ولقد مضى أبو رية في طريق الخلط واللبس إلى أبعد ما يكون، فها هو ذا يذكر حديث طلحة بن عبيد الله، وحديث أبي أيوب الأنصاري، وحديث أبي هريرة على أنها حديث واحد يدور حول الإيمان والإسلام والإحسان.
ويبعد النجعة في التماس ما في هذه الروايات من قصور على حد زعمه، ويقلب الحقائق حين يستشهد بكلام الأئمة في الجمع بين هذه الروايات ببيان زيادة الثقة في بعضها لما أبهم في البعض الآخر على رأيه المتهافت في الرواية بالمعنى.
ويتابع الشطط والهوى، فيذكر حديث البخاري عن ابن عمر: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" ، ثم نقل كلام الحافظ ابن حجر في تعليقه على هذا الحديث:
"كذا وقع في جميع النسخ عند البخاري، ووقع في جميع النسخ عند مسلم "الظهر" مع اتفاق البخاري ومسلم على روايته عن شيخ واحد بإسناد واحد، وقد وافق مسلما أبو يعلى وآخرون، وكذا أخرجه ابن سعد، وأما أصحاب المغازي فاتفقوا على أنها العصر".
وإلى هنا اقتصر المؤلف -أبو رية- من كلام الحافظ وتتمة كلام ابن حجر: وكذلك وافق البخاري الطبراني والبيهقي في الدلائل، وهذا كله يؤيد البخاري.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
وقد جمع بعض العلماء بين الروايتين باحتمال أن يكون بعضهم قبل الأمر كان صلى الظهر وبعضهم لم يصلها: "لا يصلين أحد الظهر" ، ولمن صلاه: "لا يصلين أحد العصر" ، وجمع بعضهم باحتمال أن تكون طائفة منهم راحت بعد طائفة، فقيل للطائفة الأولى: الظهر، وللطائفة الثانية: العصر. وكلاهما جمع لا بأس به … إلى أن قال: ثم تأكد عندي أن الاختلاف في اللفظ من حفظ بعض رواته … أو أن البخاري كتبه من حفظه ولم يراع اللفظ كما عرف من مذهبه في تجويز ذلك، بخلاف مسلم فإنه يحافظ على اللفظ كثيرًا … ولكن موافقه أبي حفص السلمي له -أي البخاري- تؤيد الاحتمال الأول، هذا كله من حديث ابن عمر، أما بالنظر إلى حديث غيره فالاحتمالان المتقدمان في كونه قال: الظهر لطائفة، والعصر لطائفة متجه. ا. هـ.
فها نحن أولا نرى أن الحافظ بن حجر ردد الوهم في رواية البخاري بين أن يكون من أحد الرواة، أو من البخاري نفسه مع ترجيح الاحتمال الأول، فجاء المؤلف فنقل من كلام الحافظ الاحتمال الثاني مقتضبا عما قبله وعما بعده، وترك من كلام الحافظ ما قاله العلماء في التوفيق بين الروايتين، ولا يخفى على القارئ الفطن ما يريده المؤلف من هذا الاقتضاب المخل، والذي يبغي من ورائه إظهار أئمة الحديث لا سيما أميرهم البخاري بمظهر غير الضابطين المثبتين"1.
وبعد فإن دعوى أن أكثر الحديث روي بالمعنى دعوى باطلة،--------------------------------------------
1 دفاع عن السنة ص71-72.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
وما رتب عليها أدخل في باب البطلان، والحق الأبلج إنما هو في أن الصحابة رضوان الله عليه حفظوا ما رووا، وضبطوا ووعوا وأدوا كما سمعوا، وإذا تفلت منهم لفظ أو لفظان ويتقنوا معناه أدوه بالمعنى خروجا من عهدة الكتمان، ولا ندعي العصمة لسائرهم، وإنما نقول: إذا حدث وأخطأ أو وهم واحد منهم فإن في المجموع من يصحح الزلل ويكشف الوهم، وما أكثر مراجعة بعضهم لبعض، وما أدق ما قاله أئمتنا في دفع الوهم والإيهام طلبا للإنصاف في الأحكام، وأما الذي يلوي الكلام ويحرص على التغرير بالأفهام فحجته داحضة، وتجارته كاسدة وسلعته فاسدة، فإن الحق أبلج، وإن الباطل لجلج.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
عدالة الصحابة ومعناها:
أثنى الله على صحابة نبيه صلى الله عليه وسلم، ومدحهم، ورضي عنهم في عدة مواضع من كتابه، وأجرى الثناء عليهم، ومدحهم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وحذرنا من انتقاصهم أو اتخاذهم غرضًا، ولذا شاع بين المحدثين أن الصحابة كلهم عدول بتعديل الله لهم، سواء في ذلك من طالت صحبته أو قصرت أو عرفت ملازمته أو مجرد لقياه أو غزا معه أو لم يغزُ، ولا يقدح في تلك العدالة ما شجر بينهم من نزاع، فإنهم مجتهدون رغم أنوف المعترضين، للمصيب منهم أجران وللمخطئ منهم أجر، وينبغي أن يحدد مفهوم العدالة التي عمم الحكم بها المحدثون على الصحابة حتى تدحض حجة منتقصهم، ويلقم الحجر كل من تطلع إلى النيل منهم، فما أكثر من تهجم على المحدثين واتخذ من تعميمهم الحكم بعدالة الصحابة تكأة لتهجمه، فراح
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
يستشهد بما روي في بعض الكتب من تفسيق لآحاد الصحابة، ثم راح يستشهد بما جرى في الصدر الأول من افتتان وابتداع يصك الأسماع ويهيج الألم والأوجاع، ولو درى ذلك المتهجم ما قصده المحدثون من العدالة لألفيته بفضلهم معترفا ومن علمهم مغترفا.
قال الأستاذ الدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف رحمه الله تعالى في تحديد ما تطلق عليه العدالة والمراد بها عند المحدثين ما نصه: تطلق العدالة بإطلاقات:
1- بالمعنى المقابل للجور والظلم فيقال للسلطان: "إنه عادل" وتفسر بالإنصاف في المعاملات وإيصال الحقوق إلى مستحقيها.
2- بالمعنى المقابل للفسق والعصيان وتفسر بما تفسر به التقوى.
3- بمعنى العصمة وتفسر: بالملكة الحاملة على اجتناب الفجور والعصيان وهي التي اتصف بها الأنبياء والملائكة.
4- بمعنى الحفظ عن الذنب والخطأ بلطف من الله من دون حصول ملكة وهي ما وصفوا بها الأولياء، وأثبتها بعض العلماء للصحابة، وأجاب عما نسب إليهم، وأنه لم يصح وبعض علماء السنة يريد بالحفظ في شأن أهل البيت العصمة كما يريدها الشيعة في أئمتهم.
5- بمعنى الحفظ عن الخطأ في الاجتهاد فقط كما ذكره بعض العلماء في شأن المهدي المنتظر.
6- بمعنى التجنب عن تعمد الكذب في الرواية والانحراف فيها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
بارتكاب ما يوجب عدم قبولها فلا يقع من الصحابة ذنب، أو يقع ولا يؤثر في قبول مروياتهم.
قال ابن الأنباري: المراد من عدالة الصحابة: قبول روايتهم من غير تكلف البحث عن أسباب العدالة وطلب التزكية، إلا أن يثبت ارتكاب قادح ولم يثبت ذلك. وقال شاه ولي الله الدهلوي: وبالتتبع وجدنا أن جميع الصحابة يعتقدون أن الكذب على رسول الله أشد الذنوب ويحترزون منه غاية الاحتراز.
وقال الآلوسي: في الأجوبة العراقية على الأسئلة الإيرانية: إنه ما مات من ابتلي منهم بفسق إلا تائبا عدلا ببركة نور الصحبة. والآلوسي يفسر بذلك معنى العدالة المرادة للمحدثين، ثم قال: لا يقال: إذا كانت العدالة التي ادعيتموها للصحابة رضي الله عنهم بذلك المعنى يلزم منه التوقف في قبول رواية من وقع منه مفسق إلى أن يعلم أنها بعد التوبة لأنا نقول بعد الالتزام: بأنه لا بد من أن يتوب ببركة الصحبة التي هي الأكسير الأعظم لا احتمال لكون روايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبا وافتراء عليه عليه الصلاة والسلام؛ لأن صحة توبته يقتضي تلافي ذلك بالإخبار عن أمره، فتأمله، فإنه دقيق، وعليك برعاية حق الصحبة، فهو بالرعاية حقيق. ا. هـ.
وبذلك يتضح أن المراد بالعدالة الثابتة لجميع الصحابة عند المحدثين هي: تجنب تعمد الكذب في الرواية والانحراف فيها بارتكاب ما يوجب عدم قبولها، فإن الذنب على فرض وقوعه لا يمنع من قبولها فهم عدول على العموم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
ويرى ابن الوزير والأمير الصنعاني: أن هذا العموم يستثنى منه ما قام الدليل على أنه فاسق بصريح، وأن هذا الاستثناء مراد من عمم، إلا أنه لم يذكره لندرته، وهذا لا ينافي التزام الأدب مع الصحابة، وعدم ذكرهم بسوء، والإمساك عما وقع منهم، وعلى ذلك مجمل القول من أطلق من العلماء ممن ذكرهم الخطيب في الكفاية، والحافظ في الإصابة، وهو مردود بما حررنا به معنى العدالة، وبما ذكره العلامة الآلوسي، وقبولهم أولى بالاعتبار من قبول رواية المبتدع، الذي يحرم الكذب، ويظن صدقه من غير الصحابة، وحتى من يرى أن العدالة لا تتحقق إلا باجتناب جميع المنهيات، فإنه يريد الكاملة ولا يمنع من القول بأنها تتجزأ1.
"وقد أطال الصنعاني في عرض مسألة عدالة الصحابة واستشهد على استثناء من شذ منهم بأخبار كثيرة في الوليد بن عقبة، وبسر بن أبي أرطاة، ثم قال نقلا عن ابن الوزير2، وتعقيبا عليه"، وقد ذكر شراح الحديث من أهل السنة في تأويل هذا الحديث3.--------------------------------------------
1 هامش تدريب الراوي ج2 ص214-216.
2 هو محمد بن إبراهيم بن الوزير، المولود سنة خمس وسبعين وسبعمائة من الهجرة، المتوفى سنة أربعين وثمانمائة، وهو إمام حافظ، ومن أشهر مصنفاته: "العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم"، وقد اختصره في "الروض الباسم"، وكتاب "ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان"، وكتاب "التحفة الصفية في شرح الأبيات الصوفية"، وله الكثير من المصنفات النافعة انظر ترجمته مطولة في البدر الطالع ج2 من ص81-93.
3 يشير إلى حديث رواه ابن عبد البر في الاستيعاب، وفيه: وليذادن عني أقوام أعرفهم، ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم، وروي قريبا منه مسلم في الغرة والتحجيل من أثر الوضوء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
أن جماعة ممن تطلق عليهم الصحبة ارتدوا عن الإسلام، والردة أكبر المعاصي، ومن جازت عليهم الردة جازت عليه سائر الكبائر، وإنما ذكرت هذا؛ لأن بعض المتعصبين على أهل الحديث زعموا أنهم يقولون بعصمة الصحابة كلهم، ويعدون كبائرهم صغائر"، هذا إشارة إلى ما قاله شيخه السيد علي بن محمد بن أبي القاسم، فإنه قال في رسالته التي رد عليها المصنف بالعواصم ما لفظه:
إن المحدثين يذهبون إلى أن الصحابة لا تجوز عليهم الكبائر، وأنهم إذا فعلوا المعصية الكبيرة عدوها صغيرة.
وقد أطال المصنف في الرد على ما قاله في الجزء الأول من العواصم: وليس كذلك، ولكن القوم لا يولعون بالسب لأحد من الصحابة، وإن صح فسقه ولا يلهجون بذكر ذلك تعظيما لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وامتثالا لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا" ، ثم قال: وهم -أي أئمة الحديث- يعرفون فسق الفاسق، وجرحه، والنهي عن قبوله، وهم يسوون في ذلك أي في الجرح بين المنحرفين عن علي عليه السلام وعن عمر وعن أبي بكر رضي الله عنهم، فليس لهم عصبية تحملهم على خلاف هذا، فإنهم كما يقدحون بالغلو في الرفض يقدحون بالنصب؛ والرفض: محبة عليّ وتقديمه على الصحابة وسب الشيخين، والنصب: بغض عليّ عليه السلام وتقديم غيره عليه، فالمنحرف عن علي عليه السلام هو الناصبي، والمنحرف عن الشيخين هو الغالي في الرفض، وقد سووا في الجرح بكل واحدة من الصفتين"1.--------------------------------------------
1 انظر توضيح الأفكار ج2 ص435-444، وانظر ما ذكره ابن الوزير في "الروض الباسم" ص117-121.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
وفي ذلك كله ما يقطع بإنصاف المحدثين وعدم تعصبهم.
وعين الإنصاف منهم أنهم يحكمون بعدالة الصحابة، ولا يولعون بتتبع ما بدر من بعضهم، وليس تقصي حال النادر الشاذ من غرضهم، بل هم لا يبالغون في الفحص عن عدالتهم؛ لأنهم حملة الشريعة، فلو ثبت توقف في روايتهم أو تشكك فيها لكان معنى هذا قصور التبليغ، وانحصاره في عهد الوحي، ولما أمكن شيوعه وذيوعه في كل عصر، وفي كل مصر، وعلى مدى الدهر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ونختم القول في عدالة الصحابة بما رواه الخطيب بسنده عن أبي زرعة الرازي: وإذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا؛ ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم إلى وهم زنادقة1.--------------------------------------------
1 الكفاية في علم الرواية ص49.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
المكثرون من الرواية والتعريف بهم:
عرف بالإكثار من الرواية منهم أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأنس، وعائشة، وابن عمرو.
وها نحن ذا نسعد وننعم بذكر طرف من سيرهم وقبس من أنوارهم، فأولهم وأكثرهم حديثا وأحرصهم على تلقي العلم منه صلى الله عليه وسلم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
رواية الإسلام: أبو هريرة
…
راوية الإسلام أبو هريرة:
اسمه ونسبه وإسلامه وفضله:
هو عبد الرحمن بن صخر من بني ثعلبة، وهو دوسي من أزد شنوءة وقد اختلف في اسمه واسم أبيه بحيث لا سبيل إلا ضبط الخلاف في اسمهما في الجاهلية والإسلام1.
والأصح أن اسمه: عبد الرحمن أو عبد الله، وأن اسمه في الجاهلية كان عبد شمس.
وقد عرف الإسلام طريقه إلى قبيلة دوس بواسطة الطفيل بن عمرو الذي قدم مكة قبل الهجرة، فصدته قريش عن الصراط، وقعدت له كل مرصد تبغي الحيلولة بينه وبين الهادي البشير صلى الله عليه وسلم، فكان أن استمع إليه، وهو يقرأ القرآن في صلاته في المسجد الحرام فانشرح صدره للإسلام، ثم طلب الدعاء له بالعون على هداية قومه وجعل النور بين عينيه له آية فخشي أن يظنوها مثله فتحول النور إلى سوطه فأسلم على يديه الكثيرون، ويبدو أن أبا هريرة كان واحدًا منهم.
وأكثر الذين ترجموا له مجمعون على أنه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم مهاجرًا أثناء فتح خيبر سنة سبع مع نفر من قومه، وعندي أن هذه--------------------------------------------
1 الإصابة ج4، ص202-211، والاستيعاب بهامش الإصابة ج4، ص202، 210، طبقات ابن سعد ج4 قسم 2 من ص52-64، البداية والنهاية ج8 من ص111-124، تذكرة الحفاظ ج1 من ص32-42.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
المرة هي التي تحققت بعدها الملازمة التامة والمصاحبة الدائمة، ولا يتنافى هذا مع كونه قدم قبل ذلك، فقد روى الهيثمي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنهم كانوا يحملون اللَّبِنَ إلى المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم، قال: فاستقبلت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو عارض لبنة على بطنه، فظننت أنها شقت عليه، فقلت ناولنيها يا رسول الله قال: "خذ غيرها يا أبا هريرة، فإنه لا عيش إلا عيش الآخرة" 1.
ترى أي مسجد ذاك الذي كانوا يحملون اللَّبِنَ له؟ إن كان المسجد النبوي فالمتعين أن أبا هريرة قدم إلى المدينة قبل سنة سبع.
وما المانع أن يكون قد حاكى أبا ذر الغفاري في إسلامه قديما، ثم لحوقه بأهله داعيا إلى دينه، ثم عاد فقدم عليه مرة أخرى.
ما دام خبر الهيثمي صحيحا، وليس بمستبعد أن يكون اللَّبِنَ لمسجد آخر من مساجد المدينة التسعة.
المهم أنه لزم النبي صلى الله عليه وسلم، وانتفع بملازمته وتعدته المنفعة إلى أمه التي أسلمت ببركة دعاء النبي صلى الله عليه سلم، وهكذا هاجر أبو هريرة مسكينا، مما جعله علم أهل الصفة يشتد به الجوع، ويصرع من ألم المسغبة حتى يظن الناس به الظنون، ويرمونه بالجنون، ويسأل الصحابة الواحد تلو الآخر عن الآية، وما به حاجة للسؤال عنها إلا ابتغاء استضافته وإطعامه.--------------------------------------------
1 مجمع الزوائد ج2 ص9.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
وكان لا يطفئ حر سبغه إلا خليله أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، وهو في ذلك كله متفرغ للحديث، متلهف إليه، حريص عليه، يسأل عن أحق الناس بحسن الشفاعة، فيقطع له بالعلم بأنه لن يسأل عن هذا غيره.
ويشغل المهاجرون بالصفق في الأسواق، ويعنى الأنصار بالحصاد والفواق، ويتفرغ أبو هريرة للحديث، ويلازم على شبع بطنه أو الكسرة والكسرتين، يحضر إذا غاب غيره، ويحفظ إذا نسي غيره، ويشكو سوء الحفظ، فيبسط الرداء، ويحظى بالدعاء من أمير الأنبياء صلى الله عليه وسلم، ولا يطوي ردائه حتى تنقضي مقالته فلا ينسى شيئا أبدًا.
لا عجب إذا أن يقول عنه الشافعي: "أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره. أسنده البيهقي في المدخل، وكان ابن عمر يترحم عليه في جنازته ويقول: كان يحفظ على المسلمين حديث النبي صلى الله عليه وسلم"1.--------------------------------------------
1 تدريب الراوي ج2، ص217.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
عدد مروياته وما أثير حوله من شبه:
روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة آلاف وثلاثمائة وأربع وسبعين حديثا، اتفق الشيخان منها على ثلاثمائة وخمسة وعشرين، وانفرد البخاري بثلاثة وتسعين، ومسلم بمائة وتسعة وثمانين؛ وروى عن أبي هريرة أكثر من ثمانمائة رجل، وهو أحفظ الصحابة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
وقد جرت كثرة مروياته عليه متاعب كثيرة، وأوغرت صدور بعض الحاقدين الذين يغيظهم أن تبلغ أحكام هذا الدين، ويتمنون أن لو أوتوا القدرة على هدم صرحه المتين، ولما تنكبوا السبيل إلى ذلك راحوا يتطاولون على العدول الناقلين، وأنى لهم النيل منهم ما كان حال الواحد منهم.
إلا كناطح صخرة يوما ليوهنها … فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
ولقد كان الصحابي الجليل "أبو هريرة" هدفا لكثير من محاولات الطعن والتشكيك قديما وحديثا، ولقد تجردت أقلام الحق للذب عنه، وممن حمل لواء الحق في هذه القضية: الأستاذ الدكتور/ محمد محمد أبو شهبة في كتابه "دفاع عن السنة"، والأستاذ الدكتور/ محمد محمد السماحي في كتابه "أبو هريرة في الميزان"، والأستاذ الدكتور/ مصطفى السباعي "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي"، والأستاذ الدكتور/ محمد عجاج الخطيب في كتابه "السنة قبل التدوين"، ثم أفرد كتابا خاصا لراوية الإسلام أفاض في الترجمة له، وفي تقرير الشبه التي أثيرت حوله، وكان فارس الحلبة الغوار في دحض تلك المفتريات إبطال تلك الشبهات.
وقد جاء كتاب "أبو هريرة راوية الإسلام" في طبعته الثالثة في مائتين واثنتين وستين صحيفة من القطع الكبير.
قال بعد أن أطال في عرض سيرته: ذلكم أبو هريرة الذي عرفناه قبل إسلامه وبعد إسلامه، عرفناه في هجرته وصحبته للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
فكان الصاحب الأمين والطالب المجد، يدور مع الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام في حله وترحاله، ويشاركه أفراحه وأحزانه، وعرفنا التزامه للسنة المطهرة، وتقواه وورعه في شبابه وهرمه، في غناه وفقره.
وقرأنا كثيرًا عن تواضعه وكرمه، ورأينا مواقفه المشرفة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واعتزاله الفتن وحبه للجماعة وسعيه للخير، وكشفنا عن روحه الطيبة المرحة، ونفسه الصافية، وأخلاقه الكريمة، وزهده في الدنيا، وتفانيه في سبيل الحق، وعرفنا مكانته العلمية، وكثرة حديثه، وقوة حافظته، ورأينا منزلته بين أصحابه، وثناء العلماء عليه، ذلكم أبو هريرة الذي صوره لنا التاريخ من خلال البحث الدقيق، إلا أن بعض الباحثين لم يسرهم أن يروا أبا هريرة في هذه المكانة السامية والمنزلة الرفيعة، فدفعتهم ميولهم وأهواؤهم إلى أن يصوروه صورة تخالف الحقيقة التي عرفناها، فرأوا في صحبته للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام غايات خاصة لأبي هريرة ليشبع بطنه، ويروي نهمه، وصوروا أمانته خيانة، وكرمه رياء، وحفظه تدجيلا.
وحديثه الطيب الكثير كذبا على رسول الله عليه الصلاة والسلام وبهتانا، ورأوا في فقره مطعنا وعارًا، وفي تواضعه ذله، وفي مرحه هذرًا، وصوروا أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر لونا من المؤمرات لخداع العامة، ورأوا في اعتزاله الفتن تحزبا، وفي قوله الحق انحيازًا، فهو ضيعة الأمويين الذين طووه تحت جناحهم، فكان أداتهم الداعية لمآربهم السياسية، فكان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
لذلك من الكاذبين الواضعين للأحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم افتراء وزورًا.
هكذا أراد أن يصوره بعض أهل الأهواء؛ كالنظام والمريسي والبلخي، وتابعهم في هذا العصر بعض المستشرقين أمثال: "جولد تسيهر" و"شبرنجر".
وأغرب من هذا أن يطعن فيه وفي السنة بعض من ينسب إلى العلم، فقد عثرت أثناء بحثي على كتاب تحت عنوان "أبو هريرة" ألفه عبد الحسين شرف الدين العاملي وهو إمامي والإمامية يتخذون أبا هريرة هدفا لكي يوهنوا أحاديث أهل السنة، ويرفضوها ويروجوا أخبارهم. وقد لف لفهم من كان لهم تابعًا مجربا على تبعيته.
ولم أكد أتصفحه حتى دهشت لما جاء فيه من الافتراءات والطعون والتأويلات التي لا تتمشى مع البحث العلمي، ولا توافق التاريخ.
وقد استقى من هذا الكتاب أيضا محمود أبو رية صاحب كتاب "أضواء على السنة المحمدية" فكان أشد على أبي هريرة من أستاذه، وأكثر مجانبة للصواب، فرأيت من واجبي أن أرد تلك الشبهات التي أثارها بعض أهل الأهواء والمستشرقين وبعض الباحثين. كما حدث للأستاذ الباحث أحمد أمين. ورأيت أن أرد على بعض ما جاء في كتاب "أبو هريرة" وأتناول خلال ذلك بعض النقاط التي اشترك فيها هؤلاء جميعا"1.--------------------------------------------
1 أبو هريرة راوية الإسلام ص159-160.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
ونحن نلخص لك أهم تلك الشبهة، وأقوى وجوه دفعها فنقول: عاب عبدُ الحسين الصحابيَّ الجليل بكثرة مروياته وإفراطه في التحديد، وعاب أصحاب الصحاح لإفراطهم في تخريج رواياته. والعيب مردود على من عاب به فما كانت كثرة الروايات قط عيبا، وما كان تحري أصحاب الصحيح لما صح عندهم وذكرهم إياه وسيلة لاتهامهم، ثم إن القادح يعيب الصحابي الجليل بكثرة الاختلاف في اسمه واسم أبيه، ولا عيب في هذا ما دام قد اشتهر بكنيته، وعرف بها وغلبت عليه، وشأن أبي هريرة في ذلك هو شأن الصديق الذي غلبت كنيته اسمه، وشأن أمين هذه الأمة أبي عبيدة، وشأن فارس رسول الله أبي دجانة.
ثم ويتوارد الغمز بالهرة التي كني بها، ويدعي الأفاك أنه من أجل ذلك روى الحديث: "دخلت امرأة النار في هرة حبستها … إلخ " ، فلشدة ولعه بالهرة وكثرة عبثه بها روى ذلك.
والحديث مخرج في أصح الصحيح عند أحمد والبخاري ومسلم، ووافق أبا هريرة على رواياته عند البخاري ابنُ عمر وأسماء، فانقطع باب القدح، ثم ويتهم أبو هريرة بأنه كان حافيًا عاريًا، ويلمز بالفقر، ولم ندر أن الفقر والغنى ميزان للتفاضل في المنطق الصحيح، وما درينا أن أهل تلك الأعصار كانوا ينتعلون.
ثم والطعن في الرجل بأنه ظل ثلاثين سنة جاهلا لا يعرف عن الإسلام شيئا طعن ساقط؛ لأنه لا يلام على ذلك ما دام قد استضاء بنور الحق، وانشرح
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
صدره للإسلام الذي يجب ما قبله، وهكذا كان حال سائر الأعلام. فمن الذي ولد آن إذ مسلما موحدا؟ ومن قال: إن أهل تلك الحقبة كانوا علماء أفذاذ؟ المعلوم أن أكثرهم كانوا جاهلين أميين، فتحضروا بالإسلام، وصاروا به هداة وأئمة للأنام.
ومسألة صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم ثلاث سنوات فقط، وإن نقلت عنه هو غير دقيقة؛ لأنه لم يقصد انحصار صحبته في هذه المدة، وما درى أن الزمان يدخر له لئام الناس الذين ينتقصون منه، ويبالغون في الطعن فيه، والمحرر المدقق أن إسلامه سبق هجرته بكثير، وأنه كان يتحرى أخبار المسلمين.
ومن هنا أشار بمنع القسم وإعطاء سهم لإبان بن سعيد؛ لكونه قتل النعمان بن قوقل في أحد، والمعلوم أن فتح خيبر كان في المحرم من سنة سبع، وكان انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى في ربيع الأول سنة إحدى عشرة، وبذلك تزيد مدة ملازمة أبي هريرة وانقطاعه للحديث عن أربعة أعوام، ولا سبيل إلى الغمز فيه بأنه كان من أهل الصفة، فذلك شرف له وأي شرف فهم ضيوف الإسلام ومادة بثه وإشاعته.
ويعود عبد الحسين إلى الطعن بالفقر والجوع وتصوير أبي هريرة بالبائس المسكين الذي عانى لا شظف العيش، بل انعدامه، ويتناسى ما لهذا من تأثير على صفاء الذهن، فمن قديم تردد "إذا وجدت البطنة نامت الفطنة"، وإذا عد هذا عيبا في راوية الإسلام فسينسحب على أكثر ذلك الزمان، فلم يكونوا مترعين بالترف، وإنما عرفوا القسوة والمعاناة والشظف زهدا وإعراضا عن الدنيا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
ويذكر ابن كثير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي هريرة: "ألا تسألني شيئا من هذه الغنائم" ، فأجاب بما يفيد أنه لا يريد إلا علما ينفعه الله به.
ويتهم أبو هريرة بأنه سرق عشرة آلاف حين كان واليا على البحرين من قبل عمر، وأن الفاروق استردها منه بعد عزله، بينما الحق أنه لما سئل عن نماء ماله أفاد بأنه ربح تجارته، ونتاج ماشيته وخراج أعبده.
وقد عرف أن عمر شاطر عماله على الأمصار أموالهم. فهل يعني هذا اتهاما لهم بالسرقة؟ إنه باب شر يفتح بهذه الادعاءات، وماذا نقول فيمن يكيلون الاتهامات، ويبتغون للبرآء العنت فيرون قرب أبي هريرة من عثمان ابتداء مشايعته لبني أمية، ويعيبونه باعتزال الفتنة عندما حمي الوطيس مع نطق الحق بأن القاعد فيها خير من الماشي والماشي خير من الساعي، وأن من تعرض لتلك الفتن واستشرف لها تستشرفه، ويبالغ عبد الحسين في اختلاف تشيع أبي هريرة للأمويين، ويتهمه بوضع الأحاديث.
ومواقف الصحابة منه ترد ذلك وتأباه؛ وننتقل إلى موقف أبي رية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)