بم يعرف الله عند الصوفية؟:
فإن للحق في كل خلق ظهورا، فهو الظاهر في كل مفهوم، وهو الباطن عن كل فهم، إلا عن فهم من قال إن العالم صورته وهويته1، وهو الاسم الظاهر، كما أنه بالمعنى روح ما ظهر، فهو الباطن. فنسبته لما ظهر من صور العالم نسبة الروح المدبر للصورة، فيؤخذ في حد الإنسان مثلا باطنه وظاهره، وكذلك كل محدود. فالحق محدود بكل حد 2، وصور العالم لا تنضبط، ولا يحاط3 بها، ولا تعلم حدود4 كل صورة منها إلا على قدر ما حصل لكل عالم من صورته5، فلذلك يجهل حد الحق، فإنه لا يعلم حده إلا بعلم حد كل صورة. وهذا محال حصوله، فحد الحق محال، وكذلك من شبهه، وما نزهه، فقد قيده وحدده، وما عرفه، ومن جمع في معرفته بين التنزيه والتشبيه، ووصفه بالوصفين--------------------------------------------
1 الهوية عند الصوفية هي كما عرفها الجيلي في الإنسان الكامل ص67ج1 "هوية الحق غيبة الذي لا يمكن ظهوره، لكن باعتبار جملة الأسماء والصفات". والجرجاني في التعريفات "هي الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق". والعالم عند الصوفية ظاهر الله وباطنه، أو صورته وحقيقته.
2 الحد هو أكمل أنواع التعريف، ولما كان كل شيء هو الله عند الصوفية كان حد كل شيء هو في الحقيقة حدا لله سبحانه، فإذا أراد الصوفي وضع تعريف لله سبحانه أخذ في حده حد كل موجود، إذ الكل تعينات الذات، ولما كانت هذه التعينات لا تتناهى، ولا يمكن
أن يحاط بها، امتنع تبعا لهذا تناهي الحدود التي يمكن حد الله سبحانه بها، وامتنعت الإحاطة بهذه الحدود. وسيأتي بعد زيادة بيان عما يريده الصوفية بهذه الزندقة.
3 في الأصل: يحاد. والتصويب من الفصوص.
4 في الأصل: يعلم حد.
5 في الأصل: صورة.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٢)
على الإجمال -لأنه يستحيل ذلك على التفصيل، لعدم الإحاطة بما في العالم من الصور- فقد عرفه [مجملا1] ، لا على التفصيل، كما عرف نفسه مجملا، لا على التفصيل ولذلك ربط النبي صلى الله عليه وسلم معرفة الحق بمعرفة النفس، فقال: "من عرف نفسه، فقد عرف ربه2". وقال الله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ} [فصلت:53] وهو ما خرج عنك {وَفِي أَنْفُسِهِمْ} وهو عينك {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ} ، أي: للناظر {أَنَّهُ الْحَقُّ} 3 أي: من حيث إنك صورته، وهو روحك، فأنت له كالصورة الجسمية لك، وهو لك كالروح المدبر لصورة جسدك، والحد يشمل الظاهر والباطن منك، فإن الصورة الباقية إذا زال عنها الروح المدبر لها، لم تبق إنسانا، ولكن يقال فيها: إنها صورة تشبه صورة الإنسان، فلا فرق بينها وبين صورة من خشب أو حجارة، ولا ينطلق عليها اسم إنسان إلا بالمجاز، لا بالحقيقة وصور العالم لا يمكن زوال [10] الحق عنها أصلا، فحد الألوهية له4 بالحقيقة،--------------------------------------------
1 أثبتها عن الفصوص.
2 ليس بحديث. قال النووي: ليس بثابت، وابن تيمية: موضوع. ويريد الصوفية به أن من عرف نفسه، عرف أنه هو الله.
3 تأمل كيف يفسر آي الله، ويضع للحق معنى الباطل، وللإيمان مدلول الكفر. وحق ما يقول جولدزيهر "إذا حملت العبارات الدينية المعاني التصوفية، وفسرت تلك بهذه، تكون دلالة تلك العبارات على هذه المعاني أشبه بدلالة الرموز على ما جعلت رمزا له، وبعبارة أخرى تكون دلالتها عليها على غير العرف العام للغة، وعلى غير الجاري في إطلاق ألفاظها على معانيها، وفهم هذه من تلك، ولكنهم في سبيل غايتهم لا يحفلون برعاية هذا العرف العام للغة، وربما على العكس يتجاوزونه قصدا" انظر جـ2 من الجانب الإلهى لأستاذنا الدكتور محمد البهي.
4 الضمير في "له" يعود على العالم. والحد كما سبق أتم أنواع التعريف، ولما كان ابن عربي يدين بأن الحق عين كل شيء، فإنه يزعم هنا أنه يجب تعريف كل شيء بأنه إله، أو بما نعرف به الله سبحانه، فإذا سئل الصوفي عن خنزير أو صنم ما هو؟ عرفه بأنه هوية الله وظاهره، ونسب إليه اسما وصفة من أسماء الله سبحانه وصفاته.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٣)
لا بالمجاز، كما هو حد الإنسان إذا كان حيا، وكما أن ظاهر صورة الإنسان تثنى بلسانها على روحها ونفسها، والمدبر لها، كذلك جعل الله تعالى صورة العالم تسبح بحمده، ولكن لا نفقه تسبيحهم، لأنا لا نحيط بما في العالم من الصور، فالكل ألسنة الحق، ناطقة بالثناء على الحق، ولذلك قال: الحمد لله رب العالمين، أي: إليه ترجع عواقب الثناء، فهو المثني والمثنى عليه شعر.
فإن قلت بالتنزيه، كنت مقيدا … وإن قلت بالتشبيه، كنت محددا
وإن قلت بالأمرين، كنت مسددا … وكنت إماما في المعارف سيدا
فمن قال بالإشفاع، كان مشركا1 … ومن قال بالإفراد، كان موحدا
فإياك والتشبيه، إن كنت ثانيا … وإياك والتنزيه إن كنت مفردا
فما أنت هو2، بل أنت هو3، وتراه في … عين4 الأمور مسرحا ومقيدا--------------------------------------------
1 أي: من آمن بوجود الحق، وبوجود الخلق على أنهما وجودان متغايران أو حقيقتان منفصلتان متباينتان؛ فهو مشرك. لأنه جعل وجود الخلق، غير وجود الحق، وجعل الحق غير الخلق أي: جعل الواحد اثنين، وغاير بين الإله وبين نفسه وهذا شرك عند الصوفية. أما الموحد عندهم فهو من يؤمن بأن الحق عين الخلق، وجودا وماهية.
2 باعتبار الإطلاق.
3 باعتبار التعين. ولاحظ التناقض المتوتر بين السلب والإ يجاب اللذين يجعلهما ابن عربي شيئا واحدا.
4 في الأصل: عيون.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٤)
قال الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] فنزه {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} فشبه1] وقال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فشب وثنى {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} فنزه وأفرد2.--------------------------------------------
1 ما بين هذين [] ساقط من الأصل وأثبته عن الفصوص.
2يريد ابن عربي بهذا التلبيس في فهم الآية أن يقول: إن اعتبرت الكاف زائدة في: كمثله كان معنى الآية: ليس مثله شيء، وبذا تنتفي المثلية. وهذا تنزيه. ولكن في قوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} تشبيه؛ لأنه أثبت لنفسه -هكذا يفهم الزنديق- عين ما للخلق من سمع وبصر. وهذا يستلزم كون ذات الحق عين الخلق …
وإن اعتبرت الكاف غير زائدة في "كمثله" كان معنى الآية: ليس مثل مثله شيء. يعني أنها تثبت المثلية. وهذا تشبيه. ولكن في قوله "وهو" نفي للمثلية؛ لأن الضمير للمفرد. وهذا تنزيه يفيد أنه هو وحده الذي يسمع ويبصر في صورة كل من يتأتى منه أن يسمع وأن يبصر. أي: هو عين كل سميع وبصير!!
هذا ما يفهمه الزنديق في الآية يهدف به إلى إثبات أن لله وجهين. وجه يسمى الحق، والآخر يسمى الخلق، وأنه لا يمكن تسميته حقا فحسب، أو خلقا فحسب، بل يسمى حقا خلقا في آن واحد. وتعقيبه للآية أولا بقوله: فنزه على اعتبار زيادة الكاف، وتعقيبها ثانيا بقوله: فشبه وثنى على اعتبار عدم زيادة الكاف!! وإليك الحق يهتك باطله: قال صاحب المغني، وهو يعدد معاني الكاف "التوكيد وهي الزائدة نحو ليس كمثله شيء. قال الأكثرون: التقدير ليس شيء مثله، إذ لو لم تقدر زائدة صار المعنى ليس شيء مثل مثله، فيلزم المحال، وهو إثبات المثل، وإنما زيدت لتوكيد نفي المثل، لأن زيادة الحرف بمنزلة إعادة الجملة".
وابن عربي قرر هذا بيد أنه لبس في تفسير {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} إذ فسرها بأنه سبحانه يسمع كما يسمع العبد، وبنفس الأذن التي يسمع بها، ليزعم من وراء هذا الباطل أنه سبحانه عين من يسمعون، ومن يبصرون، لأن جوارحهم وحواسهم هي عين جوارح الإله الصوفي وحواسه، فتكون ذواتهم عين ذاته. والآية ناطقة بإبطال هذا الكفر الفاجر. فما فيه سميع كما تسمعون أو بما تسمعون وإنما هي =
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٥)
تكفير الصوفية لنوح:
لو أن نوحا جمع لقومه بين الدعوتين لأجابوه: فدعاهم جهارا، ثم دعاهم إسرارا، ثم قال لهم: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} [نوح: 10] وقال: {إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَارًا} [نوح: 5، 6] وذكر عن قومه أنهم تصامموا عن دعوته، لعلمهم بما يجب عليهم من إجابة دعوته، فعلم العلماء بالله ما أشار إليه نوح عليه السلام في حق قومه من الثناء عليهم بلسان الذم، وعلم أنهم إنما لم يجيبوا دعوته لما فيها من الفرقان، والأمر قرآن لا فرقان، ومن أقيم في القرآن لا يصغى إلى الفرقان، وإن كان فيه. فإن القرآن1 يتضمن--------------------------------------------
= لإثبات أن الله سبحانه له صفتا السمع والبصر، وأنه لإعجاز حكيم أن يجيء الإثبات بعد النفي، حتى يستقر اليقين في القلب بأنه سبحانه لا يماثله شيء، ولا يماثل هو شيئا، فإذا أثبت الله بعد هذا النفي المؤكد لنفسه صفتي السمع والبصر، فهم فيهما المؤمن ما يليق بجلال الله وكبريائه وربوبيته، لا ما استقر في الوعي مما يشهده الحس في الخلق فسبق النفي تصفية للفهم والقلب والفكر، من زيغ المثلية، وإعداد لتلقي ما يرد بعده من إثبات تلقي إيمان ويقين لا يمسه وهم من التشبيه، أو طائف من المثلية.
أما إذا اعتبرت الكاف غير زائدة، فلا يفيد هذا مطلقا إثبات المثلية، لأن سياق الآية ينفيها، والضمير "هو" ينفيها كذلك، ثم إن العرب -والقرآن عربي- كانوا إذا بالغوا في نفي المثلية قالوا: مثلك لا يفعل كذا، ومرادهم نفي الفعل عنه، لا عن مثله، ولكن إذا نفوه عمن هو على أخص أوصافه، فقد نفوه عنه بالأولى.
وعلى فرض، المستحيل فإن تلبيس ابن عربي يهدم باطله؛ لأن المثلية تستلزم الاثنينية، تثبت وجود اثنين في أحدهما غير ما في الآخر. وهو يدين بالوحدة المطلقة.
1 يريد ابن عربي بالقرآن: الجمع بين الحق والخلق، أي: إدراك أنهما وجهان لحقيقة واحدة سميت حقا باعتبار باطنها، وخلقا باعتبار ظاهرها، هذه الحقيقة: هي ماهية الله سبحانه، ويريد بالفرقان: التفرقة بينهما. ولذا يبهت نوحا عليه السلام بأنه جهل حقيقة الدعوة إلى الله سبحانه، أو بأنه مكر بقومه في دعوته، إذ دعاهم إلى الإيمان بالحق مجردا عن الخلق، أي: بأن الحق غير الخلق، ففصل نوح -هكذا =
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٦)
الفرقان، والفرقان لا يتضمن القرآن، ولهذا ما اختص بالقرآن إلا محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس، فـ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} يجمع الأمرين في أمر واحد، فلو أن نوحا أتى بمثل هذه الآية لفظا أجابوه، فإنه شبه ونزه في آية واحدة بل [في] نصف آية. ونوح دعا قومه "ليلا" من حيث عقولهم، وروحانيتهم، فإنها غيب، و"نهارا" دعاهم أيضا من حيث ظاهر صورهم وحسهم1، وما جمع في الدعوة مثل: ليس كمثله شيء، فنفرت بواطنهم لهذا الفرقان [فزادهم] فرارا، ثم قال عن نفسه: إنه دعاهم ليغفر لهم، لا ليكشف لهم2، وفهموا ذلك منه صلى الله عليه وسلم، لذلك: {جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي--------------------------------------------
= يفتري الزنديق- بجهله بين وجهي الحقيقة الواحدة، أوجعل -بمكره- الحقيقة الواحدة شيئا آخر غير نفسها، وفرق بين باطن الذات الإلهية -وهو الحق- وبين ظاهرها وهو الخلق، ولذا لم يستجب قومه لدعوته، إذ كانوا على بينة من الأمر، على علم صادق بالحقيقة، كانوا على يقين -ويقينهم هو الحق عند الصوفية- من أن الله سبحانه حق وخلق، مطلق ومقيد، رب وعبد. وأنه عين كل شيء، فعبدوه في بعض ما تعين فيه، وهي الأصنام. فدلوا بهذه العبادة على صدق الإيمان، وكمال التوحيد، لهذا يقول الزنديق: ما كان ينبغي لنوح، أن يمكر بقومه في دعوته، أو أن يضلهم عن السبيل السوي، فيدعوهم إلى الإيمان بأن الرب غير العبد وأن الحق غير الخلق، وأن المعبود غير العابد. وإنما كان واجبا على نوح أن يؤيد الحق الذي آمن به قومه، والهدى الذي كشف لهم عن كنه الحقيقة، وهي أن هذه الأصنام ما هي إلا ذات الله سبحانه، وأن عبادتهم لها عبادة حقة لله سبحانه!! فتأمل!! كيف يبهت رسولا من أولي العزم بالمكر أو بالجهل، وكيف يفضل عليه أوباش الوثنية، وعبد الشيطان!! ورغم هذا يظل الشيوخ يدينون لابن عربي بالعبودية.
1 في الأصل: جثتهم.
2 يريد الزنديق أن نوحا دعا قومه إلى مقام الستر المطلق، لا إلى مقام الكشف والظهور، والستر المطلق هو الحق المنزه عن التجلي في أية صورة خلقية.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٧)
آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ} وهذه كلها صور الستر التي دعاهم إليها، فأجابوا دعوته بالفعل، لا بلبيك ففي {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء} إثبات المثل ونفيه1، وبهذا قال عن نفسه صلى الله عليه وسلم: أنه أوتي جوامع الكلم. فما دعا محمد قومه ليلا ونهارا، بل دعاهم ليلا في نهار، ونهارا في ليل2، فقال نوح في حكمته لقومه: {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [نوح: 11] وهي المعارف العقلية في المعاني والنظر الاعتباري {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ} أي: بما يميل بكم إليه، فإذا مال بكم إليه، رأيتم [11] صورتكم--------------------------------------------
= ومقام الكشف تجلي الحق في صورة كل موجود، ويبهت نوحا بالخداع والمكر، إذ غفر -أي: ستر- عن قومه الحق العلوي الذي هم به مؤمنون. وهو أن أصنامهم بعض مجالي الله وظهوراته، وتعالى الله عما يأفك الصوفية.
1 تقدم الرد على يفتريه هنا.
2 يقصد بالليل باطن الذات الإلهية، وبالنهار ظاهرها. والباطن هو وجه الذات وغيبها المسمى حقا، والظاهر هو وجهها الآخر المسمى خلقا، ويذم نوحا بأنه دعا قومه ليلا ونهارا أي: إلى الإيمان بالحق -وهو الليل- وبالخلق، وهو النهار، وبأنهما غيران، ويمجد محمدا الذي يزعمه -وحاشا محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه جمع في دعوته بين الدعوتين، إذ دعا قومه إلى الإيمان بأن الحق عين الخلق. وعبر الفاجر الزنديق عن هذا بقوله: ليلا في نهار، أي: حقا في خلق. وإلى الإيمان بأن الخلق عين الحق، وهذا ما يعبر عنه الشيطان بقول: نهارا في ليل. أي: خلقا في حق. أي: قال لهم: الواحد عين الكثير، والكثير عين الواحد. وبهذا البهتان الأثيم يفضل ابن عربي محمدا المزعوم على نوح الذي جهل أو مكر، فغاير بين الحق والخلق! فتأمل! تأمل الشيخ الأكبر في عرف الزنادقة أي: الصوفية إلى أي حد تبلغ القحة في جراءة كفره، فيصم نوحا بالشرك والكفر، ويفتري على محمد صلى الله عليه وسلم أنه كان مشركا أصم الوثنية. ولكن كيف تعجب من رجل يجعل من الخنازير والجيف والقيح بما فيه من ميكروبات فتاكة، يجعل هذه آلهة له، وأربابا يفزع إليهم بالرجاء والأمل والحب والخوف.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٨)
فيه، فمن تخيل منكم أنه رآه فما عرف، ومن عرف منكم أنه رأى نفسه، فهو العارف، فلهذا انقسم الناس إلى غير عالم، وعالم "وولده1" وهو ما أنتجه لهم نظرهم الفكري، والأمر موقوف علمه على المشاهدة، بعيد عن نتائج الفكر "إلا خسارا" "فما ربحت تجارتهم" فزال عنهم ما كان في أيديهم مما كانوا يتخيلون أنه ملك لهم، وهو في المحمديين {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد: 7] وفي نوح {أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا2} [نوح: 2] فأثبت الملك لهم، والوكالة لله فيهم، فهم مستخلفون فيه، فالملك لله، وهو وكيلهم، فالملك لهم، وذلك ملك الاستخلاف، وبهذا كان الحق تعالى مالك الملك، كما قال الترمذي رحمه الله.
الدعوة إلى الله مكر عند الصوفية
{وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا} لأن الدعوة إلى الله تعالى مكر بالمدعو3؛ لأنه--------------------------------------------
1 فسر المدرار بالمعارف العقلية، والمال بما يميل بالإنسان إلى الله فيرى في الله سبحانه صورته، وفسر الولد بالنتاج الفكري، وهكذا يضع للغة القرآن ما شاءت زندقته من معان، وبمثل ما يفتري ابن عربي يعجب بعض ما يوصفون بأنهم من ذوي الفكر. ولو اتخذنا أسلوب ابن عربي قاعدة لنا في البيان ما بقيت للغة، بل ما بقيت حقيقة واحدة يمكن أن تجتمع عليها العقول.
2 الآية في بني إسرائيل، لا في قوم نوح.
3 يشرح القاشاني هذا بقوله "معناه: أن الدعوة إلى الله دعوة منه إليه، لأن الله عين الداعي والمدعو، والبداية والغاية، لكونه عين كل شيء" ص58 ط 1309 شرح القاشاني للفصوص. وأقول: يدين ابن عربي وعبد الطاغوت الصوفية أن الله سبحانه عين كل شيء، فإذا ما جاء الرسل، وأمروا بعبادة الله وحده، ونهوا عن عبادة غيره، عن عبادة العجل مثلا، والأصنام والكواكب وغيرها. فإن الصوفية يرون هذه الدعوة في مظهريها الإيجابي والسلبي مكرا وخداعا، إذ توحي إلى عبادة الأصنام والأوثان وغيرها أنهم يعبدون غير الله، والرسل يعلمون -هكذا يفتري الصوفية- أنه ما ثم غير، أو سوى، فكل ما عبد، أو سيعبد إنما هو الله. إذ كل معبود شيء، والله سبحانه عند الصوفية عين كل شيء.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٩)
ما عدم البداية، فيدعى إلى الغاية {أَدْعُو إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 108] فهذا عين المكر1".
قلت: فهذا وأشكال من قوله -كما يأتي في الفصل اليوسفي- يدندن به على تصحيح قول الكفار: إن القرآن سحر. ولا يقدر على التصريح به، ولقد أخبرني من أثق به أن بعض أتباعهم قال له: القرآن أساطير الأولين2.
ثم قالم ابن عربي: [مفسرا قول رب العالمين3] "عَلَى [بَصِيرَةٍ] " [يوسف: 108] فنبه على أن الأمر له كله، فأجابوه مكرا كما دعاهم، فجاء المحمدي، وعلم أن الدعوة إلى الله ما هي من حيث هويته، وإنما هي من حيث أسماؤه4، فقال: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} [مريم: 86] فجاء بحرف الغاية، وقرنها بالاسم فعرفنا أن العالم كله تحت حيطة اسم إلهي، أوجب عليهم 5 أن يكونوا متقين،--------------------------------------------
1 ص772-6 فصوص الحكم.
2 بل قال الفاجر التلمساني: "القرآن كله شرك ليس فيه توحيد"، وإنما التوحيد في كلامنا نحن" ص77 جـ 1 مجموعة الرسائل والمسائل.
3 وضعت ما بين هذين [] هنا من عندي حتي لا يظن بآية من القرآن أنها من كلام ابن عربي.
4 أي: ما يدعو الرسل إلى عبادة الله من حيث كونه حقا، أو وجودا مطلقا، بل من حيث كونه خلقا، أو وجودا مقيدا تعين في صورة بدنية عنصرية. فما من شيء إلا وهو -عند الصوفية- اسم من أسماء الله تعالى. تعين في صورة ذلك الشيء. إذ يدعو الرسل الصادقون -هكذا يكفر الصوفية- إلي عبادة الخنازير والقمل والضفادع، والبغايا والأواثم، والأجساد الفواجر؛ لأن هذه عند الصوفية أسماء الإله الذي يزعمونه.
5 في الأصل: فعلمنا أن النور كان تحت حيطة اسم إلهي أوجب عليه.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٠)
فقالوا1 في مكرهم {لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23] ، فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء فإن للحق في كل معبود وجها يعرفه من عرفه، ويجهله من جهله. في المحمديين: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [نوح: 23] أي: حكم2، فالعالم يعلم3 من عبد، وفي أي صورة ظهر حتى عبد، وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة4، وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية، فما عبد غير الله.--------------------------------------------
1 يعني قوم نوح الوثنيين.
2 بل أمر ووصى كما ستعرف.
3 في الأصل: يعلمه.
4 يشبه الحق والخلق، بالجسد وأعضائه في أن كليهما واحد في الحقيقة، كثير بالاعتبار فأنت إذا أفردت بالنظر كل عضو من أعضاء الجسم، فهو كثير، إذ ترى رأسا، ووجها، ويدين، وقدمين، وإذا نظرت إليه جملة وجدته واحدا.
وهذه الوحدة حقيقية، أما الكثرة فاعتبارية فحسب. وكذلك -هكذا يفتري الزنديق- الله والعالم. فالعالم في حقيقته ليس شيئا سوى الله، أو هو تعينات أسمائه برزت في صور مادية. كما أن أعضاء الجسم ليست شيئا آخر غير الجسم، بل هي هو. ومدلول جميعها مدلوله. ورغم ما في المثل من تلبيس وزندقة فإنه لا يصحح لابن عربي مذهبه، فاليد مثلا ليست هي كل الجسد، وإنما هي عضو، أو جزء منه. وابن عربي لا يقول عن شيء ما: إنه عضو الإله أو جزؤه، بل هو عنده عينه وكله!!
والذي يستلفت نظر المؤمن أن الغزالي سبق ابن عربي إلى استعمال هذا المثل في نفس ما استعمله فيه ابن عربي؛ إذ يقول، وهو بصدد بيان المرتبة الرابعة من التوحيد: "ألا ير ى في الوجود إلا واحدا"، وهي مشاهدة الصديقين. وتسمية الصوفية الغناء في التوحيد" ثم يشرح حال الموحد في هذه المرتبة، فيقول: "والرابع موحد بمعنى أنه لم يحضر في شهوده غير الواحد فلا يرى الكل من حيث إنه كثير، بل من حيث إنه واحد، فإن قلت: كيف يتصور ألا يشاهد إلا واحدا وهو يشاهد السماء والأرض، وسائر الأجسام المحسوسة وهي كثيرة؟ " يجيب الغزالي عن هذا بمثال يقرب في زعمه ذلك إلى الذهن، فيقول: "إن الإنسان كثير إن التفت إلى روحه وجسده وعروقه، وهو باعتبار آخر، ومشاهدة أخرى واحد، وكذلك كل ما في الوجود من الخالق والمخلوق له اعتبارات ومشاهدات كثيرة مختلفة، فهو باعتبار واحد من الاعتبارات واحد، وباعتبارات أخر سواه كثر" انظر باب التوحيد من كتاب الإحياء.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥١)
في كل معبود1".
تكفير العراق لابن عربي:
وقال شيخ شيوخنا الإمام القدوة العارف شيخ الإسلام حافظ عصره الشيخ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي في كراسة أجاب فيها سؤال من سأله عن بعض كلام ابن عربي هذا: "وقوله في قوح نوح: لا تذرن آلهتكم -إلى آخره- كلام ضلال وشرك واتحاد وإلحاد، فجعل تركهم لعبادة الأوثان التي نهاهم نوح عن عبادتها جهلا يفوت عليهم من الحق بقدر ما تركوا" ا. هـ.
قلت: يا ليت شعري من قال هذا القول في هذا العدد اليسير من الأصنام، ماذا يقول فيما روي في الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما2، فعجل يطعنها بعود في يده3، وجعل يقول: {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} [الإسراء: 18]--------------------------------------------
1 ص72 فصوص.
2 في البخاري "نصب". واحدة الأنصاب، وهو ما ينصب للعبادة من دون الله، ويراد به أيضا الحجارة التي كانوا يذبحون عليها للأصنام. غير أنها ليست مرادة هنا.
3 في مسلم عن أبي هريرة: [يطعن في عينيه بسية القوس] وفي حديث ابن عمر عند الفاكهي -وصححه ابن حبان- فيسقط الصنم ولا يمسه، وللفاكهي والطبراني من حديث ابن عباس "فلم يبق وثن استقبله إلا سقط على قفاه مع أنها كانت ثابتة بالأرض".
4 ورد في البخاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال بعد هذا: "جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد".
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٢)
وفي السير: أنها كانت [12] مثبتة في الأرض بالرصاص، فما أشار بذلك العود إلى صنم منها إلا انقلب. إن أشار إلى قفاه انكب على وجهه، وإن أشار إلى وجهه انقلب على قفاه1، وكان في جزيرة العرب من الأصنام ما يتعسر حصره، فما أبقى لشيء منها باقية، وما استباح قتالهم، ونهب أموالهم، وقتل رجالهم، ومزق أبطالهم، وركب من دون ذلك الأهوال العظام، وقاطع الأخوال والأعمام إلا على ذلك، فتبا لمن أنكره، أو رأى شيئا أكمل منه، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. ا. هـ.
كل شيء عندهم رب وإله:
قال ابن عربي: "فالأدنى من تخيل فيه -أي: في كل معبود- الألوهية، فلولا2 هذا التخيل، ما عبد الحجر ولا غيره، ولهذا قال: " [قل] سموهم" [الرعد: 33] ، فلو سموهم لسموهم حجارة3 وشجرا وكوكبا، ولو قيل لهم: من عبدتم؟ لقالوا: إلها. ما كانوا يقولون: الله. ولا الإله. والأعلى ما تخيل، بل قال: هذا مجلى إلهى ينبغي تعظيمه، فلا يقتصر 4، فالأدنى صاحب التخيل يقول: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] والأعلى العالم يقول: {فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ--------------------------------------------
1 انظر سيرة ابن هشام ص276جـ2 على هامش الروض الأنف.
2 في الأصل: ولولا.
3 في الأصل: حجرا.
4 أي: لا يقصر عبادته على شيء ما بعينه، بل يعبد كل شيء، حتى ما يعصف بنفسه من هوى، وما يترنح في فكره من أوهام، وسيأتيك من كلام ابن عربي ما يدلك على أنه يؤمن بأن الهوى أعظم مجالي الإله.
5 في الأصل: إنما إلهكم. ويفسرها الزنديق بأن العارف المكمل. هو من يقول لعباد الأوثان، ولعباد الكواكب، إن ما تعبدونه هو الإله الواحد، فالإله المتعين في أوثانكم عين المتعين في كواكبهم، فلا يقصر أحد منكم عبادته على شيء ما بعينه، أو يختص بها بعضا دون بعض، فإن إلهكم هو عين كل شيء.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٣)
فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} [السجدة: 34] الذين خبت نار طبيعتهم، فقالوا: إلها، ولم يقولوا طبيعة1".
قلت: وعلى هذا يحوم ابن الفارض2 بقوله، فالعلماء شهدوا فيه3 أنه من أهل الاتحاد.
الرأي في ابن الفارض وتائيته
وقال الحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير4: "إنه نظم التائية على طريقة المتصوفة المنسوبين إلى الاتحاد، وقال: وقد تكلم فيه غير واحد من مشايخنا بسبب قصيدته المشار إليها5" وقال في سنة سبع وسبعين وستمائة في ترجمة محمد بن إسرائيل6: "وكان أديبا، ولكن في كلامه ما يشير إلى الحلول والاتحاد--------------------------------------------
1 ص72 فصوص.
2 ورد بهامش الأصل ما نصه "ابن الفارض هو حجة أهل الوحدة، وحامل لواء الشعراء، توفي سنة اثنتين وثلاثين وستمائة عن ست وخمسين إلا أشهرا. ذكره الذهبي في تاريخه" وقد ولد ابن الفارض سنة 576 هـ ودفن بمصر.
3 ليس الحكم بهذا على ابن الفارض بحاجة إلى شهادة أحد، فإنه صرح في التائية بأنه يدين بهذه الأسطورة الملحدة، إذ يقول: وجل في فنون الاتحاد، وجاء حديث في اتحادي ثابت، وهأنا أبدي في اتحادي مبدئي. وسيأتيك ما يجعلك تؤمن بأنه كان من المؤمنين بالوحدة، لا بالاتحاد فحسب.
4 الإمام المحدث البارع كما ينعته الذهبي. ولد سنة 700 وتوفي سنة 774، من مصنفاته البداية والنهاية في التاريخ، والتفسير، وجمع المسانيد العشرة، صحب ابن تيمية وأخذ عنه، ولازم المزي، وتزوج بابنته، وسمع عليه أكثر تصانيفه.
5 ذكر ابن كثير هذا في البداية والنهاية.
6 ولد نجم الدين ابن إسرائيل سنة 563 وتوفي سنة 677. ومن قوله:
وما أنت غير الكون بل أنت عينه … ويفهم هذا السر من هو ذائق
وأيضا "إن الله ظهر في الأشياء حقيقة. واحتجب بها مجازا، فمن كان من أهل الحق والجمع شهدها مظاهر ومجالي، ومن كان من أهل المجاز شهدها ستورا وحجبا" انظر لسان الميزان، ومجموعة الرسائل والمسائل جـ1 ص61.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٤)
على طريقة ابن الفارض، وابن عربي1". وقال الشيخ مدين، وهو كان رأس الصوفية زماننا: "إن التائية هي الفصوص، لا فرق بينهما" ومن قال أن السراج عمر بن إسحاق الهندي2 عزر الشهاب أحمد بن يحيى بن أبي حجلة3 لأجل كلامه في ابن الفارض، وجعل ذلك دليلا على ولايته؛ أجيب بأن شيخنا حافظ العصر أحمد بن حجر ذكر في ترجمته في أول تاريخه في سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة أن السراج الهندي كان يتعصب للصوفية الاتحادية، وأنه شرح التائية، فسقط كلامه، والاعتبار به4، وعلى كل تقدير تعزيره له غير واقع في محله بوجه، فإنه لا شيء على من كفر مسلما بتأويل بلا خلاف.--------------------------------------------
1 لا يدين ابن الفارض بالحلول، ولا ابن عربي به أو بالاتحاد، وإنما يدينان بالوحدة، إذ الحلول يستلزم الاثنينية، والاتحاد يشعر بأنه كان ثم غيران في وقت ما، وهما يدينان بأنه ما ثم غير ولا سوى. ومما قرأته لابن إسرائيل تحكم بأنه على دين أهل الوحدة، لا الحلول أو الاتحاد.
2 ولد سنة 704 ومات سنة 773هـ. تولى قضاء الحنفية، وكان يتعصب تعصبا مقيتا للصوفية من أهل الوحدة، ولذا شرح تائية ابن الفارض.
3 ولد سنة 825 ثم قدم القاهرة، فولي بها مشيخة الصوفية، وكان يكثر من الحط على أهل الوحدة، وبخاصة ابن الفارض، ولهذا عارض جميع قصائده، توفي سنة 776.
4 ولهذا يجب دائما ألا نجعل آراء البشر أدلة على الحق، أو سبيلا إليه، بل نرد كل ما يعرض لنا من أقضية الدين إلى الكتاب والسنة، وفيما يحكمان به فصل الخطاب، والعدل والحق والصواب، ولو أن السراج الهندي أسلم وجهه لله، وجرد قلبه من إثم هواه، لوالى الله سبحانه ولم يوال ابن الفارض، وثمت يدين بالحق وهو ابن الفراض عدو للحق.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٥)
نعلمه بين العلماء. والحجة فيه قصة عمر وحاطب1 رضي الله عنهما، وغير ذلك مما وقع بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم في وقائع عدة، على أن التعزير2 يحتمل أمورا عدة، لا يتعين شيء منها إلا بدليل، فسقط الاستدلال به.
وقال العلامة علاء الدين البخاري -وكان عين العلماء والصوفية قبل الشيخ مدين3- لشخص حنفي: "لا فرق بين التائية والفصوص إلا بكونه نثرا، وكونها نظما، كما أنه لا فرق بين منظومة [13] النسفي والقدوري إلا بذلك. وقال الشافعي مثل ذلك، ومثل بالبهجة نظم الحاوي، وبالحاوي".
وقال العلامة بدر الدين حسين بن الأهدل، وهو من أعيان صوفية اليمن وفقهائهم: "واعلم أن ابن الفارض من رءوس أهل الاتحاد" واستشهد على4--------------------------------------------
1 هو حاطب بن أبي بلتعة، اتفقوا على شهوده بدرا وثبت ذلك في الصحيحين من حديث علي في قصة كتاب حاطب إلى أهل مكة يخبرهم بتجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فنزلت فيه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} الآية. فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟ " وقد روى حديث حاطب الجماعة كلهم إلا ابن ماجه. ومكان الحجة هنا: تأول عمر فعل حاطب بالنفاق، وعدم مؤاخذة الرسول لعمر في تأوله هذا. ولكن حاطبا رجل أخطأ فندم وتاب فأين من هذا إصرار ابن الفارض، وتصريحه الجلي بأنه هو الله؟!
2 يعني: تعزير السراج الهندي لابن أبي حجلة. وقد حفل البقاعي بهذا التعزير، كأنما السراج إله يعزر عاصيا. وماذا ينتظر الناس من السراج إلا إنما الحق غني عن تأييد الملايين من أمثال السراج هذا.
3 ولد بأشمون جريس سنة 781 تقريبا. وتوفي سنة 892. يقول عنه السخاوي في الضوء: "وأما في تحقيق مذهب القوم فهو حامل رايته. والمخصوص بصريحه وإشارته".
4 لعله سقط من الناسخ بعد على، كلمة: قولة، أو هذا.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٦)
بشراح التائية من أتباعه مثل سعيد الفرغاني وداود القيصري، ومحمود الأبزاوي.
شواهد من تائية ابن الفارض
… وإياك والإعراض عن كل صورة
مموهة، أو حالة مستحيلة … فطيف خيال الظل يبدى1 إليك في
كرى اللهو، ما عنه الستائر شقت … ترى صور الأشياء تجلى عليك من
وراء حجاب اللبس2 في كل خلعة … تجمعت الأضداد فيها لحكمة3
وأشكالها تبدو على كل هيئة … صوامت تبدي النطق وهي سواكن
تحرك تهدي النور غير ضوية …
ثم ذكر أنواعا من الأضداد في نيف وعشرين بيتا، ثم قال:
وكل الذي شاهدته فعل واحد … بمفرده، لكن بحجب الأكنة
إذا ما أزال الستر لم تر غيره … ولم يبق بالأشكال إشكال ريبة
ويجمعنا في المظهرين تشابه … وليست لحالي حاله4 بشبيهة--------------------------------------------
1 في الأصل: يهدي.
2 في الأصل: النفس. والتصويب من الديوان.
3 في الأصل: بحكمة.
4 في الأصل: حالة.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٧)
فأشكاله كانت مظاهر فعله … بستر تلاشت إذ تجلى وولت
وكانت له بالفعل نفسي شبيهة … وحسي كالأشكال، واللبس سترتي
تمجيد الصوفية لعبادة الأصنام:
وقال في الفص النوحي أيضا: {وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا} [نوح: 23] أي: حيروهم في تعداد الواحد بالوجوه والنسب {وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ} 3 لأنفسهم "المصطفين" الذين أورثوا الكتاب، فهم أول الثلاثة3، فقدمه على المقتصد والسابق--------------------------------------------
1 في الأصل: إذا
2 يعني: من ذكروا في قوله تعالى: {وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا} وقد عرفهم الزنديق بأنهم: هم المصطفون الأخيار.
3 يشير إلى الثلاثة الذين ذكروا في قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} وقد سوى الزنديق بين مفهوم الظلم هنا، وبين مفهوم الظلم في قوله تعالى: {وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا} يهدف بهذه التسوية إلى تقرير أن عباد الأصنام من قوم نوح هم من الذين اصطفاهم الله سبحانه!! ناسيا عن عمد كفور أن الظلم في قوله سبحانه: {ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} مقيد، وأنه هناك مطلق. وأن الظالم لنفسه في الآية مذكور في مقام ثناء، وأن الظالمين من قوم نوح ذكروا في مقام الذم.
ولا عجب، فالمصطفى عند الصوفية هو الظالم، والظالم عندهم من شاهد الواحد كثيرا، فعدد الواحد، وسار منه إلى الكثير. والمقتصد من يشهد الكثرة في الواحد والواحد في الكثرة، جامعا في شهوده بين الحق والخلق. والسابق هو من يشهد الكثير واحدا، ويسير من الكثير إلى الواحد. ويرى الصوفية في الظالم أفضل الثلاثة إذ لا يرى الواحد إلا كثيرا بالاعتبار فقط. ويلزمهم من هذا أن يكون ربهم ناقصا كاملا. وأن يكون مغايرا لنفسه، إذ الثلاثة عندهم عين الحق. فيكون الحق المتعين في الظالم غير المتعين في المقتصد. في حين هم يدينون بأن هوية كل شيء عين هوية الحق!!
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٨)
"إلا ضلالا" إلا حيرة المحمدي "زدني فيك تحيرا1". {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} [البقرة: 20] فالحائر له الدور، والحركة الدورية2 حول القطب3، فلا يبرج منه. وصاحب الطريق المستطيل مائل خارج عن المقصود، طالب ما هو فيه. صاحب خيال إليه غايته، فله "من، وإلى4" وما بينهما، وصاحب الحركة الدورية، لا بدء له، فيلزمه "من" ولا غاية له5--------------------------------------------
1 يستشهد ابن عربي بهذا على أن حديث نبوي كما يأفك الصوفية. ولكن اسمع لابن تيمية يقول عنه: "لم يرو هذا الحديث أحد من أهل العلم بالحديث، ولا هو في شيء من كتب الحديث، ولا في شيء من كتب من يعلم الحديث، بل ولا من يعرف الله ورسوله" ص45جـ4 مجموعة الرسائل والمسائل.
2 في الأصل: الدور، والتصويب من الفصوص.
3 يريد به هنا: الله سبحانه: وهو متعين في الحقيقة المحمدية، سبحانه عما يأفك الزنادقة.
4 يقول بالي أفندي في شرحه للفصوص "أي له ابتداء ومسافة، فابتداؤه من نفسه، وانتهاؤه إلى خياله، ومسافته ما بينهما. فلا يصل إلى مطلوبه بهذا الطريق، وهو طريق العابدين من أهل الظاهر" انظر ص84 من الشرح المذكور.
واها للصوفية!! حتى بالي أفندي يؤمن بأن من يعبد الله بما شرعه الله، لا ينعم بالإيمان ولا بمحبة الله.
5 يقول بالي ص84 من شرحه للفصوص "ولا غاية له لمشاهدة مطلوبة في كل مظهر، ولا نهاية للمظاهر، فلا غاية لصاحب هذه الحركة" يعني: أن الصوفي الحق، والموحد الحق، هو من يدين بأن الحق عين الخلق، وهذا الموحد بدؤه عين غايته، وأوله نفس آخره، فهو أشبه بمن يديم الطواف حول دائرة. إنه ينتهي إلى حيث بدأ، ويبدأ من حيث انتهى. والصوفي يبدأ من عبادة الظاهر أو الحق، وينتهي إلى عبادة المظاهر أو الخلق، ولكن: ما تلك المظاهر؟ إنها عين الظاهر؟ ومن أولئك الخلق؟ إنهم عين الحق. فلا يقال عنه إنه بدأ أو انتهى، فالبداية عين النهاية!! هذا مراد الزنديق من قوله: ولا غاية له.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٩)
فتحكم عليه "إلى" فله الوجود الأثم، وهو المؤتي جوامع الكلم والحكم "مما خطيئاتهم1" فهي التي خطت بهم، فغرقوا في بحار العلم بالله، وهو الحيرة "فأدخلوا نارا" في عين الماء2، في المحمديين {إِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} [التكوير: 6] سجرت التنور إذا أوقدته. {فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا} فكان الله عين أنصارهم3 فهلكوا فيه إلى الأبد، فلو أخرجهم إلى السيف، سيف الطبيعة لنزل بهم عن هذه الدرجة الرفيعة، وإن كان الكل لله، وبالله، بل هو الله. "قال نوح: رب" ما قال: إلهي. فإن الرب له الثبوت، والإله يتنوع4 بالأسماء، فهو كل يوم هو في شأن. فأراد بالرب ثبوت التكوين؛ إذ لا يصح إلا هو.--------------------------------------------
1 يقصد قوله تعالى عن قوم نوح {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا} [نوح: 25] ويمجد الفاجر خطايا الوثنيين من قوم نوح، ويزعم أنه خطت بهم إلى قدس أقداس الحقيقة، فعرفوا أنهم أرباب تعبد آلهة هي الأصنام، ويفسر الإغراق بأنه إغراق في بحار العلم بالله!.
2 يفسر النار بأنها هي الماء، فأي عمه بصري، وغباء حسي، وخيال فكري أخبث من هذا؟
3 في الأصل: ناصرهم. وتأمل رعونة الزندقة، وجرأة باطلها على الحق المبين من كتاب الله. إذ يزعم أن الله سبحانه ما نفى وجود الأنصار للوثنيين، إلا لأن الله نفسه كان هو عين أنصار أولئك الوثنيين، فما ثم غيره حتى يمكن نفي وجوده. ولم لا يفجر الزنديق كل هذا الفجور، وهو يدين بأن هذه الأوثان هي الله سبحانه عما يأفك الزنادقة.
4 في الأصل: تنوع. وابن عربي يدين بأن كل شيء هو اسم إلهي تعين في صورة ذلك الشيء. ولذا. فكل شيء إله يجب أن يعبد، ولما كان لكل شيء اسمه الخاص به، فإن الحق تعددت، وتنوعت أسماؤه تبعا لتنوع الأشياء وتعدد أسمائها، فالأشياء كلها تعينات أسمائه. فيسمى الإله الصوفي إذن صنما باعتبار تعينه في شيء سمي: الصنم ويسمى: عجلا، وخنزيرا، وميكروبا، وقاتلا، وبغيا، بنفس ذلك الاعتبار فلا تعجب: إذا رأيت الصوفي يعبد درويشة، أو عاهرة، فإنهما اسمان لإلههما تعينا في صورتي درويشة وعاهرة، هذا ما يريده ابن عربي، الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر من قوله: والإله يتنوع بالأسماء.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٦٠)
"لا تذر على الأرض" يدعو عليهم أن يصيروا في بطنها المحمدي "ولو دليتم بحبل لهبط على الله1" {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وما في وَالْأَرْضِ} 2 وإذا دفنت فيها [فأنت فيها] ، وهي ظرفك {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه: 50] [14] لاختلاف الوجوه "من الكافرين3" الذين "استغشوا ثيابهم جعلوا أصابعهم في آذانهم" طلبا للستر؛ لأنه دعاهم ليغفر لهم. والغفر الستر. "ديارا" أحدا، حتى تعم المنفعة كما عمت الدعوة "إنك إن تذرهم" أي: تدعهم وتتركهم "يضلوا عبادك" إلى الخير، فيخرجهم من العبودية إلى ما فيهم من أسرار الربوبية فينظرون أنفسهم أربابا بعد ما كانوا عند أنفسهم عبيدا، فهم العبيد الأرباب "ولا يلدوا" أي: ما ينتجون ولا يظهرون "إلا فاجرا" أي: مظهرا ما ستر "كفارا" أي: ستارا ما ظهر بعد ظهوره، فيظهرون ما ستر، ثم يسترونه بعد ظهوره، فيحار الناظر، ولا يعرف قصد الفاجر في فجوره، ولا الكافر--------------------------------------------
1 هذا حديث منقطع، لأنه من رواية الحسن عن أبي هريرة، والحسن لم ير أبا هريرة وبالتالي لم يسمع منه. وقد رواه الترمذي، وقال عنه: إنه غريب. وأوقن أن هذا الحديث قد سه إما صوفي، وإما جهمي تأييدا لأسطورة الحلول، أو أسطورة أن الله في كل مكان بذاته. فهو مصادم للقواطع من كتاب الله. فمن قول الله سبحانه {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ} فكي يتوعدهم بخسف الأرض وهو فيها؟؟
2 عقب ما ظنه حديثا بالآية، استشهادا بها على صدق أسطورة الوحدة. والآية ما فيها إلا حق يهدم كفر الباطل. إذ تفيد أن السماء والأرض ملك لله وحده، يفيد الأول اللام، والثاني تقدم الجار والمجرور. يفهم هذا من له أدنى إلمام بالعربية، ولكن ابن عربي يلبس حتى في البديهيات.
3 يعني: الذين دعا عليهم نوح عليه السلام.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٦١)