السلام، فأين هي من دعاويهم1؟! ولا شبهة عليها، فضلا عن دليل، بل هي مصادمة للقواطع، ومن صادم القواطع، انقطعت عنقه، ولو بلغ في الزهد والعبادة أقصى الغايات {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ، عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ، تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً} [الغاشية: 2-4] الآيات. ولو وقعت منهم الخوارق، فإنها شيطانية. قال الله تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [يس: 43] ، {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121] .
القول في صرف الكلام عن ظاهره:
وسميت هذه الأوراق: تنبيه الغبي على تكفير ابن عربي، وإن شئت فسمها: النصوص من كفر [4] الفصوص؛ لأني لم أستشهد على كفره، وقبيح أمره إلا بما لا ينفع معه التأويل من كلامه، فإنه ليس كل كلام يقبل تأويله، وصرفه عن ظاهره. وذلك يرجع إلى قاعدة الإقرار بشيء وتعقيبه بما يرفع شيئا ما من معناه، ولا خلاف عند الشافعية في أنه إن كان مفصولا لا يقبل، وأما إذا كان موصولا ففيه خلاف. ومن صورة ما لا ينفع فيه الصرف عن الظاهر،--------------------------------------------
= ولهذا قال ابن عباس: وأما الغلمان فإن كنت تعلم منهم ما علمه الخضر من ذلك الغلام فاقتلهم وإلا فلا. وأما إقامة الجدار ففيها فعل المعروف بلا أجرة مع الحاجة، إذا كان لذرية قوم صالحين" باختصار عن مجموعة الرسائل والمسائل جـ4 ص67. وأقول: على فرض أن في القصة مخالفة الباطن للظاهر. فهذا بالنسبة إلى شريعتين، شريعة الخضر وشريعة موسى. أما الأمر بالنسبة إلى الخضر، فكان ما فعله هو الظاهر في شريعته، فلم يخالف ظاهر ما فعل باطن ما به أمر. فليس إذن ثمة باطن خالف ظاهرا، أما دعوى الصوفية فتفتري جواز مخالفة الباطن للظاهر في الشريعة الواحدة.
1 في الأصل: دعا.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٢)
كما لو أقر ببيع، أو هبة، ثم قال: كان ذلك فاسدا، فأقررت بظني الصحة، فإنه لا يصدق في ذلك.
حكم من ينطق بكلمة ردة:
ونقل الشيخ سراج الدين بن الملقن في العمدة على المنهاج، والزركشي في التكملة عن إمام الحرمين، أنه قال في أوائل الإيمان: "قال الأصوليون: لو نطق بكلمة الردة، وزعم أنه أضمر تورية كفر ظاهرا وباطنا" قال الإمام الغزالي1 في البسيط بعد حكايته أيضا عن الأصوليين: "لحصول التهاون منه، وهذا المعنى -يعني التهاون- لا يتحقق في الطلاق، فاحتمل قبول التأويل بإطلاقه". وسيأتي ما يشهد لذلك من نقل شيخ الإسلام الشيخ زين الدين العراقي عن العلامة علاء الدين القونوي محسنا له، على أن بعض العلماء غلب جانب الحرمة لله ولرسله فمنع التأويل مطلقا. قال القاضي أبو الفضل عياض2 المالكي في كتابه.--------------------------------------------
1 لقب الغزالي في التاريخ الذي صنعته الأهواء بالإمام، وغولي فيه حتى لقب بحجة الإسلام. أما هو في التاريخ الذي يستمد من الحق قصصه وعبره. ويشهد بصدقه كتبه. فليس من هذه الألقاب السحرية في شيء. بما خلفه في كتبه من تراث هو أرجاس من الباطنية، والصوفية، والفلاسفة، وفيه ما يناقض أصول الدين الذي لقب هو بأنه حجته وإمامه. يقول ابن تيمية عنه -وقوله عن بينة: "ولهذا صنف الكتب المضنون بها على غير أهلها. وهي فلسفة محضة سلك فيها مسلك ابن سينا" ثم يقول عن كتابه المضنون به على غير أهله "وهو فلسفة محضة. قول المشركين من العرب خير منه، دع قول اليهود والنصارى" النبوات لابن تيمية من 81-82 وقال عنه أخص أصحابه أبو بكر بن العربي الفقيه المالكي "شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة، ثم أراد أن يخرج منها فما قدر" والغزالي نفسه يقر في كتابه التأويل: بأنه رجل رديء البضاعة في الحديث!!
2 ولد بمدينة سبتة سنة 476هـ وتوفي بمراكش سنة 544هـ.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٣)
الشفاء، وهو الذي تلقته الأمة بالقبول، وتدارسوه في الارتحال والحلول1 في القسم الرابع منه: "فصل: الوجه الرابع: أن يأتي من الكلام بمجمل، ويلفظ من القول بمشكل يمكن حمله على النبي صلى الله عليه وسلم، أو غيره، أو يتردد في المراد به من سلامته من المكروه، أو شره، فههنا متردد النظر، وحيرة العبر، ومظنة اختلاف المجتهدين، ووقفة استبراء2 المقلدين؛ {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال: 43] فمنهم من غلب حرمة النبي صلى الله عليه وسلم، وحمى حمى عرضه، فجسر على القتل، ومنهم من عظم حرمة الدم3".
بيان ما هو من المقالات كفر:
وقال في فصل بيان ما هو من المقالات كفر: "كل مقالة صرحت بنفي الربوبية، أو الوحدانية، أو عبادة أحد غير الله، أو مع الله، فهي كفر، كمقالة الدهرية4، وسائر فرق [أصحاب5] الاثنين [من الديصانية6--------------------------------------------
1 ليس للشفاء هذه القيمة التي مجده بها البقاعي. قال الحافظ الذهبي عنه: إنه محشو بالأحاديث الموضوعة، والتأويلات الواهية الدالة على قلة تفقده مما لا يحتاج إليه قدر النبوة.
2 في الأصل: استبر. والتصويب من الشفاء.
3 ص255 جـ2 الشفاء ط الآستانة سنة 1290هـ.
4 يقول عنهم الحميري في كتابه الحور العين ص143: "إنهم القائلون بقدم العالم وقدم الدهر، وتدبيره للعالم وتأثيره فيه، وأنه ما أبلى الدهر من شيء أحدث شيئا آخر" ويتحدث الشهرستاني عنهم في الملل، فيقول عنهم: "أنكروا الخلق والبعث والإعادة، وقالوا بالطبع المحيي، والدهر المفني، وهم الذين أخبر عنهم القرآن المجيد {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [النور: 45] إشارة إلى الطبائع المحسوسة في العالم السفلي، وقصر الحياة والموت على تركيبها وتحللها، فالجامع هو الطبع، والمهلك هو الدهر" ص259ج2ط توفيق.
5 ما بين هذين [] ساقط من الأصل. وأثبته نقلا عن الشفاء.
6 هم أصحاب ديصان القائلون بأصلين: النور والظلام، فالأول يصنع الخير قصدا واختيارا، والثاني يفعل الشر طبعا واضطرارا، ويزعمون أن سمع النور وبصره وسائر حواسه شيء واحد. فسمعه هو بصره، وبصره هو حواسه" انظر ج2 ص89 من الملل والنحل.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٤)
والمنانية1، وأشباههم من الصابئين2 والنصارى والمجوس3] والذين أشركوا--------------------------------------------
1 أصحاب ماني بن فاتك الذي ظهر في عهد سابور بن أزدشير. وضع دينا بين المجوسية والنصرانية، وزعم أن العالم مركب من أصلين قديمين نور وظلمة. الأول مصدر الخير، والثاني مصدر الشر. ويدين ماني بأن الظلام امتزج بالنور امتزاجا كليا في هذا الوجود، ولا يمكن أن ينفصل النور عن الظلام إلا بعد أن يفنى هذا العالم، ولهذا حرم الزواج على أتباعه حتى يبيد النوع الإنساني، فيستطيع النور الخلاص من الظلام، ولهذا قتله الملك. ودعوة ماني ذات نزعة تشاؤمية سوداء، شديدة الغلو في الحث على الزهد والحرمان.
2 اختلف في شأن الصابئة. فالمسعودي يرى أنهم عبدة الكواكب، فيقول في المروج، وهو بصدد الحديث عن أحد ملوك الفرس: "وظهر في سنة من ملكه رجل يقال له: بوداسف أحدث مذهب الصابئة، وقال: إن مجالي الشرف الكامل، والصلاح الشامل. ومعدن الحياة في هذا السقف المرفوع "يعني السماء" وأن الكواكب هي المدبرات والواردات والصادرات" مروج الذهب ج1 ص222 ويقول عنهم الحميري في الحور العين ص141 "وقال الصابئون: شيئان قديمان: نور وظلام، فالنور عالم، والظلام جاهل. وقيل: إن الصابئين قوم يعبدون الملائكة. وقيل إن الصابئين قوم يخرجون من دين إلى دين".
ويقول الرازي في اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص90: "إنهم قوم يقولون: إن مدبر هذا العالم وخالقه هذه الكواكب السبعة والنجوم، فهم عبدة الكواكب" ويقول الشهرستاني في الملل والنحل "ذكرنا أن الصبوة في مقابل الحنفية. وفي اللغة: صبا الرجل إذا مال وزاغ، فبحكم ميل هؤلاء "يعني الصابئة" على سنن الحق، وزيغهم عن نهج الأنبياء، قيل لهم: الصابئة، وإنما مدار مذهبهم على التعصب للروحانيين".
ويقول في موضع آخر: "ومنهم -أي: من الناس- من يقول بالمحسوس والمعقول والحدود والأحكام، ولا يقول بالشريعة والإسلام، وهم الصابئة" وانظر القرطبي ج1 ص380، وابن خلدون ج1 ص116.
3 هم الثنويون من الفرس الذين يثبتون أصلين مدبرين قديمين يقتسمان الخير والشر. انظر الملل والنحل للشهرستاني ج2 ص59 ط صبيح، والحور العين للحميري ص142، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ص86.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٥)
بعبادة الأوثان، أو الملائكة، أو الشياطين، أو الشمس أو النجوم، أو النار، أو أحد غير الله1" ثم قال: "وكذلك من أقر بالوحدانية، وصحة النبوة، ونبوة نبينا عليه السلام، ولكن جوز على الأنبياء الكذب فيما أتوا به. ادعى في ذلك المصلحة بزعمه، أو لم يدعها؛ فهو كافر بإجماع، كالمتفلسفين، وبعض الباطنية2 والروافض3، وغلاة المتصوفة، وأصحاب الإباحة4، فإن هؤلاء--------------------------------------------
1 ص268 ج2 الشفاء.
2 بل كل الباطنية، فما من باطني إلا وهو يبطن البغضاء لله ورسوله، وأولى الناس بهذا اللقب هم الصوفية.
3 يقول الأشعري في كتابه المقالات "وإنما سموا رافضة لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر، وهم مجمعون على أن النبي صلى الله عليه وسلم، نص على استخلاف علي بن أبي طالب باسمه وأظهر ذلك وأعلنه، وأن أكثر الصحابة ضلوا بتركهم الاقتداء به بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم" ص87. ويقول ابن تيمية: "فهذا اللفظ -يعني الرافضة- أول ما ظهر في الإسلام، لما خرج زيد بن علي بن الحسين في أوائل المائة الثانية في خلافة هشام بن عبد الملك، واتبعه الشيعة، فسئل عن أبي بكر وعمر، فتولاهما وترحم عليهما، فرفضه قوم. فقال: رفضتموني، رفضتموني، فسموا: الرافضة" ص25 ط مجموعة الرسائل الكبرى. وانظر ص184 من الحور العين ففيه تفصيل ما دار بين الرافضة وبين زيد من محاجة في شأن أبي بكر وعمر.
4 هم صنفان: صنف كانوا قبل دولة الإسلام كالمزدكية، وصنف ظهروا في الإسلام، وهم كذلك صنفان. بابكية، ومازيارية، والأول أتباع الخرمي الذي ظهر في الجبال بناحية أذربيجان، وكثروا واستباحوا المحرمات وقتلوا الكثير من المسلمين. وأما المازيارية فهم أتباع مازيار. وكانت لهم ليلة يجتمعون فيها على الخمر والزمر. رجالهم ونساؤهم، فإذا طفئت السرج افتض الرجال النساء.. انتهى مختصرا عن مختصر الفرق بين الفرق ص162، وانظر ص74 من الاعتقادات للرازي وص31 من كشف أسرار الباطنية للحمادي. ولعله لقب عام يصدق على كل طائفة تستبيح لنفسها ما حرمه الله سبحانه، ولعل القراء على ذكر مما نشرته الصحف عن إحدى الطرق الصوفية التي استباح شيخها لنفسه أعراض أتباعه رجالا ونساء، مما يؤكد لهم أن كل طريقة صوفية: إنما هي امتداد لفرقة سابقة ناهضت الإسلام، ونابذت شرعته.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٦)
زعموا أن ظواهر الشريعة [5] وأكثر ما جاءت به الرسل من الأخبار عما كان ويكون من أمور الآخرة والحشر والقيامة والجنة والنار، ليس منها شيء على مقتضى لفظها، ومفهوم خطابها، وإنما خاطبوا بها الخلق على جهة المصلحة، إذ لم يمكنهم التصريح لقصور أفهامهم1؛ فمضمن2 مقالاتهم إبطال الشرائع، وتعطيل الأوامر والنواهي، وتكذيب الرسل والارتياب فيما أتوا به. وكذلك نكفر من ذهب مذهب بعض القدماء في أن [في] 3 كل جنس من الحيوان نذيرا ونبيا من القردة والخنازير والدواب والدود [ويحتج بقوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ4} [النور: 35] إذ ذلك يؤدي إلى أن توصف أنبياء هذه الأجناس--------------------------------------------
1 يقول ابن سينا "أما أمر الشرع فينبغي أن يعلم فيه قانون واحد، وهو أن الشرع والملل الآتية على لسان نبي من الأنبياء يرام بها خطاب الجمهور كافة. ثم من المعلوم الواضح، أن التحقيق الذي ينبغي أن يرجع إليه في صحة التوحيد من الإقرار بالصانع موحدا مقدسا؛ ممتنع إلقاؤه إلى الجمهور. ثم لم يرد في القرآن من الإشارة إلى هذا الأمر الأهم شيء، ولا أتى بصريح ما يحتاج إليه من التوحيد بيان مفصل، وإذا كان الأمر في التوحيد هكذا، فكيف فيما هو بعده من الأمور الاعتقادية" باختصار عن رسالة الأضحوية لابن سينا من ص44.
وهكذا يدين الفلاسفة ومخانيثهم الصوفية بأن ليس في القرآن ما يهدي النفس إلى التوحيد أو يبين للفكر ما يجب اعتقاده في الله، وغير هذا من الأمور التي هي قوام الدين وملاكه. يدينون بهذا الإلحاد، ويقررونه في كتبهم في جرأة بالغة السفه والقحة والجحود بآيات الله التي تقرر في جلاء وإشراق ما يجحد به الفلاسفة.
2 في الأصل: فمضمون، وهي كما أثبتها في الشفاء.
3 ساقطة من الأصل. وأثبتها عن الشفاء.
4 القائلون بهذا هم الحائطية أتباع أحمد بن حائط، أحد أصحاب النظام =
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٧)
بصفاتهم المذمومة، وفيه من الإزراء على هذا المنصب المنيف ما فيه، مع إجماع المسلمين على خلافه، وتكذيب قائله1" ا. هـ.
قلت: فكيف بمن يدعي أن الإله عين كل شيء من ذلك2؟.
"وكذلك وقع الإجماع على تكفير كل من دافع نص الكتاب، أو خص3 حديثا مجمعا على نقله، مقطوعا به، مجمعا على حمله على ظاهره، كتكفير الخوارج بإبطال الرجم؛ ولهذا نفكر من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو توقف فيهم أو شك، أو صح مذهبهم، وإن أظهر مع ذلك الإسلام واعتقده، واعتقد إبطال كل مذهب سواه، فهو كافر بإظهاره4 ما أظهر من خلاف 5 ذلك". ا. هـ.
قلت: فكيف بمن يقول: أن جميع الخلق من أهل الملل وغيرها على صراط مستقيم6، وأن فرعون مات طاهرا مطهرا7 بعد النص القطعي على أنه--------------------------------------------
= انظر ص20 من كتاب الفرق الإسلامية محمود البشبيشي. وما بين هذين [] أثبته عن الشفاء.
1 ص296، 270ج2 من الشفاء.
2 أي: من القردة والخنازير والدواب والدود التي كفر القاضي عياض من يزعم النبوة لشيء منها. وافتراء أن الإله عين كل شيء من هذه وغيرها، هو دين ابن عربي وأحلاس زندقته. لإيمانه بوحدة الوجود.
3 كذا بالأصل. وبصلب الشفاء أيضا، ولكن على هامش الشفاء ط الآستانة تصويب هو "أو نص حديث مجمع على نقله مقطوع به، مجمع على حمله على ظاهره" وهو هكذا في الشفاء. ط المطبعة الأزهرية بشرح القارئ. وهذا هو الصواب. بدليل ما كفر به الخوارج، وهو إبطالهم للرجم، والرجم إنما نصت عليه السنة لا القرآن فتكون العلة في تكفير القاضي لهم هي مخالفتهم لنص حديث.
4 في الأصل: وما. والتصويب من الشفاء.
5 ص510 ج4 ط المطبعة الأزهرية بشرح القاري.
6 هذا دين ابن عربي لإيمانه بوحدة الأديان.
7 سيأتي النص بلفظه.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٨)
من أهل النار؛ بقوله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} [يونس: 83] {وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} [النساء: 43] .
وقال:1 إن كل عابد شيئا فهو عابد لله، وحرف ما أخبر به عن عذاب قوم نوح وهود، ونحوهم بما سيأتي من أن ما حل بهم أعقبهم راحة وعذوبة، وأن الله تعالى كان ناصرهم على أنبيائه، فإن العداوة ما كانت إلا بينهم وبينهم؟
قال2: "وكذلك نقطع بتكفير كل من كذب، وأنكر قاعدة من قواعد الشرع3" ثم قال: "وأجمع فقهاء بغداد أيام المقتدر من المالكية، وقاضي قضاتها أبو عمرو المالكي على قتل الحلاج4 وصلبه لدعواه الإلهية، والقول بالحلول، وقوله: أنا الحق، مع تمسكه في الظاهر بالشريعة، ولم يقبلوا توبته، وكذلك حكموا في ابن أبي الغراقيد5.--------------------------------------------
1 أي: ابن عربي.
2 أي: القاضي عياض.
3 ص272 ج2 الشفاء ط الآستانة.
4 هو الحسين بن منصور ولد سنة 244هـ وهلك مصلوبا سنة 309. وفي عصره ثم انتقال التصوف من جانبه العملي إلى جانبه النظري. فبدأ الصوفية يتحدثون عن ماهية الإله، وعن حقيقة العلاقة التي تربط الإنسان بالله: وقد آمن الحلاج بثنائية الطبيعة الإلهية باللاهوت والناسوت، وآمن بحلول اللاهوت في الناسوت. والحلاج في هذا متأثر بالمسيحيين السريان الذين استعملوا اللاهوت والناسوت للدلالة على طبيعتي المسيح. يقول في الطواسين ص134:
أنا من أهوى، ومن أهوى أنا … نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته … وإذا أبصرته أبصرتنا
ويقول في ص51 "أنا الحق، وصاحبي وأستاذي إبليس وفرعون".
5 هو محمد بن علي أبو جعفر الشلمغاني. كان يعتقد أنه إله الآلهة، وأن الله سبحانه يحل في كل شيء على قدر ما يحتمل، وأنه قد حل في آدم، وفي إبليس، وأن الله تعالى إذا حل في جسد أظهر من القدرة والمعجزة ما يدل على أنه هو الله له كتاب اسمه الحاسة السادسة، صرح فيه برفض الشريعة وإباحة اللواط. وزعم أنه إيلاج نور الفاضل في المفضول، ولذا أباح أتباعه نساءهم له، طمعا في إيلاج نوره فيهن. وكان يسمي محمدا وموسى بالخائنين، زعما منه أن هارون أرسل موسى، وأن عليا أرسل محمدا فخاناهما. صلب في خلافة الراضي سنة 322 انظر الكامل لابن الأثير ج6 ص241، والشذرات ج2 ص293، ومختصر الفرق ص160.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٩)
وكان على [نحو] 1 مذهب الحلاج، بعد هذا أيام الراضي وقاضي قضاة بغداد يومئذ أبو الحسين بن أبي عمر المالكي2" ا. هـ.
قلت: فكيف بمن يقول صريحا: إن الخلق هو الحق3، والحق هو الخلق، والحق هو الإنسان الكبير، وهو حقيقة العالم وهويته؟!
وقال شيخ الإسلام الشيخ محيي الدين النووي الشافعي في كتاب الردة الروضة4 مختصر الرافعي. قال المتولى: "من اعتقد قدم العالم، أو حدوث [4] الصانع -إلى أن قال- أو أثبت له الانفصال، أو الاتصال، كان كافرا5" ا. هـ.--------------------------------------------
1 ساقطة من الأصل. وأثبتها عن الشفاء.
2 ص282 ج2 الشفاء.
3 يعني الصوفية بالحق: الله تبارك وتعالى.
4 لعله سقط حرف "من" قبل لفظ الروضة.
5 في التصريح بنفي الاتصال والانفصال معا في آن واحد، وعن ذات واحدة خلل منطقي. فهما يتقابلان تقابل السلب والإيجاب، فيلزم من انتفاء أحدهما ثبوت الآخر. وفيهما أيضا إجمال واشتباه، فقد يعني بالانفصال أنه سبحانه بائن من خلقه مستو على عرشه، ليس كمثله شيء. وهذا حق يؤمن به من أسلم قلبه لله، ووحده توحيدا صادقا في ربوبيته وآمن بأسمائه وصفاته كما هي في القرآن والسنة.
وقد يعني بالانفصال أنه سبحانه لا يتصل بالعالم صلة خلق أو تدبير، أو علم منه سبحانه، أعني نفي كونه خالقا عليما يدبر الأمر، أو أنه سبحانه ليس لإرادته، أو قدرته أثر في مقادير الوجود، وغير ذلك مما يدين به الفلاسفة، ومرادهم منه =
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٠)
قلت: فكيف بمن يصرح بأنه 1 عين كل شيء؟ قال: "والرضى بالكفر كفر". قلت: فكيف بمن يصوب كل كفر، وينسب ذلك التصويب إلى نقل الله تعالى له عن نبيه هود عليه السلام؟
ويقول: إن الضلال أهدى من الهدى؛ لأن الضال حائر، والحائر دائر--------------------------------------------
= نفى الخالق القادر المريد المختار. وهذا كف ر يجحد بالربوبية والإلهية.
وكذلك الاتصال: فقد يراد به أن سبحانه يدبر الكون، ويصرف الليل والنهار، ويسخر الشمس والقمر، ويحيط علمه بكل شيء كليا كان أو جزئيا، وتشمل قدرته كل شيء، وغير هذا مما يشهد بكمال الربوبية. وهذا حق لا يتم الإيمان إلا به. وقد يعني به مفهومه الصوفي، أي: إنه سبحانه حال في كل شيء، أو متحد بكل شيء، أو إنه عين كل شيء، أو إنه هو الوجود الساري في كل موجود، ومن يدين بهذا فهو زنديق، أو مجوسي، أو بتعبير أدق: صوفي. فالصوفية مرادفة لكل ما يناقض الإيمان الحق، والتوحيد الحق. لذا يجب على كل من يخبر عن الله أو صفاته أو أسمائه أن يلتزم حدود ما أخبر الله به عن نفسه، وأخبر الرسول به عن ربه. وإلا تزندق، أو تمجس كالصوفية، وألحد كالفلاسفة، وضل كالمتكلمين، ألم تر إلينا نحن البشر كيف نعيب فلانا بأنه لم يكن دقيق التعبير عن المذهب الفلسفي أو الأخلاقي، أو الفنى لفلان، أولم يكن مهذبا فيما تحدث به عن فلان، أوخاطب به فلانا، بل قد نذهب في مذمته كل مذهب، حتى نتهمه بالعي والفهاهة والسفه، فكيف -ولله المثل الأعلى- نطلق للقلم العنان فيما يكتب عن الله، مما يصوره له الأفن والوهم عن ذات الله وصفاته؟ وكيف نستبيح -سادرين- الإخبار عن الله سبحانه بما لا يجب، وما لا يرضي، وما لم يخبر به عن نفسه. ونصف هذه الجرأة الكافرة بأنها حرية فكرية أو تجاوب مع العقل، أو استيحاء من الذوق!! ولقد كان من نتائج هذه الحرية المزعومة -والحق أنها عبودية للوهم وللشيطان- أن آمن بعض الناس برب لا يوصف إلا بالسلب، أي: بالعدم نعتوه ربا. أو برب هو عين العبد. أو بإله يجب أن يعبد في كل شي؛ لأنه عين كل شي، فلتمجد العبودية ربوبية الله، بما يحب سبحانه وحده أن تمجد به.
1 أي: الله سبحانه.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣١)
حول القطب1 والمهتدي سالك في طريق مستطيل، فهو بعيد عن القطب؟! وسترى ذلك كله في عبارته2 صريحا.
ثم نقل الشيخ محيي الدين النووي عن الحنفية -مرتضيا له- قائلا: "إن إطلاق أصحابنا يقتضي الموافقة عليه. أنه إذا سخر بوعد الله تعالى، أو بوعيده كفر. ولو قال: لا أخاف القيامة؛ كفر" ا. هـ.
قلت: فكيف بمن يقول: إنه ليس لوعيد الله عين تعاين، وأن الآخرة موضع السعادة لكل أحد، والمعذب منعم بعذابه؟!.
ثم نقل الشيخ عن القاضي عياض، مرتضيا له: "أن من لم يكفر من دان بغير الإسلام، كالنصارى، أو شك في تكفيرهم، أو صحح3 مذهبهم، فهو كافر، وإن أظهر مع ذلك الإسلام، واعتقده، قال: وكذا نقطع بتكفير كل قائل قولا يتوصل به إلى تضليل الأمة، أو تكفير الصحابة4".
ثم قال5 في الباب الثاني في أحكام الردة: "إن حكمها إهدار دم المرتد، فيجب قتله إن لم يتب، سواء كان الكفر الذي ارتد إليه كفرا ظاهرا، أو غيره ككفر الباطنية" ا. هـ.--------------------------------------------
1 القطب عند الصوفية عبارة عن "الواحد الذي هو موضع نظر الله في الأرض في كل زمان، أعطاه الطلسم الأعظم من لدنه، وهو يسري في الكون وأعيانه الباطنة والظاهرة سريان الروح في الجسد، ويفيض روح الحياة على الكون الأعلى والأسفل". وستعرف مما سنذكره عن خصائص القطب أن ابن عربي يريد بالقطب هنا الله سبحانه وهو في زعمه متعين في صورة الحقيقة المحمدية.
2 أي: عبارة ابن عربي، فكل ما يذكر المؤلف دائما بعد قوله: قلت فكيف بمن يقول … هو من دين ابن عربي.
3 في الأصل: صح.
4 انظر ص271 ج2 من الشفاء.
5 أي: النووي.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٢)
وقال الإمام شرف الدين إسماعيل بن المقري في مختصر الروضة: "فمن اعتقد قدم العالم -إلى أن قال- أو شك في تكفير اليهود والنصارى، وطائفة ابن عربي؛ كفر، لا إن جعل لقرب إسلامه أو بعده عن المسلمين"1. ا. هـ.
الباطنية2
قال الإمام محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في كتاب الملل والنحل: "وإنما لزمهم -يعني الباطنية- هذا اللقب لحكمهم بأن لكل ظاهر باطنا، ولكل تنزيل تأويلا، ولهم ألقاب كثيرة سوى هذه على لسان قوم [قوم] 3 فبالعراق يسمون الباطنية والقرامطة4 والمزدكية، وبخراسان: التعليمية والملحدة، وهم يقولون: نحن إسماعيلية5، لأنا نميز عن فرق الشيعة بهذا الاسم، وهذا--------------------------------------------
1 كذا بالأصل. وفي الكلام اضطراب. فليحرر.
2 يقول أبو المظفر الإسفرايني في التبصر ص84: "إن الذين وضعوا دين الباطنية كانوا من أولاد المجوس، وكان ميلهم إلى دين أسلافهم، ولكنهم لم يقدروا على إظهاره مخافة سيوف المسلمين".
3 ساقطة من الأصل، وأثبتها عن الملل والنحل.
4 طائفة سياسية دينية اتخذت الدعوة إلى إسماعيل بن جعفر الصادق وسيلة إلى تحقيق أغراضها السياسية والدينية، هي قلب الدولة الإسلامية، وبعث المجوسية الفارسية، وقد عرفت بهذا نسبة إلى حمدان بن الأشعث المعروف بقرمط، وكان في أول أمره أكارا من أكرة سواد الكوفة، وقد ظهر بدعوته الملعونة أيام المأمون، وقد نجحت هذه الفرقة في إقامة دولة لها في بلاد البحرين، وجعلت الأحساء عاصمة لدولة القرامطة.
5 فرقة من الشيعة الإمامية، تزعم أن الإمامة انتقلت من جعفر الصادق -وهو الإمام السادس للشيعة- إلى ولده إسماعيل. ومنهم الفاطميون. وهم الآن فريقان: البهرة السليمانية أتباع أغا خان وهم في الهند وزنجبار والشام، يرون في زعيمهم إلها مقدسا يصير كل ما مسه مقدسا. ومباذل هذا الإله وتهتكاته مشهورة =
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٣)
الشخص -يعني إسماعيل بن جعفر- ثم إن الباطنية القديمة خلطوا كلامهم ببعض كلام الفلاسفة، وصنفوا كتبهم على ذلك المنهاج، فقالوا في الباري تعالى: إنا لا نقول: هو موجود، ولا: لا موجود، ولا عالم، ولا جاهل، ولا قادر، ولا عاجز وكذلك في جميع الصفات، فإن الإثبات الحقيقي يقتضي شركة بينه وبين سائر الموجودات في الجهة التي أطلقناها عليه، وذلك تشبيه، فلم يمكن الحكم بالإثبات المطلق، والنفي المطلق، بل هو إله المتقابلين، وخالق الخصمين، والحاكم بين المتضادين1، ونقلوا في هذا نصا عن محمد بن علي الباقر [7] أنه قال: لما وهب العلم للعالمين قيل: هو عالم، ولما وهب القدرة للقادرين قيل: هو قادر؛ فهو عالم قادر؛ بمعنى أنه وهب العلم والقدرة، لا بمعنى أنه قائم به العلم والقدرة، أو وصف بالعلم والقدرة، فقيل [فيهم] 2 إنهم نفاة الصفات حقيقة، معطلة الذات عن--------------------------------------------
= معروفة لرواد مواخير فرنسا، وغيرها، وأندية القمار. وأتاوته المفروضة على أتباعه تجعل منه قارون العصر الحديث. والفريق الثاني: هم البهرة الداودية. وهم أتباع طاهر سيف الدين، وينتشرون في بومباي وكراتشي وجبل حراز باليمن، وبعض جهات زنجبار. ولطاهر عليهم الكلمة النافذة التي لا ترد ولا تناقش، وكيف، وهو الإمام المعصوم؟ هذا وقد نشط دعاة الإسماعيلية في السنين الأخيرة نشاطا عجيبا غريبا في مصر، من مظاهره اتصال زعمائهم بشيوخ الأزهر، ونشر بعض أساتذة الجامعة بعض مخطوطاتهم التي كانوا أشد ما يكونون حرصا على إخفائها، ولا يخالطنا شك في أن غاية الناشر هي خدمة الحقيقة، ونحن نرحب بهذا النشر حتى يكون المسلمون على بينة من أمر هذه الطوائف التي تعمل جاهدة في سبيل أن تكون المجوسية دينا ودولة.
1 قال الحميري في الحور ص148: "وقالت الإسماعيلية: إن الله لا شيء، ولا: لا شيء لأن من قال إنه شيء فقد شبهه، ومن قال إنه لا شيء فقد نفاه. فقالوا فيه بالنفي والإثبات جميعا" اقرأ كتاب راحة العقل للكرماني ففيه تفصيل مذهبهم.
2 أثبتها نقلا عن الملل والنحل.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٤)
جميع الصفات قالوا وكذلك نقول في القدم إنه ليس بقديم ولا محدث بل القديم أمره وكلمته والمحدث خلقه وفطرته انتهى
وقول ابن عربي في الجمع بين التشبيه والتنزيه أشنع من هذا وأبشع وأقبح وأفظع
من هو الزنديق
قال الشيخ محي الدين النووي وسواء كان ظاهر الكفر أو زنديقا يظهر الإسلام ويبطن الكفر كذا فسر الزنديق في باب الردة في كتاب الفرائض وضعفه الأئمة
قال ابن الملقن في العمدة وقال في كتاب اللعان في الكلام على التغليظ إنه الذي لا ينتحل دينا قال وهذا أقرب لأن الأول هو المنافق وقد غايروا بينه وبين الزنديق
قال وقال الغزالي في الأصول الزنديق ضربان
زنديق مطلق
وهو الذي ينكر أصل المعاد حسا وعقلا وينكر الصانع وزنديق مقيد وهو الذي يثبت المعاد بنوع عقل مع نفي الآلام واللذات الحسية الجسمية وإثبات الصانع مع نفي علمه فهذه زندقة مقيدة بنوع اعتراف بتصديق الأنبياء انتهى
وسيأتي في آخر هذا الكتاب عن العلامة علاء الدين البخاري تحقيق معنى الزنديق وغيره من أسماء الكفرة
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٥)
على أن قتل المعتقد لمثل هذا لا بد منه، ولو توقفنا في تسميته. قال القاضي عياض: "وما رواه عن عمر بن عبد العزيز وجده وعمه من قولهم في القدرية: يستتابون، فإن تابوا، وإلا قتلوا1" وقال عيسى عن أبي القسم في أهل الأهواء من الأباضية2 والقدرية وشبههم ممن خالف الجماعة من أهل البدع والتحريف لتأويل كتاب الله تعالى: يستتابون أيضا أظهروا ذلك أو أسروه، فإن تابوا وإلا قتلوا، وميراثهم لورثتهم. وقال مثله ابن القسم في كتاب محمد في أهل القدر.. وقد انتهى بنا المقال الدال على كفر من اعتقد ما قاله من الضلال، وهذا حين الشروع في سوق كلامه الموضح لفساد طويته، وقبح مرامه.--------------------------------------------
= الصوفية من المشرق والمغرب كانوا يفدون إلى مصر، فتكسوهم الأوهام طيالس الدهاقين، وتصنع لهم التهاويل صور القديسين، كالبخاري والشاذلي والبدوي وغيرهم فلم كانوا يفدون إلى مصر بالذات، ولم كانوا يجدون حتى يستذلوا القلوب بهواهم؟ والملحوظ أن أكثر هؤلاء الصوفية وفدوا إلى مصر بعد طرد الفاطميين منها. والمشاهد الذي يلمسه اليقين بالحقيقة أن عقائد كثير من المسلمين في مصر تأثرت بدعوة هؤلاء الصوفية، حتى صارت ذات رحم ماسة بالمجوسية الفاطمية. قد تستطيع الإجابة عن تلك الأسئلة إذا ربطت بين المقدمات والنتائج، وإذا كنت على بينة من أن التصوف العملي يدين بعبادة مشاهد آل البيت، سواء أكانت صحيحة النسبة إليهم أم زائفتها، وإذا كنت على بينة أيضا من أن التصوف النظري يشابه عقيدة الفاطميين، ويشاكلها في التلبيس والتأويل، والمصدر والوسيلة والغاية. بل أقول: إنه هي في الظاهر والباطن والأهداف. تستطيع الإجابة عن تلك الأسئلة إذا تبينت كل هذا، بل ستدرك الجواب الصحيح، وبخاصة إذا قارنت بين ما ترتب من نتائج دينية وسياسية واجتماعية على الدعوة الفاطمية، وبين ما ترتب -وما زال- على الصوفية. قارن وتأمل وتجرد، تجد النتائج واحدة، تجد الجواب يدفعك دفعا إلى إدراكه، وهو أن الصوفية دعاة الفاطمية وأشباهها.
1 ص261 ج2 الشفاء.
2 إحدى فرق الخوارج أتباع عبد الله بن أباض، افترقوا فرقا كثيرة يجمعها القول بإكفار مخالفيهم من هذه الأمة ولا يزال منهم بقايا في عصرنا بطرابلس وزنجبار انظر ص61 من الفرق بين الفرق للبغدادي.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٦)
إفك وبهتان:
وأعظم الأمر أنه نسب كفره إلى إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الماحي لجميع الإشراك، المخلص لمتبعيه من حبائل سائر الأشراك، فقال في الخطبة1:
"أما بعد فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مبشرة [أريتها في العشر الآخر من محرم سنة سبع وعشرين وستمائة بمحروسة دمشق2] وبيده كتاب، فقال لي: هذا كتاب فصوص الحكم، خذه، واخرج به إلى الناس [ينتفعون به] ، فقلت: السمع والطاعة لله ولرسوله، وأولي الأمر منا [كما أمرنا] فحققت الأمنية، وأخلصت النية، وجردت القصد والهمة إلى إبراز3 هذا الكتاب كما حده لي رسول الله، صلى الله عليه وسلم [8] من غير زيادة ولا نقصان4.
فمن الله، فاسمعوا.. وإلى الله5 فارجعوا.. ا. هـ.
دفع ما افتراه على الرسول:
ولا شك أن النوم والرؤيا في حد ذاتهما في حيز الممكن، لكن ما أصله من مذهبه الباطل ألزمه أن يكون ذلك محالا، وذلك أن عنده أن وجود الكائنات هو الله، فإذن الكل هو الله، لا غير، فلا نبي ولا رسول، ولا مرسل، ولا مرسل إليه، فلا خفاء في امتناع النوم على الواجب، وفي امتناع افتقار الواجب إلى أن يأمره النبي بشيء في المنام، فمن هنا يعلم أنه لا يتحاشى من التناقض لهدم الدين بنوع مما ألفه أهله. نبه على ذلك الإمام علاء الدين البخاري في كتابه "فاضحة الملحدين، وناصحة الموحدين".--------------------------------------------
1 أي: خطبة كتاب الفصوص لابن عربي.
2 ما بين هذين [] ساقط من الأصل أو مختصر وأثبته عن فصوص الحكم.
3 في الأ صل: إيراد. وهي كما أثبتها في الفصوص.
4 اختصر المؤلف بعدها مقدار سبعة أسطر من مطبوعة الحلبي، ولو كان فيها ما يدفع عن الصوفية شبهة لأثبتها، حتى لا يتهم المؤلف بغير الأمانة في النقل.
5 في الأصل: وإليه. والتصويب من الفصوص.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٧)
إيمانه بأن الله إنسان كبير
ثم قال ابن عربي في فص حكمة إلهية في كلمة آدمية لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى [التي لا يبلغها الإحصاء] أن يرى أعيانها وإن شئت قلت أن يرى عينه في كون جامع يحصر الأمر [كله] لكونه متصفا بالوجود ويظهر به سره إليه فإن رؤية الشيء [نفسه] بنفسه ما هي مثل رؤية نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة
ثم قال فكان آدم عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المعبر عنه في اصطلاح القوم بالإنسان الكبير
ثم قال فسمى هذا المذكور إنسانا وخليفة فأما إنسانيته فلعموم
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٨)
نشأته، وحصره الحقائق كلها، وهو للحق بمنزلة إنسان العين من العين به يكون النظر، وهو المعبر عنه بالبصر؛ فلهذا سمي إنسانا، فإنه به ينظر1 الحق إلى خلقه، فيرحمهم2، فهو الإنسان الحادث الأزلي، والنشء الدائم الأبدي3".
ثم قال: "ولا شك أن المحدث قد ثبت حدوثه، ولما كان استناده إلى من ظهر عنه لذاته اقتضى أن يكون على صورته فيما ينسب إليه من كل شيء من اسم وصفة، ما عدا الوجوب4 الذاتي، فإن ذلك لا يصح في الحادث، وإن كان واجب الوجود، ولكن وجوبه بغيره، لا بنفسه5". ثم قال: "فوصف نفسه لنا بنا، فإذا شهدناه شهدنا نفوسنا، وإذا شهدنا شهد نفسه، ولا شك أنا كثيرون بالشخص والنوع، وأنا وإن كنا على حقيقة واحدة تجمعنا؛ فنعلم قطعا أن ثم فارقا به تميزت الأشخاص بعضها عن بعض، ولولا ذلك ما كانت الكثرة في الواحد"6.
آدم عند الصوفية:
ثم قال: فما جمع الله لآدم بين يديه إلا تشريفا، ولهذا قال لإبليس:--------------------------------------------
1 في الأصل: نظر - رحمهم.
3 ص 48-49 فصوص. وفي هذا النص يذكر ابن عربي رأيه في الإنسان، فيقرر أنه لاهوت وناسوت، أو هو الله سبحانه تعين في مادة. ولذا يجمع الإنسان بين صفات الأضداد -تماما كالذات الإلهية عندهم- فهو حق أزلي أبدي، قديم سرمدي باعتبار لاهوتيته. وهو
خلق حادث فان متجدد الصور، يتحول، ويجري في تيار الصيرورة باعتبار ناسوتيته. أي: باعتباره مادة، أو باعتبار صورته البدنية العنصرية. ولذا فالإنسان عندهم: حق خلق.
4 في الأصل: الوجود. والتصويب من الفصوص.
5 ص53 فصوص.
6 ص53 فصوص.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٩)
{مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 35] وما هو إلا عين جمعه1 بين [الصورتين] صورة العالم وصورة الحق [وهما يدا الحق2] ".
ثم قال: فما صحت الخلافة إلا للإنسان الكامل، فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق العالم وصوره، وأنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى، ولذلك قال فيه: كنت سمعه وبصره. ما قال كنت عينه وأذنه3.
زعمه أن الحق مفتقر إلى الخلق:
ثم قال: "ولولا4 سريان الحق في الموجودات بالصورة ما كان [9] للعالم وجود، كما أنه لولا تلك الحقائق المعقولة الكلية، ما ظهر حكم في الموجودات العينية، ومن هذه الحقيقة كان الافتقار من العالم إلى الحق في وجوده؛ شعر.
فالكل مفتقر، ما الكل مستغني … هذا هو الحق قد قلناه، لا نكني5--------------------------------------------
1 في الأصل: جمعت. والتصويب من الفصوص.
2 ص5 فصوص، وكل ما بين هذين [] ساقط من الأصل، وأثبته عن الفصوص.
3 ص55 فصوص، وسيأتي الرد على ما افتراه ابن عربي مستدلا في زعمه بهذا الحديث.
4 في الأصل: ولو. والتصويب من الفصوص.
5 ص58-59 فصوص: وابن عربي يعني "بالكل" الله والعالم، وكلاهما عنده مفتقر إلى الآخر إذ يدين بأنهما وجهان لحقيقة واحدة. ويفسر افتقار الخلق إلى الحق باحتياج الخلق إلى سريان الحق فيه، لينتقل من الثبوت -وكل شيء عند الزنديق ثابت قبل وجوده- إلى الوجود.
ثم إن الخلق عند ابن عربي ليس إلا أسماء الحق تعينت في صور بدنية عنصرية. ولذا لا يضاف الوجود إلى الخلق حقيقة. بل مجازا. فوجوده حقيقة عين وجود الحق. فإذا تحدث الصوفي عن عجل السامري مثلا قال عنه: إنه اسم من أسماء الله سبحانه تعين في صورة العجل. أو هو الحق تبارك وتعالى سمي عجلا! =
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٠)
التنزيه والتشبيه: 1
ثم قال في فص حكمه سبوحية في كلمة نوحية: "اعلم أن التنزيه عند أهل الحقائق في الجناب الإلهي عين التحديد والتقييد، فالمنزه إما جاهل، وإما صاحب سوء أدب، ولكن إذا أطلقاه2، وقالا به. فالقائل بالشرائع المؤمن إذا نزه ووقف عند التنزيه، ولم ير غير ذلك، فقد أساء الأدب، وأكذب الحق والرسل وهو لا يشعر، ويتخيل أنه في الحاصل، وهو في الفائت، وهو كمن آمن ببعض وكفر ببعض، ولا سيما وقد علم أن ألسنة الشرائع الإلهية، إذا نطقت في الحق تعالى بما نطقت به، إنما جاءت به في العموم على المفهوم الأول، وعلى الخصوص على كل مفهوم يفهم من وجوه ذلك اللفظ بأي لسان كان في وضع ذلك اللسان.--------------------------------------------
= وهذا تفسير آخر لافتقار الخلق إلى الحق عند الصوفية. أما افتقار الحق إلى الخلق، فيفسره ابن عربي بأنه احتياجه إلى تعين أسمائه وصفاته، بل ماهيته في صور خلقية. فلولا المادة عند ابن عربي ما ظهر للحق وجود. ولا تعينت له ذات، ولذا وضع الصوفية الحديث المفترى: "كنت كنزا مخفيا، فخلقت الخلق فبي عرفوني" وما زلت أذكر ذلك الشيخ الذي راح يشرح لنا هذا الحديث وأنا بمعهد طنطا، فكان مما قاله أن المراد بـ"فبي" محمد!! وكان دليله على خرافته أن العدد الناتج من حروف "فبي" يساوي العدد الناتج من حروف "محمد" فكلاهما على طريقة حساب الجمل: أبجد هوز إلخ = 92!
وكما صفقنا وانتشينا، ويذهب الطالب الصغير إلى قريته ويحدث الناس بهذا، فيطربون للصبي الصغير إذا جاءهم بعلم لدني رباني!.
1 يريد ابن عربي بالتنزيه الإطلاق، وبالتشبيه التقييد، فإله الصوفية مشبه إذا نظرت إليه من حيث تعيناته في صور خلقية. وهو منزه إذا نظرت إليه من حيث كونه وجودا مطلقا، والعارف الحق عندهم من يؤمن برب كان مطلقا، ثم تعين فصار مقيدا، أي: خلقا. أما من يؤمن بأن الله غير خلقه، فهو ضال مشرك، إذ يؤمن بغير ما من الأغيار.
2 في الأصل: أطلقناه.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤١)