قوم وقفوا عند ظواهر الكتاب وردوا الحديث إذا جاء من غير من ينتمون إليه، إلا أن وضع الخوارج للحديث لم يكن بالكثرة التي جاءت عن الشيعة وذلك لأمور:
1- إن الخوارج كان من مذهبهم تكفير الكاذب، وذلك مما يجعل الكذب فيهم قليلا.
2- إنهم كانوا لبداوتهم وجفاء طبعهم وغلظتهم غير مستعدين لقبول أفراد من الأمم الأخرى كالفرس واليهود الذين اندسوا في الشيعة ووضعوا كثيرا من الأحاديث.
3- كان عماد الخوارج في محاربتهم خصومهم إنما هو أسلحتهم وقوتهم وشجاعتهم، وكانوا مع ذلك صرحاء لا يعرفون التقية التي استخدمها الشيعة لذلك تراهم لم يلجئوا إلى الكذب لانتقاص أعدائهم؛ لأنهم في نظرهم كفار وليس بعد الكفر عيب ينتقص به صاحبه، فلم يبق سوى السيف يعملونه في رقابهم من غير مداهنة ولا مداجاة.
فكل هذه العوامل كان لها أثر في تقليل الكذب في الحديث من الخوارج بالنسبة إلى غيرهم من الفرق الأخرى، ومع ذلك لم يعدموا أفرادا منهم اصطنعوا الأكاذيب واختلقوا الأحاديث"1. ا. هـ.
وقد رأى الدكتور مصطفى السباعي عكس هذا، فاستبعد وقوع الكذب--------------------------------------------
1 الحديث والمحدثون ص86-87.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)
من الخوارج، ورأى أن خبر الشيخ الذي تاب منقول عن شيخ من الرافضة فلعل من نسبه إلى الخوارج وهم فيه، ثم وإبهام الشيخ يزعزع الثقة في الخبر، وكلام عبد الرحمن بن مهدي في حديث: "ما جاءكم عني … "، لا يبعد أن يكون قد نسب الوضع له إلى الزنادقة، ثم أضاف البعض الخوارج، ثم قال: لقد حاولت أن أعثر على دليل علمي يؤيد نسبة الوضع إلى الخوارج، ولكني رأيت الأدلة العلمية على العكس، تنفي عنهم هذه التهمة، فقد كان الخوارج كما ذكرنا يكفرون مرتكب الكبيرة أو مرتكب الذنوب مطلقا، والكذب كبيرة، فكيف إذا كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يقول المبرد: "والخوارج في جميع أصنافها تبرأ من الكاذب، ومن ذوي المعصية الظاهرة".
وكانوا في جمهرتهم عربا أقحاحا فلم يكن وسطهم بالوسط الذي يقبل الدسائس من الزنادقة والشعوبيين، كما وقع ذلك للرافضة، وكانوا في العبادة على حظ عظيم شجعانًا صرحاء لا يجاملون، ولا يلجئون إلى التقية كما يفعل الشيعة.
وقوم هذه صفاتهم يبعد جدًّا أن يقع منهم الكذب، ولو كانوا يستحلون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لاستحلوا الكذب على من دونه من الخلفاء والأمراء والطغاة كزياد والحجاج، وكل ما بين أيدينا من النصوص التاريخية يدل دلالة قاطعة على أنهم واجهوا الحكام والخلفاء والأمراء بمنتهى الصراحة والصدق، فلماذا يكذبون بعد ذلك، على أني أعود فأقول: إن المهم عندنا أن نلمس دليلا محسوسا يدل على أنهم ممن وضعوا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)
الحديث، وهذا لم أعثر عليه حتى الآن، كيف وقد قال أبو داود: "ليس في أهل الأهواء أصح حديثا من الخوارج"، ويقول ابن تيمية: "ليس في أهل الأهواء أصدق ولا أعدل من الخوارج"، ويقول عنهم أيضا: "ليسوا ممن يتعمدون الكذب، بل هم معرفون بالصدق، حتى يقال: إن حديثهم من أصح الحديث". ا. هـ1.
وقد رأى الدكتور محمد عجاج الخطيب2 نفس هذا الرأي، وأيما كان الأمر فيمكن أن نقرر في اطمئنان أن الخوارج لم يعبئوا بالحديث، ولم يجعلوه أصلا لهم، ولو فعلوا لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا.
وإذن لما رأيناهم ينتجون تلك السبل التي أوردتهم موارد الهلاك، والذي يكفر عليا ويستبيح الذكي لا يبعد عليه استباحة الكذب.--------------------------------------------
1 السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص83.
2 السنة قبل التدوين ص204-206.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)
الشيعة:
هم أقدم الفرق الإسلامية، وأبعدها أثرًا، وهم الذين ناقضوا بين الاسم المسمى فادعوا أنهم أشياع علي وآل البيت، وناقضت آراؤهم، وتضادت عقائدهم ما يحبه علي وآل البيت وأشدهم بعدا عن الحق السبئية أتباع عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء ذلك اليهودي الذي تستر بالإسلام، وأجج نار الخصام ضد ذي النورين، وجاء منكرًا من القول وزورا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)
"تدرج في نشر أفكاره ومفاسده بين المسلمين؛ وموضوعها علي بن أبي طالب رضي الله عنه أخذ ينشر بين الناس أنه وجد في "التوراة" أن لكل نبي وصيا، وأن عليا وصي محمد، وأنه خير الأوصياء، كما أن محمدًا خير الأنبياء، ثم إن محمدًا سيرجع إلى الحياة الدنيا، ويقول: عجبت لمن يقول برجعة المسيح، ولا يقول برجعة محمد، ثم تدرج بهذا إلى الحكم بألوهية علي رضي الله عنه، ولقد هم علي بقتله، إذا بلغه عنه ذلك، ولكن نهاه عبد الله بن عباس، وقال له: إن قتلته اختلف عليك أصحابك، وأنت عازم على العود لقتال أهل الشام، فنفاه إلى المدائن.
ولما قتل علي رضي الله عنه استغل ابن سبأ محبة الناس له كرم الله وجهه وألمهم لفقده، فأخذ ينشر حول موته الأكاذيب التي تجود بها قريحته إضلالا للناس وإفسادًا لهم، فصار يذكر الناس أن المقتول لم يكن عليا، وإنما كان شيطانا تصور للناس في صورته، وأن عليا صعد إلى السماء كما صعد إليها ابن مريم عليه السلام وقال: كما كذبت اليهود والنصارى في دعواهما قتل عيسى بن مريم، كذلك كذبت الخوارج في دعواها قتل علي رضي الله عنه.
وإنما رأت اليهود والنصارى شخصًا مصلوبا شبهوه بعيسى، كذلك القائلون بقتل علي رأوا قتيلا يشبه عليا فظنوا أنه علي، وقد صعد إلى السماء، وإن الرعد صوته، والبرق تبسمه، وإن من هؤلاء السبئية من كان يقول: إن الإله حل فيه وفي الأئمة من بعده، وهو قول يوافق بعض
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)
الديانات القديمة التي كانت تقول بحلول الآلهة في بعض البشر، وأن روح الإله تتناوب الأئمة إماما بعد إمام.
كما كان يقول القدماء المصريون في الفراعنة، ومن السبئية أيضا طائفة كانت تقول عن علي: "إن الله قد تجسد فيه"، وقالوا له: "هو أنت الله"، وقد هم بإحراق هؤلاء"1. ا. هـ.
ونحن نتساءل كيف تكون هذه الفرقة من الفرق الإسلامية، وهذا ادعاؤهم ومعتقدهم، دعوى ألوهية علي أو نبوته، وهل يمكن عد أتباع مسيلمة في الفرق الإسلامية وهؤلاء السبئية أوغل منهم في الكفر.
وهناك من الشيعة من يكتفي بحب علي وتفضيله على سائر الصحابة واعتقاد أنه الأولى بالخلافة، وأن الشيخين قد نازعا الأمر أهله، وسلبا الخلافة لذا فهم يرفضون خلافتهما، ومنهم من يتغالى فيسبهما ويسب كل من ظاهرهما.
وأقرب فرق الشيعة إلى الحق الزيدية، القائلون بمجرد تفضيل علي، ولا مانع من تولية الصديق أو الفاروق، إذ يجوز عندهم تولية المفضول مع وجود الفاضل، ومن هنا كانوا أقرب الفرق إلى أهل السنة والجماعة.
والحق أن التشيع كان ستارًا، احتجب وراءه من أعداء الإسلام من الفرس واليهود والروم وغيرهم؛ ليكيدوا لهذا الدين، فالفرس يتعالون--------------------------------------------
1 الفَرق بين الفِرَق ص143-145، تاريخ المذاهب الإسلامية ص37-40 "بتصرف".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)
ويأنفون أن يكونوا رعية للعرب، فهم يزعمون أنهم الأحرار والسادة، وأن ما سواهم من الأمم عبيد وخدم لهم، وكانت لهم الدولة من قديم الزمان، فلما دالت دولتهم وبدل الله عزهم ذلا على يد العرب الذين كانوا يستهينون بهم ويستصغرون من شأنهم، كبرت عليهم المصيبة وجلت عن الوصف بليتهم، لذا لم يقبلوا الإذعان لسلطان الدولة الإسلامية، وأخذوا يعملون في الخفاء على إسقاطها، ويمعنون الكيد لها طمعا في إضعافها أو تقويضها حتى يعود إليهم سالف مجدهم، هكذا قدروا، وضحكت لهم وبهم الأقدار، لما تبين لهم أن المسلمين أقوى عودا وأصلب شكيمة، ولا سبيل إلى النيل منهم في ساحات الوغى، راحوا يتظاهرون بالإسلام، فمنهم من هدى الله، ومنهم من بقي على ضلالته، فاندسوا في صفوف المسلمين، وتشيعوا لآل البيت، يظهرون الحب والود، ويبطنون الغدر والكيد، وأخذوا يسلكون مفاوز الفتن والمهالك، ويغرون بدعواهم الباطلة المجافية للحق بعض السذج والبسطاء.
واليهود هم أساتذة الحقد، وأساطين الدس والكيد، وهم تجار أديان ومحترفو التزييف وعباقرة الزور والبهتان.
والأهم الذي ينبغي أن ننساق إليه، إنما هو بيان موقف الشيعة من الحديث وافترائهم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)
موقف الشيعة من الحديث ووضعهم له:
ليس هناك كفر أضلع من كفر من يدعي ألوهية البشر، أو حلول الإله فيه، أو استحقاقه النبوة وخطأ جبريل عليه السلام في نزوله بالوحي على خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم.
ولقد رأينا هذه العقائد عند الشيعة، ورأينا منهم من يتأول القرآن على غير تأويله، ويدعي أن له سبعين بطنا.
فهل يشك أحد في الحكم على هؤلاء بالمروق من الدين؟ وهم الذين لا يجدون حجة على ما يدعونه من الضلالات، إلا ادعاؤهم بالإلهام والإعلام الإلهي، وما كان الإلهام حجة عند غير الأنبياء في إثبات حقيقة ما، أو تقرير حكم من الأحكام، ذلك لأن الخصم يمكنه ادعاء الإلهام، وإثبات نقيض ما أثبته خصمه أو إبطال مدعاه.
فما دمنا قد فتحنا باب الإلهام فليس أحد أولى من أحد، بل هو أمر عام بموسوع كل إنسان أن يدعيه.
والحق أن الميزان الصحيح في تحقيق الشرائع وإثبات العقائد يتمثل في النقل الصحيح، والعقل السليم، والمنطق المستقيم الذي لا يسعه إلا القبول والتسليم لما يصح به الطريق إلى المعصوم صلى الله عليه وسلم.
لكن الشيعة أبوا هذا وازدادوا تخبطا إلى تخبطهم، حين راحوا يضعون الأحاديث في فضل آل البيت، ويختلقون الأخبار ليرفعوا عليا فوق السحاب، ظنا منهم أن الوضع يوصل إلى الرفع، والحق أن الصدق هو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)
بر، والكذب فجور، وما كان الفجور ليعلي ويرفع، وإنما شأنه أن يخفض ويضع، وحاشا لله أن يخفض مقام آل البيت سفاهات من ادعوا -زورا وبهتانا- حبهم ومشايعتهم.
أخذ هؤلاء المتشيعون أعداء الإسلام يصنعون الأحاديث في أغراض شتى حسب أهوائهم ونحلهم.
فمن ذلك أحاديث وضعوها في مناقب علي، يرفعون من قدره، وأخرى وضعوها في الحط من شأن معاوية وبني أمية، ولا عجب فقد قال قائلهم: "كنا إذا جلسنا فاستحسنا أمرا جعلناه حديثا"1.
واقرأ من إفكهم الكثير والكثير عند السيوطي وغيره.
فقد ذكر السيوطي في مناقب آل البيت نحوا من اثنتين وتسعين صحيفة2.
وهاك بعض ما ذكر "حدثنا موسى بن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده مرفوعا: خلقت أنا وهارون بن عمران ويحيى بن زكريا، وعلي بن أبي طالب من طينة واحدة، موضوع: آفته محمد بن خلف"3.--------------------------------------------
1 ذكره السيوطي بعدة ألفاظ قريبة من هذا اللفظ. اللآلئ المصنوعة ج2 ص468.
2 من ص320 إلى ص412 من كتاب اللآلئ المصنوعة.
3 اللآلئ المصنوعة ج1، ص320.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 184)
عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا علي أخصك بالنبوة ولا نبوة بعدي … " الحديث. موضوع آفته بشر"1.
"عن أم سلمة مرفوعا: "يقتل الحسين على رأس ستين سنة من مهاجري"، موضوع وآفته سعد"2.
إلى غير ذلك من الروايات المكذوبة تثبت النبوة لعلي تارة والخلافة والوصية بها تارة أخرى على حسب عقائد الوضاع المختلقين وآرائهم.
فقد روى البخاري، عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله. أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: فما هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر"3.
هكذا ألقم على الحجر لكل دعي يدعي أن له أو لأحد من آل البيت إيصاء من النبي صلى الله عليه وسلم، والعجيب أن الشيعة علموا فضل علي--------------------------------------------
1 المرجع السابق ص323.
2 المرجع السابق ص391.
3 صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم ج1 ص214-216 بهامش فتح الباري.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)
وأيقنوا ما له من قدر جلي لكنهم طمثوا هذا الفضل ودرسوا معالم ذلك القدر فكانوا كالقبر الذي يخفي ما لصاحبه من حسن وبهاء.
قال العلامة ابن القيم: وأما علي بن أبي طالب عليه السلام فانتشرت أحكامه وفتاويه، ولكن قاتل الله الشيعة فإنهم أفسدوا كثيرا من علمه بالكذب عليه، ولهذا تجد أصحاب الحديث من أهل الصحيح لا يعتمدون من حديثه وفتواه إلا ما كان من طريق أهل بيته، وأصحاب عبد الله بن مسعود كعبيدة السلماني وشريح وأبي وائل ونحوهم، وكان رضي الله عنه وكرم وجهه يشكو عدم حمله العلم الذي كما قال: إن ههنا علما لو أصبت له حملة"1.
ولقد كان وضع الشيعة للحديث واختلاقهم الأخبار يتسم بالحيلة والبراعة فهم يحكمون الكذب، ويتفننون توليف الأخبار، فهم قد "اشتغلوا بالحديث وسمعوا من الثقات، وعرفوا الأسانيد الصحيحة، ثم وضعوا عليها الأحاديث التي تتفق وعقيدتهم وأضلوا بها كثيرا، فكان منهم من يسمى بالسدي، ومنهم من يسمى بابن قتيبة، وكانوا يروون عنهما فيظن من لا يعرف حقيقة الحال أنهما المحدثان الشهيران مع أن كلا من السدي وابن قتيبة اللذين ينقل عنهما الشيعة رافضي غال.
ولكن جهابذة السنة وعلماء الحديث كشفوا دخيلة أمرهم واطلعوا--------------------------------------------
1 أعلام الموقعين ج1 ص21.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 186)
الناس على حقيقة حالهم وميزوا بين السديين بالكبير وهو ثقة، والصغير وهو كذاب وضاع، وكذا ميزوا بين ابن قتبية الشيعي وبين عبد الله بن مسلم بن قتيبة، ولم يقتصر الشيعة على ذلك، بل وضعوا الكتب وملئوها بأباطيلهم، ونسبوها إلى أهل السنة ككتاب سر العارفين الذي نسبوه للغزالي"1.
هذا وقد كان لوضع الشيعة للحديث واختلاقهم الأخبار أثر عكسي حتى يكتمل الطابع المأسوي لهذا الصنيع السيئ الذي أملاه التعصب والهوى، فقد أتى أكله ثمارا مرة على الجانب الآخر عند خصوم الشيعة الذين أبى ضعفاء الدين منهم إلا أن يزيدوا لهم الصاع صاعين ففجروا في خصومتهم، وغالوا في مباراتهم الشيعة، ومسابقتهم لهم في وضع الحديث، إذ عمد بعض الأئمة من أنصار بني أمية إلى اختلاق أحاديث في فضل أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية رضي الله عن الجميع وأرضاهم، يضاهئون بها صنيع الشيعة من قبل في شأن علي وآل البيت.
وإنها وايم الله لخصلة من خصال النفاق وسبة فيمن فعلها فما كان أغناه عن اختلاق الحديث، وتبوئه مقعده من النار، فلهؤلاء الصحابة الكرام رضوان الله عليهم من شرف الصحبة وحسن المجاهدة، وطيب الفعال، وكريم الخلال وجميل الخصال ما يرفعهم إلى أعلى عليين، وما يطلق الألسنة الصادقة بالثناء عليهم إلى يوم الدين، فما أشد ما وقع فيه أولئك الأفاكون الكذابون من السقوط والتردي.--------------------------------------------
1 الحديث والمحدثون ص96، 79.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 187)
وهذه أمثلة مما رد به ضعفاء الدين من أنصار بني أمية على غلو الشيعة في علي وآل البيت، وما حاكوه من أساطير.
فعن أبي هريرة مرفوعا: "تفاخرت الجنة والنار فقالت النار للجنة: أنا أعظم منك قدرًا، قالت: ولم؟ قالت: لأن فيّ الفراعنة والجبابرة والملوك وأبناؤها، فأوحى الله تعالى إلى الجنة أن قولي: بل لي الفضل إذ زينني الله لأبي بكر وعمر"، موضوع: أبان متروك، ومهدي كذاب وضاع1.
وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أدخلت الجنة فناولني جبريل تفاحة فانفلقت في يدي فخرجت منها جارية كأن أشفار عينيها مقاديم النسور، فقلت لها: لمن أنت؟ فقالت: أنا للمقتول بعدك ظلما عثمان بن عفان".
قال في الميزان: هذا كذب. قال ابن حبان يحيى بن شعيب يروي عن الثوري ما لم يحدث به قط. وقال في اللسان: هو ظاهر البطلان2.
وعن خالد بن معدان عن واثلة مرفوعا: "الأمناء عند الله ثلاثة أنا وجبريل ومعاوية". قال النسائي وابن جبان: هذا حديث باطل موضوع، وأحمد بن عيسى يروي عن المجاهيل مناكير وعن المشاهير المغلوبات. قال ابن عدي: وقد تفرد وهو باطل من كل وجه3.--------------------------------------------
1 اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ج1، ص305.
2 اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ج1، ص314
3 اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ج1، ص417.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 188)
الفرق الأخرى وأثرهم في الحديث:
تعد فرقتا الخوارج والشيعة أس البلاء فيما انتاب هذه الأمة من تفريق الكلمة وتشتيت الجمع، وقد رأينا ما لهما من أثر على الحديث، وإنك لتزداد بغضا لرأيهما حين ترى تسبب هذه الآراء في نشوء فرق أخرى متعددة الأهواء كالمرجئة الذين قالوا بأنه لا تضر مع الإيمان معصية كما أنه لا تنفع مع الكفر طاعة.
ولو تتبعت الإرجاء في نشأته وتطوره لوجدته في أول أمره موافقا للحق مطابقا لما كان عليه كثيرون من ذوي الرجاحة الذين رأوا الإعراض عن الخلاف والجنوح عن ساحته وتفويض أمر المختلفين إلى الله فرارًا من المغالاة بتفكير هؤلاء أو أولئك كما فعل الخوارج واجترحوا في حق أم المؤمنين ومن حالفها في معركة الجمل، ثم في حق علي الذي حكموا بإيمانه إلى أمد التحكيم، ثم كفروه بقبوله، وقل من سلم من تكفيرهم، فجاء هؤلاء معاكسين لهم، ثم تطور الأمر إلى القول بإرجاء الحكم على مرتكب الكبيرة، وتفويض أمره إلى بارئه مقتربا قائل هذا من أهل السنة فيما قالوه من أن من يمت ولم يتب من ذنبه فأمره مفوض لربه.
ثم أفرط بعض المرجئة وغالى فقال: بالفصل بين الإيمان والعمل والاكتفاء بمجرد الاعتقاد، ولا يضر مع اعتقاد القلب وقبوله الإسلام مخالفة الظاهر، ولو ارتكبت الجوارح جميع الآثام بل لو وجد المعتقد بقلبه مع اليهود والنصارى.
ولقد صحت أحاديث كثيرة تدفع هذا الزعم وتبطله، وصرف الأئمة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 189)
الكثير من اهتمامهم إلى الرد على هؤلاء ودحض شبههم وما أكثر ما عقد المحدثون أبوابا للربط بين الإيمان والقول والعمل، ولبيان أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالعصية، ويكفيك أن تقرأ "خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر" هكذا ترجم البخاري في صحيحه ثم نقل في تأكيدها هذا المعنى عن إبراهيم التيمي1، قال: ما عرضت قولي على عمل إلا خشيت أن أكون مكذبًا".
وقال ابن أبي مليكة2: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل.--------------------------------------------
1 هو ابن يزيد بن شريك التيمي أبو أسماء، قيل: قتله الحجاج، وقيل: مات في سجنه لما طلب الإمام إبراهيم النخعي، فوقع الرسول بإبراهيم التيمي، فأخذه وحبسه، فقيل له: ليس إياك أراد، فقال: أكره أن أدفع عن نفسي وأكون سببا لحبس رجل مسلم بريء الساحة، فصبر في السجن حتى مات سنة اثنتين وتسعين، وهو ثقة، روى له الجماعة. عمدة القاري ج1، ص275 بتصرف.
2 هو عبد الله بن عبيد الله -بتكبير الابن وتصغير الأب- واسم ابن مليكة بضم الميم زهير بن عبد الله بن جدعان بن عمر بن كعب بن تيم بن مرة القرشي التيمي المكي الأحول، كان قاضيا لابن الزبير ومؤذنا، اتفق على جلالته، سمع العبادلة الأربعة وعائشة وأختها أسماء وأم سلمة وأبا هريرة وعتبة بن الحارث والمسور بن مخرمة، وأدرك بالسن جماعة، ولم يسمع منهم كعلي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما، مات سنة سبع عشرة ومائة، وروى له الجماعة. عمدة القاري ج1 ص275.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 190)
ويذكر عن الحسن1 ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق".
قال العيني في شرح هذه الترجمة: ذكر النووي أن مراد البخاري بهذا الرد على المرجئة في قولهم: إن الله لا يعذب على شيء من المعاصي ممن قال لا إله إلا الله، ولا يحبط شيء من أعماله بشيء من الذنوب، وإن إيمان المطيع والعاصي سواء، فذكر في صدر الباب أقوال أئمة التابعين، وما نقوله عن الصحابة رضي الله عنهم، وهو كالمشير إلى أنه لا خلاف بينهم فيه، وأنهم مع اجتهادهم المعروف خافوا أن لا ينجو من عذاب الله تعالى. وقال القاضي عياض المرجئة أضداد الخوارج والمعتزلة كالخوارج تكفر بالذنوب، والمعتزلة يفسقون بها، وكلهم يوجب الخلود في النار، والمرجئة تقول: لا تضر الذنوب مع الإيمان، وغلاتهم تقول: يكفي التصديق بالقلب وحده ولا يضر عدم غيره، ومنهم من يقول: يكفي التصديق بالقلب والإقرار باللسان.
وقال غيره إن من المرجئة من وافق القدرية؛ كالصالحي والخالدي، ومنهم من قال بالإرجاء دون القدر، وهم خمس فرق كفر بعضهم بعضا، والمرجئة--------------------------------------------
1 هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري مولى زيد بن ثابت، وقيل: جابر بن عبد الله، وقيل: أبي اليسر. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، قال أبو بردة: أدركت الصحابة فما رأيت أحدا أشبه بهم من الحسن. قال خالد بن رياح الهذلي: سئل أنس بن مالك عن مسألة فقال: سلوا مولانا الحسن، فقيل له في ذلك، فقال: إنه قد سمع وسمعنا فحفظ ونسينا. وقال سليمان التيمي: الحسن شيخ أهل البصرة، وهو من أجلاء التابعين وعرف بالوعظ، مات في رجب سنة ستة عشر ومائة. تذكرة الحافظ ج1 ص71، التهذيب ج2، ص263، وميزان الاعتدال ج1، ص5278، ووفيات الأعيان ج1، ص128.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 191)
بضم الميم وكسر الجيم وبهمزة مشتق من الإرجاء، وهو التأخير، وقوله تعالى: {أَرْجِهْ وَأَخَاهُ} أي أخره، والمرجئ من يؤخر العمل عن الإيمان، والنية والقصر، وقيل: من الأرجاء لأنهم يقولون لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة، وقيل: مأخوذ من الإرجاء بمعنى تأخير حكم الكبيرة فلا يقضى لها بحكم في الدنيا"1.
وقد كان أثر المرجئة على الحديث من جهة تصادم مذهبهم معه، ولم يشتهر عنهما لوضع أو الدس فيه، وإن كان لا يستبعد وقوعه منهم فقد أسرفوا في الإباحية وغرقوا في المعاصي بزعم أنها لا تضرهم والكذب معصية فلا يبعد اقترافهم له.
وهناك القدرية وهو وصف تفاوت في الإطلاق، فقد كان يطلق على من ينفون القدر، ويقولون إن الأمر أنف بمعنى "مستأنف"، وقد ظهر هذا الانحراف العقدي مبكرا مما حدا ببعض الصحابة إلى التصدي له ومجابهته، فقد روى مسلم في أول كتاب الإيمان ما يعد تأريخا لظهور الكلام في القدر، روى بسنده عن يحيى بن يعمر2.--------------------------------------------
1 عمدة القاري ج1، ص274-275.
2 يعمر بفتح الميم، ويقال: بضمها كنيته أبو سليمان، أو أبو سعيد قال الحاكم: يحيى بن يعمر فقيه أديب نحوي مبرز، أخذ النحو عن أبي الأسود، نفاه الحجاج إلى خرسان، فولاه قتيبة بن مسلم قضاءها. شرح النووي على مسلم ج1، ص153.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 192)
قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني1.
فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري2 حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي: أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليّ، فقلت: أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن، ويتقعرون العلم، وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت أولئك، فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم براء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا، فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر.
"ثم ساق رواية أبيه عمر في سؤال جبريل عن الإسلام والإيمان والإحسان وأمارات الساعة، وكان التعريف النبوي للإيمان: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره".--------------------------------------------
1 الجهني بضم الجيم نسبة إلى جهينة قبيلة من قضاعة نزلت الكوفة، ونزل بعضها البصرة، ومن نزل جهينة معبد بن خالد الجهني، كان يجالس الحسن البصري، وهو أول من تكلم في البصرة بالقدر، فسلك أهل البصرة بعده مسلكه لما رأوا عمرو بن عبيد ينتحله، قتله الحجاج بن يوسف صبرا، وقيل: إنه معبد بن عبد الله بن عويمر. المصدر السابق.
2 حمير بالتصغير والحميري نسبة إلى حمير بكسر فسكون ففتح، سمع ابن عمر وأبا هريرة وابن عباس وغيرهم، قال العجلي: بصري ثقة كان ابن سيرين يقول: هو أفقه أهل البصرة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان فقيها عالما. انظر ترجمته في تهذيب التهذيب ج3 ص46، والكشاف في معرفة من له رواية في الكتب الستة ج1 ص257.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 193)
قال النووي: "واعلم أن مذهب أهل الحل إثبات القدر، ومعناه أن الله تبارك وتعالى قدر الأشياء في القدم، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه وتعالى، وعلى صفات مخصوصة فهي تقع على حسب ما قدرها سبحانه وتعالى وأنكرت القدرية هذا وزعمت أنه سبحانه وتعالى لم يقدرها، ولم يتقدم علمه سبحانه وتعالى بها، وأنها مستأنفة العلم أي إنما يعلمها سبحانه بعد وقوعها، وكذبوا على الله سبحانه وتعالى وجلَّ عن أقوالهم الباطلة علوا كبيرا، وسميت هذه الفرقة قدرية لإنكارهم القدر.
قال أصحاب المقالات من المتكلمين، وقد انقرضت القدرية القائلون بهذا القول الشنيع الباطل، ولم يبق أحد من أهل القبلة عليه، وصارت القدرية في الأزمان المتأخرة تعتقد إثبات القدر، ولكن يقولون: الخير من الله، والشر من غيره. تعالى الله عن قولهم.
وحديث: "القدرية مجوس هذه الأمة" رواه أبو حازم عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرجه أبو داود في سننه والحاكم أبو عبد الله في المستدرك على الصحيحين وقال: صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي حازم من ابن عمر. قال الخطابي: إنما جعلهم صلى الله عليه وسلم مجوسا لمضاهاة مذهبهم مذهب المجوس في قولهم بالأصلية النور والظلم، يزعمون أن الخير من فعل النور، والشر من فعل الظلمة فصاروا ثنوية، وكذلك القدرية يضيفون الخير إلى الله تعالى، والشر إلى غيره، والله سبحانه وتعالى خالق الخير والشر جميعا، لا يكون شيء فيهما إلا بمشيئته، فهما مضافان إلى الله سبحانه وتعالى خلقا وإيجادا، وإلى الفاعلية لهما من عباده فعلا واكتسابا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 194)
وقد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إجبار الله سبحانه وتعالى وقهره على ما قدره وقضاه، وليس الأمر كما يتوهمونه، وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله سبحانه وتعالى بما يكون من اكتساب العبد، وصدورها عن تقدير منه وخلق لها خيرها وشرها والقدر اسم لما صدر عن فعل القادر يقال: قدرت الشيء وقدرته بالتخفيف والتثقيل بمعنى واحد والقضاء في هذا معناه الخلق كقوله تعالى: فقضاهن سبع سموات في يومين" أي خلقهن، قلت: قد تظاهرت الأدلة القطعيات من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأهل الحل والعقد من السلف والخلف على إثبات قدر الله سبحانه وتعالى"1.
ويمتد فكر القدرية الذين آلت إليهم التسمية لقولهم: بأن للعبد قدرة على خلق أفعاله، هؤلاء الذين عرفوا بالمعتزلة، ونشئوا كثمرة مرة لفكر الخوارج، فهم لم يقبلوا التفكير بالكبيرة والمعصية، ولم يرضهم نسبة المعاصي إلى الإيمان فنزلوه منزلة الاثنين، وما أكثر ما ناب الحديث والمحدثين من تطاولهم وتهجمهم، وهم يحكمون العقل في النقل، فإذا أعياهم ذلك لجئوا إلى رد النقل، ورموا النقلة بفحش القول، وما أكثر ما نال المحدثين من بذاءاتهم فحتى الصحابة رضوان الله عليهم نالهم حظهم، وأخذوا نصيبهم من تطاول مدرسة الاعتزال، وقد سبقت الإشارة إلى تطاول النظام، ومن على شاكلته على الصحابي الجليل "أبو هريرة" وسيأتي تعرض لهذا عند استعراض منهج ابن قتيبة في دفاعه عن الحديث والمحدثين.--------------------------------------------
1 شرح النووي على مسلم ج1، ص154-155 بتصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)