ثلاثة نفر من عليه الصحابة وكبرائهم بسبب إكثارهم الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأصل هذه الرواية ما رواه الطبراني في الأوسط عن "إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، قال: بعث عمر بن الخطاب إلى ابن مسعود وأبي مسعود الأنصاري وأبي الدرداء، فقال ما هذا الحديث الذي تكثرون عن رسول لله صلى الله عليه وسلم فحبسهم بالمدينة حتى استشهد".
وإليك ما قاله أحد صيارفة الحديث في هذه الرواية، قال الهيثمي: "هذا أثر منقطع وإبراهيم ولد سنة عشرين، ولم يدرك من حياة عمر إلا ثلاث سنين وابن مسعود كان بالكوفة ولا يصح هذا عن عمر"1.
نعم لا يصح هذا عن عمر لا نقلا ولا عقلا، أما نقلا فقد تكفل الهيثمي ببيان نفي صحته، وأما عقلا فلأن هؤلاء الثلاثة من أجلاء الصحابة وفضلائهم، فأنى لعاقل تصديق أن عمر حبسهم؟ وما جريرتهم؟ أو الجرم الذي يصلح حيثية لحبسهم؟ متى كان تبليغ السنن ذنبا يعاقب عليه القانون؟ وقانون من؟ قانون العدل الذي لا يضاهى فيه عمر فضلا عن أن يبارى.
إن القارئ لمثل هذه الأخبار لتعتريه الدهشة فيتساءل منكرا: ما حد الإكثار الذي يعد آتيه مقارفًا الأوزار؟ وقد ساق الإمام ابن حزم هذا الخبر المنكر وناقشه مناقشة قوية قال: "هذا مرسل ومشكوك فيه من شعبة فلا يصح، ولا يجوز الاحتجاج به، ثم هو نفسه ظاهر الكذب--------------------------------------------
1 مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ج1، ص139.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
والتوليد؛ لأنه لا يخلو عمر من أن يكون اتهم الصحابة، وفي هذا ما فيه أو يكون نهى عن نفس الحديث، وعن تبليغ سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين، وألزمهم كتمانها وجحدها، وأن لا يذكروها لأحد، فهذا خروج عن الإسلام، وقد أعاذ الله أمير المؤمنين من كل ذلك، ولئن كان سائر الصحابة متهمين في الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، فما عمر إلا واحد منهم، وهذا قول لا يقوله مسلم أصلا، ولئن كان حبسهم وهم غير متهمين لقد ظلمهم، فليختر المحتج لمذهبه الفاسد بمثل هذه الروايات الملعونة أي الطريقتين الخبيثتين شاء، ولا بد له من أحدهما1" على أن هناك تضاربا في هذا الخبر يقتضي التأكيد على رده، فبينما يذكر الذهبي2 أن المحبوسين هم ابن مسعود وأبو الدرداء وأبو مسعود الأنصاري، إذا بابن حزم يذكر أبا ذر بدلا من أبي مسعود، فهل وقع الحبس من عمر؟ لو حدث لاشتهر، على أن خبرا كهذا يعظم خطره كان ولا بد أن يتطاير شرره، وأن يعرف به السابق واللاحق، ونتساءل: لماذا حبس عمر هؤلاء وهناك من هو أكثر رواية منهم؟ كأبي هريرة الذي روي له عن النبي صلى الله عليه وسلم خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثا، فإن قيل: إن أبا هريرة لم يكثر الرواية إلا بعد استشهاد عمر لكونه كان يخافه في حياته، قلنا: ولِمَ لَمْ يخف هؤلاء من عمر؟ وقد ذكر أن عمر نفسه روي له عن النبي صلى الله عليه وسلم نيف وخمسمائة حديث، ولم يزد عليه من--------------------------------------------
1 الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ج2 ص316-317.
2 تذكرة الحفاظ ج1 ص7.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
المسمين إلا ابن مسعود، فكان على عمر أن يحبس نفسه قبل أن يحبس هؤلاء لإتيانه ما أتوه.
بقي أن نوقفك على طرف من تراجم هؤلاء النبلاء لترى موقعهم في نفس عمر، وتتبين مكانتهم من الشرع الذي حكم عمر وحكم هو به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
أولا: ابن مسعود:
هو عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، ويكنى أبا عبد الرحمن، أمه أم عبد "معدودة من الصحابيات" أسلم قديما بمكة، روي عنه أنه أسلم سادس سنة وهاجر الهجرتين إلى الحبشة، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وكان صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم ووساده وسواكه ونعليه وطهوره في السفر، وكان يشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم في هديه ودله وسمته، وكان خفيف اللحم قصيرًا شديد الأدمة، وكان من أجود الناس ثوبا، ومن أطيب الناس ريحا، وولي قضاء الكوفة وبيت المال لعمر، وصدرا من خلافة عثمان، ثم صار إلى المدينة فمات بها سنة اثنتين وثلاثين1، ودفن بالبقيع وهو ابن بضع وستين، وقيل: توفي بالكوفة، والأول أصح.
كيف يحبسه عمر؟ وهو الذي قد وجهه إلى الكوفة، وامتن على أهلها به ليفقههم في الدين، ويعلمهم القرآن الذي كان قد جمعه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيم يحبسه؟ في الإكثار من الرواية، فكم حديثا رواه؟ روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ثمانمائة وثمانية وأربعين حديثا--------------------------------------------
1 انظر ترجمته مطولة في صفة الصفوة ج1 ص395-423.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
اتفق الشيخان على إخراج أربعة وستين حديثا منها، وانفرد البخاري بواحد وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين، فكم حديثا زاده عن عمر؟ ثلاثمائة وأربعين حديثا تقريبا، وهذا رقم لا يستحق أن يحبس عليه.
وكيف يحبسه وهو أعلم الناس بفضله وأعرفهم بقدره فابن مسعود هو صاحب السبق إلى الإسلام، وهو في المناقب والمفاخر والمآثر علم الأعلام، فهو الذي قرأ القرآن وأشرب حبه، ومن سره أن يقرأه غضا كما أنزل فليقرأه على قراءته، ورجلاه أثقل في الميزان من جبل أحد رغم نحولهما، وهو أشبه الصحابة برسول الله صلى الله عليه وسلم وأدناهم منه، حتى إن رائيه معه ليعده من أهليه رضي الله عنه وأرضاه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
ثانيا: أبو الدرداء:
هو عويمر، وقيل: عامر بن مالك بن قيس الأنصاري الخزرجي، وهو صحابي جليل أجرى الله الحكمة على لسانه وعرف بالزهد، والورع وكثرة العبادة إلى حد الحاجة إلى نصحه بأن لأهله عليه حقا، ولبدنه عليه حقا ولنفسه عليه حقا، فعليه أن يعطي كل ذي حق حقه، وقد روي له عن النبي صلى لله عليه وسلم مائة وتسعة وسبعون حديثا، أقل من ثلث ما رواه عمر. وتوفي رضي الله عنه بدمشق سنة اثنين وثلاثين، وقيل: إحدى وثلاثين في خلافة عثمان.
عن معاوية بن قرة أن أبا الدرداء اشتكى، فدخل عليه أصحابه، فقالوا: ما تشتكي؟ قال: أشتكي ذنوبي. قالوا: فما تشتهي؟ قال: أشتهي الجنة. قالوا: أفلا ندعو لك طبيبا؟ قال: هو الذي أضجعني. وعن لقمان بن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
عامر عن أم الدرداء أنها قالت: اللهم إن أبا الدرداء خطبني فتزوجني في الدنيا، اللهم فأنا أخطبه إليك فأسألك أن تزوجنيه في الجنة. فقال لها أبو الدرداء: فإن أردت ذلك وكنت أنا الأول فلا تزوجي بعدي. قال: فمات أبو الدرداء، وكان لها جمال وحسن فخطبها معاوية، فقالت: لا والله لا أتزوج زوجا في الدنيا حتى أتزوج أبا الدرداء إن شاء الله عز وجل في الجنة"1.--------------------------------------------
1 انظر ترجمته والكثير من أقواله في المرجع السابق ج1، ص347-643.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
ثالثا: أبو مسعود الأنصاري:
هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي البدري أصغر من شهد العقبة من الخزرج، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عنه ابنه بشير وعبد الله بن يزيد الخطمي وأبو وائل وقيس بن أبي حازم، وغيرهم، توفي قبل الأربعين وقيل: سنة أربعين بالكوفة أو بالمدينة1، ومروياته قليلة جدا مما يقطع ببعد حبس عمر له.--------------------------------------------
1 انظر ترجمته في تهذيب التهذيب ج7، ص247-249.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
رابعًا: أبو ذر الغفاري:
هذا هو الذي ذكر في بعض الروايات كثالث المحبوسين مكان أبي مسعود الأنصاري، وقد اختلف في اسمه واسم أبيه، فقيل: جندب بضم الجيم والدال، وحكي فتح الدال، وقيل: اسمه برير بضم الباء الموحدة وراء مكررة ابن جندب، والمشهور جندب بن جنادة بضم الجيم ابن عبيد الغفاري بكسر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
الغين المعجمة، وهو سيد جليل أسلم قديما، قيل: إنه كان رابع من أسلم، وقيل: إنه كان خامسهم، وحكي أن له عبادة ونسكا قبل الإسلام، وبعد إسلامه بمكة رجع إلى بلاد قومه، فأقام بها حتى مضت بدر وأحد والخندق،
وأسلم على يديه أكثر غفار؛ لذا كانت تلك القبيلة جديرة بأن يغفر الله لها شأنها شأن أسلم التي سلمها الله تعالى. ثم قدم أبو ذر المدينة فصحب النبي صلى الله عليه وسلم حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى، ومناقبه جمة وزهده مشهور وتواضعه وزهده مشابهان في الحديث بتواضع عيسى عليه السلام وزهده، وكان من مذهبه أنه يحرم على الإنسان ادخار ما زاد على حاجته من المال، وإنه لا حق لأحد فيما فضل عليه بل واجبه أن يعود به على من عدمه روى له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائتا حديث وواحد وثمانون حديثا اتفق الشيخان منها على اثني عشر، وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بسبعة عشر1.
وقد خرج الى الربذة، وهي بليدة قريبة من المدينة، وقيل: إنه أخرج إليها ومات بها سنة اثنتين وثلاثين وكان وحده أمة في حياته وفي مماته ويكون كذلك في مبعثه فرضي الله عنه وأرضاه.
ولم يبق شك عند عاقل في اختلاق هذا الزعم الباطل الذي يفيد أن عمر حبس هؤلاء، وهم بلا ريب من أجلاء الصحابة، وهو رضي الله عنه أجل من أن يهينهم بالحبس في دعوى لا أصل لها، وهي الإكثار من الرواية، وقد رأينا أنه لم يزد عن عمر من هؤلاء إلا ابن مسعود.--------------------------------------------
1 انظر ترجمته مطولة في صفة الصفوة ج1، ص584-600.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
هل روى الصحابة الحديث بالمعنى أم باللفظ؟:
رأينا كيف تثبت الصحابة من الراوي والمروي، وبان لنا مدى استيثاقهم مما ينقلونه، وتحوطهم في الرواية، وبعدهم من التزيد فيها، واقتصارهم على ما يبلغ الغاية من الرواية أتتحقق من خلاله نضارة الوجوه واتضاح الأحكام، وتحقق مصالح العباد.
فإذا تساءلنا عن أدائهم للأخبار هل كان بمعناها من خلال ألفاظ يصوغونها، ويعلمون مؤداها، أم كان أداؤهم بنفس الألفاظ التي سمعوها من غير تغيير كلمة بأخرى، أو تبديل حرف بحرف، أو تبديل هيئة الحرف لكونه مشددًا أو مخففًا.
المتجرد للحق الخالي من الهوى والعصبية إذا طالع الأخبار المتناقلة بين الصحابة وعنهم، رأى أن من الصحابة من تشدد في الرواية وأبى إلا تحري الألفاظ النبوية، ومنهم من ترخص في ذلك وسوغ الرواية بالمعنى لمن علم المباني وفهم المعاني وعرف مدلول الألفاظ، وما يحيل المعنى أو يغيره، إلى غير ذلك من الشروط اللازمة للترخيص في الرواية بالمعنى.
وممن عرف عنه التشدد في الرواية والتزام اللفظ الناسك العابد، الورع الزاهد عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وهو أشهر من روى حديث: "بني الإسلام على خمس" ، وقد نقل الخطيب عنه أنه قال لمن أعاد هذا الحديث عليه فجعل الصيام قبل الحج: "اجعل صيام رمضان آخرهن كما سمعت من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
فِيِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم"1.
وممن تشدد في المحافظة على نص الحديث بألفاظه، فمنع زيادة حرف أو حذفه حتى ولو لم يتغير المعنى أنس بن مالك، وكان يقول بعد انتهائه من الرواية: "أو كما قال، أو نحو من ذلك".
وهناك من اشتد حرصه على لفظ سماعه فأبى تبديل حرف مشدد بمخفف، ففي الحديث الذي روته أم كلثوم بنت عقبة2 رضي الله عنهما قالت: "ليس الكاذب من أصلح بين الناس فقال خيرا أو نمى خيرا". قال حماد سمعت هذا الحديث من رجلين، فقال أحدهما: نمى خيرًا خفيفة، وقال الآخر نَمّى خيرًا مثقلة3.
هكذا التزم كل واحد لفظ سماعه، وهيئة كل حرف فروى أحدهما نمى بتخفيف الميم، ورواه الآخر نَمّى بتشديدها، ونظيره "نضر الله امرأً". بتخفيف الضاد وتثقيلها، وهذا الحديث نفسه هو من شواهد وأدلة الذين كرهوا الرواية بالمعنى حيث جاء فيه: "نضر الله أمرأ سمع مني حديثا، فحفظه--------------------------------------------
1 الكفاية ص176.
2 هي أم كلثوم بنت عقبة ابن أبي معيط، أسلمت بمكة، وهي من النساء المهاجرات، بل إنها أول امرأة هاجرت، والأصح تقييد هذا بوقوعه بعد صلح الحديبية، تزوجها زيد ثم الزبير، ثم عبد الرحمن بن عوف، ثم عمرو بن العاص، وماتت بعد تزوجه إياها بشهر، وحديثها في الصحيحين، وأشهر من روى عنها حميد بن عبد الرحمن. "الإصابة ج4 ص491".
3 ورواه الخطيب في الكفاية ص180-181، ورواه ابن عبد البر في ترجمتها. الاستيعاب ج4، ص489 بهامش الإصابة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
ووعاه فأداه كما حفظه". وفي رواية: "سمع مقالتي فأداها كما سمعها" ، ولا ريب في تضمن مثل هذه الروايات الترغيب في نقل الأخبار بألفاظها، والحث على عدم التغيير فيها.
ومن أقوى ما استدل به على كراهية الرواية بالمعنى حديث البراء بن عازب في الدعاء المستحب عند الإيواء إلى الفراش، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "إذا أويت إلى فراشك، فتوسد يمينك، ثم قل اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، وآمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت" ، فقلت كما علمني غير أني قلت: ورسولك. فقال بيده في صدري: "وبنبيك، فمن قالها من ليلته ثم مات مات على الفطرة" 1.
هكذا لم يسمح بتبديل لفظ "نبي" بلفظ "رسول".
وقد أجاب المجوزون للرواية بالمعنى عن هذا بأنه أراد مورد التعبد فهو دعاء، وأجابوا عن الأول: بأن غاية أمره الترغيب في الالتزام باللفظ، ولا مخالفة في ذلك ما استطاع إليه المرء سبيلا، أما إن عجز عن تذكر اللفظ، ولم يكن جاهلا بما يحيل المعنى فلا مانع من ذلك، وشواهد الشرع ناطقة بترجيح رأي المجيزين للرواية بالمعنى، فكلام رب العالمين عن قصص السابقين منقول إلينا لا بلسان أصحاب الوقائع، أو الأحداث، وإنما بلسان--------------------------------------------
1 عزاه النووي في الأذكار إلى الصحيحين ص113، ورواه بهذا اللفظ الخطيب في الكفاية ص203.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
دعوى باطلة وردها:
تحقق أن الرواية بالمعنى ضرورة دعت إليها الحاجة، وإنما تؤخذ للضرورة بقدرها، ولا يدعي عاقل أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يتأهلوا للرواية بالمعنى، بمعنى لم تتحقق فيهم شروطها، بل الحق الصراح الذي لا ريب فيه أن الصحابة ثقات أثبات، حرصوا كل الحرص على الاستيثاق والاحتياط في الروايات، فحفظوا ووعوا ما رووا، وأدوه في الأعم الأغلب كما سمعوه، وإذا اضطرتهم الضرورة للرواية بالمعنى فهم العالمون الفاهمون الهاضمون لما ينقلون، فلا خوف على الرواية من زللهم، كيف وقد تنوقلت رواياتهم بواسطة الأئمة الأعلام الذين بلغوا في النقد والتدقيق والتحرير الغاية. فلو وقفوا على زلل لبينوه وقوموه، لكنهم على من يستدركون؟ أعلى أرباب الفطنة والذكاء من أمثال ابن عباس، الذي كان يحفظ كل ما يقع عليه بصره أو سمعه من مرة واحدة، وأثر أنه سمع قصيدة لشاعر الغزل عمر ابن أبي ربيعة1 من ثمانين بيتا، فحفظها كلها.--------------------------------------------
1 هو عمر بن عبد الله بن ربيعة المخزومي يكنى بأبي الخطاب، وعمرو بن هشام ابن عم أبيه. حنتمة بنت هشام والدة الفاروق بنت عم أبيه أيضا، وعرف بكثرة تشبيبه وفحش غزله للنساء. ومع ذلك قدر الله له حسن الخاتمة حيث احترقت به سفينة في الغزو، ولذا قال عبد الله بن عمر: "فاز عمر بن أبي ربيعة بالدنيا والآخرة، غزا في البحر فأحرقوا سفينته فاحترق". الشعر والشعراء ج2، ص553-558، وفيات الأعيان ج1، ص477-478، وخزانة الأدب ج1 ص228-240.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
أيشك في حفظ زيد بن ثابت؟ أعلم هذه الأمة بالفرائض، أم يشك في حفظ عائشة؟ وهي من هي في قوة الذكاء والفطنة والفهم.
ويستطيع الباحث أن يقرر في اطمئنان؛ أن الصحابة رضوان الله عليهم حفظوا أكثر ما رووا في صدورهم، وسلجه الكثير منهم في السطور، وكان منهم من يستعين بالكتابة في الحفظ والتثبت، فإذا استيقن مما كتبه محاه.
وشاعت مذاكرة الحديث فيما بينهم، فهل يصح أن يسوغ لباحث أن يشكك في المروي عنهم، وأن يرخي العنان لشطط فيدعي أنه وجد "أنه لا يكاد يوجد في كتب الحديث كلها مما سموه صحيحا، وأما جعلوه حسنا -حديث- قد جاء على حقيقة لفظه ومحكم تركيبه، كما نطق الرسول به، ووجدت أن الصحيح منه على اصطلاحهم إن هو إلا معان مما فهمه بعض الرواة، وقد يوجد بعض ألفاظ مفردة بقيت على حقيقتها في بعض الأحاديث القصيرة وذلك في الفلتة والندرة"1.
هكذا أطلق وعمم، وليته عرف أنه حتى مع التسليم لمدعاة الباطل، لا ضرر ولا ضرار، فالراوون هم المعايشون للوحي، وتنزلاته، والمخالطون لصاحب الشرع صلى الله علي وسلم المحصون لأقواله وأفعاله وأوصافه وإرشاداته وحركاته وسكناته، وهم عرب خلص يدركون مرامي الكلام، ويعرفون مواقع الألفاظ ودلالاتها، إلا أنه لم يفطن إلى ذلك كله، وإنما--------------------------------------------
1 الضوء على السنة المحمدية ص7-8.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
راح يرتب على دعواه الباطلة، وتعميماته الخاطئة والمخطئة، أخطر النتائج وعن عمد نسي أو تناسى ما وضعه بل استنبطه المحدثون من شروط الرواية الصحيحة، والتي تتلخص في اتصال السند وعدالة الراوة وضبطهم، وخلو المروي من الشذوذ، وخلوه من العلة، والعلة هي السبب الخفي الذي يقدح في صحة الحديث، وقد يكون راجعًا إلى سنده أو إلى متنه أو إليهما معًا.
نقول هذا لأن صاحب كتاب "أضواء على السنة المحمدية" أو "دفاع عن الحديث" نقل في النتائج المترتبة على فشو الرواية بالمعنى وذيوعها، وامتلاء كتب الصحيح بها، على قرب خلوها من غيرها، نقل عن صاحب كتاب "التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم ومذاهبهم واعتقاداتهم" قوله في باب الخلاف العارض من جهة الرواية والنقل: "اعلم أن الحديث المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه والتابعين لهم تعرض له ثماني علل؛ أولاها: فساد الإسنادات، والثانية: من جهة نقل الحديث على معناه دون لفظه، والثالثة: من جهة الجهل بالإعراب، والرابعة: من جهة التصحيف، والخامسة: من جهة إسقاط شيء من الحديث لا يتم المعنى إلا به، والسادسة: أن ينقل المحدث الحديث ويغفل نقل السبب الموجب له، أو بسط الأمر الذي جر ذكره، والسابعة: أن يسمع المحدث بعض الحديث ويفوته سماع بعضه، والثامنة: نقل الحديث من الصحف دون المشايخ"1.--------------------------------------------
1 أضواء على السنة المحمدية ص71، والتنبيه ص165-166.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
والذي يعنينا من هذه العلل التي أوردها البطليوسي كأسباب، أوجبت الاختلاف ونقلها الشيخ "أبو رية"، إنما هو العلة الثانية المتعلقة بنقل الحديث على معناه دون لفظه، ونتساءل لماذا انقلب الأصل إلى فرع، والفرع إلى أصل؟
الأصل أن الصحابة رووا الأخبار كما سمعوها. والفرع هو الترخص في أدائها، بمعانيها متى ألجأتهم الضرورة إلى ذلك، وحتى مع التسليم بوقوع هذا الانقلاب، فلسنا نرى أن أداء الأخبار بالمعنى يفضي إلى هذه النتائج الخطيرة،
فإذا قلت لابنك: قل لفلان: إن أبي يدعوك لتناول وجبة طعام العشاء معه، فذهب الغلام، فقال لمن أرسلته إليه: إن والدي يدعوك لتتعشى معه، فأي ضرر تحقق بالمخالفة بين لفظ المرسل، ولفظ من أرسله.
ولقد مثل صاحب كتاب التنبيه وتبعه أبو رية بحديث: "قصوا الشوارب وأعفوا اللحى" ، رواه أحمد عن أبي هريرة، ورواه البخاري عن ابن عمر في كتاب اللباس بلفظ: "أنهكوا الشارب وأعفوا اللحى" ، وفي رواية لابن عمر أيضا: "خالفوا المشركين؛ وفروا اللحى وأحفوا الشوارب". قال البطليوسي "قوله: أعفوا يحتمل أن يريد به كثروا، ووفروا، ويحتمل أن يريد: خففوا، وقللوا، فلا يفهم مراده من ذلك إلا بدليل من لفظ آخر، والمعنيان جميعا موجودان في كلام العرب: يقال: عفا وبر الناقة إذا كثر، وكذلك لحمها. قال الله عز وجل {حَتَّى عَفَوْا} ؛ أي كثروا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
ويقال: عفا المنزل، إذا درس. ا. هـ1.
هكذا استشهد البطليوسي ووضح موضع استشهاده، ثم ساق كثيرا من الأمثلة التي يشترك فيها اللفظ مع أكثر من معنى، وتحتاج إلى دقة في الفهم مما يتفق فيه الباحث الأصولي مع المحدث.
ومما لا يشك معه أحد في أن الصحابة رضوان الله عليهم وتابعيهم أيضا هم أعرف الناس لهذا الباب، أما أبو رية فإنه يكتفي من الغنيمة بالإياب، ويقتصر على إيراد الحديث، ويا للعجب العجاب ما عقب به بعد التمثيل بالحديث السابق، "ففي مثل هذا يجوز أن يذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المعنى الواحد، ويذهب الراوي عنه إلى المعنى الآخر، فإذا أدى معنى ما سمع دون لفظه بعينه، كان قد روى عنه ضد ما أراده غير عامد، ولو أدى لفظه بعينه، لأوشك أن يفهم منه الآخر ما لم يفهم الأول"2.
هكذا يحتم الكاتب خفاء استعمالات العربية على الصحابة، بل إن المتأمل في عبارته هذه ليرى أنه يفضل الإمساك عن الرواية مطلقا بدلا من أن يروي المعنى فيتناقض بفهمه مع مراد النبي صلى الله عليه وسلم، أو يروي باللفظ فيوشك أن يفهم عنه الآخر ما لم يفهم الأول، فالأوفق، والأليق عن المنافح والمدافع عن السنة أن يغلق باب الرواية، وأن يضيع الأصل الثاني لهذا الدين.--------------------------------------------
1 التنبيه ص176-177.
2 أضواء على السنة المحمدية ص73.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
هذا وقد سبق ذلك استشهاد صاحبنا بعدة أمثلة على وقوع الاختلاف بين الصحابة فيما لا يصح أن يختلفوا فيه على ما فهم هو، فقد ساق ثماني روايات في التشهد، ورأى أن التشهد من الأعمال اليومية المتكررة المتواترة.
فكيف وقع الخلاف بينهم فيها، ثم إن عمر خطب بتشهده على المنبر، وسمعه الكافة فلم ينكر عليه واحد منهم.
نقول: ومن أدراك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمهم صيغة واحدة للتشهد حتى لا يصح رواية سواه، ما المانع أن يكون ابن مسعود أحد السابقين تعلم ما لم يتعلمه عمر، وتعلم ابن عباس، وهو من صغار الصحابة ومن مهاجرة الفتح ما لم يتعلماه.
إن القرآن نفسه قرئ بسبعة أحرف كما نزل عليها، وقد تباينت قراءة عمر مع قراءة هشام بن حكيم لسورة الفرقان، فلما اختلفا رجعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأقرأهما، ثم أقر كلا على قراءته، وهذا هو اليسر الذي أراده الله بنا.
هذا وقد استطرد إلى صيغ الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد، وبين أحكامها عند الأئمة، والفرق بينها وبين التشهد بيِّنٌ حتى للمبتدئ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
وقد ختم الأستاذ المغفور له أبو شهبة رده على أبي رية في هذه القضية بما يأتي: ولكي ترى الفرق بين العلماء والأدعياء أذكر لك ما روي عن الإمام الشافعي، وقد سئل عن اختياره تشهد ابن عباس، قال: لما رأيته واسعا وسمعته عن ابن عباس صحيحا كان عندي أجمع، وأكثر لفظا من غيره، وأخذت به غير معنف لمن يأخذ بغيره مما صح. ولو سلمنا -جدلا- أن هذه الروايات في قصة واحدة، فالخلاف بينها هيِّن يسير لا يستأهل كل هذا التهويل، فتشهد ابن مسعود بلفظ: "التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي … إلخ".
وتشهد ابن عباس بلفظ: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله"، باقيه كتشهد ابن مسعود، وتشهد عمر بلفظ: "التحيات لله، الزكيات لله، الصلوات لله، الطيبات لله"، وسائره كتشهد ابن مسعود، وبقية صيغ التشهد الواردة لا تخرج عن هذه الصيغ بزيادة كلمة من صدر التشهد أو نقصان أخرى، وذكر لفظ "لله" عقب كل منها أو في أولاها أو أخراها، وكل ذلك أمر جائز وله وجه في العربية، وأما زيادة البسملة قبل التشهد، فلم تصح كما قال الحافظ في الفتح، فعلام كل هذه الضجة المفتعلة التي لا يقصد من ورائها إلا التشويش على السنة والأحاديث؟ ثم من قال أيها المؤلف البحاثة: إن التشهد من قبيل الأفعال المتواترة، وليس من قبيل الأقوال؟ إن الطالب المبتدئ يعلم أن الصلاة أقوال وأفعال، والتشهد من الأقوال لا محالة"1.--------------------------------------------
1 دفاع عن السنة ص67-68.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)