Arabic source text

📘 আদ-দাওউল লামিউল মুবীন আন মানাহিযিল মুহাদ্দিসীন (আহমদ মুহাররাম আল-শাইখ নাজি)

📘 الضوء اللامع المبين عن مناهج المحدثين (أحمد محرم الشيخ ناجي)

📘 আদ-দাওউল লামিউল মুবীন আন মানাহিযিল মুহাদ্দিসীন (আহমদ মুহাররাম আল-শাইখ নাজি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
ولم يعرف ولن يعرف أناس أشد ارتباطا بمبادئهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بينما كان المصاب الجلل فيه يملك عليهم أحاسيسهم، ويكاد يفقدهم صوابهم، والعواطف المتأججة بالحزن تملأ قلوبهم، وهو صلى الله عليه وسلم مسجى بغطاء الموت، وما أطيبه حيا وميتا، بينما الحال كذلك إذ بهم يجتمعون في ثقيفة بني ساعدة؛ ليدبروا أمر استمرار المسيرة الرائدة، وتجتمع الكلمة على أبي بكر من منطق أنه الصديق خير رفيق، فهو ثاني اثنين، وهو المأمور بتقديمه للإمامة، ويتولاها أبو بكر قويا على أعبائها أمينا على مسئولياتها، فهو المتبع المقتدى.
فإذا ارتد أكثر العرب، واشرأب النفاق في المدينة أَبَى أبو بكر إلا أن ينفذ بعث أسامة من منطق أنه أمر أمضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يكون له أن ينقض ما أمضى، وإذا عرض عليه المرتدون إسلاما بصلاة من غير زكاة، ولم تطب نفوسهم بأداء حق الله أبى إلا مقاتلتهم، فإذا عورض بأنهم موحدون قالوا: لا إله إلا الله، وبقولها تعصم دماؤهم وأموالهم إلا بحقها.
أقسم بارا غير حانث ليقاتلن من فرق بين الزكاة والصلاة، واعتبر الزكاة حق المال، ولو منعوه عناقا أو عقالا كانوا يؤدونه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لقاتلهم عليه.
وينشرح صدر الجميع لما انشرح له صدر أبي بكر، ويمضي الصديق في طريق حسن الاتباع متجنبا الابتداع، فإذا أتته فاطمة الزهراء تسأل

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)

عن نصيبها في أبيها، ما كان له ليجامل في دين الله، أو يداهن، أو يصانع، أو يلاين. وإذا كان منطق أسوته أنها لو سرقت لقطع رسول الله أبوها صلى الله عليه وسلم يدها، فإن أبا بكر يعلمها أن ما من طعمة يطعمها الله نبيه إلا كانت صدقة من بعده، وأن معاشر الأنبياء لا يورثون، وأن ما تركوه صدقة.
وإذا أمر الصديق خالد بن الوليد قائدا للجيوش التي تقاوم المرتدين وتعيدهم إلى حظيرة الدين، ثم قائدا لجيوش الفتح العظيم لبلاد الروم، فمن منطق أنه سيف من سيوف الله سله الله على أعدائه، وأنه نعم أخو العشيرة هو، ومن هنا حق له أن يهدد به، ويتوعد: لينسين به الروم وساوس الشيطان.
ولما عرض الفاروق على الصديق جمع القرآن استصعب أبو بكر هذا الأمر واستثقله من منطق حرصه على الاتباع، فكيف يقدم على عمل لم يعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
ومضى الحال على ذلك في أمورهم، وفي جميع ما عرض لهم من قضايا سواء اتصلت اتصالا مباشرًا بالأحكام الشرعية؛ كقضية فاطمة بنت قيس وميراث الجدة، أو كان اتصالها بالأحكام غير مباشر.
وانظر إلى الحال نفسه مع الفاروق عمر، وهو من هو شدة في الحق وصلابة في التمسك به، وقوة عريكة في مجابهة مخالفيه، كان أقوى المعارضين للصديق في حرب المرتدين، مما حمل أبا بكر على أن يقول له: أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام، وما كان ذلك من عمر خورًا ولا ضعفا، وإنما

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)

كان حرصًا على الاتباع، ولما طعن بيد الغدر، وهو يصلي الفجر، قيل له: ألا تستخلف؟ فقال بلسان الاقتداء ردًّا على من طلب منه الإيصاء بالأمر إلى من يراه أهلا لتحمل الأمانة، قال الفاروق: إن أترك فقد ترك من هو خير مني يقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث انتقل إلى الرفيق الأعلى من غير تحديد للخليفة بعده، وإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، يقصد أبا بكر الذي عهد بالخلافة إليه.
ويمضي الحيي الكريم ذو النورين على سنن الخليفتين قبله، يأكل كما كان يأكل النبي صلى الله عليه وسلم، ويطعم مثل ما كان يطعم، ويتوضأ مثل وضوئه، ثم يقول: توضأت وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وأكلت طعامه، وقعدت مقعده، ويحرص على إظهار السنة، فإذا قدر الله للفتنة أن تطل برأسها، فمكن دعاتها من إثارة نارها وتأجيج أوارها، وراح عبد الله بن سبأ عدو الله اليهودي الخبيث الذي تظاهر بمتابعة هذا الدين، وانطوى قلبه على حقد دفين، يهيج مشاعر الناس ضد الخليفة، ويمكن موجات الغضب من رؤوس الغوغاء، فيتكاثرون على المدينة، ويقتلون الخليفة عثمان وهو يقرأ القرآن الذي كان له معه موقف يحمد بكل لسان، وإذا حدث ذلك كله فالناس بعد ما زالوا بخير، وما زال فيهم القائمون على الحق، المنصورون على من خالفهم.
فإذا خرج الزبير وطلحة مع عائشة مطالبين بدم عثمان، ولقي جيشهم جيش علي رضي الله عنه كانت السنة تتوقد في قلوب القاطبة، فأصحاب الجمل يرون أنهم يؤازرون الحق ويتكلمون به، ولا يسكتون عنه حتى لا يكونوا شياطين بكما، وأمير المؤمنين علي يرى التريث في الأمر، ولأن يخطئ الأمير

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)

في العفو خير وأحب إلى الله من أن يخطئ في إقامة الحد، وإذا ذكر الزبير الحواري بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "تقاتل عليا وأنت له ظالم" ، إذا ذكر بذلك رجع لتوه.
وإذا احتدم النزاع بين علي ومعاوية، تحكمت السنة أيضا في الأعم الأغلب وذكر بعضهم بعضا بها.
وأمثلة حسن اتباع الصحابة للسنة وتقفيهم أثرها في شأنهم كله ما جل منه وما قل كثيرة، وهاك مثلا يستدل به على ما كان منهم من حسن متابعة وإصرار على الطاعة. روى ابن ماجه "أن عبادة بن الصامت الأنصاري، النقيب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا مع معاوية أرض الروم، فنظر إلى الناس وهم يتبايعون كسر الذهب بالدنانير، وكسر الفضة بالدراهم.
فقال: يا أيها الناس إنكم تأكلون الربا! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تبتاعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، لا زيادة بينهما ولا نظرة" ، فقال له معاوية: يا أبا الوليد، لا أرى الربا في هذا إلا ما كان من نظرة، فقال عبادة: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحدثني عن رأيك؟ لئن أخرجني الله لا أساكنك بأرض لك عليّ فيها إمرة، فلما قفل لحق بالمدينة، فقال له عمر بن الخطاب: ما أقدمك يا أبا الوليد؟ فقص عليه القصة، وما قال من مساكنته، فقال: ارجع يا أبا الوليد إلى أرضك، فقبح الله أرضا لست فيها وأمثالك، وكتب إلى معاوية: لا إمرة لك عليه. واحمل الناس على ما قال، فإنه هو الآمر"1.--------------------------------------------
1 سنن ابن ماجه ج1 ص8-9.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)

‌‌احتياط الصحابة وتثبتهم من الراوي والمروي:
حين كان الصحابة يتلقون الحديث مباشرة أو بواسطة، زمن حياته صلى الله عليه وسلم كانوا في مأمن من أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يدس في سنته فلا مكان لخديعة منافق أو تدليس غاش، إذ إن الوحي ينزل فيكشف زيف المبطلين ويظهر خبأهم: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ} 1.
وإذا عرض خلاف في مسألة ما، أو لاحت ريبة، فالملاذ موجود لا عليهم إلا أن يرجعوا إليه ليحسم أي خلاف ولتزول أية شبهة، بل ويندفع الخاطر أو الهاجس، فلما انتقل صلوات الله وسلامه عليه إلى الرفيق الأعلى، لم يكن هناك حارس للسنة، ولا وعاء لها إلا صدور الصحابة، ومن هنا نظروا إليها على أنها كنوز ثمينة في صدور الذين أوتوا العلم، فلم يشاءوا أن يعرضوها في سوق الرواية لئلا يتخذ المنافقون من شيوع الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذريعة للتزيد فيها، وسلما لتزييف الحديث عن رسول الله، ولئلا تزل بالمكثرين أقدامهم، فيسقطوا في هوة الخطأ، والنسيان ليكذبوا على رسول الله من حيث لا يشعرون.
ومن هنا احتاطوا في الرواية، وتقللوا منها ليس إقلالا لشأنها، وإنما--------------------------------------------
1 سورة التوبة: 64.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)

تعظيما وتكريما للسنة، قال ابن قتيبة: "كان عمر شديدا على من أكثر الرواية، أو أتى بخبر في الحكم لا شاهد له عليه، وكان يأمرهم بأن يقلوا الرواية، يريد بذلك أن لا يتسع الناس فيها، ويدخلها الشوب، ويقع التدليس والكذب من المنافق والفاجر والأعرابي.
وكان كثير من جلة الصحابة وأهل الخاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كأبي بكر، والزبير، وأبي عبيدة، والعباس بن عبد المطلب، يقلون الرواية عنه؛ بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئا كسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وقال علي رضي الله عنه: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا، نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه محدث استحلفته، فإن حلف لي صدقته، وإن أبا بكر حدثني، وصدق أبو بكر"1.
والتزم الصحابة منهاج عمر رضي الله عنه، وأتقنوا أداء الحديث، وضبطوا حروفه ومعناه، وكانوا يخشون كثيرا أن يقعوا في الخطأ لذلك نرى بعضهم -مع كثرة تحملهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يكثر من الرواية في ذلك العهد، حتى إن منهم من كان لا يحدث حديثا في السنة، ونرى من تأخذه الرعدة يقشعر جلده، ويتغير لونه ورعا واحتراما لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشاهد هذا ما رواه ابن ماجه بسنده عن "عمر بن ميمون قال: ما أخطأني ابن مسعود عشية خميس إلا أتيته فيه،--------------------------------------------
1 تأويل مختلف الحديث، 39.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)

قال: فما سمعته يقول بشيء قط: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان ذات عشية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فنكس. قال: فنظرت إليه، فهو قائم محللة أزرار قميصه، قد اغرورقت عيناه، وانتفخت أوداجه، قال: أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريبا من ذلك، أو شبيها بذلك"1.
ويصرح أنس بسبب إقلاله الرواية فيقول: "لولا أني أخشى أن أخطئ لحدثتكم بأشياء سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم"2.
ولشدة دقة أنس وحيطته في الرواية كان يقول عند فراغه منها: "أو كما قال".
هكذا احتاط الصحابة رضوان الله عليهم في الرواية، وحاذروا الكذب عليه، ووضعوا نصب أعينهم شدة تحذيره منه، كانوا يعلمون أن كذبا عليه ليس ككذب على أحد، وأن من كذب عليه متعمدا يلج النار، بل إن منهم من روى ذلك من غير قيد: "متعمدا".
ولقد اعتبر صلى الله عليه وسلم أن تحديث المرء بكل ما سمع كذب، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع" 3.--------------------------------------------
1 سنن ابن ماجه، ج1، ص10-11. وقال البوصيري عن إسناد هذا الحديث الذي انفرد به ابن ماجه: "هذا إسناد صحيح، واحتج الشيخان بجميع رواته". مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه ج1، ص48، ورواه الدارمي ج1، ص83.
2 سنن الدارمي ج1، ص76-77.
3 صحيح مسلم بشرح النووي ج1، ص73.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)

وعن عمر رضي الله عنه قال: "بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع"1.
ومضى يقينهم إلى أبعد من ذلك، إلى حد أن من حدث عنه بحديث يرى أنه كذب، فهو أحد الكذابين، والأخبار في تغليظ حرمة الكذب عليه تبلغ حد التواتر، ولو لم يكن الكذب حرامًا ما كذب هؤلاء الذين صدقوا الله ما عاهدوه عليه.
من هنا نستطيع أن نقول: إن أهم أسباب إقلال الرواية هو خوفهم من الوقوع في الكذب، وإشفاقهم على أنفسهم من أن يخطئوا في النقل، وتستطيع أن تضم إلى ذلك رغبتهم في أن يقتنع المنقول إليه الخبر فيما أخبر به، فلا بد أن يكون المنقول مما تقبله العقول حتى لا يكون فتنة ومحنة، قال ابن مسعود: "ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة"2.
وفي نفس المعنى يقول علي رضي الله عنه: "حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله"3.
سار الصحابة على الهدي النبوي في هذا الصدد فامتنعوا عن التحديث بما لا تدركه عامة الناس خشية أن يفتنوا فيتركوا بعض الفرائض الدينية.--------------------------------------------
1 المرجع السابق ج1 ص74-75.
2 المرجع السابق ج1 ص76.
3 فتح الباري ج1 ص235-236.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)

تثبت الصحابة رضوان الله عليهم:
عني الصحابة عناية فائقة بالأخبار، وبذلوا غاية الوسع في التثبت منها امتثالا لأمر الله تعالى ووقوفا عند هدى نبيه، فقد قرءوا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} 1.
ولا يعد تثبتهم من الأخبار واستيثاقهم طعنا منهم في راوي الخبر، وإنما هو حرص على سلامة النقل، واحتياط للأمر، وتقوية له، فأخذوا الحديث بحيطة بالغة وحذر شديد، فما اطمأنت قلوبهم إليه بحيث لم يشكوا في حفظ راويه أو ضبطه قبلوه وعملوا به من غير أن يطلبوا عليه شاهدًا أو برهانا، وما تطرق إليه الشك استوثقوا منه وطلبوا وجه اليقين فيه.
وقد ساق الإمام الذهبي شواهد ذلك عند ترجمته لكثير من الصحابة، قال في ترجمة أبي بكر: "وكان أول من احتاط في قبول الأخبار، فروى ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءة إلى أبي بكر تلتمس أن تورث، فقال: ما أجد لك في كتاب الله شيئا، ما علمت أن رسول لله صلى الله عليه وسلم ذكر لك شيئا، ثم سأل الناس، فقام المغيرة فقال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيها السدس فقال له: هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك، فأنفذه لها أبو بكر رضي الله عنه"2.--------------------------------------------
1 سورة الحجرات: 6.
2 تذكرة الحفاظ ج1 ص2، وحجة الله البالغة ج1 ص141.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)

وقال في ترجمة عمر: "وهو الذي سن للمحدثين التثبت في النقل، وربما كان يتوقف في خبر الواحد إذا ارتاب، فروى الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن أبا موسى سلم على عمر من وراء الباب ثلاث مرات، فلم يؤذن له، فرجع، فأرسل عمر في أثره، فقال: لم رجعت؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سلم أحدكم ثلاث، فلم يجب، فليرجع" ، قال: لتأتيني على ذلك ببينة أو لأفعلن بك، فجاء أبو موسى منتقعا لونه ونحن جلوس، فقلنا: ما شأنك؟ فأخبرنا، وقال: فهل سمع أحد منكم؟ فقلنا: نعم، كلنا سمعه، فأرسلوا معه رجلا منهم حتى أتى عمر، فأخبره؛ أحب عمر أن يتأكد عنده خبر أبي موسى بقول صاحب آخر، ففي هذا دليل على أن الخبر إذا رواه ثقتان كان أقوى وأرجح مما انفرد به واحد، وفي ذلك حض على تكثير طرق الحديث لكي يرتقي عن درجة الظن إلى درجة العلم، إذ الواحد يجوز عليه النسيان والوهم، ولا يكاد يجوز ذلك على ثقتين لم يخالفهما أحد، وقد كان عمر من وجله أن يخطئ الصاحب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمرهم أن يقلوا الرواية عن نبيهم، ولئلا يتشاغل الناس بالأحاديث عن حفظ القرآن"1.--------------------------------------------
1 تذكرة الحفاظ ج1 ص6-7.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)

‌‌نقد الصحابة للمتن:
غالبا ما يأخذ الصحابي من النبي مشافهة، وإذا أخذ عنه صلى الله عليه وسلم بواسطة فغالبًا ما يرفع الحديث ولا يذكر الواسطة.
وقد اتفق علماء الحديث على أن الرواية بهذه الكيفية تسمى "مرسل

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)

الصحابي"، واتفقوا على أن "مرسل الصحابي" مقبول، وذلك فرع اتفاقهم على أن الصحابة عدول، فإذا نقد صحابي رواية ما أو ردها، فلا يعقل أن يكون ناقدًا أو رادًّا للرواية على النبي صلى الله عليه وسلم، فكل ما صدر عنه فوق المناقشة وفوق الشك والريب، فهو المعصوم من الخطأ.
تدور المناقشات إذن بين الصحابي والصحابي فيما رواه أحدهما ليس من باب تكذيبه، وإنما من باب توهيمه أو توهيم الواسطة التي أخذ عنها، ومعلوم أن كل ابن آدم خطاء، وأن كل كلام يؤخذ منه ويرد عليه إلا كلام المعصوم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
وإنما يقع الوهم عند الراوي الموثوق به وبعدالته، لواحد من الأسباب الآتية:
1- إن يحدث بما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ولا يدري أنه منسوخ.
2- أن يقع له انقلاب بين شيئين أو لفظين، فيجعل كل واحد منهما مكان الآخر، وهذا هو "المقلوب".
3- أن يقول مع رواية الحديث قولا من عند نفسه، متصلا بنص الحديث، فيظنه السامعون أنه مرفوع، وهذا هو "المدرج".
4- أن يروي الحديث في مورد يجعله يتحمل من المعنى أكثر مما يحتمل.
5- أن لا يضبط لفظ الحديث بحيث يختلف المعنى.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)

6- أن يروي الحديث على غير وجهه لغفلته عن سبب الورود.
7-أن يقع له غلط فيروي واهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يسمعه منه"1.
وقد اشتهر بالنقد من أعلام الصحابة: أم المؤمنين عائشة وعمر وابن مسعود وابن عباس، ولا سبيل إلى استقصاء الأخبار التي انتقدها بعض الصحابة على بعض بالذكر، وإنما نسوق بعض الأمثلة التي يعلم بها مدى دقة الصحابة وتثبتهم في المروي، كما رأينا اسيتثاقهم من الراوي، وبالمثال يتضح الحال ويعلم أن المحدثين ما كانوا ولن يكونوا زوامل أسفار، ونقلة أخبار لا خبرة لهم بها، ولا قدرة لديهم على فهمها، وإنما كانوا الفاهمين الهاضمين لما نقلوه الحافظين الواعين لما سمعه، الملتزمين جانب الأدب فيما قبلوه أو ردوه.
المثال الأول:
روي أن عائشة ردت رواية من يفيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة الإسراء والمعارج، واعتبرت ذلك من أعظم الفرية، واعتمدت في رأيها على قوله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} 2.
وقد فهمت من الإدراك في الآية الرؤية، وفهم العلماء منها الإحاطة3.--------------------------------------------
1 منهج نقد المتن ص106.
2 سورة الأنعام 103.
3 الحديث والمحدثون ص71.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)

المثال الثاني:
صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الميت ليعذب ببكاء الحي أو ببكاء أهله عليه" ، روى ذلك عنه أبو هريرة وعمر وعبد الله بن عمر والمغيرة بن شعبة، لكن عائشة رأت أن هذه الرواية تتعارض مع قوله تعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} 1.
فبرأت الراوين عن الكذب أو نسبتهم إليه فقالت: "إنكم تحدثوننا غير كاذبين ولا مكذبين"، وقالت عن ابن عمر: "يرحم الله أبا عبد الرحمن أو غفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ"، ثم ذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بدار رجل من اليهود قد مات، وأهله يبكون عليه، وأنه قال: "إنهم ليبكون عليه وإنه ليعذب" 2.
المثال الثالث:
رد عمر رضي الله عنه قول فاطمة بنت قيس3 التي جاءته وأخبرته بأن المطلقة ثلاثا لا نفقة لها ولا كسوة، فقال لها عمر: لا ندع كتاب ربنا، ولا سنة نبينا لقول امرأة لا ندري أحفظت أم نسيت4.--------------------------------------------
1 سورة فاطر: 18.
2 منهج نقد المتن ص111-112.
3 هي فاطمة بنت قيس بن خالد، القرشية، الفهرية، أخت الضحاك بن قيس وهي من المهاجرات الأول، طلقها زوجها أبو بكر بن حفص فأمرها النبي أن تعتد عند أم شريك، ثم عند ابن أم مكتوم، فلما انقضت عدتها خطبها معاوية وأبو الجهم، فأشار عليها النبي بأسامة بن زيد. "انظر الإصابة ج4 ص385".
4 حجة الله البالغة ج1 ص142.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)

ثم كان أن استفاض واشتهر قضاء النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا نفقة ولا كسوة للمبتوتة على نحو ما روت فاطمة، فاستقر العمل على ذلك وقال به الفقهاء.
المثال الرابع:
مسألة الوضوء مما مست النار "أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوضوء مما مست النار ثم نسخه، وبقي عدد من الصحابة يرون الأمر الأول لعدم علمهم بالنسخ، ويرون إيجاب الوضوء من ذلك، ومنهم أبو هريرة، وقد انتقد ابن عباس رواية أبي هريرة، ووجد أن العقل لا يؤيدها، ولعل خلافا وقع بين الصحابة في تعيين الناسخ والمنسوخ قبل أن يصرح جابر ببيان ذلك فوجد ابن عباس أن الناسخ هو ما رجحه العقل ولذلك وجه النقد لمتن الرواية الأخرى.
وكان نقده منصبا على أن الطعام الحلال لا يمكن أن يكون سببا مؤثرا في نقض الوضوء فقال: "أتوضأ من طعام أجده في كتاب الله حلالا، لأن النار مسته؟ " أما أبو هريرة فجمع بيده حصى، وقال: "أشهد عدد هذا الحصى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "توضئوا مما مست النار" فقد استبعد ابن عباس أن يكون أكثر الطعام الحلال ناقضا للوضوء؛ لأن النار مسته والمعهود في الشريعة أن ينتقض الوضوء بالخارج النجس لا بالداخل الحلال الطاهر"1.--------------------------------------------
1 منهج نقد المتن ص139-140.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)

المثال الخامس:
نكاح المتعة: رخص فيه النبي صلى الله عليه وسلم عام خيبر، ثم نهى عنه، ثم رخص فيه في أوطاس، ثم نهى عنه، وكان آخر الأمرين نهيه عن نكاح المتعة، قال ابن عباس: كانت الرخصة للضرورة، والنهي لانقضاء الضرورة، والحكم باق إلى ذلك أي على الترخيص فيها عند الضرورة وقال الجمهور: كانت الرخصة إباحة والنهي نسخًا لها1.
وبذلك يبين أن نقد الصحابة لبعض الروايات كان موضع أخذ ورد، ولم يكن مسلما على إطلاقه، بل إن كثيرًا من العلماء تشدد في مساندة الرواية ورد النقد الموجه إليها، وعلى سبيل المثال في نقد عائشة لحديث ابن عمر: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" بتعارضه مع الآية. لم يقبل العلماء قولها والتمسوا وجوهًا للجمع بين الروايات الصحيحة وبين الآية بأن الميت يعذب ببكاء أهله عليه لكون هذا من كسبه، حيث إنه لم يوص بضده قبل موته، أو حدث مع غيره فرضي عليه ولم ينكره، وربما يكون قد وصى بذلك، وطلب وقوعه إلى غير ذلك من وجوه الجمع التي تساند الروايات وتآزرها.
ويبقى تقلل الصحابة من الرواية وتثبتهم من الراوي والمروي، وطرحهم الشك وأخذهم باليقين، يبقى لهم هذا التحوط والمبالغة في التثبت والتأكد. يبقى لهم ذلك كله اعتزازا بالسنة وإعلاء لشأنها وذبا لكل محاولة تريد النيل منها سواء بإخراج بعضها أو إدخال ما ليس منها، ولا يعد هذا منهم بأي حال إعراضًا عن السنة أو هجرًا لها أو عدولا عنها إلى الرأي، فهم أبعد ما يكونون عن الرأي والقول به في الدين.--------------------------------------------
1 حجة الله البالغة ج1 ص143 "بتصرف".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)

وما أكثر ما نقل عنهم من ذم له وللأخذ به مع وجود النص المعول عليه، قال عمر رضي الله عنه: "أصبح أهل الرأي أعداء السنن، أعيتهم أن يعوها، وتفلتت منهم أن يرووها، فاستبقوها بالرأي"، وقال رضي الله عنه: "اتقوا الرأي في دينكم"، وقال أيضا: "أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها، واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا: لا نعلم، فعارضوا السنن برأيهم، فإياكم وإياهم"، قال ابن القيم بعد سوق هذه الآثار وغيرها عن عمر: "وأسانيد هذه الآثار عن عمر في غاية الصحة"1.
ثم ساق عن كثير من الصحابة ذمهم للرأي وعليه فلا سبيل لهم إلى الأخذ به إلا إذا عجزوا عن الوقوف على نص في النازلة أو الواقعة، فهم لا يقدمون شيئا على كتاب ربهم تبارك وتعالى وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم. تلكم طريقتهم ومنهجهم في المحافظة على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية الوقع في الخطأ أو تسرب الدس إلى الحديث الشريف من الجهلاء وأصحاب الأهواء، أو أن تحمل بعض الأحاديث على غير وجه الحق والصواب، فيكون الحكم بخلاف ما أخذ به، فعلوا ذلك كله احتياطيا للدين ورعاية لمصلحة المسلمين لا زهدا في الحديث النبوي ولا تعطيلا له.
فلا يجوز لإنسان أن يفهم من منهاج الصحابة ومن تشدد عمر خاصة--------------------------------------------
1 أعلام الموقعين ج1، ص55.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)

هجر الصحابة للسنة أو زهدهم فيها، معاذ الله أن يقول هذا إلا جاهل أو صاحب هوى، لا علم له بقليل من السنة ولم تخالط قلبه روح الصحابة، ولا أنار سبيله قبس من هداهم.
فقد ثبت عن الصحابة جميعا تمسكهم بالحديث الشريف وإجلالهم إياه وأخذهم به، وقد تواتر خبر اجتهاد الصحابة إذا وقعت لهم حادثة شرعية من حلال أو حرام، وفزعهم إلى كتاب الله تعالى فإن وجدوا فيه ما يريدون تمسكون به، وأجروا -حكم الحادثة- على مقتضاه، وإن لم يجدوا ما يطلبون فزعوا إلبى السنة، فإن روي لهم خبر أخذوا به ونزلوا على حكمه وإن لم يجدوا الخبر فزعوا إلى الاجتهاد بالرأي.
هكذا كان منهج الصحابة في كل ما يرد عليهم، وليس لأحد بعد هذا أن يتخذ بعض ما ورد عن الصحابة ذريعة لهواه"1.
ومن كل ما مضى يتضح لنا أن الصحابة رضوان الله عليهم بلغوا الذرورة في التثبت من الحديث، وأعملوا الرواية والأناة في تحمل الخبر وأدائه، ولم يحدثوا إلا عن ثقة تامة بصحة ما يحدثون به، وقد حرصوا كل الحرص على المحافظة على الحديث، وما تركوا وسيلة تبلغهم هذه الغاية إلا أخذوا بها، وتحروا أقوم المناهج وأدقها في الذب عن السنة ودفع كل دغل عنها.
وقد حمل لواء هذه المحافظة والحرص على السنن جميع الصحابة، وكان عمر بما تميز به من شدة في الحق، وغلظة على أهل الباطل ذا شهرة خاصة في--------------------------------------------
1 السنة قبل التدوين ص98-99 "بتصرف".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)

هذا الباب؛ لذا رأينا الكثيرين يخافون مخفقته أو درته. وقد وقفت آنفا على طرف من أقواله في ذم الرأي والحث على متابعة السنة، ومدح أهلها، والقدح في منابذها، فالفاروق يرى مع جمهور الصحابة أن من تثبت من حفظه، وتيقن ما يرويه فهمه، واتضحت له مراميه، حق له أن يروي وأن يحدث طلبا لإشاعة السنة وإفشائها، وخروجا عن عهدة كتمانها.
أما من شك في شيء أو ارتاب فيه، أو اختلط عليه فهم معانيه فلا عليه إلا أن يقل الرواية طلبا للنجاة، وفرارا من الخطأ أو التحريف.
على هذا النحو ينبغي أن تفهم النصوص الورادة عن الصحابة عامة وعن عمر خاصة، فما كانوا ليزهدوا الناس في السنن أو يرغبوهم عنها، وهم ممن يسنون، ويستن بسنتهم التابعون وتابعوهم بإحسان إلى يوم الدين.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)

‌‌رد ما جاء في ضعيف الخبر من أن عمر حبس ثلاثة نفر من الصحابة لإكثارهم الرواية
‌‌مدخل

رد ما جاء في ضعيف الخبر من أن عمر حبس ثلاثة نفر من الصحابة لإكثارهم الرواية:
فيما يبدو الفاروق عملاقا في شتى المجالات، تأتي بعض الروايات التي تريد، أو يريد البعض من خلالها أن يباين بين الرجل وبين جوهر عظمته، ذلك أن مفتاح تلك العظمة تمثل في حسن المتابعة والاقتداء بأمير الأنبياء صلى الله عليه وسلم، والعمل على نشر دعوته وإحياء سنته.
وفي الوقت الذي يظهر فيه عمر غيورًا على السنة دءوبا على حفظها، مبجلا لها وللمشتغلين بها تأتي هذه الرواية التي تفيد أنه رضي الله عنه حبس

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)