كالدابة بغير زمام، وتعتبر أسانيد، أحسن الأسانيد، قال الإمام أحمد: "الزهري أحسن الناس حدثيا وأجود الناس إسنادا".
وعن الزهري أخذ خلق كثيرون من أشهرهم الإمام مالك ابن جريج وصالح بن كيسان غيرهم.
وتوفي ابن شهاب ليلة الثلاثاء السابعة عشر أو التاسعة عشر من رمضان سنة أربع وعشرين ومائة، وأوصى أن يدفن على قارعة الطريق حتى يدعو له المارون.
ومع كثرة المادحين للزهري وجدنا هناك معرضين من أهل البدع والأهواء أو من الأعداء الألداء لهذا الدين، الذين يتخذون ممن كان عل شاكلة الزهري من أعلام الإسلامي هدفا للطعن والتشكيك.
ولقد نال الزهري مثل ما نال أبا هريرة رضي الله عنهما، فمن الأباطيل التي ترددت حول ابن شهاب ما ذكره اليعقوبي المؤرخ الشيعي من المعرف المتوفى سنة اثنتين وتسعين حيث قال: "ومنع عبد الملك أهل الشام الحج، وذلك أن ابن الزبير كان يأخذهم إذا حجوا بالبيعة، حتى رأى عبد الملك منعهم من الخروج إلى مكة، فضج الناس وقالوا: تمنعنا من حج بيت الله الحرام، وهو فرض من الله علينا، فقال لهم: هذا ابن شهاب الزهري يحدثكم أن رسول الله قال: $"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي ومسجد بيت المقدس"، وهو يقوم لكم مقام المسجد الحرام، وهذه الصخرة التي يروى أن رسول الله وضع قدمه عليها لما صعد إلى السماء تقوم لكم مقام الكعبة فبنى على الصخرة قبة وعلق عليها ستور الديباج
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
وأقام لها سدنة وأخذ الناس بأن يطوفوا حولها كما يطوفون حول الكعبة وأقام بذلك أيام بني أمية"1.
وتبنى هذا الرأي المستشرق: جولدتسيهر وشنع به وشايعه بعض علماء المسلمين كالأستاذ علي عبد القادر، وجولدتسيهر يتهم الزهري بوضع الأحاديث مستندا إلى غير مستند، فما ذكره اليعقوبي غير موجود في أي مصدر تاريخي آخر.
وبعرض افتراءات اليعقوبي ومشايعة جولدتسهير على المقاييس العقلية السليمة ومقتضيات المنطق يتضح ما يلي:
1- أن يمنع عبد الملك أهل الشام من الحج غير معقول؛ لأن الحج فريضة على كل مسلم قادر، فكيف يعطل عبد الملك شعائر الله ويمنع إقامتها؟
وقد عرف بالعبادة والصلاح حتى عد من فقهاء المدينة، ولا يعقل أن يمنع عبد الملك أهل الشام من الحج، وفيهم أئمة التابعين ويسكتون عليه، فلا ينكرون عليه أو يشقون عصا الطاعة.
2- لم تذكر المصادر التاريخية المعتمدة أن عبد الملك هو الذي بنى قبة الصخرة بل ذكرت أنه الوليد بن عبد الملك الذي أغرم ببناء المساجد، وأولع بزخرفتها، على فرض تسليم أن عبد الملك، وهو الذي بنى قبة الصخرة،--------------------------------------------
1 السنة قبل التدوين ص502-503.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)
فقصارى هذا أن يكون مزيد اعتناء منه ببيت المقدس ومبالغة في إظهار فضله الثابت عند المسلمين ولو كان مقصوده صرف قلوب الناس إليه وجعله بديل المسجد الحرام لكان هذا في مقدمة الطعن التي أخذها أعداء عبد الملك عليه؛ بل ولكان هذا فيه كفر صراح، وتغيير لشريعة الله، وهذا أشهر من أن يخفى، وعبد الملك أجل من أن يقع منه هذا.
ومما يؤكد لنا أنه لم يحمل أحدا على الحج إلى بيت المقدس، بل كان عمله مجرد احترام لذلك المسجد ما قام به بعد انتصاره على ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين حين أمر بإعادة بناء الكعبة كما كانت عليه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وإزالة ما أدخل ابن الزبير في بنائها سنة أربع وستين، فمن الواجب أن يفرق بين اعتنائه بالمسجد الأقصى وجعله محجا للمسلمين.
3- إذا انتفى عن عبد الملك أنه منع الناس من الحج إلى بيت الله الحرام وحمله إياهم على قصد بيت المقدس، فانتفاء تهمة الوضع عن الزهري أظهر وبراءة ساحته من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم أشهر، وجرأة الزهري على الأمراء هي الثابتة، وشجاعته في الحق وموالاته له محققة، فقد كان من الذين لا يخافون إلا الله ولا يخشون أحدا سواه، ولا يقيمون وزنا للوم اللائمين ما دام الحق معه، أو هو مع الحق يتابعه ويشايعه.
وعلى حساب من يلاين ابن شهاب أو يداهن؟ أعلى حساب دينه، وقد ذكر ابن عساكر قصة فحواها أن سليمان بن يسار دخل على هشام بن عبد الملك فسأله هشام عن الذي تولى كبره منهم؟ فأجاب سليمان بأنه: عبد الله بن أبي فقال له هشام كذبت، هو: علي بن أبي طالب، فقال له
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)
سليمان: أمير المؤمين أعلم بما يقول، فلما دخل ابن شهاب وسأله عما سأل عنه سليمان فأجاب بما أجاب، قال له هشام: كذبت الذي تولى كبره منهم هو علي بن أبي طالب، عند ذلك قال الزهري: أنا أكذب لا أبا لك والله لو نادى مناد أن الكذب مباح ما كذبت، ثم ساق رواية تثبت أن الذي تولى كبره هو ابن أبي.
ما كان لابن شهاب أن يصانع، وكذب من رماه بالوضع، فلو وضع حديثا واحدا لضاع رأسماله من الثقة التامة التي أولاه إياها العامة، ومتى أتيح له أن يضع وأن يكذب لصالح الأمويين وصد ابن الزبير؟ إن التاريخ نفسه يحيل هذا ويكذب قائله، فابن شهاب ولد سنة خمسين، والخلاف بين عبد الملك وابن الزبير كان بين سنتي خمس وستين واثنتين وسبعين في بداية طلب ابن شهاب وحظه من الشهرة غير كبير، والثابت أنه لقي عبد الملك سنة اثنتين وثمانين بعد حسم الخلاف باستشهاد بن الزبير بتسع سنين. فما فائدة الوضع في هذا الحين؟ كبرت كلمة تخرج من فم اليعقوبي وجولدتسيهر أن يقولان إلا كذبا، وإن ادعاءهما على الزهري واتهامه بوضع الحديث وتعليل ذلك بأنه كان صديق عبد الملك بن مروان ليس إلا محض افتراء، لأنه يصغر عبد الملك بأربعة وعشرين عاما، ولما قدم دمشق أدخله قبيسة بن أبي ذؤيب على عبد الملك الذي ذكره بأن أباه اشترك مع ابن الزبير في الثورة عليه، كيف يكون هو صديقا له وأبوه من الثائرين عليه؟
وحديث: "لا تشد الرحال … " إلى آخره. الذي اتهم الزهري بوضعه حديث صحيح من أعلى درجات الصحيح، حيث اتفق الشيخان على إخراجه، قد صح
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)
مخرجه عندهما من طرق أخرى غير طريق ابن شهاب، كما صح من طريقه، وأخرج الحديث أيضا أصحاب السنن الأربعة، والإمام أحمد في مسنده، والدارمي في سننه.
ولم يبق إلا أن يسلم ابن شهاب من كل ما اتهم به، وأن تسلم ساحته، وأن يبرأ جانبه من كل ما ألصق به.
إنه إذن الثقة الثبت الحجة الحافظ أعلم التابعين بالسنة الماضية، فرضي الله عنه وأرضاه وأحسن إليه1.--------------------------------------------
1 أطلنا في ترجمته وكان غيرنا أطول، فقد ترجم له ابن سعد في طبقاته ج2، ق2، ص135-136، والذهبي في التذكرة ج1، ص108-113، وابن كثير في البداية والنهاية ج9، ص383-392، وابن حجر في تهذيب التهذيب ج8، ص445-451 وابن خلكان في وفيات الأعيان ج4، ص177-179، وابن الجوزي في صفة الصفوة ج2، ص136-139، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ج8، ص71-74، والسيوطي في طبقات الحفاظ ص42، والدكتور السباعي في السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص206-226، والدكتور محمد عجاج الخطيب في السنة قبل التدوين ص489-513، وغيرهم كثير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
8- نافع مولى ابن عمر:
هو أبو عبد الله العدوي المدني مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أحد أعلام التابعين. قيل: أصله من المغرب، وقيل: من الديلم شمال العراق، أسر في أحد الحروب بين المسلمين والفرس فكان من نصيب عبد الله بن عمر، فلزمه ما يقرب من ثلاثين سنة، تعلم خلالها القرآن والسنة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
وروي عن ابن عمر وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري ورافع بن خديج وعائشة وأم سلمة، وعبد الله وعبيد الله وسالم وزيد أولاد عبد الله بن عمر وغيرهم.
وروي عن نافع من التابعين الزهري وابن كيسان وحميد الطويل وغيرهم.
كما أخذ عنه من أتباع التابعين الأوزاعي وابن جريج والليث بن سعد ومالك بن أنس.
ورواية مالك عن نافع تكتسب أهمية خاصة حيث عرفت بسلسلة الذهب فأصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر.
وكان نافع ثقة ضابط صحيح الرواية لا يعرف له خطأ في جميع ما رواه، كثير الحديث، قال عنه عبد الله بن عمر: "لقد من الله علينا بنافع" وقال عنه مالك بن أنس: "كنت إذا سمعت من نافع يحدث عن ابن عمر لا أبالي أن لا أسمعه من غيره".
وبلغ من منزلته في الحديث أن اختاره عمر بن عبد العزيز معلما لأهل مصر يعلمهم السنن، ويبصرهم بدينهم.
وتوفي نافع رضي الله عنه بالمدينة سنة سبعة عشرة ومائة على الراجح في تحديد سنة وفاته1.--------------------------------------------
1 انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ ج1، ص99، وتهذيب التهذيب ج1، ص412، وطبقات الحفاظ ص40.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)
هذه أمثلة رائدة، ونماذج رائعة لجموع التابعين الجامعة التي كانت الأكثر والأغلب والتي استطاعت أن تحتوي محاولات القلة القليلة الضئيلة من ذوي البدع والأهواء الذين كانوا يمثلون نقطة في بحر لا تعكره الدلاء، فلا سبيل إلى تشكيك في السنة الغراء في جهة أنها تعرضت في مهدها لبعض العواصف، ولا سبيل في صحة هذا الادعاء المغرض الذي يريد النيل من الدين لأن الله تكفل بحفظ كتابه واقتضى حفظ الكتاب حفظ البيان والتفسير له، وكان الحفظ بواسطة الصحابة الكرام ثم تابعيهم، وتابعي تابعيهم بإحسان، وتوالت الجهود وتتابعت خدمة الحديث إلى أن بلغت تمام نضجها في آخر القرن الهجري الأول لتمثل فاتحة القرن الهجري الثاني مرحلة جديدة جديرة بالدراسة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)
المبحث الرابع: مناهج المحدثين في القرن الهجري الثاني
مدخل
…
المبحث الرابع: مناهج المحدثين: في القرن الهجري الثاني
كان ولا بد وأن تثمر تلك الجهود الضخمة التي بذلت إبان القرن الأول أينع الثمار، وأن تؤتي أكلها ضعفين بإذن ربها، ثم بإخلاص باذليها، فما إن بدت أضواء القرن الثاني تلوح حتى كان الحديث والمحدثون في طور جديد، وشهدت فاتحة القرن الهجري الثاني نهضة كبيرة على طريق تدوين الحديث، وشيوع التصنيف فيه، فيأمر عمر بن عبد العزيز دون أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم1، وابن شهاب الزهري وغيرهما.
الحديث ونسخت النسخ مما دون، ووزعت على الأمصار لتكون للناس موئلا ومرجعًا وفي التأريخ لهذا العمل العمري المبارك والتعليل له يروي البخاري في كتاب العلم باب كيف يقبض العلم.
"وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه: "فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء--------------------------------------------
1 هو ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري نسب إلى جد أبيه ولجده عمرو صحبة، ولأبيه محمد رؤية، وأبو بكر تابعي فقيه استعمله عمر بن عبد العزيز على إمرة المدينة قضائها، ولهذا كتب إليه، ولا يعرف له اسم سوى أبي بكر، وقيل كنيته أبو عبد الملك واسمه أبو بكر، وقيل اسمه كنيته. فتح الباري ج1، ص204.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)
ولا يقبل إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم وليفشوا العلم وليجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًّا"1.
وكأننا بالورع الزاهد العالم العابد الخليفة الراشد، وهو يضع معالم مناهج المحدثين فهو ينبه على ضرورة استقلال الحديث وتخليص الألفاظ النبوية من أقوال الصحابة وفتاوى التابعين، ثم على المحدثين أن يحضروا مجالس التحديث، فلا يتكلوا على الكتابة والتدوين، فلا بد من المشافهة، ويتحتم
تضافر كل الجهود حتى لا يندرس العلم ويفشو الجهل.
ومما ينبغي التنبه له أن هذا التدوين هو الذي اشتهر وانتشر وذاع وشاع، وملأ البقاع، لا لأنه كان جديدا في زمانه، فقد سبقته محاولات كثيرة ترجع إلى عصر النبوة كما سبق أن ألمحنا، وإنما لأسباب أخرى ستسفر عن نفسها قريبا، وليس صحيحا ما ذهب إليه صاحب مجلة المنار الأستاذ محمد رشيد رضا من أن أول من دون الحديث خالد بن معدان؛ لذا تأباه النصوص الصحيحة والصريحة في إفادة أن هناك صحفا كانت لبعض الصحابة كصحيفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد مر بك خبرها آنفا كالصادقة لعبد الله بن عمر وغيرها كثير.
وليس صحيحا تأويله لأحاديث الإذن في الكتابة للحديث، ولا ادعاؤه أن أحاديث النهي عن الكتابة ناسخة لأحاديث الإذن فيها.--------------------------------------------
1 صحيح البخاري بهامش فتح الباري ج1، ص204-205.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)
ولا يقبل أيضا جمع صاحب المنار بين أحاديث النهي والإذن بما لا يصلح، ولا ادعاؤه بأن الصحابة لم يدونوا الأحاديث؛ لأنهم لم يتخذوها دينا عاما دائما كالقرآن1.
ولا ندري كيف لم يتخذ الصحابة الأحاديث دينا، فأي شيء اتخذوه دينا إذن؟ القرآن: وهو لا سبيل لفهمه، ولا الوقوف على أسراره واستنباط أحكامه ووجوه هدايته إلا بالوقوف على السنة.
وقد أسفر القرآن عن هذه الحقيقة، وأبانها إسفار الصبح وبيانه، وعلم الصحابة ذلك علم اليقين، وقد ذكرنا دقة فهمهم لهذه المعاني وروعة استنباطهم للحكم الذي لم ينص القرآن عليه مع ذلك أخذه منه من خلال أمره بأخذ ما آتانا الرسول صلى الله عليه وسلم، وترك ما نهانا عنه والأمر بالاقتداء بالصحابة، ونقل فعلهم على أنه من القرآن.
الحق الثابت الذي لا تردد فيه هو أن تدوين الحديث وكتابته يرجع إلى عصر مبكر ربما إلى عصر النبوة، أو بعده مباشرة، وأما ما كان في فاتحة القرن الهجري الثاني على أيدي النبهاء كابن حزم وابن شهاب من اشتهار التدوين وانتشاره فإنه يرجع إلى ما يأتي:--------------------------------------------
1 انظر ما كتبه المغفور له الأستاذ الدكتور/ محمد محمد أبو زهو في هذا الموضوع في: "الحديث والمحدثون" ص220-236. وقد أوجزنا القول فيه هنا للتعرض إلى تقريره في ثنايا الموضوعات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 234)
1- اتخاذ التدوين طابعا رسميا فقد كان بأمر الخليفة وتنفيذًا لرغبته.
2- ظهور الوضع والوضاعين، ذلك أن أعداء الدين أحكموا كيدهم المتين، وأوردوا طعن الإسلام من الخلف بعد أن عجروا عن النيل منه، وضعفوا عن مواجهته، كفاحا فلبسوا مسوحه وتزيوا بمظهره، وانطوت قلوبهم على حقد دفين فراحوا يؤججون نار الفتنة ويسعرون أوارها، ويلهبون الخلافات ويغذونها ببذور الشقاق والفرقة، وظنوا أن في السنة مرتعا خصبا يتخذون منه هدفا لسهامهم المسمومة، فراحوا يدسون ويكذبون كل ذي رأي يدعي أنه على الحق ويلتمس دليلا لمدعاه وهيهات أن يجد في كتاب الله ما يوافق هواه، لكن ماذا عساه أن يفعل أكثر من أن يقول في القرآن بغير علم، ويأوله على وفق متمناه، ويعجز عن أن ينقص أو يزيد فيه.
أما السنة فبحارها تتلاطم أمواجا، والناس يدخلون فيها أفواجا، ويسلكون إليها سبلا فجاجا مما يزين لأصحاب العقول الضيقة أنه بوسعهم أن يختلقوا وأن يأفكوا من غير أن يتنبه أحد لإفكهم واختلاقهم، لكن الله عز وجل هيأ للسنة رجالا أكفاء يذودون عنها كل خطر ويدفعون كل شعر ويذبون كذب الكاذبين.
3- تفرق الصحابة ومن بعدهم التابعون، وتوزعوا على الأمصار كل يحدث بما سمع ويبلغ ما وعى، مما دعت الحاجة معه إلى جمع ما تفرق، وتأليف ما توزع.
4- اتساع رقعة الدولة بعد الفتوحات الإسلامية العظيمة وانشغال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)
الناس بالدنيا وانغماس الكثيرين في طلب تحصيلها أدى ذلك إلى ضعف ملكة الحفظ شيئا ما، وجد مسيس الحاجة إلى تدوين الحديث مخافة أن يضيع.
كل ذلك، وأكثر منه كان وراء نشاط حركة الجمع والتصفيف تلك الحركة التي لم تنشأ من فراغ، وإنما اعتمدت على زاد ضخم وحصاد عظيم كان ثمرة جهد وكد السابقين الذين ذهب بعضهم قبل بدء القرن الثاني، وبقي تراثهم يواصل إحياء ذكرهم.
وهناك كثيرون ممن كانت لهم اليد الطولى في حفظ السنة في القرن الأول واصلوا جهدهم في القرن الثاني، ولم يسلموا الراية إلا عند إسلام أرواحهم إلى بارئها، ولم يسلموها إلا لمن يجهد حملها والذود عنها.
والناظر إلى القرن الهجري الثاني يبهره صنيع المحدثين فيه، ويهوله ذلك الجهد المضني الذي بذل بسخاء خدمة السنة النبوية المطهرة.
وتلمع نجوم حديثية في هذا القرن، وتسطع أضواؤها فتلمع من عمالقة الحديث في هذا القرن الأئمة الأربعة، وإن كان رابعهم عاش أكثر من نصف عمره في القرن الثالث ونلمح سفيان بن عيينة المولود سنة سبع ومائة، والمتوفى سنة ثمان وتسعين ومائة، ونلمح ابن إسحاق وموسى بن عقبة وشعبة والثوري؛ كلهم جدير بلقب "أمير المؤمنين بالحديث"، والذي يطالع كتب الصحاح يدرك ما لهؤلاء من أثر.
وتنوعت طرق التحديث عن هؤلاء فمنهم من اكتفى بتصدر مجالس
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)
التحديث يروي للناس السنن كالسفيانين، ومنهم من يتكلم في الرواية، وما يتصل بها من أحكام الدراية كشعبة بن الحجاج، ومنهم من جمع إلى التحديث والتصنيف.
وتعددت مناحيهم في التصنيف، فمنهم من اعتنى بالمباحث الفقهية، وركز كل اهتمامه على الأحكام وجمع من الرواية اجتهاد بعض الأئمة، ومع ذلك كله اعتبر صنيعه توطئة للحديث، وتمهيدًا للدخول فيه، فسمي "موطأ"، ومنهم من نظر إلى السنة خلال أخذها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة، فعني بجمع مرويات الصحابي وسماها مسندا، وأضافها إلى الصحابي، ولم يراع في ترتيبها إلا من مرويات تلك الصحابي الذي يعنى بجميع منقوله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم يرتب الصحابة إما على السبق للإسلام، وإما على مراتبهم ودرجات تفضيلهم ككون الواحد منهم من العشرة المبشرين بالجنة، أو ممن شهد بدرًا، أو بيعة الرضوان إما أن يراعى في الترتيب حرف المعجم، وعرفت هذه الطريقة بالمسانيد.
وكما اشتهر في الكتب المرتبة على الأبواب "موطأ مالك" و"موطأ بن أبي ذئب"، اشتهر أيضا في الكتب المرتبة على المسانيد "مسند أبي داود الطيالسي" و"مسند ابن أبي شيبة"، وكان أجمع المسانيد وأنفعها "مسند الإمام" "أحمد ابن حنبل".
وهناك من رتب تصنيفه على الأطراف بأن ذكر طرف الحديث فقط
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)
اعتمادًا على الذاكرة، من هؤلاء "عبد بن حميد العبدي" كتب أطراف الحديث عن الحسن البصري عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وتعددت الأسماء اللامعة في التصنيف، ولا يكاد يخلو بلد من علم من أعلام الحديث المحدثين، وقد اتسمت مصنفات هذا القرن بالسمات الآتية:
1- الذين صنفوا على الأبواب جمعوا حديث كل باب على حدة، ثم أدرجوا الأبواب تحت الكتب فنرى أحاديث الصلاة موزعة على أبوابها، مجموعة تحت كتاب الصلاة وكذا الزكاة.
2- يلاحظ أن مصنفي هذا القرن لم يقتصروا في مصنفاتهم على الصحيح فحسب، بل وجد في كتبهم الصحيح والضعيف لكنهم تجنبوا الموضوع.
3- عني هؤلاء بجمع طرق الحديث الواحد، وسوقه من عدة روايات؛ ولهذا أهميته القصوى عند جهابذة الحديث والعارفين بمواطن النقد والتمحيص.
4- مزج مصنفو هذا العصر الأحاديث النبوية بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين، وفي العقدين الأخيرين من هذا القرن رأى بعض أهل الحديث أن يفسروا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مؤلفات خاصة.
ونختار بعض أعلام المحدثين في القرن الثاني؛ لنتعرف عليهم وعلى مناهجم:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)
1- أبو حنيفة:
اسمه ونسبه ومكانته:
إنه الإمام الأعظم، فقيه أهل العراق، أقدم الأئمة الأربعة زمانًا، وأكثرهم تابعًا، غلبت كنيته واشتهر بها، واسمه النعمان بن زوطى التيمي، وزوطى جده من أهل كابل كان مملوكا لبني تميم الله بن ثعلبة فأعتق.
وولد ثابت في الإسلام ولا صحة لادعاء نصرانيته وتسمية ولده له بذلك، وقد اختلف في سنة مولده على ثلاثة أقوال، قيل: سنة ثلاث وستين وقيل: سنة سبعين، وقيل: سنة ثمانين وأكثرهم على الأخير وقد نفى بعضهم1 الرق عن جد الإمام وأثبت أنه كان أميرا أفغانيا، ولعل من قال برقه وعتقه فهم ذلك من كونه مولى لبني تميم، ولا يبعد أن يكون هذا الولاء ولاء إسلام لا ولاء نسب.
وفي الكوفة نشأ الإمام كغيره من الأئمة الأعلام شغوفا بالعلم دءوبا على طلبه، والكوفة يومئذ من حواضر الإسلام تموج بمجالس العلم، وتزخر بأرباب النباهة والفهم، وصدى صوت ابن مسعود وتلاميذه النجباء يجلجل في الأرجاء.
لقي الإمام أنسا غير مرة لما قدم عليهم الكوفة، وحدث عن عطاء--------------------------------------------
1 ذكر محقق المجروحين لابن حبان ما يشير إلى أن جد أبي حنيفة كان أحد أمراء بلاد الأفغان، واختلف أقوال أحفاده في مسألة أسر جده، ثم عتقه، قال أحدهم: "والله ما وقع لنا رق قط". انظر المجروحين ج3، ص63.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)
ونافع وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج وعدي بن ثابت وسلمة بن كهيل وأبي جعفر محمد بن علي وقتادة وعمرو بن دينار وأبي إسحاق وخلق كثير.
وتفقه به زفر بن الهزيل وداود الطائي، والقاضي أبو يوسف، ومحمد بن الحسن وأسد بن عمرو والحسن بن زياد اللؤلؤي وأبو مطيع البلخي وغيره.
ومن أشهر من تفقه بهم حماد بن سليمان الذي أخذ عن إبراهيم النخعي الذي أخذ عن علقمة بن قيس الذي أخذ عن ابن مسعود.
وكان أبو حنيفة إمامًا ورعا عالما عاملا متعبدا كبير الشأن، لا يقبل جوائز السلطان، بل يتجر ويكسب، سئل يزيد بن هارون أيهما أفقه الثوري أو أبو حنيفة؟ فقال: أبو حنيفة أفقه وسفيان أحفظ للحديث. وقال ابن المبارك: أبو حنيفة أفقه الناس. وقال أيضا: إنه آية. فقيل له: آية في الشر أو في الخير؟ فقال: اسكت يا هذا، يقال: غاية في الشر وآية في الخير. قال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة، وقال يزيد: ما رأيت أحدا أروع، ولا أعقل من أبي حنيفة، وقال ابن معين: ثقة لا يحدث من الحديث إلا بما يحفظه ولا يحدث بما لا يحفظه، وقال مكي بن إبراهيم: كان أعلم أهل زمانه، وما رأيت في الكوفيين أورع منه.
واشتهر عنه إحياء الليل، فعن أبي يوسف قال: كنت أمشي مع أبي حنيفة، فقال رجل لآخر: هذا أبو حنيفة لا ينام الليل، فقال: والله لا يتحدث الناس عني بما لم أفعل، فكان يحيي الليل صلاة ودعاء وتضرعًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)
وقد طلب لمنصب القضاء فأبى، وضربه ابن هبيرة يزيد بن عمر من أجل ذلك مائة جلدة فما لان وما استكان، وظل متعففا يقتات من الرزق الحلال إلى أن وافاه الأجل سنة خمسين ومائة.
ورغم كثرة مادحيه وجد له خصوم قادحون فيه ما سلم منهم في حياته، ولا كف أذاهم عنه بعد مماته؛ اتهموه بأنه قدري تارة، ومرجئ تارة أخرى، ونسبوه إلى الرأي وجردوه له، فهو لا يأخذ إلا به وبالقياس المتفرع عنه، ويهمل الحديث ويعمل العقل، وراح الخطيب ومن قبله ابن حبان يطيلان في ذكر مثالبه ونقض وهدم مناقبه.
وقد استحق الخطيب كما استحق غيره شدة التأنيب على ذكر الروايات التي تغض من قدر الإمام، ولا أدل على ضعفها، بل واختلاقها من نسبتها إلى الأئمة الذين نقل عنهم في الأصح والأرجح مدح الإمام ووصفه بما يستحقه، كمالك والشافعي وأحمد وابن معين وابن المبارك والسفيانين والأوزاعي، الذي قيل1: إنه كان يسيء الظن بأبي حنيفة حين بدأ يشتهر أمره، ولم يكن قد اجتمع به بعد حتى قال مرة لعبد الله بن المبارك: من هذا المبتدع الذي خرج بالكوفة، ويكنى أبا حنيفة؟ فلم يجبه ابن المبارك، بل أخذ يذكر مسائل عويصة وطرق فهمها والفتوى فيها، فقال الأوزاعي: من صاحب هذه الفتاوى؟ فقال: شيخ لقيته بالعراق، فقال الأوزاعي: هذا نبل من المشايخ، اذهب فاستكثر منه، قال ابن المبارك: هذا أبو حنيفة.--------------------------------------------
1 السنة ومكانتها في التشريع الإسلام ص408.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 241)
ثم اجتمع الأوزاعي وأبو حنيفة بمكة، فتذاكرا المسائل التي ذكرها ابن المبارك فكشفها، فلما افترقا: قال الأوزاعي لابن المبارك، غبطت الرجل بكثرة علمه ووفور عقله وأستغفر الله تعالى، لقد كنت في غلط ظاهر، الزم الرجل، فإنه بخلاف ما بلغني عنه.
وقد كانت الأصول التي اعتمد عليها الإمام في استنباط الأحكام، تتمثل في الكتاب: يأخذ به، فإن لم يجد، أخذ بالسنة، فإن لم يجد، أخذ بأقوال الصحابة متخيرا منها، فإن لم يجد اجتهد رأيه فقاس أو استحسن.
وليس هناك تباين بين هذه الأصول، وبين ما جرى عليه بقية الأئمة المجتهدين، وكان بعض حق الإمام أن يجري ذكره عبقا عطرا على مر الزمان يلهج بالثناء عليه كل لسان، ويتضوع أريج ذكراه في كل مكان، ولكن كيف وتغاير العلماء وتنافر المتعاصرين؟ من هنا أثيرت ضجة كبرى حول الإمام تكيل له الاتهام وترميه بزور الكلام، وكان وراء هذه الضجة الأسباب الآتية:
1- كان أبو حنيفة أول من توسع في استنباط أحكام الفقه من أئمة عصره، وأسبق من فرع الفروع على الأصول، ووضع افتراضات لأمور لم تقع، وإنما قدر احتمال وقوعها وضرورة الاستعداد لها.
وكان أكثرهم يكرهون ذلك. نقلوا عن زيد بن ثابت أنه كان إذا سئل عن مسألة، يقول: هل وقعت؟ فإن قالوا: لا، قال: ذروها حتى تقع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 242)
أما أبو حنيفة فكان المجتهد الذي يمهد الفقه للناس ولأصل المسائل ويستعد للبلاء قبل قوعه.
2- عرف عن أبي حنيفة تشدده في قبول الأخبار، واشتراطه شروطا أصعب مما اشترط المحدثون مما جعله يضعف أحاديث يقبلها أكثرهم، وقد حداه إلى ذلك انتشار الوضع في الحديث سيما وكان العراق بلد الشقاق يفور بقيادات فكرية متنافرة وخلافات مذهبية متناحرة، فهو مرتع خصب للإفك والكذب فعنَّ للإمام أن يبالغ في التثبت والاحتياط.
3- وعلى العكس من ذلك كان يحتج بالمرسل إذا كان الذي أرسله ثقة خلافا لما ذهب إليه جمهور المحدثين، مما جعله يستل بأحاديث هي عندهم ضعيفة لا يحتج بها.
4- ونتيجة لتضييق أبي حنيفة من دائرة العمل بالحديث في الحدود التي رسمها واطمأن إليها، واضطر إلى القياس وإعمال الرأي.
وقد آتاه الله فيه موهبة عجيبة فذة لا مثيل لها، ولا ريب أن استعماله القياس إلى مدى واسع باعد الشقة بينه وبين أهل الحديث، كما بالمدينة، وبين بعض الفقهاء الذين لا يستعملون القياس إلا في نطاق ضيق.
5- كان أبو حنيفة دقيق المسلك في الاستنباط دقة عجيبة بعيدة المدى، قادرا على تقلب وجوه الرأي في كل مسألة لدرجة تذهل وتدهش.
"أخرج ابن أبي العوام بسنده إلى محمد بن الحسن قال: كان أبو حنيفة قد حمل إلى بغداد، فاجتمع أصحابه وفيهم أبو يوسف وزفر وأسد بن عمرو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 243)