في كفره، والشخص واحد {رَبِّ اغْفِرْ لِي} 1 استرني، واستر من أجلي، فيجهل مقامي وقدري، كما جهل قدرك في قولك: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الزمر: 67] "ولوالدي" من كنت نتيجة عنهما، وهما العقل والطبيعة "ولمن دخل بيتي" أي: قلبي "مؤمنا" أي: مصدقا لما يكون فيه من الإخبارات الإلهية، وهو ما حدثت به أنفسها2 "وللمؤمنين" من العقول "والمؤمنات" من النفوس3 "ولا تزد الظالمين" من الظلمات أهل الغيب المكتنفين خلف الحجب الظلمانية "إلا تبارا" أي: هلاكا، فلا يعرفون نفوسهم، لشهودهم وجه الحق دونهم في المحمديين {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] والتبار الهلاك4"
الحق عين الخلق عند الصوفية:
ثم قال في فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية: "ومن أسمائه الحسنى: العلي. على5 من؟ ومن ثم إلا هو، فهو العلي لذاته، أو عن ماذا؟ وما هو--------------------------------------------
1 سيبدأ في تفسير قوله تعالى: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا} [نوح: 28] وسترى في تفسيره كيف يضع للفظ الكفر معنى الإيمان الحق، وللفظ الباطل معنى الحق.
2 في الأصل: أنفسهم، وصوبتها من الفصوص.
3 فسر الإضلال بأنه الإخراج من الباطل والشر إلى الحق والخير، أي: من الظن بأنهم عبيد، إلى اليقين بأنهم في حقيقتهم أرباب، وفسر الوالدين بالعقل والطبيعة، والبيت بالقلب، والمؤمنين والمؤمنات بالعقول والنفوس، والهلاك بشهود الحق في الخلق. وهكذا يعبث الصوفية عبث الجرأة الكافرة باللغة التي نزل بها القرآن، فيضعون للشيء معنى نقيضه، ويزعمون بهذا أنهم أهل الباطل، أي: الباطن.
4 ص72-74 فصوص.
5 في الأصل: علا عن من. وهي -كما أثبت- في الفصوص.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٦٢)
إلا هو!! فعلوه لنفسه، وهو من حيث الوجود عين الموجودات، فالمسمى محدثات هي العلية لذاتها، وليست إلا هو1. فهو العلي، لا علو إضافة، لأن الأعيان التي لها العدم الثابتة فيه، ما شمت رائحة من الوجود، فهي على حالها مع تعداد الصور في الموجودات والعين واحدة من المجموع في المجموع، فوجود الكثرة في الأسماء، وهي النسب، وهي أمور عدمية، وليس إلا العين الذي هو الذات، فهو العلي لنفسه، لا بالإضافة، فما في العالم من هذه الحيثية علو إضافة، لكن الوجوه الوجودية متفاضلة، فعلوا الإضافة موجود في العين الواحدة من حيث الوجوه الكثيرة، لذلك نقول فيه: هو، لا هو. أنت، لا أنت2. قال الخراز3--------------------------------------------
1 هذا صريح جدا في الدلالة على أن ابن عربي يؤمن بوحدة الوجود المادية والروحية. وقد عبر عن إيمانه هذا بقوله: "فالمسمى محدثات هي العلي لذاتها" ثم زاد الكفر غلوا وتوكيدا، فقال: "وليست إلا هو" هكذا بأقوى وأوكد أسلوب من أساليب القصر. ولعل في هذا ما يكشف لك عن علة مقت الصوفية لكلمة التقوى والتوحيد "لا إله إلا الله" وقولهم بدلا عنها: "ليس إلا الله" أو "لا هو إلا هو" وبهذا دان الغزالي، وقرره في مشكاة الأنوار، أو "هو الله" أو "هو هو" مما يهولون به على المخابيل، ويهدفون به إلى تأييد مذهبهم في الوحدة: شهودية، أو وجودية.
2 هو، وأنت: إيجاب، ولا هو، ولا أنت: سلب، فهما إذن نقيضان، لا يجتمعان، ولا يرتفعان. وإذا حكمت بثبوت أحدهما أو نفيه استلزم هذا لزوما قطعيا الحكم بنفي الآخر أو ثبوته. بيد أن الصوفية لا يحفلون في سبيل إثبات وجود العدم بقانون من قوانين اللغة أو الفكر، بل لديهم الجرأة البالغة على تكذيب ما يشهد به الحس، وما يقطع ببداهته العقل، والبين الجلي من كتاب الله.
ومعنى قول ابن عربي: إنك تستطيع أن تقول عن كل شيء إنه هو الله باعتبار هويته وماهيته، وتقول ليس هو الله بالنظر إلى اسمه الخاص به، وإلى أنه أحد تعينات الذات لا كل تعيناتها، وكذلك أفهم قوله: أنت لا أنت.
3 هو أحمد بن عيسي أبو سعيد الخراز من صوفية بغداد، توفي سنة 277هـ. وسيذكر ابن عربي صريحا أن الخراز هو الله سبحانه!!
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٦٣)
وهو وجه من وجوه الحق، ولسان من ألسنته ينطق عن نفسه: بأن الله لا يعرف إلا بجمعه بين الأضداد في الحكم عليه بها، فهو الأول والآخر، والظاهر والباطن، فهو عين ما ظهر، وهو عين ما بطن في حال ظهوره، وما ثم من يراه غيره1، وما ثم من يبطن عنه، فهو ظاهر لنفسه، باطن عنه، وهو المسمى أبا سعيد الخراز، وغير ذلك من [أسماء] المحدثات2".
قلت: وقال ابن الفارض:
أممت إمامي في الحقيقة، فالورى … ورائي وكانت حيث وجهت وجهتي
يراها أمامي في صلاتي ناظري … ويشهدني قلبي إمام أئمتي
ولا غرو أن صلى الأنام إلي، أن … ثوت بفؤادي وهي قبلة قبلتي
لها صلواتي بالمقام أقيمها … وأشهد فيها أنها لي صلت
كلانا مصل ساجد إلى … حقيقته بالجمع في كل سجدة
وما كان لي صلى سواي، ولم تكن … صلاتي لغيري في أداء كل ركعة
إلى كم أواخى3 الستر، ها قد هتكته … وحل أواخى4 الحجب في عقد بيعتي
أفاد اتخاذي5 حبها لاتحادنا … نوادر عن عاد المحبين شذت--------------------------------------------
1 إذ كل شيء عنده هو الله، فإذا رأي الصوفي إنسانا قال: الله رأى الله، وإذا عبد المشرك صنما قال الصوفي: الله عبد الله، وهكذا استطرد في كل اثنين. حتى العاهر مع العاهرة، وتعالى الله عما يأفك الزنادقة.
2 ص76-77 فصوص. وهذا صريح جدا في أن ابن عربي يؤمن بأن الله سبحانه عين كل شيء: مادي، أو روحي!!
3 من المواخاة بمعنى الملازمة.
4 جمع آخية، وهي ما يبرز -كالحقة- من الحبل المدفون طرفاه في الأرض وتشد إليها الدابة، ويراد بها الحرمة والذمة.
5 في الأصل: اتحادي، والتصويب من الديوان
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٦٤)
وفي الصحو بعد المحو1 لم أك غيرها … وذاتي بذاتي إذا تحلت تجلت2
[فوصفي إذ لم تدع باثنين وصفها … وهيئتها -إذا واحد نحن- هيئتي3]
فإن دعيت كنت المجيب، وإن أكن … منادي أجابت من دعاني ولبت
وإن نطقت كنت المناجي4، كذاك 5 إن … قصصت حديثا، إنما هي قصت
فقد رفعت تاء المخاطب بيننا … وفي رفعها عن فرقة الفرق رفعتي
فجاهد تشاهد فيك منك وراء ما … وصفت سكونا عن وجد سكينة--------------------------------------------
1 الصحو عن الصوفية: هو رجوع العارف إلى الإحساس بعد غيبته وزوال إحساسه. والمحو: إسقاط إضافة الوجود إلى الأعيان، ولا موجود عندهم إلا الحق سبحانه وحده، فهو العابد باعتبار تعينه وتقيده بصور العبد التي هي شأن من شئونه الذاتية، وهو المعبود باعتبار إطلاقه. انظر التعريفات للجرجاني، وجامع الأصول في الأولياء للكمشخانلي تحت مادتي الصحو والمحو.. وابن الفارض هنا يغلو في إثبات الوحدة، فيزعم أنه هو الله، لا في حال المحو فحسب، بل في حال الصحو أيضا. وهذا يؤكد لك أنه يعني ما يقول، ويؤمن بالوحدة صحوا ومحوا، فما هي شطحات، ولكنها عقيدة ينبت عليها قلبه ودينه، وما هو بهذيان سكران كما يعرف الصوفية، ليقولوا: وكلام السكران معفو عنه، فيطوى ولا يروى.
2 يشرح القاشاني هذا البيت بقوله: "أي: ارتفع غيريتي في حال الصحو بعد المحو، وحينئذ زينت ذاتي بذاتي إذ تجلت، ولا ينتج تجليها السكر، لأنها لا تصادف غيرها" يعني أنها صارت هي الله" وهذا هو نهاية الاتحاد" انظر شرح القاشاني -وهو من عباد ابن الفارض- للتائية.
3 هذا البيت ليس في الأصل، وقد أثبته عن ديوان ابن الفارض، وسيأتي شرحه.
4 في الأصل: المجيب. والتصويب من الديوان.
5 في الأصل: كذلك.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٦٥)
فمن بعد ما جاهدت، شاهدت مشهدي1 … وهادي2 لي إياي، بل بي قدوتي
فبي موقفي، لا، بل إلي توجهي … كذاك صلاتي لي، ومني كعبتي
الوحدة المطلقة دين ابن عربي:
قال الإمام زيد الدين العراقي في جواب السؤال المذكور: "وأما قوله3 فهو عين ما ظهر، وعين ما بطن، فهو كلام مسموم، ظاهره: القول بالوحدة المطلقة، وأن جميع مخلوقاته هي عينه، ويدل على إرادته لذلك صريحا قوله بعد ذلك: "وهو المسمى أبا سعيد الخراز، وغير ذلك من أسماء المحدثات" وكذا قوله بعد ذلك: "والمتكلم واحد، وهو عين السامع" وقائل ذلك والمعتقد له كافر بإجماع العلماء".
"لا يعتذر عن الوصفية بالتأويل":
ثم قال: "ولا يقبل ممن اجترأ على مثل هذه المقالات القبيحة أن يقول: أردت بكلامي هذا خلاف ظاهره، ولا نؤول له كلامه، ولا كرامة.
ولقد أحسن بعض من عاصرناه من العلماء العارفين، وهو الشيخ الإمام العلامة علاء الدين علي بن إسماعيل القونوي حيث سئل عن شيء من هذا. فقال: "إنما نؤول كلام من ثبتت عصمته حتى نجمع بين كلاميه4، لعدم--------------------------------------------
1 في الأصل: مشهدتي.
2 في الأصل: وهادي.
3 يعني: ابن عربي.
4 هذا على دين من يقول بوجوب التأويل لآي القرآن، أو الأحاديث التي يرون -وهو: أي ضلالة- أن في حملها على ظاهرها إثباتا لوجود التعارض بين العقل والنقل. وما أتى هؤلاء إلا من إيمانهم بأسطورة الفلسفة الملحدة، وهي أن العقل حاكم على النقل، وأنه القاعدة، والمقياس، فإذا رأى العقل في كلام الله =
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٦٦)
جواز الخطأ عليه، وأما من لم تثبت عصمته، فجائز عليه الخطأ والمعصية والكفر، فنؤاخذه بظاهر كلامه، ولا يقبل منه ما أول كلامه عليه مما لا يحتمله، أو مما يخالف الظاهر، وهذا هو الحق" ا. هـ.
خطر صرف الكلام عن ظاهره:
وكذا قال في عدم التأويل لغير المعصوم الإمام نور الدين علي بن يعقوب البكري الشافعي، وقد حقق هذه المسألة حجة الإسلام1 أبو حامد الغزالي في أول الإحياء في كتاب العلم بما حاصله: أن الكلام إن كان ظاهرا في الكفر بالاتحاد، فقتل واحد ممن يقول به أفضل من إيحاء عشرة أنفس، وإن كان فهمه مشكلا، فلا يحل ذكره. وقال: إن الألفاظ إذا صرفت عن مقتضى ظواهرها بغير اعتصام بنقل عن صاحب الشرع، وبغير ضرورة تدعو إلى ذلك من دليل العقل2 اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ، ثم قال: والباطن لا ضبط--------------------------------------------
= ما لا يوافق مقاييسه وقيمه، وجب تأويله حتى لا يتعارض معه!! يجعلون المخلوق حاكما على الخالق، والعبد محددا للقيم التي يجب أن يؤمن بها الرب، ويوجبون على الله ألا يتكلم سبحانه إلا بما يتواءم وهوى عبيده، هكذا يفعل المؤولة، اقتداء بآلهتهم الفلاسفة، فما صاروا فلاسفة، وما قدروا على أن يعودوا مسلمين!! والقونوي هو أبو الحسن نور الدين المصري الشافعي، ولد سنة 673، وتوفي سنة 724هـ وهو من خصوم ابن تيمية، حتى لقد وثب مرة عليه، ونال منه.
1 إنما حجة الإسلام كتاب الله وسنة رسوله، وكيف يعتبر حجة للإسلام رجل يشهد على نفسه أنه رديء البضاعة في الحديث، وأنه لم يجد الحق إلا في التصرف؟.
2 لو تركنا للعقل الحرية في صرف اللفظ عن ظاهره، أي: عن معناه الذي هو له لصارت الحقائق كلا نسبية أو اعتبارية، بل لما بقى حق واحد يؤمن به الفكر العام، ولعدنا إلى السفسطائية. إذ سيصبح جائزا لكل إنسان ادعاء أن هذا اللفظ، أو ذاك يجب صرفه عن ظاهره، لأن عقله يحكم بذلك، ولا يمكن لامرئ ما معارضته، ما دمنا قد وضعنا له من قبل قاعدة وجوب صرف اللفظ عن ظاهره إذا تعارض مع العقل!! والفلاسفة أنفسهم لم يجمعوا على حقيقة واحدة، بل آمن كل بإله ليس هو إله الآخر في ماهيته وصفاته، بل كان الفيلسوف يؤمن أو يكفر بما كفر أو آمن به من قبل، ونظرة واحدة إلى نتاج الفكر الفلسفي تبين لك عما فيه من تناقض حاد، وتضاد متوتر، فأي عقل من هذه العقول نجعله قيما على الحق، وحكما بين الخطأ والصواب.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٦٧)
له، بل تتعارض فيه الخوطر1، ثم قال: وبهذا الطريق توصل الباطنية إلى هدم جميع الشريعة.
وسيأتي تأييد ذلك عن الشيخ زين الدين العراقي وولده الحافظ أبي زرعة [16] وحكاية ابن خليل السكوني الإجماع على ذلك.
صلة الخلق بالحق عند الصوفية:
ثم قال ابن عربي في الفصل الإدريسي أيضا: "وما ظهر حكم العدد إلا بالمعدود والمعدود منه عدم، ومنه وجود، فقد يعدم الشيء من حيث الحس، وهو موجود من حيث العقل، فلا بد من عدد، ومن معدود، ولا بد من واحد ينشئ ذلك فينشأ بسببه، فإن كل مرتبة2 من العدد حقيقة واحدة كالتسعة مثلا، والعشرة [إلى أدنى، وإلى أكثر، إلى غير نهاية] ما هي مجموع، ولا ينفك عنها اسم جمع الآحاد3".
ثم قال: "ومن عرف ما قررناه في الأعداد، وأن نفيها عين إثباتها4--------------------------------------------
1 هذا حق لا حرية فيه، بيد أن من قرره لا يؤمن به إلا حين يخاطب عوام الناس في زعمه، أما في كتبه المضنون به على غير أهلها فهو باطني يجرد اللفظ من معناه في جرأة بالغة، وحسبك أن من أساتذة الغزالي إخوان الصفا، وأن في كتبه المضنون بها آثارا ظاهرة من باطنيتهم الخبيثة، وعجيب أن يحمل الغزالي على الباطنيين، وهم أساتذته، وهو من رواد مشارعهم؟
2 في الأصل: وإن كان كل. وهو موافق لبعض نسخ الفصوص.
3 ص77 جـ1 فصوص.
4 في الأصل: ثبوتها، والتصويب من الفصوص.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٦٨)
علم أن الحق المنزه هو الخلق المشبه1 وإن كان قد تميز الخلق من الخالق، فالأمر الخالق المخلوق، والأمر المخلوق الخالق كل ذلك من عين واحدة [لا] ، بل هو--------------------------------------------
1 يمثل الزنديق علاقة الحق بالخلق، بعلاقة الواحد الحسابي بالأعداد، فيزعم أن جميع الأعداد صور للواحد، وكذلك الوجودات المتعددة ما هي إلا صور للوجود الواحد، هو الوجود المطلق. فالتسعة مثلا هي الواحد مكررا، فلك القول بأن الواحد عين التسعة، ولك القول بأنه غيرها، بيد أنها غيرية مجازية، أو اسمية فقط. وكذلك الحق سبحانه -هكذا يأفك الزنديق- والخلق، فهذا عين الحق باعتبار الهوية والماهية، وهو غيره باعتبار خصوصيته، أي: كونه مظاهرا للذات الواحدة، ولكنها غيرية ذهنية لا تحقق لها في الخارج. ألا تراه يزعم: "إن الحق المنزه عين الخلق المشبه"؟، وما أظن الكفر تجرأ على الله من أحد بمثل هذه الجرأة من ابن عربي، وما أظنه صرح عن خبيئته بما هو أبين من هذه الصراحة.
والرد على تلبيس ابن عربي هين. فالأعداد في ذاتها حقائق معقولة، لا توجد في الذهن، ولا توصف بالوجود الخارجي إلا بالنسبة للمعدودات، ثم إن معدود الأربعة مثلا ليس بلازم أن يكون عين معدود الخمسة، بل ولا عين معدود أربعة أخرى، فقد يكون معدود الخمسة أقلاما، فيكون الواحد فيها قلما، وقد يكون معدود الأربعة كتبا، فيكون الواحد منها كتابا. فيكون الواحد في الأربعة غير الواحد في الخمسة، بل غيره في أربعة أخرى، وهكذا في كل معدود. وهي غيرية حقيقية في الذاتيات والعرضيات. ولكن ابن عربي يوقن بأن الحق المتلبس بصورة الصنم عين الحق المتلبس بصورة الخنزير، يؤمن بأن الحق المعبود في عجل السامري عين الحق المعبود في البار، وهبل. أما الأعداد فقد رأيت أن الواحد في الأربعة يغاير الواحد في الأربعة يغاير الواحد في الخمسة مثلا، أو في أي عدد آخر مغايرة حقيقية، نعم معنى الواحد في عدد ما عين معناه في عدد آخر، لكنها عينية ذهنية، أو تجريدية فحسب. أما ابن عربي فيؤمن بتحقق العينية في الوجود الخارجي، إذ يدين بأن ما في الخارج عين ما في الذهن. وهذا واضح البطلان، فالمستحيل يوجد في الذهن، ولكنه لا يوجد في الخارج، وكذلك المطلق والكلي بشرط الإطلاق والكلية يوجدان في الذهن، ولا يوجدان ألبتة في الخارج.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٦٩)
العين الواحد، وهو العيون الكثيرة1"
الطبيعة هي الله عند الصوفية:
ثم قال: "وخلق منها زوجها [فما نكح سوى نفسه، فمنه الصاحبة والولد، والأمر واحد في العدد2] ، فمن الطبيعة؟ ومن الظاهر منها؟ وما رأيناها نقصت بما ظهر منها، ولا زادت بعدم ما ظهر!! وما الذي ظهر غيرها؟ وما هي عين ما ظهر، لاختلاف الصور بالحكم عليها. فهذا بارد يابس، وهذا حار يابس، فجمع باليبس، وأبان بغير ذلك، والجامع الطبيعة [لا] ، بل العين الطبيعة، فعالم الطبيعة صور في مرآة واحدة، لا. بل صورة واحدة في [مرايا] مختلفة3، فما ثم إلا حيرة، لتفرق النظر، ومن عرف ما قلناه لم يحر، وإن كان في مزيد علم، فليس إلا من حكم المحل، والمحل عين العين الثابتة، فيها يتنوع الحق في--------------------------------------------
1 ص78 ج1 فصوص.
2 كل ما بين هذين [] ساقط من الأصل، وأثبته عن الفصوص، وأظنك قد لاحظت عرام الغريزة الدنيئة كيف وضع لابن عربي دينه في قوله: "فما نكح سوى نفسه"!! ولاحظت التثليث الذي يصوره ابن عربي بصورة أدنأ من تثليث المسيحية المفلسفة، إذ يزعم أن الذات الإلهية ثلاثة أقانيم. أقنوم هو الزوج، وثان هو الزوجة، والأخير هو الولد" هذه الأقانيم الثلاثة هي الإله الواحد عند ابن عربي!! أفيستطيع الصوفية افتراء أنهم مسلمون.
3 يزعم ابن عربي أن مظاهر الطبيعة هي عين الذات الإلهية، والمظاهر الطبيعية مختلفة الا؛ كام، فمنها ما نحكم عليه بأنه حيوان أو جماد: ر طب أو يابس، حار أو بارد، لذا وجب أن يحكم على الذات الإلهية بكل ما يحكم به على مظاهرها وهي العالم الطبيعي. فيقال عن الذات الإلهية: إنه حيوان جماد رطب يابس حار بارد، وغير هذا. ويزعم ابن عربي أن الله نفسه هو الذي يحكم على نفسه بهذه الأحكام، أي: يحكم على نفسه سبحانه بكل ما يحكم به على كل مظاهر الطبيعة وحسب الصوفية إيغالا في الزندقة إيمانهم برب هو جماد بارد!!.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٧٠)
المجلي، فتتنوع الأحكام عليه، فيقبل كل حكم، وما يحكم عليه إلا عين ما تجلى فيه، وما ثم1 إلا هذا، شعر:
فالحق خلق بهذا الوجه، فاعتبروا … وليس خلقا بذاك الوجه فادكروا
من يدر ما قال، لم تخذل بصيرته … وليس يدريه إلا من له بص
جمع2، وفرق، فإن العين واحدة … وهي الكثيرة، لا تبقي ولا تذر3
دين ابن الفارض:
قلت: وهذا مراد ابن الفارض بقوله:
وجل في فنون الاتحاد، ولا تحد4 … إلى فئة في غيره العمر أفنت
فواحده الجم الغفير ومن عدا … هـ شرذمة في غيره العمر أفنت
فمت بمعناه، وعش فيه، أو فمت … معناه، واتبع أمة فيه أمت
فأنت بهذا المجد أجدر من أخي اجـ … ـتهاد مجد عن رجاء وخيفة
فألغ الكنى عني 5، ولا تلغ ألكنا … بها، فهي من آثار صيغة صنعتي--------------------------------------------
1 في الأصل: ما.
2 في الأصل: وجمع.
3 ص78-79 جـ1 فصوص.
4 في الأصل: تجد.
5 لما كانت الكنى اصطلاحات وضعها الإنسان الذي هو من صنع الإله الذي تجسد في هيكل ابن الفارض، فإن هذا الإله الفارضي يأمر خلقه بإلغاء الكنى عنه، إذ لا يصح للمصنوع تعريف صانعه بكنية ما. وهدف ابن الفارض من هذا أن يؤمن الناس بما آمن به هو من الكفر الفاجر، وهو اعتقاد الوحدة التامة بين الحق والخلق، وأن يدينوا بأن ابن الفارض هو المجلي الأعظم، والمظهر الكامل للذات الإلهية، فليضيفوا إليه صفات الربوبية والإلهية!!! ولما كان ابن الفارض يعلم أن كفره هذا ينابذ الشرع، فإنه ألح في البيت الذي قبل هذا في تحذير أتباعه من الإصغاء إلى الشرع، أومن الميل إلى الأئمة المجتهدين الذين يعبدون الله =
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٧١)
وأي بلاد الله حلت بها، فما … أراها وفي عيني حلت غير مكة
وأي مكان ضمها حرم، كذا … أرى كل دار أوطئت1 دار هجرة
وما سكنته، فهو بيت مقدس … بقرة عيني، فيه أحشاي قرت
ومسجدي الأقصى مساحب بردها … وطيبي ثرى أرض عليها تمشت
وشكري لي، والبر مني واصل … إلي، ونفسي باتحادي استبدت
وثم أمور تم لي كشف سترها … بصحو مفيق عن سواي تغطت
بها لم يبح من لم يبح دمه، وفي الإشارة معنى ما العبارة حدت
وقلبي بيت فيه أسكن. دونه … ظهور صفاتي عنه من حجيبتي
ومنها يميني فيّ ركن مقبل … ومن قبلتي للحم في فيّ قبلتي
وحولي بالمعنى طوافي حقيقة … [17] وسعي لوجهي من صفائي لمروتي2
وفي حرم من باطني أمن ظاهري … ومن حوله يخشى تخطف جيرتي3--------------------------------------------
= وحده، وتمتلئ قلوبهم خوفا من الله وحده، ورجاء فيه وحده.. وهكذا كل شيطان صوفي يحذر أتباعه من الشرع وأتباعه، ويأمرهم أن يكونوا بين يديه هو كجثة الميت بين يدي الغاسل، ويظل يقتل فيهم الشعور، ويميت منهم الكرامة، ويستعبد منهم الفكر، ويبيد فيهم كل إحساس بالذاتية، حتى يصبحوا لهواه عبيدا صاغرين، فينتهك حرمات الله ظانين أنه ثم مع الله، ويلعق دم الجريمة، وهم يحسبون أنه بذلك يقضي دين حب الله، ويترع حميم الخمر، ويقسمون أنها شراب من يد الله!!
1 في الأصل: وطنت.
2 يقصد: الصفا والمروة: يريد أن يقول: إنه إذا طاف فإنما يطوف حول نفسه، وإذا سعى بين الصفا والمروة، فإنما يسعى لوجهه، ذلك لإيمانه بأن العابد والمعبود عين واحدة. ولقد أقسم لي صوفي. أنه ليس ممن يطوفون حول الكعبة بل هو ممن تطوف حولهم الكعبة.
3 يريد أن يقول: إنه هو الحرام، ويشير إلى قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ} [العنكبوت: 67] بالزنديق يزعم أن باطنه الخبيث هو هذا القدس الطهور.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٧٢)
وشفع وجودي في شهودي ظل في اتحادي وترا في تيقظ غفوتي1
ولم أله باللاهوت عن حكم مظهري … ولم أنس بالناسوت مظهر حكمتي
وقد جاءني مني رسول. عليه ما … عنت، عزيز بي، حريص لرأفة2
ومن عهد عهدي قبل عصر عناصري … إلى دار بعث قبل إنذار بعثة
إليّ رسولا كنت مني مرسلا3 … وذاتي بآياتي عليّ استدلت--------------------------------------------
1 الشفع عند الصوفية وجود الرب شفع بوجود العبد، والوتر عندهم وجود الرب فردا باقيا بعد فناء وجود العبد. ولما يستلزمه الشفع من الاثنينية راح ابن الفارض ينفيه هنا نفيا باتا، ثم يؤكد أنه تجلى له عن شهود جلي، ويقظة شاعرة تمام الشعور أن الوجود -وجود الرب، ووجود العبد- واحد في أزليته وأبديته وأنه ما ثم إلا عين واحدة سميت باعتبار الباطن حقا، أو ربا، وباعتبار الظاهر خلقا أو عبدا. تلك هي الذات الإلهية، ويؤكد الزنديق كذلك أنما كان يضيفه من سمات الوجود وصفات لنفسه، ويحسبه غير الوجود الإلهي، كان وهما من الأوهام استبد بخياله الغافل المغرور، هذا لأنه أدرك تمام الإدراك أنه ما ثم غير، ولا سوى، بل وحدة مطلقة تشمل كل مظاهر الوجود. هذا وغيره يجعلنا نوقن أن ابن الفارض ممن يؤمنون بالوحدة، لا بالاتحاد. لأن الاتحاد افتعال يستلزم ثبوت وجودين اتحد أحدهما بالآخر. في حين أنه هنا وفي مواضع كثيرة يقرر وحدة الوجود في أزل وأبد وسرمد وآن، وأنه ما كان في حال ما ولا آن ما ثنائيا أبدا، بل كان دائما هو الوجود الواحد.
2 في الأصل: برأفة.
3 قال القاشاني في شرحه: "فالذات الإلهية باعتبار التجرد والابتداء تكون مرسلا، وباعتبار تلبسها بلباس النفس تكون مرسلا إليها" وهكذا يشد كل صوفي وتر الثالوث، فابن الفارض يزعم هنا أنه منذ القدم كان الله، ثم تلبس بصورة النفس. فأرسل بصفته وجودا متجردا، رسولا إلى نفسه بصفته وجودا مقيدا بالتعين. فهو المرسل، والرسول، والمرسل إليه، كان كذلك حتى وهو في غيابة الأزل.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٧٣)
العبد عين الرب عند الصوفية:
ثم قال في فص كلمه علية في كلمة إسماعيلية: "والعبد1 من كان عند ربه مرضيا، وما ثم إلا من هو مرضي عند ربه؛ لأنه الذي يبقي عليه ربوبيته، فهو عنده مرضي فهو سعيد": ثم قال؛ شعر:
فأنت عبد، وأنت رب … لمن له فيه أنت عبد
وأنت رب، وأنت عبد … لمن له في الخطاب عهد
فكل عقد عليه شخص … يحله من سواه عقد2
فرضي الله عن عبيده، فهم مرضيون، ورضوا عنه، فهو مرضي، فتقابلت الحضرتان3 تقابل الأمثال، والأمثال أضداد، لأن المثلين حقيقة لا يجتمعان، إذ لا يتميزان، وما ثم إلا متميز، فما ثم مثل4، فما في الوجود مثل، فما في الوجود ضد، فإن الوجود حقيقة واحدة، والشيء لا يضاد نفسه.--------------------------------------------
1 في الأصل: والسعيد.
2 البيتان الأخيران ساقطان من الأصل، وأثبتهما عن الفصوص. يقرر ابن عربي: أن الإنسان رب من حيث هويته التي هي عين هوية الحق، وهو عبد باعتبار ما أطلقه عليه الشرع. ويعني بالعهد: المفهوم من قوله سبحانه: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} مبتغيا من وراء ذلك إثبات أن ما سمي في عرف الشرع عبدا ما هو في الحقيقة إلا رب حق يدين بربوبيته العارفون، ويشهد بحقها السالكون على بصيرة.
3 هما حضرة الربوبية، وحضرة العبودية، ويقرر ابن عربي: أن من يغاير بينهما محجوب أعمى البصيرة، جاهل بحقيقة الله سبحانه.
4 في الأصل: إلا مثل. وابن عربي ينفي المثلية لأنه يدين بأن الوجود حقيقة واحدة، أما المثلية، فتستلزم الاثنينية والغيرية بوجه ما. ومن ثم عنده إلا حقيقة واحدة، أو وجود واحد لا كثرة فيه، ولا تعدد، ولا تباين، فالشيء الواحد لا يقال إنه يغاير نفسه، أو يضادها، أو يماثلها. هذا ما يريده بنفي المثلية، وقد بناه على ما يدين به من وحدة الوجود. ويغلو ابن عربي في جرأة الزندقة، فيزعم أن معتقده هذا دل عليه برهان العيان، أي: شهود الحق متعددا في مظاهر خلقية.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٧٤)
فلم يبق إلا الحق، لم يبق كائن … فما ثم موصول، ومن ثم بائن
بذا جاء برهان العيان، فما أرى … بعيني إلا عينه إذا أعاين1
النار عين الجنة عند الصوفية:
ثم قال: "الثناء بصدق الوعد، لا بصدق الوعيد [والحضرة الإلهية تطلب الثناء المحمود بالذات، فيثني عليها بصدق الوعد، لا بصدق الوعيد، بل بالتجاوز] {فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} [إبراهيم: 47] لم يقل: ووعيده2، بل قال: {وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ 3} مع أنه توعد على ذلك، فأثنى على إسماعيل عليه الصلاة والسلام بأنه كان صادق الوعد.
فلم يبق إلا صادق الوعد وحده … وما لوعيد الحق عين تعاين
وإن دخلوا دار الشقاء، فإنهم … على لذة فيها نعيم مباين
نعيم جنان الخلد4 فالأمر واحد … وبينها5 عند التجلي تباين
يسمى عذابا من عذوبة لفظه … وذاك لكالقشر، والقشر صائن6--------------------------------------------
1 ص92-93 فصوص.
2 في الأصل: وعيده بدون واو العطف.
3 يعني قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} [الأحقاف: 16] ويحملها على الكفرة والمشركين، ليخلص من ذلك إلى إثبات ما يقرره؛ وهو أن لا عذاب يوم القيامة، لأن الله وعد في هذه الآية بالتجاوز عن السيئات. فتأمل!!
4 الجنة عند الصوفية: هي عرفان المرء بنفسه، ليدرك بهذه المعرفة أنه هو الله وهذا ما يفسرون به الحديث الموضوع: "من عرف نفسه فقد عرف ربه" والجحيم عندهم: هو ما يغيم على النفس من أوهام الكثرة، فتخدعها عن الحقيقة، فتظن المغايرة بين الخلق والحق. وهذا الظن هو الجحيم!!
5 في الأصل: وما بينهما.
6 ص 93-94 فصوص.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٧٥)
"مثل من تفسير ابن عربي للقرآن":
ثم قال في نص حكمة نورية في كلمة يوسفية، بعد أن قرر أن الشيء قد يرى في خلاف ما هو عليه لبعد، أو ظلام ونحوه: "فما يعلم من العالم إلا قدر ما يعلم من الظلال، ويجهل من الحق على قدر ما يجهل من الشخص الذي كان عنه ذلك الظل، فما حيث هو ظل له يعلم، ومن حيث ما يجهل ما في ذات ذلك الظل من صورة شخص من امتد عنه يجهل من الحق، فلذلك نقول: إن [الحق] معلوم لنا من وجه، مجهول لنا من وجه {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا} [الفرقان: 45] أي: يكون فيه بالقوة. يقول: ما كان الحق ليتجلى للممكنات التي ما ظهر لها عين في الوجود {ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا} [الفرقان: 45] وهو اسمه النور [الذي قلنا، ويشهد له الحسن، فإن الظلال لا يكون لها عين بعدم النور] {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} [الفرقان: 46] . وإنما قبضه إليه؛ لأنه
ظله، فمنه ظهر، وإليه يرجع الأمر كله، فهو هو لا غيره1.
"وجود الحق عين وجود الخلق عند الصوفية"
فكل ما تدركه فهو وجود الحق في أعيان الممكنات، فمن حيث هوية الحق--------------------------------------------
1 يشبه الله سبحانه والعالم بالشيء وظله، غير أن هذا التشبيه -على ما فيه- لا يصحح للزنديق دينه، بل يدمغه بالتلبيس والتضليل. فما من شك في أن الشيء وظله يشيئان متمايزان، والزعم بأيهما حقيقة واحدة مكابرة وجحود بشهود الحس اليقيني. نعم يحتاج الظل في وجوده إلى من أو ما هو ظل له. بيد أن هذا الاحتياج شيء، والزعم بأنهما حقيقة واحدة شيء آخر مباين كل المباينة. وابن عربي يدين بأن العالم هو الله في الهوية والماهية، أما ظل الشيء فليس عين الشيء لا في ذاتي، ولا في عرضي، قد يقال: إن الظل أثر من آثار الشيء، غير أن الزنديق يؤمن بأن العالم ليس أثرا لله، بل هو هو في الحقيقة والوجود. فلا يثبت مثال ما ليس به بهذا المثال.
[حتى يظهر الظل فيكون كما بقي من الممكنات]
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٧٦)
هو1 وجوده، ومن حيث اختلاف الصور فيه هو2 أعيان الممكنات، فكما لا يزول عنه باختلاف الصور اسم الظل، كذلك لا يزول عنه [18] باختلاف الصور اسم العالم، أو اسم سوى الحق، فمن حيث أحدية كونه ظلا هو الحق؛ لأنه الواحد الأحد، ومن حيث كثرة الصور هو العالم، فتفطن، وتحقق ما أوضحته لك، فإذا كان الأمر على ما ذكرته لك، فالعالم متوهم3 ما له وجود حقيقي، وهذا معنى الخيال، أي: خيل إليك أنه أمر زائد قائم بنفسه، خارج عن الحق، وليس كذلك في نفس الأمر، ألا تراه في الحس متصلا بالشخص الذي امتد عنه يستحيل [عليه] الانفكاك عن ذلك الاتصال، لأنه يستحيل على4 الشيء الانفكاك عن ذاته5".. وهذا وما شاكله من قوله -كما تقدم في الفص النوحي- مشيرا إلى تصحيح قول الكفار في القرآن: إنه سحر لا حقيقة له، إشارة تكاد أن تكون صريحة، وإلى مثل هذا المحال لوح ابن الفارض، والأمر فيه أوضح مما في الفصوص:
وها دحية وافى الأمين نبينا … بصورته في بدء وحي النبوة
أجبريل قل لي كان دحية إذ بدا … لمهدي الهدى في هيئة6 بشرية؟
وفي علمه عن حاضريه مزية … بماهية المرئي من غير مرية
يرى ملكا يوحي إليه، وغيره … يرى رجلا يرعى لديه بصحبة--------------------------------------------
1، 2 في الأصل: فهو في الموضعين.
3 هذا يستلزم وجود وهم ومتوهم، فإن قال: إن المتوهم عين الوهم والمتوهم لزمه كون إلهه وهما ومتوهما، أي: باطلا ينتج باطلا. فكيف يسمونه: حقا؟ وإن قال: إنه غيرهما لزمه القول بالغيرية والتعدد، وهو يدين بأن لا غير، ولا سوى. وهكذا في كل دليل له حجة تدمغه بالإفك، وتدينه بالبهتان.
4 في الأصل: عن.
5 ص102 فصوص.
6 في الأصل: في صورة.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٧٧)
ولي من أتم الرؤيتين إشارة … تنزه عن دعوى الحلول1 عقيدتي
وفي الذكر ذكر اللبس ليس بمنكر … ولم أعد عن حكمي كتاب وسنة
يعني قوله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: 9] هذا ما كان ظهر لي، ثم تبين أن المراد أقبح من هذا بقول شراح التائية، الفرغاني وغيره2 وسيأتي نقله عنه آنفا.
رد علاء الدين البخاري:
قال الإمام علاء الدين البخاري: "ما ذكرتم في نفي ثبوت الأشياء معارض بالمثل؛ إذ لا خفاء أنه من أعيان الأكوان، غير أنه من الأعراض، فيكون ما ذكرتم أيضا خيالا وسرابا، لا حقيقة له، فلا يمكن به إثبات مذهبكم الباطل وإذا لم يبق في قوس المكابرة منزع، ولا لما لزمهم من شنيع المحالات والضلالات مدفع، التجئوا إلى دعوى الكشف على ما هو دأب قدماء الفلاسفة حين عجزوا عن إقامة البرهان، وأنت خبير بأن الكشف إنما يظهر الحقائق، لا أنه يهدم الشرائع، وينفي الحقاق3، فإن ذلك زندقة، وقد غلط هؤلاء كغلط.--------------------------------------------
1 لم يرض بكفر الحلاج دينا، وهو الحلول؛ لأنه يستلزم الاثنينية والمغايرة بوجه ما بين الحال، وبين المحل. وابن الفارض يدين بالوحدة.
2 قال القاشاني في شرح ذلك البيت: "ظهور الحق في بعض صور المخلوقات هو تلبسه بها، كتلبس جبريل بصورة رجل".
3 لا يستطيع البخاري هدم باطل الصوفية ما دام مؤمنا معهم بأسطورة الكشف -ولكن لا تنس أنه هو الآخر صوفي- فالصوفية لم يهولوا بهذه الأسطورة إلا لينقضوا بتهاويل باطلها حقائق الدين والعقل، ولإثبات ما يدينون به من زندقة، بعد تشكيك الناس في كل حقيقة عقلية أو نقلية. على أن الصوفية الذين دانوا بالكشف لم يدينوا بدين واحد، ولم يروا في الإلهية والربوبية رأيا واحدا، ولم ينظروا إلى حقيقة الوجود نظرة واحدة. فالحلاج حلولي، والسهروردي إشراقي، وابن عربي وابن الفارض وابن سبعين من زعماء وحدة الوجود على=
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٧٨)
النصارى لما رأوا إشراق نور الله تعالى، وقد تلألأ في عيسى عليه السلام1، فقالوا: هو الإله، وهؤلاء لما رأوا الوجود فائضا من الحضرة الإلهية على الموجودات فلم يفرقوا بين الفيض2 والمفيض، فقالوا: الوجود هو الله سبحانه وتعالى. اهـ
رأي العضد والجرجاني:
وقال الشريف الجرجاني3 في شرح المواقف للعضد4: "واعلم أن المخالف في هذين الأصلين -يعني عدم الاتحاد وعدم الحلول- طوائف ثلاث، الأولى:--------------------------------------------
= اختلاف في التصور والتصوير، والقنونوي والتلمساني والجيلي كل له مذهبه، وكل له وسيلته، وكل له تصويره، وكي يدعي أنه آمن بما آمن به عن كشف وشهود. فبأي كشف نأخذ، وبأي شهود نصدق؟ ليمكن أن نأخذ أو نصدق بالجميع لأنه نفاية تناقض وتباين، والحق واحد لا يتعدد، ولا يناقض نفسه، ولا يمكن أن نأخذ ببعض دون بعض، وإلا احتجنا إلى دليل نثبت به أن ما أخذنا به هو الحق وأن ما عداه باطل، فبماذا نستدل؟ أبكشف أم بغيره؟ إن كان الأول لزم التسلسل وإن كان الثاني ثبت أن الكشف محتاج إلى دليل آخر غير الكشف يثبت به، ثم إنا لو أخذنا ببعض دون بعض، كان هذا معناه أن بعض أنواع الكشف الصوفي باطل، في حين يدين الصوفية بأن كل كشف صوفي هو حق في ذاته، وبما ذكرت أو ببعضه يتجلى لك بطلان أسطورة الكشف، وتؤمن بأن ملاذ الحق ومشرقه وقدسه كتاب الله سبحانه. وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم.
1 في كلامه هذا رائحة الحلول المسيحي، أو الإشراق السهروردي. ولكن لعله يقصد بالنور الذي تلألأ هدي النبوة والإيمان.
2 يقصد ما أفاضه الله من الوجود، والواجب أن يعبر عن هذا: بالخلق والخالق، إذ الفيض أسطورة ابتدعتها الفلسفة والصوفية، ابتغاء نفي خلق الله سبحانه للعالم. ونفي القادر المريد، وابتغاء إثبات قدم العالم، وأن الأشياء ثابتة في العدم.
3 هو علي بن محمد بن علي. ولد سنة 740هـ وتوفي سنة 814.
4 هو عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار عضد الدين الإيجي ولد سنة 709 تقريبا، ومات سنة 753هـ.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٧٩)
النصارى" ثم ذكر مذاهبهم، ثم قال: "الثانية: النصيرية1 والإسحاقية2 من غلاة الشيعة، قالوا: ظهور الروحاني بالجسماني لا ينكر، ففي طرف الشر، كالشياطين، فإنه [19] كثيرا ما يتصور الشيطان بصورة الإنسان، ليعلمه الشر ويكلمه بلسانه، وفي طرف الخير -كالملائكة- فإن جبريل عليه السلام كان يظهر بصورة دحية الكلبي [والأعرابي3] ، فلا يمتنع [حينئذ4] أن يظهر الله تعالى في صورة بعض الكاملين [وأولى الخلق بذلك أشرفهم وأكملهم، وهو العترة الطاهرة، وهو من يظهر فيه العلم التام، والقدرة التامة من الأئمة من تلك العترة، ولم يتحاشوا عن إطلاق الآلهة على أئمتهم، وهذه ضلالة بينة5 الطائفة] الثالثة [بعض] المتصوفة، وكل منهم مختبط6 بين الحلول والاتحاد" ثم قال العضد7: "ورأيت من الصوفية الوجودية من ينكره، ويقول: لا حلول، ولا اتحاد، إذ ذاك يشعر بالغيرية، ونحن لا نقول بها، بل نقول: ليس في ذات الوجود غيره8، وهذا العذر أشد قبحا وبطلانا من ذلك الجرم؛ إذ يلزم ذلك المخالطة التي لا يجترئ على القول بها عاقل، ولا مميز أدنى تمييز9".--------------------------------------------
1 محدثها محمد بن نصير النميري، وتزعم هذه الفرقة أن الله سبحانه ظهر بصورة علي وأولاده المخصوصين.
2 أحدثها إسحاق بن زيد بن الحراث. ومن القائلين بالإباحة وإسقاط التكاليف، وأن لعلي شركة مع الرسول، ثم تطورت فقالت بالحلول كالنصيرية.
3، 4، 5 كل ما بين هذين [] ساقط من الأصل، وأثبته عن المصدر الذي نقل عنه المؤلف، وهو شرح المواقف.
6 في شرح المواقف: وكلامهم مخبط.
7 ليس قول العضد وحده، وإنما مع شرح الجرجاني له.
8 في المواقف "ليس في دار الوجود غيره ديار" وهو أدق.
9 ص29 وما بعدها جـ8 شرح المواقف.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٨٠)
رأي السعد التفتازاني:1
وهذا المعنى الأخير هو الذي أراده الشيخ سعد الدين التفتازاني، بالمذهب الثاني، من قوله في شرح المقاصد: "وههنا مذهبان آخران يوهمان الحلول والاتحاد وليسا منه في شيء.
الأول: أن السالك إذا انتهى سلوكه إلى الله تعالى في الله يستغرق في بحر التوحيد والعرفان بحيث تطمحل ذاته في ذاته، وصفاته في صفاته ويغيب عن كل ما سواه، ولا يرى في الوجود إلا الله، وهو الذي يسمونه: الفناء في التوحيد، وإليه يشير الإلهي2: "إن العبد لا يزال يتقرب إليّ حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به3". وحينئذ ربما تصدر عنه عبارات تشعر بالحلول4، أو بالاتحاد لقصور العبارة عن بيان تلك الحال، وبعد الكشف عنها بالمثال، ونحن على ساحل التمني نعترف5 من بحر التوحيد بقدر الإمكان، ونعترف بأن طريق الفناء فيه العيان6 دون البرهان، والله الموفق.--------------------------------------------
1 مسعود بن عمر بن عبد الله ولد سنة 712، وتوفي سنة 792هـ.
2 يقصد: الحديث القدسي، وقد روي هذا مختصرا جدا.
3 سيرد الحديث بتمامه والتعليق عليه.
4 ما تقرب إنسان في الوجود إلى الله بمثل ما تقرب إليه به عبده ورسوله وخليله محمد صلى الله عليه وسلم، فلم تصدر عنه مثل تلك العبارات الطافحة بإثم الإلحاد، والتي يأفك الصوفية أنها روحانية الأنس تفيض من حظائر القدس. بل كل ما صدر عنه توحيد لله سبحانه خالص في ربوبيته وإلهيته، وتسابيح عبودية تستشعر الخوف والرجاء، وتبتهل إلى الله أن يغمرها برضاه، وأن يغفر لها كل ما تشعرها به روحانية الإيمان أنه ذنب.
5 لعلها: نغترف.
6 يقصدون معاينة الذات تصدر عنها أفعالها. وتصرف في الكون أقدارها. وإبراهيم خليل الله أراه الله ملكوت السموات والأرض، وموسى، كله الله من وراء =
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٨١)