال: إنما أخرجناه في هذه الطبقة؛ لأن له لقيا وحفظا، رأى أنس بن مالك، وإن لم يصح له سماع المسند عن أنس، وقال علي بن المديني: لم يسمع الأعمش من أنس إنما رآه رؤية بمكة يصلي خلف المقام.
أما طريق الأعمش عن أنس، فإنما يرويها عن يزيد الرقاشي عن أنس، ثم قال: "الأمر الثاني": أن الخطيب وإن كان قال في كتاب الكفاية ما حكاه عنه المصنف من أن التابعي من صحب الصحابي، فإنه عد منصور بن المعتمر من التابعين في جزء له جمع فيه رواية الستة من التابعين بعضهم عن بعض، وذلك في الحديث الذي رواه الترمذي والنسائي من رواية منصور بن المعتمر، عن هلال بن يساف، عن ربيع بن خيثم، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن امرأة من الأنصار، عن أبي أيوب مرفوعًا: " {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} ثلث القرآن".
قال الخطيب: منصور بن المعتمر لقي ابن أبي أوفى. قلت: وإنما له رؤية له فقط دون الصحبة والسماع، وقد ذكره مسلم وابن حبان وغيرهما في طبقة أتباع التابعين، ولم أر من عده في طبقة التابعين.
وقال النووي في شرح مسلم: ليس بتابعي، ولكنه من أتباع التابعين، فقد عده الخطيب في التابعين، وإن لم يعرف له صحبة لابن أبي أوفى، فيحمل قوله في الكفاية: من صحب الصحابي. على أن المراد اللقى جمعا بين كلاميه، والله أعلم.
"الأمر الثالث": أن تعقب المصنف كلام الخطيب بقوله: قلت ومطلقه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)
مخصوص بالتابعي بإحسان فيه نظر من حيث إنه إن أراد بالإحسان أنه لا يرتكب أمرا يخرجه عن الإسلام فهو كذلك، وأهل الحديث وإن أطلقوا أن التابعي من لقي أحدا من الصحابة، فمرادهم مع الإسلام، إلا أن الإحسان أمر زائد على الإيمان والإسلام، كما فسره به النبي صلى الله عليه وسلم في سؤال جبريل له في الحديث المتفق عليه، وإن أراد المصنف بالإحسان الكمال في الإسلام أو العدالة، فلم أر من اشتراط ذلك في حد التابعي، بل من صنف في الطبقات دخل فيهم الثقات وغيرهم، والله أعلم1" انتهى كلام ابن الصلاح وتعقيب العراقي عليه.
والذي ينشرح له الصدر هو التفريق بين ما للصحبة من تأثير وبين ما للنبوة، فالنبي صلى الله عليه وسلم بجاذبيته، وقوة تأثيره وإشراق نور النبوة يمكن أن يتزود منه الصحابي بالشحنة الروحية، ولو من مجرد اللقاء، ويختلف الأمر مع التابعي، فالأوجه اشتراط الصحبة فيه، ومعلوم تفاوت التأثير والتأثر، فالصحابي أسرع استقبالا لفيوضات الخير والقوة المؤثرة فيه أشد، بخلاف التابعي فينبغي مراعاة ذلك.--------------------------------------------
1 مقدمة ابن الصلاح ومعها التقييد والإيضاح للعراقي ص317-320.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)
هل التابعون كلهم عدول؟:
إذا تقرر الفرق بين الصاحب والتابع تأثيرًا وتأثرًا، وأخذًا وإعطاء، فبالتالي يتقرر الفرق بين الصحابة والتابعين في مسألة العدالة، وقبول الرواية من سائرهم، فإن الجمهور على أن الصحابة كلهم عدول بالمعنى الذي سبق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)
توضيحه، وليس الحال كذلك في التابعين فقد حدث أمور تقتضي الفحص عن أحوالهم، والبحث عن ميولهم، والتنقيب عن درجتهم جرحا وتعديلا، ذلك أنه بعد أن انكسر باب الفتنة بموت عمر، وأطلت الفتنة في آخر خلافة ذي النورين واستشرت، بل وغمت وطمت بعد مقتله ونشبت الحرب بين علي رضي الله عنه وخصومه وانقسمت الأمة بين مناصر موالي وبين مخاصم معادي، والتمس أنصار كل فريق سندا ومعتمدا، لم يعد الحديث في مأمن، ولم يكن الناس على ما كانوا عليه من الثقة والاطمئنان، اللهم إلا أولئك الذين لزموا الحق، وتجنبوا الهوى، وآثروا السلامة من الفتن، وانكبوا على العلم عامة، والحديث خاصة، يجمعونه ويحصلونه ويشهرونه وينشرونه.
وكان هؤلاء كثرة كاثرة، ومع ذلك لبدت السماء بغيوم الشك وسحائب الريب من جراء الدس والوضع، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ومتابعته هواه بغير هدى من الله.
وتجردت أقلام لكشف تلك الغيوم، وانبعثت همم لدفع تلك الريب، ووجد النقاد العالمون العارفون بالحديث وعلله، المستبصرون المبصرون بما يذود عن حياض هذا الدين، ويرد عنه غلاء الغالين، ويصونه من تفريط المفرطين.
لسوف تعرض هذه الدراسة نماذج طيبة من هؤلاء الذين امتشقوا حسام الكلام، وسلوا ألسنتهم دفاعا عن الحق، ومجابهة للباطل، مما لا يبقى معه عذر لمشكك أو متشكك، وما كان الله ليخلف وعده بحفظ هذا الدين، ولا ليذر المؤمنين على ما هم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)
ظهور الفرق في عهد التابعين:
ما إن نهض علي رضي الله عنه بأعباء الخلافة بعد أن بويع له بها، حتى استقبلته الأحداث، وأحاطت به الملمات، فلم يتهدأ الأمور، ولم يصف له إلا ساعات، وما كان صفاؤها تاما.
فأهل الشام بقيادة معاوية أبوا مبايعة علي حتى يأخذ بثأر عثمان، ومتى هدأ له الزمان، ومكن من إقامة العدل ومقاومة الطغيان؟ ومن منه أحرص على تطبيق الحد؟ خرج إلى الكوفة يريد إقناع أهل الشام؛ فإذا بأم المؤمنين عائشة، ومعها طلحة والزبير في جيش عظيم يطالبون بدم عثمان، وتقوم رحى الحرب في موقعة الجمل ويسقط الألوف، ويدين النصر للخليفة، لكنه لا يهنأ به، فما كان ليفرحه أن تراق دماء المسلمين في غير مواقعها، لكن البعض يأبى إلا الاستشراف بالفتن، وتشب حرب ضارية بين علي ومعاوية عند صفين، وما أن تلوح بوادر النصر الحاسم لأبي تراب، حتى يلجأ أهل الشام إلى خديعة ماكرة، فترفع المصاحف على أسنة الرماح، ويتشدق رافعوها بأنهم يطلبون حكم الله، ويحكمون كتابه.
ويظهر لعلي وجه الحق، وتدرك حصافته الخديعة، فيرفض التحكيم ويأبى الأغرار من أتباعه إلا إجباره على قبوله، فإذا قبله بإلحاحهم، وآل أمره إلى ما آل إليه، انبرى بعض الجهلاء يعنفونه ويلومونه، وينطقون باطلا: "حكمت الرجال، لا حكم إلا لله ورسوله"، ثم يكفرونه، ويكفرون خصومه، ويخرجون عن طاعته وطاعة معاوية فيعرفون بـ"الخوارج"
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)
ويبالغ بعض أتباعه في مشايعته، ويغالون في محبته فيعرفون بـ"الشيعة"، ولم تكن إحدى الفرقتين أقل ضررا، ولا أضعف خطرًا على الدين من الأخرى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)
الخوارج:
فالخوارج رأوا أن الخلافة يجب أن تكون بمحض الاختيار، ولا يلزم كون الخليفة قرشيا خلافًا لما جاءت به النصوص، ومتى تم اختيار الإمام فلا يصح له أن يتنازل، ولا أن يقبل الاحتكام، وهم يرضون الخلافة للشيخين، ثم لعثمان في السنين الأولى من خلافته، ويرضونها لعلي إلى أن قبل التحكيم، وبقبوله له أصبح كافرا في رأيهم، ومعاوية غاصب للخلافة.
وهم يكفرون بالمعصية فمرتكب الكبيرة عندهم كافر، والذي يظهر من حالهم أنهم أعراب غلاظ من جفاة البادية لم يحسنوا فهم القرآن، ولم يتمعنوه، وليس فيهم صحابة، أشرق نور النبوة عليهم، أو استضاءوا به.
وقد أجاد ابن حزم تسفيه رأيهم في التحكيم وتحقيق جهلهم ومجافاتهم للحق قال: "ما حكم علي رضي الله عنه قط رجلا في دين الله وحاشاه من ذلك، إنما حكم كلام الله عز وجل، كما افترض الله تعالى عليه، وإنما اتفق القوم كلهم إذا رفعت المصاحف على الرماح، وتداعوا إلى ما فيها على الحكم بما أنزل الله عز وجل في القرآن، وهذا هو الحق الذي لا يحل لأحد غيره؛ لأن الله تعالى يقول: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ} فإنما حكم علي رضي الله عنه أبا موسى وعمرًا رضي الله عنهما؛ ليكون كل واحد منهما مدليا بحجة من قدمه، وليكونا متخاصمين عن الطائفتين، ثم حاكمين لمن أوجب القرآن الحكم له.
وإذ من المحال الممتنع الذي لا يمكن أن يفهم لغط العسكرين، أو أن يتكلم جميع أهل العسكر بحجتهم، فصح يقينا لا محيد عنه صواب علي في تحكيم الحكمين والرجوع إلى ما أوجبه القرآن، وهذا الذي لا يجوز غيره، ولكن أسلاف الخوارج كانوا أعرابا قرءوا القرآن قبل أن يتفقهوا في السنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن فيهم أحد من الفقهاء لا من أصحاب ابن مسعود ولا أصحاب عمرو ولا أصحاب علي ولا أصحاب عائشة ولا أصحاب أبي موسى ولا أصحاب معاذ بن جبل، ولا أصحاب أبي الدرداء ولا أصحاب سليمان ولا أصحاب زيد وابن عباس وابن عمر، ولهذا تجدهم يكفر بعضهم بعضا عند أقل نازلة تنزل بهم من دقائق الفتيا وصغارها، فظهر ضعف القوم قوة جهلهم"1. ا. هـ.
وبناء على مذهبهم الفاسد استباحوا دماء المسلمين، وقاتلوا جماهيرهم، وكان المسلم الذي لا يوافقهم، ولا يتبرأ ممن يتبرءون منه حلال الدم عندهم، رأو نصراينا فقالوا: إن لك عندنا ذمة، وأمنوه، ثم قتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت، بقروا بطن جاريته وهي حامل، فما قال لهم علي رضي الله عنه: ادفعوا إلينا قتلته، فقالوا: كلنا قتله فقاتلهم علي حتى كاد يبيدهم.--------------------------------------------
1الفصل ج4، ص168.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)
وبقي من بقي منهم غصة في حلق الدولة الأموية، لم يغيرهم الظلم والعسف والتنكيل، ولم يجد معهم اللين والعدل والرفق والإنصاف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)
قلة فقه الخوارج، واجتراؤهم على الحديث:
يعد الخوارج أشد الفرق الإسلامية دفاعا عن مذهبها، وحماسة لآرائها، وأشد الفرق تدينا في جملتها وأشدها تهورًا واندفاعا، وهم في دفاعهم وتطورهم مستمسكون بألفاظ قد أخذوا بظواهرها، وظنوا هذه الظواهر دينا مقدسا، ولا يحيد عنه مؤمن.
وقد كان جهلهم بالحديث وعدم تحملهم له عن غيرهم؛ لأنه متهم في نظرهم سبب في أن فقههم جاء مخالفا لأحكام الشريعة الإسلامية، بل منه ما جاء مخالفا لنصوص القرآن الكريم.
مما تستطيع أن تقول معه ليس بفقه ذاك الذي صدروا عنه بل قلة فقه، إذ إن منهم من يرى أن التيمم جائز مطلقا، ولا يشترط فيه فقد الماء، بل يصح على البئر.
ومنهم من يرى أن الواجب في الصلاة ركعة في الغداة، وركعة في العشي، ومنهم من يرى أن لا ميقات للحج، وإنما يصح في جميع العام، ومنهم من يبيح نكاح بنات البنات وبنات البنين، فمن أي كتاب، أم من أية سنة تلقوا هذا الضلال؟!
إنه فهم سقيم لنصوص القرآن الكريم، وإعراض عن الحق برد روايات
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)
الجمهور، إذ كيف يقبلونها وهم في نظرهم كفار؟ فكيف يأخذون عنهم دينهم؟ يكفيهم أن يستقوا ثم التعصب، وألوان التخبط من أئمتهم الجفاة القساة الذين لا علم لهم بالحديث، ولا تدبر لهم في الكتاب.
وهذا هو حال الأعم الأغلب منهم، ولا يتنافى مع وجود قلة قليلة منهم تفقهوا ونبغوا واشتغلوا بالرواية كعمران بن حطان، الذي أخرج البخاري روايته، مع أنه مبتدع، ويكفيه بدعة مدحه لأشقى القوم عبد الرحمن بن ملجم الذي انبعث لقتل علي رضي الله عنه وأرضاه وكرم الله وجهه.
ومع قول الخوارج بتكفير مرتكب الكبيرة، واعترافهم بأن الكذب كبيرة تجدهم قد انزلقوا فيه، وسقطوا في مهاويه.
قال الأستاذ الدكتور أبو زهو رحمه الله: "هذا ومع أن الخوارج يحكمون بكفر الكاذب، فقد وجد من بعضهم الوضع في الحديث، والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لتأييد مذاهبهم الباطلة حتى تروج لدى أتباعهم فابن الجوزي في مقدمة كتاب الموضوعات يروي عن ابن لهيعة أنه قال: سمعت شيخا من الخوارج تاب ورجع فجعل يقول: إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، فإنا كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا، وهذا عبد الرحمن بن مهدي يقول فيما ينسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قولهم: "إذا أتاكم الحديث عني فأعرضوه على كتاب الله، فإن وافق كتابه الله فأنا قلته … إلخ".
إن الخوارج والزنادقة وضعوا ذلك الحديث، وهذا ليس ببعيد من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)