قوله: (أرجائها: ما لم تنشق منها) قال الحافظ(1): يريد تفسير قوله تعالى: {وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا} [الحاقة: 17]، وروى عبد بن حميد من طريق قتادة: أي: على حافات السماء، وعن سعيد بن جبير: على حافات الدنيا، وصوَّب الأول، وعن ابن عباس: والملك على حافات السماء حين تنشق، والأرجاء بالمد جمع رجا بالقصر، والمراد النواحي، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع"(2): قوله: "ما لم ينشق منها" يعني: أن قوله تعالى: {وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا} [الحاقة: 17] المراد به ما إذا لم تنشق السماء، فإذا انشقت لم تبق لها الأرجاء، ثم أخذ في بيان معناه، فقال: على حافتيه كما تقول: على أرجاء البئر، فإن معناه على أطرافه، قوله: "وليجة كل شيء. . ." إلخ، فكان فعيلة بمعنى مفعولة، انتهى.
(5 - باب ما جاء في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا. . .} [الفرقان: 48]) إلخ
قال الحافظ(3): "نُشرًا" بضم النون والمعجمة، وسيأتي تفسيره في الباب. قوله: "قاصفًا. . ." إلخ، يريد تفسير قوله تعالى: {فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ} [الإسراء: 69]، قال أبو عبيدة: هي التي تقصف كل شيء، أي: تحطم، انتهى.
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(4): قوله: "لواقح ملاقح. . ." إلخ، يعني: أن الرياح ليست لاقحة بل هي ملقحة، فكان اللازم بمعنى المتعدي، انتهى.
ففي هامشه عن تقرير المكي: يريد أن المراد باللواقح الملاقح دون معناه الحقيقي؛ لأن اللاقح لازم يقال: لقحت الناقة، أي: حملت،--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (6/ 298).
(2) "لامع الدراري" (7/ 339).
(3) "فتح الباري" (6/ 300).
(4) "لامع الدراري" (7/ 340).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٧٦)
والملقحة متعدية يقال: ألقح الفحل الناقة، وما قيل: إن اللواقح جمع ملقحة على خلاف القياس فغلط، فإنها جمع لاقحة، "أستاذ".
وقال الكرماني(1): قوله: "لواقح" أي: ملاقح جمع الملقحة وهو من النوادر، يقال: ألقح الفحل الناقة والريح السحاب، ورياح لواقح. . .، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" من "الفتح"(2) وغيره.
(6 - باب ذكر الملائكة)
قدَّم المصنف ذكر الملائكة على الأنبياء، لا لكونهم أفضل عنده، بل لتقدمهم في الخلق، ولسبق ذكرهم في القرآن في عدة آيات، ووقع في حديث جابر الطويل عند مسلم في صفة الحج: "ابدؤا بما بدأ الله به" ولأنهم وسائط بين الله وبين الرسل في تبليغ الوحي والشرائع، فناسب أن يقدم الكلام فيهم على الأنبياء، ولا يلزم من ذلك أن يكونوا أفضل من الأنبياء، وقد ذكرت مسألة تفضيل الملائكة في "كتاب التوحيد" عند شرح حديث: "ذكرته في ملأ خير منهم"، انتهى من "الفتح"(3).
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(4) تحت الباب: وجملة الروايات الموردة فيه تدل على وجود الملك وثبوته وهو المراد، انتهى.
وبسط في هامشه الكلام على الملائكة لفظًا ومعنًى، والاختلاف في حقيقتهم، وكذا في وجودهم، فارجع إليه.
قال الحافظ(5): ومن أدلة كثرتهم ما يأتي في حديث الإسراء: "أن البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون"، ثم ذكر المصنف في الباب أحاديث تزيد على ثلاثين حديثًا، وهو من نوادر ما وقع--------------------------------------------
(1) "شرح الكرماني" (13/ 161 - 162).
(2) "فتح الباري" (6/ 301).
(3) "فتح الباري" (6/ 306).
(4) "لامع الدراري" (7/ 341).
(5) "فتح الباري" (6/ 306 - 307).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٧٧)
في هذا الكتاب أعني كثرة ما فيه من الأحاديث، فإن عادة المصنف غالبًا يفصل الأحاديث بالتراجم ولم يصنع ذلك ههنا، انتهى.
قلت: وسيأتي الكلام في تلك الأحاديث على حديث ابن مسعود: "يجمع أحدكم في بطن أمه أربعين يومًا" في أول "كتاب القدر" إن شاء الله تعالى.
(7 - باب إذا قال أحدكم: آمين. . .) إلخ
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(1): زيادة الباب هنا من تصرف النساخ، فإن الأحاديث الموردة بعد ذلك من الباب الأول من غير تفاوت، انتهى.
وفي هامشه: أشكل زيادة لفظ الباب ههنا قديمًا وحديثًا، واخترع شيخ مشايخنا الشاه ولي الله الدهلوي نوَّر الله مرقده لهذا الباب أصلًا برأسه إذ قال في الأصول(2): إن لفظ الباب قد يكتب مكان قول المحدثين بهذا الإسناد كما يكتبون ح، كما تقدم البسط في ذلك في الأصل السابع من أصول التراجم، وتقدم فيه ما اختاره هذا العبد الضعيف، وهو أن هذا الباب ليس بمثبت - بفتح الباء -، بل هو مثبت - بكسر الباء - للترجمة السابقة، ثم رأيت العلَّامة السندي مال إلى ذلك إذ قال(3): لعلّ مراده أن من جملة الأدلة على وجود الملائكة هذا الباب، أي: ما ذكر فيه، وما يتعلق به من الأحاديث، فلم يأت بالباب ليذكر أحاديثه، نعم ذكر بعض أحاديثه ليستدل به على وجود الملائكة فيما بعد أيضًا في جملة سائر الأحاديث لهذا المطلوب، انتهى.--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (7/ 347).
(2) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 20).
(3) "صحيح البخاري مع حاشية السندي" (2/ 213).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٧٨)
وقال صاحب "الفيض"(1): وهذا البابُ غريبٌ في سلسلة ذكر الملائكة، إلَّا أنه أدخله في أضعاف ذكرهم لفائدةٍ، وهي: أنهم موكَّلُون على قول: آمين أيضًا، انتهى.
قلت: وأول حديث هذا الباب حديث عائشة: "حشوت للنبي صلى الله عليه وسلم وسادة"، الحديث، يخالفه ما تقدم في "باب كسر الدنان" من قول عائشة: "فاتخذت منه نمرقتين"، وتقدم الكلام عليه في الباب المذكور من "أبواب المظالم والقصاص"، فكن منه على ذكر.
(8 - باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة. . .) إلخ
أي: موجودة الآن، وأشار بذلك إلى الرد على من زعم من المعتزلة أنها لا توجد إلا يوم القيامة، وقد ذكر المصنف في الباب أحاديث كثيرة دالة على ما ترجم به، فمنها ما يتعلق بكونها موجودة الآن، ومنها ما يتعلق بصفتها، وأصرح مما ذكره في ذلك ما أخرجه أحمد وأبو داود بإسناد قوي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لما خلق الله الجنة قال لجبريل: اذهب فانظر إليها" الحديث(2)، وهكذا قال العيني(3): فيه رد على المعتزلة حيث قالوا: إنها لا توجد إلا يوم القيامة، وكذلك قالوا في النار: إنها تخلق يوم القيامة، انتهى.
قلت: ولذا قال في "باب صفة النار": إنها مخلوقة، كما سيأتي.
قوله: (لكل امرئ منهم زوجتان) كتب الشيخ في "اللامع"(4): يصح إرجاع الضمير إلى الفريقين جميعًا، وإلى الثانية منهما، انتهى.
قلت: ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه محتمل، وعلى الاحتمال الثاني يكون للفريق الأول أكثر من ثنتين.--------------------------------------------
(1) "فيض الباري" (4/ 315).
(2) انظر: "فتح الباري" (6/ 320).
(3) "عمدة القاري" (10/ 593).
(4) "لامع الدراري" (7/ 353 - 354).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٧٩)
وقال الحافظ(1): قوله: "زوجتان" أي: من نساء الدنيا، فقد روى أحمد عن أبي هريرة مرفوعًا في صفة أدنى أهل الجنة منزلة: "وإن له من الحور العين لاثنتين وسبعين زوجة سوى أزواجه من الدنيا"، وفي سنده شهر بن حوشب وفيه مقال، وذكر الحافظ الروايات العديدة المختلفة في تعداد النساء من الحور العين. . .، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
وقال العلَّامة السندي(2): لعل الزوجتين تكونان على هذه الصفة - أي: المذكورة في الحديث -، والباقيات على غير هذه الصفة، وإلا فقد ورد: للمؤمن ثلاث وسبعون زوجة، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم، انتهى.
قوله في آخر حديث من أحاديث الباب: (رجال آمنوا بالله. . .) إلخ، وفى هامش المصرية عن شيخ الإسلام(3): فإن قلت: فلا يبقى في غير الغرف أحد؛ لأن أهل الجنة كلهم مؤمنون مصدقون بالرسل؟ قلت: المصدقون بجميع الرسل هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم فتبقى أمة غيره من سائر الأنبياء في غير الغرف، انتهى.
(9 - باب صفة أبواب الجنة. . .) إلخ
قال الحافظ(4): هكذا ترجم بالصفة، ولعله أراد بالصفة العدد أو التسمية؛ فإنه أورد فيه حديث سهل بن سعد مرفوعًا: "في الجنة ثمانية أبواب" الحديث، وقال فيه: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أنفق زوجين في سبيل الله دعي من باب الجنة"، وأشار بهذا إلى حديث أسنده في الصيام، وفي الجهاد من حديث أبي هريرة، وفيه: "فمن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد"، وورد في صفة أبواب الجنة: "أن ما بين المصراعين مسيرة أربعين سنة"، ومن حديث أبي سعيد ومعاوية بن حيدة ولقيط بن عامر، وأحاديث--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (6/ 325).
(2) "صحيح البخاري مع حاشية السندي" (2/ 217).
(3) "تحفة الباري" (4/ 26).
(4) "فتح الباري" (6/ 328، 329).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٨٠)
الثلاثة عند أحمد، وهي مرفوعة، ولها شاهد عند مسلم من حديث عتبة بن غزوان، لكنه موقوف، انتهى من "الفتح".
وتعقب العلَّامة العيني(1) على قول الحافظ: لعله أراد بالصفة العدد أو التسمية فقال: هذا تخمين؛ لأنه لا وجه لما ذكره، أما ذكر الصفة وإرادة العدد ففيه ما فيه، والذي يظهر لي أن ذكر الصفة إشارة إلى قوله: الريان؛ لأنه صفة للباب، انتهى مختصرًا.
وبسط الكلام على هامش "اللامع"(2) على الروايات الواردة في عدد أبواب الجنة وأسمائها، وفيه: قال ابن رسلان في "شرح أبي داود": قال ابن القيم: أبواب الجنة لا تنحصر في الثمانية، بل هي أكثر كما دلَّت عليه الأحاديث، انتهى.
وفيه أيضًا: وبسط الكلام على ذلك في "الأوجز"(3) بما لا مزيد عليه، وفيه برواية ابن جرير وغيره عن ابن عمر مرفوعًا: "إن في الجنة قصرًا يقال له: عدن، له خمسة آلاف باب"، وفي رواية: قرأ عمر على المنبر: {جَنَّاتُ عَدْنٍ}، فقال: أيها الناس هل تدرون ما جنات عدن؟ قصر في الجنة له عشرة آلاف باب، وعن ابن عباس: "أخص أهل الجنة منزلًا يوم القيامة، له قصر من درة جوفاء، فيها سبعة آلاف غرفة لكل غرفة سبعون ألف باب"، وغير ذلك من الروايات، فلا بد للجمع بينهما من حمل هذه الأبواب الكثيرة على أبواب من داخل أبواب الجنة الأصلية، كما تقدم في كلام الحافظ، وبه جزم مشايخي عند الدرس.
وقال ابن العربي في "العارضة"(4): الذين يدعون من أبواب الجنة الثمانية أربعة: الأول: "من أنفق زوجين في سبيل الله"، وهو متفق عليه، الثاني: من قال هذا الذكر، وهو في "صحيح مسلم": "من توضأ فأحسن--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (10/ 611).
(2) "لامع الدراري" (7/ 356 - 358).
(3) "أوجز المسالك" (9/ 453 - 463).
(4) "عارضة الأحوذي" (1/ 74).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٨١)
الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله" الحديث، الثالث: "من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه"، أخرجه البخاري، الرابع: "من مات يؤمن بالله واليوم الآخر، قيل له: ادخل من أي أبواب الجنة الثمانية شئت"، أخرجه أحمد بسنده إلى عقبة بن عامر عن عمر مرفوعًا، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع".
(10 - باب صفة النار وأنها مخلوقة)
القول فيه كالقول في "باب صفة الجنة" سواء.
قوله: (غسَّاقًا. . .) إلخ، قال الحافظ(1): وهذا مأخوذ من كلام أبي عبيدة(2)، فإنه قال في قوله تعالى: {إلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا} [النبأ: 25] الحميم: الماء الحار، والغسَّاق: ما هَمَى وسَالَ، والمراد في الآية ما سال من أهل النار من الصديد، وقيل: من دموعهم، وقيل: الغساق البارد الذي يحرق ببرده، قال أبو عبيد الهروي: من قرأه بالتشديد أراد السائل، ومن قرأه بالتخفيف أراد البارد. . .، إلى آخر ما في "الفتح".
وقول البخاري: (كأن الغساق) كتب عليه مولانا محمد حسن المكي في تقريره: من دأب البخاري إذا لم يتحقق عنده من كتب اللغة معنى لفظ أو غيره كالترادف ونحوه؛ بل يقول ذلك من رأيه يصدِّره بـ "كأنَّ"، انتهى.
قوله: (الحمّى من فيح جهنم فأبردوها بالماء) قال العلَّامة السندي(3): يحتمل أن يكون كناية عن تغطية المحموم، والسعي في خروج العرق منه بما أمكن على أن المراد بالماء العرق المعلوم بأنه يبرد الحمى، ويحتمل أن يكون كناية عن الاشتغال بما يستحق به المحموم الرحمة من التصدق وغيره من أعمال البر، على أن المراد بالماء ماء الرحمة المعارض لنار جهنم،--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (6/ 331).
(2) "مجاز القرآن" (2/ 282).
(3) "صحيح البخاري مع حاشية السندي" (2/ 219).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٨٢)
وقد حمله بعضهم على التصدق بالماء، والله تعالى أعلم، وللشرَّاح معان وتأويلات مشهورة، انتهى.
وبسط الكلام على معناه أيضًا في "الأوجز"(1).
قوله: (لو أتيت فلانًا فكلمته. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(2): وحاصل كلامه: أنكم تظنون أني أكلمه في ذلك جهرة، لا والله لا أفعل ذلك، فأفتح به بابًا من الفتنة، وهذا إذا كان المراد بالكلام هو الكلام فيما يستقبل، ويمكن أن يكون المراد أنكم تزعمون أني لم أكلمه فيما مضى؛ لأنكم لم تروني كلمته، مع أن الأمر ليس كذلك، بل إني أكلمه في ذلك الباب سرًّا، ولا يمنعني كون أحد أميرًا على أن أقول: إنه خير فلا أنصحه ولا آمره بالمعروف.
قوله: (ولا أقول لرجل إن كان علي أميرًا) يعني بذلك: أن عثمان رضي الله عنه لا شك أنه من المبشرين بالجنة إلا أنه ليس معصومًا حتى آمن عليه الخطأ، فلعل أن تأخذه العصبية والحمية إذ أمرته بشيء مما يخالف طبعه أو يثقل عليه، وقد سمعت منه صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن كثيرًا من الأمراء يأمر ولا يأتمر وينهى ولا ينتهي، وعثمان رضي الله عنه وإن لم يكن من جملتهم لكنه يخاف عليه أن تأخذه العصبية؛ لأنه بشر وليس معصومًا، فافهم فإنه دقيق، انتهى.
وبسط في هامشه الكلام في شح هذا الحديث من كلام الشرَّاح، ثم لا يخفى عليك أن ظاهر كلام الشرَّاح قاطبة وكذا كلام الشيخ قُدِّس سرُّه والمشايخ أن المراد بالرجل في قوله: "ولا أقول لرجل. . ." إلخ، هو عثمان رضي الله عنه، ثم بعد ذلك أوّلوا وعيد الحديث في شأن عثمان، والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن مصداق الأمير هو الوليد، والمعنى أن كون الوليد أميرًا لا يمنعني أن أكلم فيه بعد أن سمعت هذا الوعيد الشديد،--------------------------------------------
(1) "أوجز المسالك" (16/ 543 - 549).
(2) "لامع الدراري" (7/ 366 - 367).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٨٣)
وعلى هذا فيكون مورد الحديث هو الوليد، فحينئذ لا يشكل الحديث بمناقب عثمان رضي الله عنه، فتأمل فإنه لطيف.
قوله: (فيجتمع أهل النار عليه. . .) إلخ، ظاهره رؤية أهل النار المعذب وإن كان مسلمًا مع أن المسلمين لا يعذبون بمحضر من الكفار، قال الرازي(1) في تفسير قوله تعالى: {لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} الآية [التحريم: 8]: يجوز أن يعذبهم بحيث لا يراه الكفرة، لكن صريح روايات "مسند أبي حنيفة" وما في حاشيته من الروايات الكثيرة يؤيد الأول، فتأمل.
(11 - باب صفة إبليس وجنوده. . .) إلخ
إبليس اسم أعجمي عند الأكثر، وقيل: مشتق من أَبْلَسَ إذا أَيئِسَ، قال ابن الأنباري: لو كان عربيًا لصرف، وقال الطبري: إنما لم يصرف وإن كان عربيًّا لقلة نظيره في كلام العرب، فشبَّهوه بالعجمي، وتُعقِّب بأنّ ذلك ليس من موانع الصرف، إلى أن قال الحافظ: رُوي عن ابن عباس قال: كان اسم إبليس حيث كان مع الملائكة عزازيل، ثم إبليس بعد.
وقول البخاري: "وجنوده" كأنه يشير بذلك إلى حديث أبي موسى الأشعري مرفوعًا: قال: "إذا أصبح إبليس بثَّ جنوده، فيقول: من أضلّ مسلمًا ألبستُه التاجَ" الحديث، أخرجه ابن حبان والحاكم. ولمسلم من حديث جابر مرفوعًا: "عرش إبليس على البحر، فيبعث سراياه، فيفتنون الناس، فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة"، واختلف هل كان من الملائكة ثم مسخ لما طرد أو لم يكن منهم أصلًا؟ على قولين مشهورين، انتهى(2).
قلت: ولجنود إبليس ذكر في الآيات والروايات كثيرًا، كما في روايات الباب وغيرها. . .، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع"(3)، وفيه--------------------------------------------
(1) "التفسير الكبير" (30/ 43).
(2) "فتح الباري" (6/ 339).
(3) "لامع الدراري" (7/ 368، 369).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٨٤)
أيضًا: بسط المفسرون منهم صاحب "الجمل"(1) الكلام على ذرية إبليس في تفسير سورة الكهف في قوله تعالى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ} [الكهف: 50].
وقال العلَّامة العيني(2): والكلام في صفة إبليس وحقيقة أمره على أنواع: الأول: في اسمه، هل هو مشتق أم لا؟ النوع الثاني: في بيان أصل خلقه، أي: هل كان من الجن أو من الملائكة أو ليس منهما؟ النوع الثالث: في حده وصفته، النوع الرابع: في أولاده وجنوده، ثم بسط الكلام على هذه الأنواع الأربعة، فارجع إليه، وسيأتي الكلام على وجود الجن وإثباته في الباب الآتي، ثم لا يذهب عليك أن ما في بين سطور الكتاب تحت قوله: "قرين" أي: في قوله تعالى: {فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} وهي آية من سورة الزخرف هو ليس بوجيه عندي، فإن القرين ههنا ليس بمعنى الشيطان بل هو بمعنى المصاحب، كما لا يخفى، بل الأوجه عند هذا العبد الضعيف أنه إشارة إلى ما في سورة ق: {قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ} الآية [ق: 27]، وقد ذكر الإمام البخاري هذا التفسير في سورة قاف، ولم يذكره في سورة الزخرف، فتنبه.
(12 - باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم. . . . . .) إلخ
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(3): لما كان الباب المعقود قبل ذلك يوهم أن الجن ليس منهم إلا الشر؛ لأن الشيطان هو الجن دفعه بأنهم مكلفون مثل الإنس، فمطيعهم مثاب وعاصيهم معذب، والشيطان وإن كان منهم فإنه رجم لشيطنته وعصيانه لا لكونه من الجن، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ(4): أشار بهذه الترجمة إلى إثبات وجود الجن، وإلى كونهم مكلفين، وأما إثبات وجودهم فقد نقل إمام الحرمين عن--------------------------------------------
(1) "تفسير الجمل" (3/ 29).
(2) "عمدة القاري" (10/ 621).
(3) "لامع الدراري" (7/ 379 - 381).
(4) "فتح الباري" (6/ 343 - 344).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٨٥)
كثير من الفلاسفة والزنادقة والقدرية أنهم أنكروا وجودهم رأسًا، قال: ولا يتعجب ممن أنكر ذلك من غير المشرعين، إنما العجب من المشرعين مع نصوص القرآن والأخبار المتواترة، قال: وليس في قضية العقل ما يقدح في إثباتهم، قال القاضي أبو بكر: وكثير من هؤلاء يثبتون وجودهم وينفونه الآن، ومنهم من يثبتهم وينفي تسلطهم على الإنس، وقال عبد الجبار المعتزلي: الدليل على إثباتهم السمع دون العقل، إلى آخر ما بسط الحافظ في وجودهم، وفي أي شيء خلقوا؟ وفي أنهم هل يأكلون ويشربون ويتناكحون أم لا؟ وبسط الكلام على ذلك في "الأوجز".
ثم قال الحافظ(1): وأما كونهم مكلفين فقد قال ابن عبد البر: الجن عند الجماعة مكلفون، وقال عبد الجبار: لا نعلم خلافًا بين أهل النظر في ذلك، إلا ما حكي عن بعض الحشوية أنهم مضطرون إلى أفعالهم، وليسوا بمكلفين، إلى آخر ما بسط من الاختلاف في أنه هل كان فيهم نبي أم لا؟ مع اتفاقهم على أن نبينا صلى الله عليه وسلم بعث إلى الجن والإنس، وهذا مما فضل به على الأنبياء.
وأما قول المصنف: "وثوابهم وعقابهم" فلم يختلف من أثبت تكليفهم أنهم يعاقبون على المعاصي، واختلف هل يثابون؟ فروى الطبري وابن أبي حاتم من طريق أبي الزناد موقوفًا قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، قال الله لمؤمن الجن وسائر الأمم - أي: من غير الإنس -: كونوا ترابًا، فحينئذ يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابًا"، وروى ابن أبي الدنيا عن ليث بن أبي سليم قال: ثواب الجن أن يجاروا من النار، ثم يقال لهم: كونوا ترابًا، وروي عن أبي حنيفة نحو هذا القول، وذهب الجمهور إلى أنهم يثابون على الطاعة، وهو قول الأئمة الثلاثة والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (6/ 344 - 346).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٨٦)
ثم اختلفوا هل يدخلون مدخل الإنس على أربعة أقوال: أحدها: نعم، وهو قول الأكثر، وثانيها: يكونون في ربض الجنة، وهو منقول عن مالك وطائفة، وثالثها: أنهم أصحاب الأعراف، ورابعها: التوقف عن الجواب، ثم ذكر دلائل الجمهور.
وبسط العيني(1) أيضًا أبحاثًا عديدةً في مسائل الجن، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع"(2)، وفيه أيضًا: وعلم من ذلك أن ما قرره الشيخ مبني على مسلك الجمهور بخلاف المعروف عن الإمام أبي حنيفة، ولعل مأخذ قول الإمام في سورة الأحقاف: {يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأحقاف: 31]، فإنه مرتب فيه على الإيمان وإجابة داعي الله الإجارة من النار فقط، انتهى.
ونقل عن الإمام التوقف أيضًا كما سيأتي في الباب الآتي.
قوله: (لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع"(3): فيه إثبات الجن وأن منهم مسلمين، فإن الشهادة للغير فرع كونه ناجيًا زكيًا غير مأخوذ، انتهى.
قلت: وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في المطابقة أجود مما قاله الشرَّاح. قال الحافظ وتبعه القسطلاني(4): والغرض منه ههنا أنه يدل على أن الجن يحشرون يوم القيامة، انتهى.
وقال العيني(5): مطابقته للترجمة في قوله: "الجن" وهو أيضًا يدل على وجود الجن خلافًا لمن أنكر ذلك، انتهى.--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (10/ 642 - 646).
(2) "لامع الدراري" (7/ 379 - 381).
(3) "لامع الدراري" (7/ 383).
(4) "فتح الباري" (6/ 346)، "إرشاد الساري" (7/ 238).
(5) "عمدة القاري" (10/ 648).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٨٧)
(13 - باب قوله عز وجل: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ} [الأحقاف: 29])
قال العلَّامة القسطلاني(1): سقط لفظ "باب" لغير أبي ذر، قوله: "مصرفًا: معدلًا" قاله أبو عبيدة، ومراده قوله تعالى: {وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا} [الكهف: 53]. قوله: "صرفنا" في قوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا. . .} إلخ [الأحقاف: 29]، قال المؤلف: أي: "وجهنا"، وكان ذلك حين انصرف صلى الله عليه وسلم راجعًا من الطائف إلى مكة حين يئس من ثقيف، [و] عن ابن عباس: أن الجن كانوا سبعة من جن نصيبين، فجعلهم رسول الله رسلًا إلى قومهم، وعن مجاهد فيما ذكره ابن أبي حاتم: كانوا ثلاثة من حران، وأربعة من نصيبين، ذكر القسطلاني أسماءهم، ثم قال: وقيل: إنهم كانوا اثني عشر ألفًا، انتهى.
قلت: لم يتعرض الشرَّاح لغرض الترجمة، والأوجه عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري رحمه الله أشار به إلى مستدل الإمام أبي حنيفة رحمه الله في المسألة المذكورة في الباب السابق، فإن مستدل الإمام في مسلكه فيه هو هذه الآية، إذ ليس فيها إلا الإجارة من العذاب، ففي "التفسير الأحمدي": وقال إمامنا الأعظم: إنهم لم يثابوا كالإنس، وغاية نفع إيمانهم أنهم ينجون من العذاب؛ لقوله تعالى: {يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأحقاف: 31]، هكذا ذكر في "المدارك" و"الكشاف" و"البيضاوي"، انتهى.
قلت: ونُقل فيه عن الإمام التوقف أيضًا، ففي "روح المعاني"(2): قال النسفي في "التيسير" - في الآية المذكورة قبل -: توقف أبو حنيفة في ثواب الجن في الجنة ونعيمهم؛ لأنه لا استحقاق للعبد على الله تعالى، ولم يقل بطريق الوعد في حقهم إلا المغفرة والإجارة من النار، وأما نعيم الجنة فموقوف على الدليل، انتهى.
ثم قال الحافظ(3): لم يذكر المصنف في هذا الباب حديثًا، واللائق--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (7/ 238).
(2) "روح المعاني" (13/ 189).
(3) "فتح الباري" (6/ 347).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٨٨)
به حديث ابن عباس الذي تقدم في صفة الصلاة في توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى عكاظ واستماع الجن لقراءته، وقد أشار إليه المصنف بالآية التي صدر بها هذا الباب، انتهى.
(14 - باب قول الله تعالى: {وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} [البقرة: 164]. . . إلخ)
قال الحافظ(1): كأنه أشار إلى سبق خلق الملائكة والجن [على] الحيوان، أو سبق جميع ذلك على خلق آدم، والدابة لغة: ما دبَّ من الحيوان، واستثنى بعضهم الطير لقوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} الآية [الأنعام: 38]، والأول أشهر لقوله تعالى: {مَا مِنْ دَابَّةٍ إلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} [هود: 56]، وعرفًا: ذوات الأربع، وقيل: يختص بالفرس، وقيل: بالحمار، والمراد هنا المعنى اللغوي، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: "أن خلق الدواب كان يوم الأربعاء"، وهو دال على أن ذلك قبل خلق آدم، انتهى.
قلت: وأجاد الإمام البخاري بالإشارة إلى الآيات في الترجمة حيث أشار بها إلى استيعاب جميع أنواع الحيوانات، فإنها ثلاثة أنواع: [الأول:] ما يسكن في الأرض من الحشرات، وأشار إليه بذكر الحيات، والثاني: ما يدبّ على الأرض، وأشار إليه بقوله: {مَا مِنْ دَابَّةٍ إلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} [هود: 56]، والثالث: ما يطير في الجو، وأشار إليه بقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ} الآية [الملك: 19].
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(2): لما كانت العادة جارية بأن العظيم لا ينسب إليه الحقير، وقد كانت الفلاسفة زعمت أنه تبارك وتعالى لم يخلق إلا العقل الأول، وجملة ما يتكوّن في عالم الكون والفساد فإنه--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (6/ 347).
(2) "لامع الدراري" (7/ 383 - 388).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٨٩)
إلى العقل العاشر، دفعه بأن كل ذرة من ذرات العالم وكل دابة مما على الأرض صغيرة كانت أو كبيرة، حقيرة أو ذات خطر فإنما خلقه الله تبارك وتعالى، ومنه الخلق والأمر {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 14]، ثم إن جميع ما أورده في الباب من الروايات فمقصوده منها أن للدواب ذكرًا فيها، غير أن بعض الروايات لما كانت تتضمن فائدة أزيد من هذا القدر نبَّه عليها بزيادة لفظ الباب هناك، وأورد الرواية المتضمنة لتلك الفائدة، ثم أخذ في سرد الروايات كما كان يسردها، وهذا كقوله: "باب خير مال المسلم"، وقوله: "باب خمس من الدواب"، فإنهما لما تضمنا فائدة كثيرة الاعتناء نبَّه عليهما بلفظ الباب، فافهم، انتهى.
وبسط في هامشه الكلام في توضيح ما قاله الشيخ قُدِّس سرُّه وتأييده.
(15 - باب خير مال المسلم غنم يتبع بها. . .) إلخ
هكذا ثبتت هذه الترجمة في النسخ الهندية، وكذا في نسخة "العيني" و"القسطلاني"، وكذا في النسخة المصرية التي عليها حاشية السندي، وليست هذه في نسخة "الفتح".
قال الحافظ(1): سقطت هذه الترجمة من رواية النسفي، ولم يذكرها الإسماعيلي أيضًا، وهو اللائق بالحال؛ لأن الأحاديث التي تلي حديث أبي سعيد ليس فيها ما يتعلق بالغنم إلا حديث أبي هريرة المذكور بعده، انتهى.
وهكذا قال العلَّامة العيني(2)، وقد تقدم ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه مما يتعلق بهذا الباب والباب الآتي، وعلى ما أفاده لا يحتاج إلى ما اضطر إليه الشرَّاح من القول بأولوية سقوط هذا الباب، فللَّه در الشيخ قُدِّس سرُّه،--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (6/ 352).
(2) "عمدة القاري" (10/ 655).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٩٠)
وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه هو أصل مطرد من أصول التراجم، وهو الأصل السادس منها.
(16 - باب خمس من الدواب فواسق. . .) إلخ
كذا في النسخ الهندية، وكذا في نسخة "العيني" والنسخة المصرية التي عليها حاشية العلَّامة السندي، وفي نسخة الحافظ هكذا: "باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه. . . إلخ، وخمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم"، وهكذا في نسخة القسطلاني.
قال الحافظ(1): ولا معنى لذكر هذا الباب ههنا، وتبعه القسطلاني في ذلك، وتقدم توجيهه اللطيف في كلام الشيخ قُدِّس سرُّه في الباب السابق.
(17 - باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم. . .) إلخ
قال الحافظ(2): هذا الباب في رواية أبي ذر، وحذف عند الباقين، وهو أولى؛ فإن الأحاديث التي بعده لا تعلق لها بذلك، كما تقدم نظيره، انتهى بتغير ما. وتقدم الجواب عنه في كلام الشيخ رحمه الله فيما سبق.
ثم لم يذكر الحافظ ههنا براعة الاختتام؛ لأنه جعل كتاب بدء الخلق والأنبياء كتابًا واحدًا، فذكر البراعة في آخر "كتاب الأنبياء"، ولو جعل هذا الكتاب مستقلًا فيمكن أن يقال: إن البراعة في قوله: "نقص من عمله كل يوم قيراط"، وجزاء الأعمال يكون في الآخرة بعد الموت(3).
* * *--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (6/ 356).
(2) "فتح الباري" (6/ 360).
(3) انظر: "لامع الدراري" (1/ 117).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٩١)
60 - كتاب الأنبياء على نبينا وعليهم الصلاة والسلام
في رواية كريمة: "كتاب أحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام"، في بعض النسخ: "باب خلق آدم صلى الله عليه وسلم" من غير ذكر شيء غيره، قاله العيني(1).
قال الحافظ(2): الأنبياء جمع نبي، وقد قرئ بالهمزة فقيل: هو الأصل وتركه تسهيل، وقيل: الذي بالهمز من النبأ والذي بغير همز من النبوَّة وهي الرفعة، والنبوَّة نعمة يمنُّ بها الله على من يشاء، ولا يبلغها أحد بعلمه ولا كشفه ولا يستحقها باستعداد ولايته، ومعناها الحقيقي شرعًا: من حصلت له النبوَّة، وليست راجعة إلى جسم النبي صلى الله عليه وسلم، ولا إلى عرض من أعراضه، بل ولا إلى علمه بكونه نبيًا، بل المرجع إلى إعلام الله له بأني نبأتك أو جعلتك نبيًا، وعلى هذا فلا تبطل بالموت كما لا تبطل بالنوم والغفلة.
قال الحافظ أيضًا(3): وقع في ذكر عدد الأنبياء حديث أبي ذر مرفوعًا: "إنهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، الرسل منهم ثلاثمائة وثلاث عشرة" صححه ابن حبان، وهكذا في "العيني"(4)، وزاد: وعن أنس بن مالك: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بعث الله ثمانية آلاف نبي، أربعة آلاف إلى بني إسرائيل، وأربعة آلاف إلى سائر الناس" رواه أبو يعلى الموصلي، وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بعثت على أثر ثمانية آلاف نبي، منهم أربعة آلاف من بني إسرائيل" رواه الحافظ أبو بكر الإسماعيلي، انتهى.--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (11/ 3).
(2) "فتح الباري" (6/ 361).
(3) "فتح الباري" (6/ 361).
(4) "عمدة القاري" (11/ 3).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٩٢)
قلت: وحديث أبي ذر المتقدم في كلام الحافظ والعيني ذكره ابن الجوزي في "التلقيح"(1) مفصلًا، كما ذكر في هامش "اللامع"(2)، وقال القاري(3) في شرح حديث أبي ذر: العدد في هذا الحديث وإن كان مجزومًا به، لكنه ليس بمقطوع، فيجب الإيمان بالأنبياء والرسل مجملًا من غير حصر في عدد لئلا يخرج أحد منهم، ولا يدخل أحد من غيرهم فيهم، انتهى.
ثم لا يذهب عليك أن الإمام البخاري رضي الله عنه كما أنه مجتهد في المسائل الفقهية لا يبالي خلاف أحد، كذلك له رأي مستقل في التاريخ لا يبالي خلاف المؤرخين، كما سترى في ذكر ترتيب الأنبياء، فقد ترى أنه ذكر إدريس بعد نوح، وجمهور المؤرخين على أن إدريس من أجداد نوح عليهما السلام إلا أن البخاري خالفهم، فذكره بعد نوح، ولعل مستنده في ذلك حديث المعراج، وقد ذكره المصنف في "باب ذكر إدريس"، فإنه وقع فيه قول إدريس للنبي صلى الله عليه وسلم: "مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح"، فلو كان إدريس من أجداد نوح لما قال: بالأخ الصالح، بل قال: بالابن الصالح، وهو استدلال جيد، وإليه ذهب الشيخ أبو بكر بن العربي، وأجاب عنه الجمهور بأنه قال ذلك على سبيل التواضع والتلطف، فليس ذلك نصًا فيه، وهكذا ترى في مواضع أخر.
وترتيبهم على ما ذكره ابن الجوزي في "التلقيح"(4) إذ قال: ذكر ترتيب كبار الأنبياء: كان من بعد آدم شيث عليه السلام، وهو وصي آدم، وأنزل الله عليه خمسين صحيفة، قال محمد بن جرير: وإلى شيث تنتهي أنساب بني آدم كلهم اليوم، وذلك أن نسل ولد آدم، غير نسل شيث، انقرضوا فلم يبق أحد منهم، ثم كان إدريس عليه السلام، قال أبو بكر بن أبي خيثمة: وكان من بعد - بياض في الأصل -[إدريس] نوح، ثم هود ثم صالح ثم إبراهيم ثم كان--------------------------------------------
(1) "تلقيح فهوم أهل الأثر" (ص 3).
(2) "لامع الدراري" (8/ 1، 2).
(3) "مرقاة المفاتيح" (9/ 731).
(4) "تلقيح فهوم أهل الأثر" (ص 4 - 5).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٩٣)
لقمان الحكيم، وكان - بياضر في الأصل - موسى بن ميشا ثم من بعده موسى بن عمران، ثم يوشع بن كالب بن يوقنا، ثم حزقيل، ثم إلياس ثم طالوت الملك، ثم داود ثم سليمان ثم أيوب ثم يونس بن متى ثم شعيا ثم أمصيا ثم زكريا ويحيى وعيسى وأرميا، وكان ذو القرنين بين عيسى ومحمد صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهم أجمعين [في الفترة].
قال المصنف: كذا ذكروا، والصواب أن ذا القرنين كان في زمن الخليل عليه الصلاة والسلام، إلا أن يعني به اليوناني، انتهى.
(1 - باب خلق آدم وذريته)
ذكر المصنف آثارًا، ثم أحاديث تتعلق بذلك، ومما لم يذكره ما رواه الترمذي والنسائي والبزار، وصححه ابن حبان عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن الله خلق آدم من تراب، فجعله طينًا، ثم تركه، حتى إذا كان حمأً مسنونًا خلقه وصوره ثم تركه، حتى إذا كان صلصالًا كالفخار كان إبليس يمر به فيقول: لقد خلقت لأمر عظيم، ثم نفخ الله فيه من روحه، وكان أول ما جرى فيه الروح بصره وخياشيمه، فعطس فقال: الحمد لله، فقال الله: يرحمك ربك" الحديث، وفي الباب عدة أحاديث، منها حديث أبي موسى مرفوعًا: "إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض" الحديث، أخرجه أبو داود والترمذي وصححه ابن حبان.
وآدم اسم سرياني، وهو عند أهل الكتاب آدام بإشباع فتحة الدال بوزن خاتام، وزنه فاعال، وامتنع صرفه للعجمة والعلمية، وقال الثعلبي: التراب بالعبرانية آدام فسمي آدم به، وحذفت الألف الثانية، وقيل: هو عربي، جزم به الجوهري والجواليقي، وقيل: هو بوزن أفعل من الأدمة، وقيل: من الأديم؛ لأنه خلق من أديم الأرض، وهذا عن ابن عباس، ووجهوه بأنه يكون كأعين، ومنع الصرف للوزن والعلمية، وقيل: هو
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٩٤)
من أدمت بين الشيئين إذا خلطت بينهما؛ لأنه كان ماء وطينًا فخلطا جميعًا، انتهى(1).
قوله: (صلصال: طين. . .) إلخ، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(2): وذلك لأن الصوت مأخوذ في معناه، ولا يتصوت الطين ما لم يخالط معه شيء كالرمل ونحوه، وقيل: معناه: المنتن، وأيًّا ما كان فهو مضاعف، وأصله الصلّ، فألحق بالرباعي مبالغة في المعنى، انتهى.
وقال الحافظ(3): "طين خلط. . ." إلخ، هذا هو تفسير الفراء، هكذا ذكره، وقال أبو عبيدة(4): الصلصال اليابس الذي لم تصبه نار، فإذا نقرته صل فسمعت له صلصلة، فإذا طبخ بالنار فهو فخار، وكل شيء له صوت فهو صلصال، وروى الطبري عن قتادة بإسناد صحيح نحوه، انتهى.
قال المجد(5): صَلَّ يَصِلّ صَليلًا: صَوَّتَ، كَصَلْصَلَ صَلْصَلَةً ومُصَلْصَلًا، انتهى.
(وطوله ستون ذراعًا) قال السندي(6): الظاهر بالذراع المتعارف يومئذٍ عند المخاطبين، وقيل: بذراع نفسه، وهو مردود بأن الحديث مسوق للتعريف، فهذا رد إلى الجهالة؛ لأن حاصله أن ذراعه جزء من ستين جزءًا للطول، وهذا يتصور في طويل غاية الطول وقصير غاية القصر، وبأن ذراع كل واحد مثل ربعه، فلو كان ستين ذراعًا بذراع نفسه لكانت يده قصيرة في جنب طول جسده جدًا، ويلزم منه قبح الصورة وعدم اعتدالها، وأن يكون عديم المنافع المعدّة لها اليدان، وقد وقع ههنا في عبارة الحافظ ابن حجر سهو، وتبعه القسطلاني في ذلك، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (6/ 364).
(2) "لامع الدراري" (8/ 3).
(3) "فتح الباري" (6/ 364).
(4) "مجاز القرآن" (1/ 350) و (2/ 243).
(5) "القاموس" (ص 941).
(6) "صحيح البخاري بحاشية السندي" (2/ 228).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٣٩٥)